Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ سورة القيامة أقسم بالله أبو حفص عمر .. مامسها من نقب ولادير .. فاغفر له. اللهم إن كان فجر . يعنى: إن كان كذبنى فيما ذكرت .. » (١). وأعيد لفظ الأنسان فى هذه الآيات أكثر من مرة ، لأن المقام يقتضى توبيخه وتقريعه ، وتسجيل الظلم والجحود عليه . والضمير فى (( أمامه ، يجوز أن يعود إلى يوم القيامة . أى : بل يريد الإنسان ليكذب بيوم القيامة، الثابت الوقوع فى الوقت الذى يشاؤه الله - عز وجل - . ويجوز أن يعود على الإنسان، فيكون المعنى: بل يريد الإنسان أن يستمر فى فجوره وتكذيبه بيوم القيامة فى الحال وفى المآل . أى: أن المراد بأمامه : مستقبل أيامه . وجى. بلفظ «أبان، الدال على الاستفهام الزمان البعيد، للإشعار بشدة تكذيبهم ، وإصرارهم على عدم وقوعه فى أى وقت من الأوقات . ثم ساق - سبحانه - جانبا من أهوال يوم القيامة، على سبيل التهديد والوعيد لهؤلاء المكذبين. فقال: ((فإذا برق البصر. وخسف القمر. وجمع الشمس والقمر. يقول الإنسان يومنذ أين المفر ». و(«برق، - بكسر الراء وفتحها - دهش وفزع وتحير ولمع من ٠ شدة شخوصه وخوفه . يقال: برق بصر فلان - كفرح ونصر - إذا نظر إلى البرق فدهش وتحير . (١) تفسير القرطبى = ١٩ ص ٠٩٤ ٢٨٢ الجزء التاسع والعشرون والمراد بخسوف القمر : انطماس نوره، واختفاء ضوئه. والمراد بجمع الشمس والقمر: اقترانهما ببعضهما بعد اختراقهما، واختلال النظام المعهود للكون ، اختلا لا تتغير معه معالمه ونظمه . وجواب ((إذا، قوله: «يقول الإنسان .. ، أى: فإذا برق بصر الإنسان وتحير من شدة الفزع والخوف ، بعد أن رأى ما كان يكذب به الدنيا . والتعريف فى البصر : للاستغراق، إذ أبصار الناس جميعا فى هذا اليوم، تكون فى حالة فزع، إلا أن هذا الفزع بتفاوت بينهم فى شدته. (((وخسف القمر ، أي: ذهب ضوؤه، وانطمس نوره .. ((( وجمع الشمس والقمر، أى: وقرن بينهما بعد أن كانا متفرقين، والتصقا بعد أن كانا متباعدين، وغاب ضوؤهما بعد أن كانا منيرين .. (( يقول الإنسان يومئذ أين المفر، أى: فإذا ما تم كل ذلك، يقول الإنسان فى هذا الوقت الذى يبرق فيه البصر، ويخسف فيه القمر ، ويجمع . فيه بين الشمس والقمر: أين المفر. أى: أين الفرار من قضاء الله - تعالى- ومن قدره وحسابه. فالمفر مصدر بمعنى الفرار. والاستفهام بمعنى التمنى أى: ليت لى مكانا أفر إليه ما أراه. وقوله - سبحانه -: ((كلا لاوزر. إلى ربك يومئذ المستقر .. ) إبطال لهذا المنى، ونفى لأن يكون لهذا الإنسان مهرب من الحساب. والوزر : المراد به الملجأ والمكان الذى يحتمى به الشخص التوفى ما بخافه . وأصله : الجبل المرتفع المنيع ، من الوزر وهو الثقل. أى: كلا لاوزر ولا ملجأ لك - أيها الإنسان - من المثول أمام ربك فى هذا اليوم للحساب والجزاء . ومهما طال عمرك، وطال رقادك فى قبرك .. فإلى ربك وحده نها يتك .