Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
سورة الإنسان
لأنهم جميعا ديدنهم ودأبهم أنهم يحبون ((العاجلة)) أى: الدنيا ولذائذها
-وشهواتها .. العاجلة الزائلة .
« ویذرون ورائهم» أى: ويتركون وينبذون وراء ظهورهم , يوما
ثقيلا، وهو يوم القيامة، الشديد الأهوال، الذى يجعل الولدان شيبا ..
ومع شدة هو له ، فهم لا يستعدون له ، ولا يحسبون له حسابا .
فالآية الكريمة توبيخ وتجهيل لهم، حيث آثروا الفانى على الباقى،
. والعاجل على الآجل ..
ووصف يوم القيامة بالثقل ، لشدة ما يقع فيه من أهوال وكروب،
. فهو كالشىء الثقيل الذى لا يستطاع حمله .
ثم بين - سبحانه - مظاهر فضله عليهم، ومع ذلك أشر كوا معه فى
العبادة غيره فقال: ((نحن خلقناهم، وشددنا أسرهم، وإذا شئنا بدلنا
. أمثالهم تبديلا)).
أى : نحن وحدنا الذين ظفناهم وأوجدناهم من العدم ..
ونحن وحدنا الذين ((شددنا أسرهم)، أى: قوينا وأحكمنا وأتقنا
خلقهم، بأن منحناهم السمع والأبصار والأفئدة والعقول .. وربطنا بين
- مفاصلهم وأجزاء أجسادهم ربطا عجيبا معجزا ..
يقال: أَصَر الله - تعالى - فلانا، أى: خلقه - وبا به ضرب -.
وفرس شديد الأسمر: أى: شديد الخَلق. والأسر: القوة ، مشتق من
الإسار - بكسر الهمزة - وهو الحبل الذى تشد به الأحمال. يقال:
: أسر فلان الحمل أسراً، إذا أحكم ربطه، ومنه الأسير لأنه يُربَط
-- بالإسار ، أى : القيد .
والمقصود بالأسر هنا: الإحكام والإنقان ، والامتنان عليهم بأن الله
- تعالى - خلقهم فى أحن وأنقن خلق ..
( م ٢١ - جزء تبارك)
. 4

٣٢٢
الجزء التاسع والعشرون
وقوله - سبحانه - ((وإذا شئنا به لنا أمثالهم تبديلا)، تأكيد
لشمول قدرته - تعالى - أى: نحن وحدنا الذين خلقناهم، ونحن وحدنا
الذين ربطنا مفاصلهم وأعضاءهم ربطا متقنا بديعا .
ومع ذلك، فإننا إذا شئنا إهلاكهم أملكتاهم، وجئنا بأمثالهم وأشباههم.
فى شدة الخلق ، وبد لناهم تبديلا معجزا، لا يقدر عليه أحد سوانا .
وقوله: ((تبديلا)، منصوب على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله ..
وهو بدلناهم .
ومن الآيات الشبيهة لهذه الآية فى معناها قوله - تعالى - : ((إن يعأ:
يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين . وكان اللّه على ذلك قديرا)» (١).
وقوله - سبحانه -: ((إن يشأ بذهبكم ويأت بخلق جديد. وما ذلك.
على الله بعزيز))(٢).
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالحضر على طاعته، وبالتحذير من.
معصيته فقال: ((إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا ..
أى: إن هذه الآيات التى أنزلناها عليك ـ يا محمد - تذكرة وموعظة.
الناس، فمن شاء أن يتخذ إلى الله - تعالى - وسيلة وطريقة يتقرب بها إليه
- تعالى - اتخذها، لأنها خير هداية إلى رضاه - سبحانه - .
والتعبير بقوله: ((فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا، تحريض شديد على
المسارعة إلى الطاعة، لأن الله - تعالى - قد مكن الناس من ذلك، حيث ...
وهبهم الاختيار والعقول المفكرة، وأرسل إليهم الرسل ليخرجوهم من.
الظلمات إلى النور .
(١) سورة النساء الآية ١٣٣
(٢) سورة إبراهيم الآية ٢٠،١٩