ومستقرك ومصيرك، فى هذا اليوم الذى لا محيص لك عنه. ٢٨٣ سورة القيامة وقوله - سبحانه -: ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر ، يان لما يحدث له يوم القيامة . أى: يخبر الإنسان فى هذا اليوم بما قدم من أعمال حسنة، وبما أخر منها فلم يعملها ، مع أنه كان فى إمكانه أن يعملها . والمقصود بالآية: المجازاة على الأعمال لا مجرد الإخبار. قال الإمام ابن كثير: قوله - تعالى -: ينبأ الإنسان يومئذ بما قدم وأخر))= أى: بخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال - سبحانه - : «ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ، (١). ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله: «بل الإنسان على نفسه بصيرة. ولو ألقى معاذيره)). والبصيرة هنا بمعنى الحجة الشاهدة عليه . وهى خبر عن المبتدأ وهو (( الإنسان))، والجار والمجرور متعلق بلفظ بصيرة، والهاء فيها للمبالغة، مثل هاء علامة ونسابة . أى: بل الإنسان حجة بينة على نفسه، وشاهدة بما كان منه من الأعمال السيئة، ولوأدلى بأية حجة يعتذر بها عن نفسه .. لم ينفعه ذلك .. قال صاحب الكشاف: (( بصيرة)) أى: حجة بينة، وصفت بالبصارة على المجاز، كما وصفت الآيات بالإبصار فى قوله: (( فلما جاءتهم آياتنا مبصرة)). أو: عين بصيرة. والمعنى: أنه ينبأ بأعماله ، وإن لم ينبأ ففيه ما يجزىء عن الإنباء، لأنه شاهد عليها بما عملت، لأن جوارحه تنطق بذلك، كما قال - تعالى - : « يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون). (ولو ألقى معاذيره)) أى: ولو جاء بكل معذرة يعتذر بها عن نفسه ويجادل عنها . (١) تفسير ابن كثير - ٨ ص ٠٣٠٢ ٢٨٤ الجزء التاسع والعشرون وعن الضحاك: ولو أرخى ستوره ، وقال : المعاذير : الستور» واحدها معذار . فإن صح فلأنه يمنع رؤية المحتجب ، كما تمنع المعذرة عقوبة المذنب . فإن قلت: أليس قياس المعذرة أن تجمع معاذر لا معاذير؟ قلت: المعاذير ليس بجمع معذرة، إنما هو اسم جمع لها . ونحوه : المناكير فى المنكر)،(١). فالمقصود بها تين الآيتين: بيان أن الإنسان لن يستطيع أن يهرب من. فتائج عمله مهما حاول ذلك .. لأن جوارحه شاهدة عليه، ولأن |أعذاره أن تكون مقبولة، لأنها جاءت فى غير وقتها، كما قال - تعالى - : (((يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة ولهم سوء الدار)). ثم أرشد الله - تعالى - نبيه - ملح - إلى ما يجب عليه عند تبليغ. القرآن إليه عن طريق الوحى . فقال - سبحانه -: ((لا تحرك به لسانك لتعجل به. إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتبع قرآنه . ثم إن علينا بيانه» . والضمير فى ((به)) يعود إلى القرآن الكريم المفهوم من المقام. والمراد. بقوله: (,لا تحرك .. ، نهيه - مؤلّ - عن التعجل فى القراءة. والمقصود بقوله: ((قرآنه)): قراءته عليك، وتثبيته على لسانك وفى قلبك بحيث تقرؤه متى شئت. فهو مصدر مضاف لمفعوله. قال الألوسى: قوله: ((وقرآنه، أى: إثبات قراءته فى لسانك .. فالقرآن هنا، وكذا فيما بعده ، مصدر كالرجحان بمعنى القراءة .. .. مضاف إلى المفعول .. وقيل: قرآنه: أى= تأليفه على لسانك .. )) (٢) - (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٠٦٦١ (٢) تفسير الآلوسى حـ ٢٩ ص ١٤٢ . ٢٨٥ سورة القيامة أى: لا تتمجل - أيها الرسول الكريم - بقراءة القرآن الكريم عندما تسمعه من أمين وحينا جبريل - عليه السلام - ، بل تريث وتمهل حتى ينتهى من قراءته ثم اقرأ من بعده، فإننا قد تكفلنا بجمعه فى صدرك موبقراءته عليك عن طريق وحينا، وما دام الأمر كذلك ، فتى قرأ عليك جبريل القرآن فاتبع قراءته ولا تسبقه بها، ثم إن علينا بعد ذلك بيان -ما خفى عليك منه، وتوضيح ما أشكل عليك من معانيه . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: هذا تعليم من الله - تعالى - لنبيه - عَلَّه - فى كيفية تلقيه الوحى من الملك، فإنه كان يبادر إلى أخذه، ويسابق الملك فى قراءته . . الله - يعالج روی الشیخان و غیر هما عن ابن عباس قال : كان النبى - ـمن التنزيل شدة، فكان يحرك شفتيه - يريد أن يحفظه مخافة أن يتفلت منه شىء، أو من شدة رغبته فى حفظه - فأنزل الله - تعالى- هذه الآيات .. » (١). فأنت ترى أن الله - تعالى - قد ضمن لنبيه - مَاللََّع - أن يجمع له القرآن فى صدره، وأن يجريه على لسانه، بدون أى تحريف أو تبديل، . وأن يوضح له ما خفى عليه منه .. قالوا: فكان رسول الله - واتم - إذا ما نزل عليه الوحى بعد ذلك . بالقرآن، أطرق وأنصت. وشبيه بهذه الآيات قوله - سبحانة -: فتعالى الله الملك الحق، ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه ، وقل رب زدنى علما » . ثم عادت السورة الكريمة مرة أخرى إلى الحديث عن يوم القيامة ، موعن أحوال الناس فيه ، وعن حالة الإنسان فى وقت الاحتضار ، وعن . مظاهر قدرته - تعالى - ، وعن حكمته فى البعث والحساب والجزاء، فقال - سبحانه -: (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٨ م ٠٣٠٤ ٢٨٦ الجزء التاسع والعشرون · ◌َّابَلْ تُحِبُّونَ اَلْعَاجِلَةَ (٣٠) وَتَذَرُونَ الْآَخِرَةَ (٨) وُجُوهٌ يَوْمَيِذٍ نَّاضِرَةُ إِلَّ وَبِهَا نَاظِرَةٌ ﴿ وَوُجُوهُ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٨) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ ◌ِهَا مَغَافِرَةٌ ﴿ كَّ إِذَا بَلَغَتِ التََّاتِىَ (﴾ وَقِيلَ مَنْ رَاقِ يٌ وَظَنَّأَ ◌َنَّهُالْفِرَاقُ ﴿ وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ ﴿ إِلَى رَبِّكَ يَوْمَيْدٍ) الْمَسَاقُ (ٌ فَلَا صَلَّقَ وَلَا صَلَّى (﴾ وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّه ◌َيْثُمّ ذَهَبَ إِلَّ أَهْلِهِ، يَتَمَطَّ (چَ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ﴾ ثُمَّأَوْلَى لَكّ ) أَيَحْسَبُ الْإِنسَنُ أَن يُتْرَكَ سُدِّى () أَرْيَكُ فَأَوْلَ تُطْفَةً مِّن مَّنِيٍ يُحْنَى (يَ مَ كَانَ عَلَقَةً تَلَقَ فَسَوَّى (٨﴾ ◌َجَعَلّ أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَدِرٌ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى ﴾ عَلَى أَن يُحِْىَ الْمَوْنَى ٤٠ وقوله - سبحانه -: ((كلا بل تحبون العاجلة. وتذرون الآخرة» بيان لما جبل عليه كثير من الناس، من إيثارهم منافع الدنيا الزائلة ، على منافع الآخرة الباقية، وزجر