٣٢٣
سورة الإنسان
ثم بين - سبحانه - أن مشيئته فوق كل مشيئة فقال: ((وما تشاءون
إلا أن يشاء الله ،.
أى: وما تشاءون شيئا من الأشياء، إلا بعد خضوع هذا الشىء لمشيئة
الله - تعالى - وإرادته، إذهو الخالق - سبحانه - لسكل شىء، وهو صاحب
الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين.
((إن الله كان عليه حكيما، أى: إنه - تعالى - كان ومازال صاحب العلم
المطلق الذى لا يحده شىء، وصاحب الحكمة البليغة التى لا نهاية لها .
(( يدخل)) - سبحانه - ((من يشاء، إدخاله , فى رحمته، لا راد لقضائه
ولا معقب لحكمه .
((والظالمين أعدلهم، - سبحانه -ـ «عذابا أليما، بسبب إصرارهم على
ظلمهم، وإيثارهم الباطل على الحق، والغى على الرشد .
نسأل الله - تعالى - أن يجعلنا من هم أهل لرحمته ورضوانه، وأن
يبعدنا عمن هم أهل لعذابه ونقمته .
. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
القاهر - مدينة نصر : ٢٥ من ذى الحجة سنة ١٤٠٦ هـ
٣٠ من أغسطس سنة ١٩٨٦ م

رَفِيْر ◌ُورة
"المرسلات»

بسيط عبد الرحمن الرحيم.
سورة ((المرسلات))
١ - سورة ((المرسلات)) هى السورة السابعة والسبعون فى ترتيب
المصحف، أما ترتيبها فى النزول فهى السورة الثالثة والثلاثون ، وقد كان
نزولها بعد سورة ((الهمزة))، وقبل سورة ((ق)).
وهى من السور المكية الخالصة، وقيل إن آية: ((وإذا قيل لهم
اركعوا لا يركعون، مدنية، وهذا القيل لاوزن له، لأنه لا دليل عليه.
وعدد آياتها : خمسون آية .
٢ - وقد ذكروا فى فضلها أحاديث منها : ما أخرجه الشيخان عن
عبد الله بن مسعود قال : بينما نحن مع النبى - ټ - فی غار بمنى،
إذا نزلت عليه: ((والمرسلات))، فإنه ليتلوها، وإنى لأتلقاها من فيه،
وإن فاه الرطب بها . .
وعن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: إن أم الفضل - امرأة
العباس - سمعته يقرأ ((والمرسلات عرفا))، فقالت: يابنى، ذكرتنى
بقراءتك هذه السورة، إنها لآخر ماسمعت رسول الله - يخ - بقرابها
فى المغرب(١).
٣ - وسورة المرسلات زاخرة بالحديث عن أهوال يوم القيامة،
وعن أحوال المكذبين فى هذا اليوم ، وعن مظاهر قدرة الله - تعالى -،
وعن حمن عاقبة المتقين . .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٠٣٢٠

٣٢٧
سورة المرسلات
٤ - وقد افتحت هذه السورة بقوله - تعالى -:
٣ ١
بِسْـ
وَالْمُرْسَلَتِ عُرْ فَاجْ فَالْعَصِفَتِ عَصْفَاجٌ وَاَلنَّشِرَتِ نَشْرًايَّ
فَالْفَرِقَتِ فَرْقًّا (ي فَالْمُلْقِيَتِ ذِ كْرَارِيُ عُذْرًا أَوْ نُذْرَاتٍ إِنََّ
تُوعَدُونَ لَوَِّعٌ (﴾ فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (﴾ وَ إِذَا السَّمَاءُ
فُرِجَتْ ﴾ وَ إِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ ( ﴾ وَ إِذَا الرّسُلُ أَقِتَتْ (٨) لِأَِّّ
يَوْمِ أَجِلَتْ (َ لِيَوْمِ اَلْفَصْلِ ﴿ وَمَآ أَدْرَنَكَ مَايَوْمُ الْفَصْلِ ﴾
وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ.
والمفسرين فى معنى هذه الصفات الخمس: «المرسلات والعاصفات
والناشرات .. ، اتجاهات، فمنهم من صدر تفسيره ببيان أن المراد بها
الملائكة، فقد قال صاحب الكشاف: أقسم الله بطوائف من الملائكة،
.أُرسلين بأوامره فصفن فى مضيون كما تعصف الرباح، تخففا فى امتثال أمره
وبطوائف منهن نشرن أجنحتهن فى الجو عند انحطاطهن بالوحى،
أو نشرن الشرائع فى الأرض .. ففرقن بين الحق والباطل، فألفين ذكرا
إلى الأنبياء ((عذراء للمحقين، «أونذرا، للمبطلين ..
فإن قلت: ما معنى عرفا؟ قلت: متتابعة كشعر العُرْفِ - أى: عرف
الفرس - يقال: جاءوا حرفا واحدا ، وهم عليه كعرف الضبع :
إذا تألبوا عليه ... (١) .
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦٧٧ .

٣٢٨
الجزء التاسع والعشرون
ومنهم من يرى أن المراد بالمرسلات وما بعدها: الرياح ، فقد قال.
الجمل فى حاشيته: أقسم الله - تعالى - بصفات خمس موصوفها محذوف)) ..
فجعلها بعضهم الرياح فى الكل ، وجعلها بعضهم الملائكة فى الكل .....
وغاير بعضهم فجعل الصفات الثلاث الأول، لموصوف واحد هو الرياح،
وجعل الرابعة لموصوف ثان وهو الآيات، وجعل الخامسة لموصوف ثالث.
وهو الملائكة .. ، (١)
وسفسير نحن على هذا الرأى الثالث ، لأنه فى تصورنا أقرب الآراسـ
إلى الصواب ، إذ أن هذه الصفات من المناسب أن يكون بعضها للرياح،.
وبعضها للملائكة .
فيكون المعنى : وحق الرياح المرسلات لعذاب المكذبين ، فتعصفهم.
عصفاً، وتهلكهم إهلاكا شديدا، فق وله: (( عصفاً، وصف مؤكد
للإهلاك الشديد، يقال: عصفت الريح، إذا اشتدت، وعصفت الحربه-
بالقوم ، إذا ذهبت بهم ، وفاقة عصوف، إذا مضت برا كبها مسرعة،.
حتى لكأنه الريح .
وقوله: (( والناشرات نشراء أى: وحق الرياح التى تنتشر انتشار!؟
عظيما فى الآفاق ، فتأتى بالسحب، التى تتحول بقدرة الله - تعالى -
إلى أمطار غزيرة نافعة .
قال ابن كثير - بعد أن ذكر آراء العلماء فى معنى هذه الألفاظ -:-
والأظهر أن المرسلات هى الرياح، كماقال - تعالى -: ((وأرسلنا الرياح.
لواقح .. ، وقال ـ سبحانه ـ: وهو الذى يرسل الرياح بشرابين يدى
رحمته))، وهكذا العاصفات هى: الرياح، يقال: عصفت الربح إذا هبت
بتصويت، وكذا ((الناشرات)) هى: الرياح التى تنشر السحاب فى آفاق.
(١) راجع حاشية الجمل على الجلالين حـ ٤ ص ٤٦٣

٣٢٩
سورة المرسلات
السماء كما يشاء الرب - عز وجل - ،
وقوله - سبحانه - (( فالفارقات فرقا، يصح أن يكون وصفاً
الملائكة الذين ينزلون بالشرائع المفرقة بين الحق والباطل ، وبين أهل.
الحق وأهل الضلال .
ويصح أن يكون وصفاً للآبات التى أنزلها الله - تعالى - للتمييز بين.
الخير والشر، والرشد والغى .
وقوله: ((فالملقيات ذكرا، قال القرطى: هم الملائكة بإجماع.
يلقون كتب الله - تعالى - إلى الأنبياء - عليه السلام -... (١)
فالمراد بالذكر فى قوله ((فالملقيات ذكرا): وحى الله - تعالى - الذى.
يبلغه الملائكة إلى الرسل .
وقوله : « عذرا أو نذرا، منصوبان على أنهما بدل اشتمال من قوله.
, ذكراً، أو مفعول لأجله.
أى: أن الملائكة يلقون وحى الله - تعالى - إلى أنبيائه، لإزالة.
أعذار المعتذرين عن الإيمان ، حتى لا يقولوا ما جاءنا من بشير ولا نذير،
ولإنذار الكافرين والفاسقين، حتى يقلعوا عن كفرهم وفسوفهم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون.
الناس على اللّه حجة بعد الرسل،.
قال صاحب الكشاف : فإن قلت ما العذر والنذر، وبماذا أنتصبا ؟
قلت: هما مصدران من أعذر إذا محا الإساءة، ومن أنذر إذا خوف على.
فعل كالكفر والشكر. ويجوز أن يكون جمع عذير، بمعنى المعذرة، وجمع.
(١) راجع تفسير القرطبى حـ ١٩ ص ١٥٦