ونهى لهم عن سلوك هذا المسلك ، الذى يدل. على قصر النظر، وضعف التفكير . أى : كلا - أيها الناس - ليس الرشد فى أن تتركوا العمل الصالح. الذى ينفعكم يوم القيامة ، وتعكفوا على زينة الحياة الدنيا العاجلة ... بل الرشدكل الرشد فى عكس ذلك، وهو أن تأخذوا من دنياكم وعاجلتكم ٢٨٧ سورة القيامة ما ينفعكم فى آخرتكم، كماقال - سبحانه -: ((وابتغ فما آتاك الله. الدار الآخرة ولا تنسى نصيبك من الدنيا .. )). وشبيه بها قين الآيتين قوله - تعالى -: «إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوما طويلا)). ثم بين - سبحانه - حال السعداء والأشقياء يوم القيامة فقال: (((وجوه يومئذ ناضرة. إلى ربها ناظرة. ووجوه يومئذ باخرة. تظن أن يفعل بها فاقرة ... وقوله: ((ناضرة، اسم فاعل من النضرة - بفتح النون المشددة وسكون العداد - وهى الجمال والحسن . تقول : وجه نضير، إذا كان حسنا جميلا . وقوله: ((باسرة، من البسور وهو شدة الكلوح والعبوس، ومنه قوله - تعالى -: ((ثم عبس وبسر .. )، يقال: بسر فلان يبسر بسورا، إذا قبض ما بين عينيه كراهية الشىء الذى يراه . والفاقرة: الداهية العظيمة التى لشدتها كأنها تقصم فقار الظهر. يقال: فلان فقرته الفاقرة ، أى : نزلت به مصيبة شديدة أقعدته عن الحركة . وأصل الفقر: الوسم على أنف البعير بحديدة أو نار حتى يخلص إلى العظم أو ما يقرب منه . والمراد بقوله: (( يومئذ): يوم القيامة الذى تكرر ذكره فى السورة. أكثر من مرة . والجملة المقدرة المضاف إليها (( إذ)) والمعوض عنها بالتنوين تقديرها يوم إذ برق البصر . والمعنى: فى يوم القيامة ، الذى يبرق فيه البصر، ويخف القمر .. قصير وجوه حسنة مشرقة، ألا وهى وجوه المؤمنين الصادقين .... ٢٨٨ الجزء التاسع والعشرون وهذه الوجوه تنظر إلى ربها فى هذا اليوم نظرة سرور وحبور ، بحيث تراه - سبحانه - على ما يليق بذاته، وكما يريد أن تكون رؤيته - عز وجل - بلاكيفية، ولا جهة ، ولا ثبوت مسافة . وهناك وجوه أخرى تصير فى هذا اليوم كالحة شديدة العبوس، وهى: وجوه الكافرين والفاسقين عن أمر ربهم، وهذه الوجوه ((تظن، أى: تعتقد أو تتوقع ، أن يفعل بها فعلا يهلكها ، ويقصم ظهورها لشدته . وقسوته . .. وجاء لفظ ((وجوه)) فى الموضعين منكرا، للتنويع والتقسيم، كما فى قوله - تعالى - :, فريق فى الجنة و فریق فی السعیر» و کا فی قول الشاعر : فيوم علينا ويوم لنا ويوم نُسَا ويوم نسر وقد أخذ العلماء من قوله - تعالى -: ((إلى ربها ناظرة، أن الله - تعالى - يتكرم على عباده المؤمنين فى هذا اليوم، فيريهم ذاته بالكيفية. التى يريدها - سبحانه -. ومنهم من فسر ((ناظرة)، بمعنى منتظرة، أى= منتظرة ومتوقعة ما يحكم الله - تعالى - به عليها . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات . وقد ثبتت رؤية المؤمنين لله - عز وجل - فى الدار الآخرة، فى الأحاديث الصحاح، من طرق متواترة عند أئمة الحديث، لا يمكن دفعها ولا منعها، لحديث أبى سعيد وأبى هريرة - وهما فى الصحيحين - أن ناسا قالوا: يارسول الله، هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: «هل تضارون فى رؤية الشمس والقمر ليس .