٣٣٠
الجزء التاسع والعشرون
قذير بمعنى الإنذار ... وأما انتصابهما فعلى البدل من ذكرا ....
أو على المفعول له .. )) (١)
وجملة ((إنما توعدون أصادق)) جواب القسم، وجىء بها مؤكدة،
لتقوية تحقيق وقوع الجواب . وما وعدوا به هو البعث والحساب .
أى: وحق الرياح المرسلة لعذاب المشركين .. وحق الملائكة الذين
-ترسلهم بوحينا للتفريق بين الحق والباطل، ولتبليغ رسلنا ما كلفنام به ..
.إنكم - أيها الكافرون - لمبعوثون ومحاسبون على أعمالكم يوم القيامة
الذى لاشك فى وقوعه وحصوله وثبوته .
ثم بين - سبحانه - علامات هذا اليوم فقال: ((فإذا النجوم طمست))
: أى: محقت وذهب ضوؤها، وزال :ورها. يقال: طمست الشىء - من
.باب ضرب - إذا محوته واستأصلت أثره، «وإذا السماء فرجت، أى:
شقت أو فتحت، وتدلت أرجاؤها، ووهت أطرافها . . وإذا الجبال
فسفت)، أى: اقتلعت وأزيلت من أماكنها. يقال: نسف فلان البناء ينسفه
إذا قلعه من أصله .
((وإذا الرسل أفتت، أى: بلغت وقتها الذى كانت تنتظره، وهو يوم
"القيامة، للقضاء بينهم وبين أقوامهم. قوله: (( أقتت)، من التوقيت، وهو
جعل الشيء منتهياً إلى وقته المحدد له .
قال الآلوسي: قوله ((وإذا الرسل أقتت)، أى: بلغت ميقاتها .. وجوز
أن يكون المعنى: عين لها الوقت الذى تحضر فيه للشهادة على الأمم، وذلك
مجىء يوم القيامة .... (٢)
وجواب ((إذا)، وما عطف عليها فى قوله ((فإذا النجوم طمست)»
محذوف، والتقدير: وقع ما وعدناكم به وهو يوم القيامة .
(١) تفسير الكشاف - ٤ ص ٦٧٨
(٢) تفسير الآلومى = ٢٩ مر ١٧٢
:

٣٣١
سورة المرسلات
وقوله: ((لأى يوم أجلت. ليوم الفصل. وما أدراك ما يوم الفصل.
-ويل يومئذ للمكذبين)) تعليل لبلوغ الرسل إلى الوقت الذى كانوا ينتظرونه
لأخذ حقوقهم من أقوامهم الظالمين ، والاستفهام للتهويل والتعظيم من
شأن هذا اليوم .
أى: لأى يوم أخرت الأمور التى كانت متعلقة بالرسل ؟ من تعذيب
الكافرين، وإثابة المتقين ... إنها أخرت وأحلت، ليوم الفصل، وهو
يوم القيامة ، الذى يفصل الله - تعالى - فيه بقضائه العادل بين العباد.
((( وما أدراك) - أيها المخاطب - ((ما يوم الفصل)) ؟ إنه يوم
-حائل شديد، لا تحيط العبارة بكنهه، ولا يعلم إلا الله - تعالى - وحده
-مقدار أهواله .
وبقال فى هذا اليوم لكل فاسق عن أمر ربه ، ومشرك معه فى المادة
- غيره، ((ويل يومئذ للمكذبين)) أى: هلاك وحسرة فى هذا اليوم للمكذ بين
-بالحق الذى جاء به الرسل، وبلغوه إلى أقوامهم.
وقد تكررت هذه الآية عشر مرات فى تلك السورة الكريمة، على
- سبيل الوعيد والتهديد لهؤلاء المكذبين لرسلهم، والجاحدين لنعم خالقهم
والويل أشد السوء والشر. وهو فى الأصل مصدر بمعنى الهلاك، وكان
حقه النصب بفعل من لفظه أو معناه، إلا أنه رفع على الابتداء ، للدلالة
.على ثبات الهلاك ودوامه للمدعو عليه .
وقوله «يومئذ، ظرف للوبل أو صفة له ، ولذا صح الابتداء
ـه
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على وحدانية

٣٣٢
الجزء التاسع والعشرون
الله - تعالى - وقدرته ، كإهلاك المكذبين السابقين، وخلق الأولین.
والآخرين، والإنعام على الناس بالجبال والأنهار ... قال - تعالى -:
أَلْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ * ثُمَّ تُتْبِعُهُمُ
الْآَخِرِينَ (َ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ ﴿٨ وَيُلْ يَوْمَدٍ
لِلْمُكَذِّبِينَ ﴿يَ أَمْ تَخْلُقُكُمْ مِنْ مَّاءِ مَّهِينٍ (٢﴾ فَجَعَلْنَهُ فِى قَرَادِ.
مَكِينٍ (٣) إِلَى قَدَرٍ مَّعْلُومٍ ﴾ فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ أَلْقَادِرُونَ(#)
وَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٦) أَمْ تَجْعَلِ اَلْأَرْضَِفَاتَّا يَ أَحْبَاءُ
وَأَمْوَ تَّأَ وَجَعَلْنَا فِهَا رَوَسِىَ شَهِخَتٍ وَأَسْقَيْنَكُمْ مٌَّ
قُرَانًا (﴾ وَيُلْ يَوْمَِّذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ () أَنْطَلِفُواْ إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ
تُكَذِّبُونَ (٩) أَنْطَلِقُواْ إِلَى ظِلّ ذِى تَثِ شُعَبِ يْ لَّا ظَلِيلٍ،
وَلَ يُقْنِ مِنَ الَّهَبِ (٣٦) إِنَّهَ تَفِى بِشَرَدِ كَالْقَصْرِ يّ كَأَنَُّ جِمَتُه
صُفْرٌ ﴾ وَيَلْ يَوْمَِّذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ﴾ هَذَا يَوْمُ لَّا يَنْطِقُونَ (هـ
وَلَيُؤْذَثُ لَهُمْ فَيَعْنَذِرُ ونَ (٨) وَيْلٌ يَوْمَيٍِ لِلْمُكَذِّبِينَ (َ هَذَا يَوْمٌ
"الْفَصْلِّ بَعْتَكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (3﴾ فَإِن كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيُدُونِ (:
٣٩
أَدَيْلٌ يَوْمَيِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٣)
F .

٣٣٣
سورة المرسلات
والاستفهام فى قوله « ألم نهلك الأولين ... )، وفى الآياب المماثلة له
بعد ذلك، للتقرير، والمقصود به استخراج الاعتراف والإقرار من شركى
قريش على صحة البعث ، لأن من قدر على الإهلاك، قادر على الإعادة .
أى: لقد أهلكنا الأقوام الأولين الذين كذبوا رسلهم، كقوم نوح
وعادونمود.
(( ثم نقبعهم الآخرين، أى: أهلكنا الأولين، ثم نتبعهم بإهلاك
المتأخرين عنهم، والذين يشبهون سابقيهم فى الكفر والجحود.
و«ثم، هنا التراخى الرقى، لأن إملاك الآخرين الذين لم يعتبروا
بمن سبقهم سيكون أشد من إهلاك غيرهم ، وفى ذلك تهديد شديد ووعيد
واضح لمشركي مكة .
وقوله: ( كذلك نفعل بالمجرمين ) أى : مثل ذلك الفعل الشنيع ،
والعقاب الأليم، نفعل بالمجرمين ، الذين أصروا على كفرهم وعنادهم حتى
أدكهم الموت ..
فالكاف بمعنى مثل، والإشارة فى قوله: ( كذلك) تعود إلى الفعل
المأخوذ من قوله ( نفعل ) أى : مثل ذلك الفعل نفعل بالمجرمين.
ثم كرر - سبحانه - التهديد والوعيد لهم، لعلهم يرتدعون أو يتعظون
فقال: ( ويل يومئذ للمكذبين ).
، ثم قال - سبحانه - متنا على خلقه بإيجادهم فى هذه الحياة، ومحتجا
على إمكان الإعادة بخلقهم ولم يكونوا شيئا مذكورا، فقال: ( ألم نخلقكم
من ماء مهين ٠٠)
أى: لقد خلقناكم - أيها الناس - من نطفة حقيرة ضعيفة، من
جّمن الشىء - بفتح الميم وضم الماء - إذا ضعف، وميمه أصلية، وليس
هو من مادة هان، و((من)) ابتدائية .