دونهما سحاب))؟ قالوا: لا. قال: فإنكم قرون ربكم كذلك. ٢٨٩ سورة القيامة وفى الصحيحين عن جرير بن عبد الله قال: نظر رسول الله - ربيع - إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم ترون ربكم كما ترون هذا القمر ... ثم قال ابن كثير - رحمه الله -: وهذا - بحمد الله - مجمع عليه بين الصحابة والتابعين وسلف هذه الأمة. كما هو متفق عليه بين أئمة الإسلام، .. وهداة الأنام . ومن تأول (( إلى ربها ناظرة، فقال: تنتظر الثواب من ربها ... -- فقداً بعد هذا القائل النجعة ، وأبطل فيها ذهب إليه . وأين هو من قوله - تعالى -: ((كلا إنهم عن ربهم يومئذ المحجوبون)). قال الشافعى: ما حجب الفجار إلا وقد علم أن الأبرار يرونه - عز وجل - .. ) (١). ثم زجر - سبحانه - الذين يكذبون بيوم الدين، وبؤثرون العاجلة - على الآجلة ، زجرهم بلون آخر من ألوان الردع والزجر ، حيث ذكرهم بأحوالهم الأليمة عندما يودعون هذه الدنيا فقال: كلا إذا بلغت التراقى موقيل من راق. وظن أنه الفراق . .. ». والضمير فى ((بلغت)) يعود إلى الروح المعلومة من المقام، كما فى قوله - تعالى -: ((فلولا إذا بلغت الحلقوم .. ، ومنه قول الشاعر: أماوى ما يغنى الثراء عن الفتى إذا حشر جت يوما وضاق بها الصدر والتراقى : جمع ترقوة، وهى العظام المحيطه بأعالى الصدر عن يمينه وعن شماله، وهى موضع الحشرجة . وجواب الشرط محذوف . أى : حتى إذا بلغت روح الإنسان للتراقى ، وأو شكت أن تفارق مصاحبها .. وجد كل إنسان ثمار عمله الذى عمله فى دنياه، وانكشفت له حقيقة عاقبته .. . (١) راجع تفسير ابن كثير ــ٨ ص ٥ ( م ١٩ - جزء تبارك) ٢٩٠ الجزء التاسع والشرون والمقصود من الآية الكريمة وما بعدها: الزجر عن إيثار العاجلة على. الآجلة ، فکانہ ـ تعالى ـ يقول: احذروا - أيها الناس - ذلك قبل .. أن يفاجئكم الموت ، وقبل أن تبلغ أرواحكم نهايتها ، وتنقطع عند ذلك آما لكم .. وقوله - سبحانه -: ((وقيل من راق)) بيان لما يقوله أحباب .. الإنسان الذى بلغت روحه التراقى، على سبيل التحسر والتوجع واستبعاد. شفائه. و((من)) اسم استفهام مبتدأ، و ((راق)) خبره، وهو اسم فاعل. من الرقية، وهى كلام يقوله القائل، أو فعل يفعله الفاعل من أجل شفاء. المريض . والمراد به هنا: مطلق الطبيب الذى يرجى على يديه الشفاء. لهذا المختضر . . أی: اذكروا - أيها الناس - وقت بلوغ الروح نهايتها، ووقت أن. وقف من يهمهم أمر المريض مستسلمين لقضاء الله - تعالى -، وملتمسين من .. كل من بيده شفاء مريضهم، أن يتقدم لإنقاذه ما هو فيه من كرب، وأ-كنهم لا يجدون أحدا يحقق لهم آما لهم. قال الآلوسي: قوله: ((وقيل من راق)، أى: وقال من حضر صاحبه): من يرقيه وينجيه مما هو فيه ، من الرقية، وهى ما يستشفى به المسلوع. والمريض من الكلام المعد لذلك، ولعله أريد به مطلق الطبيب، أعم من أن يطب بالقول أو بالفعل .. والاستفهام عند البعض حقيقي. وقيل: هو استفهام استبعاد وإن كار. أى: قد بلغ هذا المريض مبلغا لا أحد يستطيع أن يرقيه . وقيل هذا الكلام من كلام ملائكة الموت . أى : أيكم يرقى بروحه. أملائكة الرحمة، أم ملائكة العذاب، من الرقى وهو العروج ... والاستفهام عليه حقيقى .. ٢٩١ سورة القيامة ووقف حفص رواية عن عاصم على ((من))، وابتدأ بقوله: ((راق)) وكأنه قصد أن لا يتوهم أخماكامة واحدة ، فسكت سكتة لطيفة، ليشعر أنهما كلمتان ، (١). والضمير المستتر فى قوله - تعالى -: ((وظن أنه الفراق» يعود إلى هذا الإنسان الذى أشرف على الموت، والذى بلغت روحه نهاية حياتها ، والظن هنا بمعنى اليقين ، أو بمعنى العلم المقارب لليقين .. أى: وأيقن هذا المحتضر، أو توقع أن نها يته قد اقتربت، وأنه عما قليل سيودع أهله وأحبابه . . وسيفارقهم فراقا لا لقاء بعده ، إلا يوم يقوم الناس للحساب . . وقوله - تعالى -: «والتفت الساق بالساق، أى: والتوت والتصقت إحدى ساقيه بالأخرى، عند سكرات الموت وشدقه ، فصارتا مثلاحقين لا تكاد إحداهما أن تتزحزح عن الأخرى ، فكأنهما ملتفتان . ويصح أن يكون المعنى: والتفت الساق بالساق ، عند وضع هذا الذى أدركه الموت فى كفنه، لأن هذا الكفن قدضم جميع جسده، والتصقت كل ساق بالأخرى . ومنهم من يرى أن هذه الآية الكريمة : كناية عن هول الموت وشدتد كما فى قوله - تعالى - : «يوم يكشف عن ساق .. ))، والعرب لاتذكر الساق إلا فى المحن والشدائد العظام ، ومنه فوهم: قامت الحرب على ساق. قال صاحب الكشاف: ((والتفت)، ساقه بساقه والتوت عليها عند الموت . وعن قتادة : ماقت رجلاه فلا تحملانه وقد كان عليهما جوالا . وقيل : شدة فراق الدنيا بشدة إقبالَ الآخرة ,على أن الساق مثل فى الشدة . وعن سعيد بن المسيب: هما ساقاه حين تلفان فى أكفانه ... (٢). (١) راجع تفسير الآلوسي = ٢٩ ص ٠١٤٦ (٢) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٦٦٣ ٢٩٢ الجزء التاسع والعشرون وقوله - سبحانه -: ((إلى ربك يومئذ المساق، أى: إلى ربك - أيها الرسول الكريم - مساق الناس ومرجعهم - لا إلى غيره -، يوم القيامة .. لكى يحاسبوا على أعمالهم. فالمساق مصدر ميعى من ساق الشىء، إذا سيره أمامه إلى حيث يريد. ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التى أدت إلى سوء عاقبة المكذبين للحق، فقال - تعالى -: ((فلا صدق ولاصلى. ولكن كذب وقولى . ثم ذهب إلى أهله بتمطى .. )) والفاء للتفريع على ما تقدم، من قوله - تعالى - : ((أيحب الإنسان أن لن نجمع عظمه .. الخ . أو التفريع والعطف على قوله - سبحانه -: (( إلى ربك بومنذ المساق .. )، أى: أن هذا الإنسان الذى أنكر الحساب والجزاء ، وفارق الحياة ، كانت عاقبة أمره خسرا، فلا هو صدق بالحق الذى جاءه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا هو أدى الصلاة التى فرضها الله - تعالى- عليه، ولكنه كذب بكل ذلك، وقولى وأعرض عن سبيل الرشاد . ثم بعد ذلك: « ذهب إلى أهله يتمطى، أى: ذهب إلى أهله متبخرا متفاخرا، متباهيا بإصراره على كفره وفجوره . وقوله: ((يتمطى، من المط بمعنى المد. وأصله: يتمطط، قلبت فيه الطاء حرف علة ، ووصف المنبختر فى مشيه بذلك ، لأنه يمط خطاه، ويمدها على سبيل