٣٣٤
الجزء التاسع والعشرون
وقوله: (( فجعلناه فى قرار مكين ، تفصيل لكيفية الخلق على سبيل
الإدماج . والقرار: اسم للمكان الذى يستقر فيه الماء، والمراد به رحم.
المرأة . والمكين صفة له .
أى: خلقناكم من ماء ضعيف ، ومن مظاهر قدرتنا وحكمتنا ولطفنا بكم
أننا جعلنا هذا الماء الذى خلقتم منه، فى مكان حصين ، قد بلغ النهاية فى.
تمکنه و نباته .
فقوله (( مكين)) بمعنى متمكن، من مسكنُ الشىء مكانة، إذا ثبته
ورسخ ...
وقوله: (( إلى قدر معلوم)) بيان لبديع حكمته. والقدر بمعنى المقدار
المحدد المنضبط ، الذى لا يتخلف .
أى: جعلنا هذا الماء فى قرار مكين، إلى وقت معين محدد فى علم الله.
- تعالى - يأذن عنده بخروج هذا المخلوق من رحم أمه، إلى الحياة)».
وهذا الوقت هو مدة الحمل .
وقوله - تعالى - : ((فقدرنا فنعم القادرون)) ثناء منه - تعالى -
على ذاته بما هو أهله. أى: فقدرنا ذلك الخلق تقديرا حكما منضبطا،
وتمكنا من إيجاده فى أطوار متعددة ، فنعم المقدرون نحن ، ونعم.
الموجدون نحن لما فوجده من مخلوقات .
وما دام الأمر كذلك فويل وهلاك يوم القيامة ، للمكذبين
بوحدانيتنا وقدرتنا .
ثم انتقل - سبحانه - إلى الاستدلال على إمكانية البعث بطريق
ثالث فقال: ((ألم نجعل الأرض كفاتا. أحياء وأمواقا. وجعلنا فيها
رواسى شامخات ٢٠٠٠.

٣٣٥
سورة المرسلات
والكفات : اسم للمكان الذى يكفت فيه الشىء، أى: يجمع ويضم
ويوضع فيه .
يقال: كفت فلان الشىء يكفته كفتا، - من باب ضرب - إذا جمعه
ووضعه بداخل شىء معين . ومنه سعى الوعاء كفانا، لأن الشىء يوضع
بداخله . وهو منصوب على أنه مفعول ثان لقوله (( نجعل))، لأن الجعل
هنا بمعنى التصدير .
. وقوله: ((أحياء وأمواتا)) منصوبان على أنها مفعولان به، لقوله.
, كفاقا». أو مفعولان لفعل محذوف ..
أى: لقد جعلنا الأرض وعاء ومكانا تجتمع فيه الخلائق: الأحياء
منهم يعيشون فوقها، والأموات منهم يدفنون فى باطنها ، وجعلنا فيها.
- أيضاً - جبالا(( رواسى)، أى: ثوابت (( شامخات)، أى: مرتفعات.
ارتفاعا كبيرا ، جمع شامخ وهو الشديد الارتفاع.
قال صاحب الكشاف: الكفات: من كفت الشىء إذا ضمه وجمعه ..
وبه انتصب ((أحياء وأمواتا، كأنه قيل: كافتة أحياء وأمواتا. أو انتصبا
بفعل مضمر يدل عليه ، وهو تكفت .
والمعنى: تكفت أحياء على ظهرها، وأمواتا فى بطنها ..
فإن قلت: لم قيل أحياء وأمواتذ على التفكير ، وهى كفات الأحياء.
والأموات جميعا؟ قلت: هو من تنكير التفخيم، كأنه قيل: تكفت أحياء
لا يعدون، وأمواتا لا يحصرون .. »(١).
وقوله - سبحانه - ((وأسقيناكم ماء فراتا، بيان لنعمة أخرى من.
أجل نعمه على خلقه. أى: وأسقيناكم - بفضلنا ورحمتنا - ماء ((فر انا)).
أى: عذبا سائغا للشاربين ..
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٦٨٠

٣٣٦
الجزء التاسع والعشرون
وقوله - تعالى - : ((ويل يومئذ للمكذبين)، تكرير للتوبيخ والتقريع
على جحودهم لنعم الله ، التى يرونها بأعيتهم ، ويحسونها بحواسهم ،
ويستعملونها لمنفعتهم .
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان المصير الأليم الذى ينتظر هؤلاء
المكذبين، فقال - تعالى -: «انطلقوا إلى ماكنتم به تكذبون .
انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب . لا ظليل ولا يغنى من اللهب. إنها ترمى
بشرر كالقصر. كأنه جمالات صفر ..
وقوله - سبحانه - : ((انطلقوا .. )، مقول لقول محذوف. أى:
يقال للكافرين يوم القيامة - على سبيل الإهانة والإذلال - : انطلقوا
إلى ماكنتم تكذبون به فى الدنيا من العذاب .
وقوله: ((انطلقوا إلى ظل ذى ثلاث شعب .. ، بدل مما قبله، وأعيد
عمل ((أنطلقوا ... ، على سبيل التوكيد، لقصد الزيادة فى تقريمهم
وتوبيخهم . .
والمراد بالظل : دخان جهنم، وسمى بذلك لشدة كثافته . أى:
انطلقوا - أيها المشر كون - إلى ظل من دخان جهنم الذى يتصاعد من
وقودها ، ثم يتفرق بعد ذلك إلى ثلاث شعب ، شأن الدخان العظيم
عندما يرتفع . .
وسمى هذا الدخان العظيم الخانق بالظل ، على سبيل التهكم بهم، إذم
فى هذه الحالة يكونون فى حاجة شديدة إلى ظل يأوون إلى برده .
ثم وصف - سبحانه - هذا الظل بصفة ثانية فقال: ((لا ظليل)) أى:
ليس هو بظل على سبيل الحقيقة، وإنما هو دخان خافق لا برد فيه ..
ثم وصفه بصفة ثالثه فقال: ((ولا يغنى من اللهب)) أى= أن هذا الظل
الذى تنطلقون إليه لا يغنى شيئا من الإغناء، من حرطب جهنم التى هى
مأواكم ونها يتكم .

سورة المرسلات
وبهذه الصفات يكون لفظ الظل، قد فقد خصائصه المعروفة من
البرودة والشعور عنده بالراحة .. وصار المقصود به ظلا آخر ، لا برد فيه،
ولا يدفع عنهم شيئا من حر اللهب .
وهذه الصفات إنما جىء بها لدفع ما يوهمه لفظ ((ظل)).
وعدی فعل (یغنی) بحرف من، لتضمته معنى ببعد ..
١
والضمير فى قوله - سبحانه -: (إنها ترمي بشرر كالقصر٠٠) لجهنم،
لأن السياق كله فى شأنها وفى شأن المصطلين بلهبها .
والشرر : واحده شررة ، وهى القطعة التى تتطاير من النار لشدة
اشتعالها ...
والقصر= البناء العالى المرتفع. وقيل: هو الغليظ من الشجر. أو هو
قطع من الخشب، يجمعها الجامعون للاستدفا بها من البرد . وقوله:
(( جمالة) جمع جمل - كحجارة وحجر -.
قال الألوسى : ((جمالة) بكسر الجيم - كما قرأ بة حمزة والكسائى
وحفص .. وهو جمع جمل .
والتاء التأنيث الجمع. يقال: جمل وجمال وجمالة .. والتنوين للشكثير ..
وقرأ الجمهور (( جمالات)) - بكسر الجيم مع الألف والناء - جمع جمال ..
فيكون جمع الجمع .. » (١).
والمعنى: إنها - أى: جهنم - ترمى المكذبين بالحق، الذين م وقودها،
ثرميهم بشرر متطاير منها اشدة اشتعالها، كل واحدة من هذا الشرر كأنها
البناء المرتفع فى عظمها وارتفاعها.
وقوله - تعالى - : (( كأنه جمالة صفر)، وصف آخر المحرد
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٠١٢٦
(م ٢٢ - جزء تبارك).

٣٣٨
الجزء التاسع والعشرون
أى: كان هذا الشرر فى هيعنه ولو نه وسرعة حر کته ... جمال لونها
أصفر ...
واختبر اللون الأصفر للجمال، لأن شرر النار عند ما يعتد اشتعاما
يكون مائلا إلى الصفرة .
وقيل المراد بالصفرهنا: السرد، لأن سواد الإبل يضرب إلى الصفرة.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد شبه الشرر الذى ينفصل عن النار
فى عظمه وضخامته بالقصر، وهو البناء العالى المرتفع، وشبهه - أيضاً.
حين يأخذ فى الارتفاع والتفرق ... بالجمال الصفر، فى هيئتها ولونه!
وشرعة حركتها ، وتزاحمها.
والمقصود بهذا التشبيه، زيادة الترويع والتهويل، فإن هؤلاء الكافرين
لما كذبوا بالحساب والجزاء، وصف الله - تعالى - لهم نار الآخرة
بتلك الصفات المرعبة، لعلهم يقلدون عن شركهم ، لاسيما وأنهم يرون
النار فى دنياهم، ويرون سريرها حين يتطاير ... وإن كان الفرق شاسعاً
بين نار الدنيا ونار الآخرة .
وزيادة فى التخويف والإنذار ختمت هذه الآيات - أيضاً - بقوله
- تعالى -: ((ويل يومئذ للمسكذبين)).
ثم صور - سبحانه - حالهم عندما يردون على النار ، وبوشكون
على القذف بهم فيها ، فقال - تعالى - هذا يوم لا ينطقون، ولا يؤذن
لهم فيعتذرون . ويل يومئذ للمكذبين . هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين.
فإن كان لكمكيد فكيدون . ويل يومئذ للمكذبين ..
أى: ويقال لهؤلاء المجرمين - أيضاً - عند الإلقاء بهم فى النار:
هذا يوم لا ينطقون فيه بشىء ينفعهم، أو لا ينطقون فيه إطلاقا لشدة
دهشتهم، وعظم حيرتهم .

٣٣٩
سورة المرسلات
ويكون فى الكلام التفات من الخطاب إلى الغيبة ، فإنهم بعد أن خوطبوا
خطاب إهانة وإذلال بقوله - تعالى -: ((انطلقوا ... )،، أعرض
المخاطبون لهم ، على سبيل الإهمال لهؤلاء الكافرين ، وقالوا لهم : هذا
يوم القيامة الذى لا يصح لكم النطق فيه .
وهذا لا يتعارض مع الآيات التى تفيد فاقهم، كما فى قوله - تعالى -:
((وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ... لأن فى يوم القيامة مواطن متعددة،
فهم قد بنطقون فى موطن ، ولا ينطقون فى موطن آخر .
وقوله - تعالى . . ولا يؤذن لهم فيعتذرون)، معطوف على ما قبله
أى: فى يوم القيامة لا ينطق هؤلاء المجرمون نطقاً يفيدهم، ولا يؤذن لهم
فى الاعتذار عما ارتكبوه من سوء، حتى يقبل اعتذارهم، وإنما يرفض
اعتذارهم رفضاً تاماً ، لأنه قد جاء فى غير وقته وأوانه .
يقال: اعتذرت إلى فلان، إذا أتيت له بعذر يترقب عليه محو الإساءة.
ثم يقال لهم - أيضاً - على سبيل التحدى والتقريع , هذا، هو يوم
القيامة ((يوم الفصل)) بين المحقين والمبطلين ((جمعناكم، فيه - أيها الكافرون.
مع من تقدمكم من الكفار ((الأولين)).
(((فإن كان لكم، ـ أيها الكافرون - (كيد) أى: مخرج وحيلة ومنفذ
من العذاب الذى حل بكم ( فكيدون) أى: فافعلوه وقوموا به فانتم الآن
فى أشد حالات الاحتياج إلى من يخفف العذاب عنكم .
والمعنى : ( فإن كان لکم کید ) أى. قدرة علی کید دینی ورسلی
والمؤمنين ، كما كنتم تفعلون فى الدنيا ( فكيدون) أى: فأظهروه اليوم .
والأمر التعجيز، لأنه من المعروف أنهم فى يوم القيامة لا قدرة لهم
ولا حيلة . .
وهكذا نجد أن هذه الآيات الكريمة ، قد ساقت ألواناً من الأدلة على

٣٤٠
الجزء التاسع والعشرون
وحدانية الله - تعالى -، وعلى أن يوم البعث حق، وعلى العاقبة السيئة
التى سيكون عليها الكافرون يوم القيامة .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالموازنة بين حال المتقين ، وحال
المجرمين ، فقال :
إِنُّ الْمُتَّقِينَ فِظِلَالٍ وَعُيُونٍ (﴾
وَفَوَ كَهُمِنْ يَشْتَهُنَّ ◌َ كُمْ وَثْرَبُوا هَذِئهاِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾
إِنَّا كَذَلِكَ تَجْزِى الْمُحْسِنُ ﴾ وَيْلٌ يَوْمَِّ لِلْمُكَذِّبِينَ (يَ كُواْ
وَتَّعُواْ قُلِلًا إِنَّكُ تُِمُونَ (8) وَيْلٌ يَوْمَيِذٍلِلْمُكَذِّبِينَ،
مــ
وَ إِذَا قِيلَ لَهُمُ أَرْكُوْلَبَرْ كَعُونَ (﴾ وَيْلٌ يَوْمَةٍ
لِلْمُكَذِّبِينٌ ﴾ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (@
أى: ((إن المتقين) الذين صافوا فى دنياهم أنفسهم عن السكفر
والفسوق والعصيان، واعتصموا بالرشد والهدى والإيمان .....
سيكونون يوم القيامة ((فى ظلال، الأشجار والقصور، جمع ظل:
وهو كل موضع لا تصل إليه الشمس. وفى (( عيون ، من ماء وعسل
ولبن وخمر .
وهم - أيضاً - فى (( فواكه)) وهى ما يتفكه به ويتنعم. جمع فاكهة
((مما يشتهون)) أى: يأكلون من تلك الفواكه ما يشتهونه منها، بدون
تعب فىطلبها ، فهى تحت أيديهم .