الإعجاب بنفسه، والتباهى بما هو عليه من كفر وضلال. ولم يذكر - سبحانه - المتعلق والمفعول فى الآيات الكريمة، للإشعار بأن هذا الإنسان الجاحد الجاهل ... لم يصدق بشىء من الحق، ولم يؤد لله - تعالى - فرضا ولا سنة، ولكنه استمر على تكذيبه ٢٩٣ سورة القيامة وإعراضه عن الصراط المستقيم، ولم يكتف بكل ذلك ، بل تفاخر و تباهى أمام غيره بما هو عليه من باطل . وقوله - سبحانه -: « أولى لك فأولى. ثم أولى لك فأولى، دعاء على هذا الإنسان الشقى، المصر على إعراضه عن الحق .. بالهلاك وسوء العاقبة. و((أولى) اسم تفضيل من ولى، وفاعله ضمير محذوف يقدره كل قائل أو سامع بما يدل على المكروه . والكاف فى قوله ((لك)، للتبيين، والكاف خطاب لهذا الإنسان المخصوص بالدعاء عليه . وقوله: ((فأولى)) تأكيد لقوله ((أولى لك)، وجملة (ثم أولى لك فأولى)) مؤكدة. الجملة الأولى . أى : أجدر بك هذا الهلاك أذى بنتظرك قريبا - أيها الإنسان - الجاحد ، ثم أجدر بك، لأنك أصررت على كل ما هو باطل وسوء . قال القرطبى ما ملخصه : هذا تهديد بعد تهديد، ووعيد بعد وعيد .. روى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من المسجد ذات يوم، فاستقبله أبو جهل على باب المسجد، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، فهزه مرة أو مرتين ثم قال: ((أولى لك فأولى)). فقال أبو جهل أتهددنى - يامحمد - فواقه إنى لأعز أهل هذا الوادى وأكرمه و نزل علی رسول الله - صلی الله عليه وسلم - كما قال لأبى جهل ... (١) وجىء بحرف ((ثم)) فى عطف الجملة الثانية على الأولى، لزيادة التأكيد، وللارتقاء فى الوعيد، والإشعار بأن التهديد الثانى أشد من الأول، كما فى قوله - تعالى: (( كلا سوف تعلمون . ثم كلا سوف تعلمون » . (١) تفسير القرطى - ١٩ ص ١١٤ ٢٩٤ الجزء التاسع والعشرون ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بالإشارة إلى الحكمة من البعث والجزاء، وبيان جانب من مظاهر قدرته فقال: ((أيحسب الإنسان أن يترك سدى ٠٠) والاستفهام للإفكار كما فى قوله - تعالى - قبل ذلك: «أيحب الإنسان أن أن نجمع عظامه ،. و((سدى)) - بضم السين مع القصر - بمعنى مهمل. يقال: إبل سدى، أى: مهملة ليس لها راع يحميها .... وهو حال من فاعل , يترك». أى: أيظن هذا الإنسان الذى أنكر البعث والجزاء، أن تركه هكذا مهملا ، فلا نجازيه على أعماله التى عملها فى الدنيا ؟ إنكان يحسب ذلكفهو فى وم وضلال ، لأن حكمتنا قد اقتضت أن نكرم المتقين ، وأن تعاقب المكذبين . والاستفهام فى قوله: «ألم يك فطفة من من يمنى .... )، التقرير والنطفة: القليل من الماء و ((يمنى)) أى: يراق هذا المنى فى رحم المرأة. أى: كيف بحسب هذا الإنسان أنه سيترك سدى؟ ألميك فى الأصل قطرة ماء تصب من الرجل فى رحم المرأة وتراق فيه ؟ بل إنه كان كذلك. ثم ((كان) بعد ذلك ((علقة، أى: قطعة دم متجمد ,فخلق فسوى)) أى: فخلقه الله - تعالى - خلقا آخر بقدرته، وسواء فى أحسن تقويم، كما قال: «لقد خلقنا الإنسان فى أحسن تقويم .. » وجملة « أليس ذلك بقادر على أن يجي الموتى، بمثابة النتيجة بعد المقدمات والأدلة . ٢٩٥ سورة القيامة أى: أليس ذلك الرب العظيم الشأن والقدرة ، الذى أحسن كل شىء خلقه، والذى خلق الإنسان فى تلك الأطوار المتعددة .... أليس ذلك الإله صاحب الخلق والأمر . ((بقادر على أن يحى الموتى، وعلى أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى، ليجازى الذين أساؤا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى؟ بلى إنه القادر على ذلك قدرة تامة . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث حنها: أن رجلا كان إذا قرأ هذه الآية قال: سبحانك اللهم وبلى . فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك)) (١) وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. القاهرة - مدينة نصر . الأربعاء: ١٤ من ذى الحجة سنة ١٤٠٦ هـ ٢٠ من أغسطس سنة ١٩٨٦م (١) تفسير ابن كثير حـ ٨ ص ٢٠٩ دَفسِيرُسُورَة «الإنسان)» . بم اليد الرحمن الرحيم سورة ( الإنسان) ١ - سورة ((الإنسان)) يرى بعضهم أنها من السور المكية الخالصة، .ويرى آخرون أنها من السور المدنية . قال الألوسى : هى مكية عند الجمهور ، وقال مجاهد وقتادة : مدنية كلها. وقال الحسن: مدنية إلا آية واحدة، وهى قوله - تعالى -: (( ولا قطع منهم آثما أو كفورا .. )) (١) ٢ - والذى تطمئن إليه النفس أن هذه السورة ، من السور المكية الخالصة، فإن أسلوبها وموضوعها ومقاصدها ... كل ذلك يشعر بأنها من السور المكية ، إذ من خصائص السور المكية ، كثرة حديثها عن حسن عاقبة المؤمنين، وسوء عاقبة المكذبين، وأمر النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بالصبر، وإثبات أن هذا القرآن من عند اله - تعالى -، والتحريض على مداومة ذكر الله - تعالى - وطاعته ... وكل .هذه المعانى نراها واضحة فى هذه السورة . ولقد رأينا الإمام ابن كثير - وهو كثير من العلماء المحققين - عند تفسيره لهذه السورة ، قال بأنها مكية ، دون أن يذكر فى ذلك خلافا، مما يوحى بأنه لا يعتد بقول من قال بأنها مدنية . ٣ - وتسمى هذه السورة - أيضا - بسورة ((هل أتى على الانسان))، بفقد روى البخارى - فى باب القراءة فى الفجر - عن أبى هريرة ، قال : كان بالنبى - صلى الله عليه وسلم - يقرأ فى الفجر سورة (ألم، السجدة. وسورة: «هل أتى على الانسان» . (١) تفسير الآلوسى = ٢٩ ص ١٥٠ ٢٩٩ سورة الإنسان وتسمى - أيضاً - بسورة: الدهر، والأبرار، والأمشاج، لورود هذه الألفاظ فيها . وعدد آياتها : إحدى وثلاثون آية بلا خلاف . ٤ - ومن مقاصدها البارزة: تذكير الإنسان بنعم الله - تعالى - عليه، حيث خلقه - سبحانه - من نطفة أمشاج، وجعله سميعا بصيراً، وهداه السبيل . . وحيث أعدله ما أعد من النعيم الدائم العظيم .. متى أطاعه وانقاه كما أن من مقاصدها : إنذار الكافرين بسوء العاقبة إذا ما استمروا على كفرهم، وإثبات أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -، وأمر الرسول - مَّه - وأمته بالصبر والإكثار من ذكر الله - تعالى -، بكرة وأصيلا ... وبيان أن حكمته - تعالى - قد اقتضت أنه: ((يدخل من يشاء فى رحمته، والظالمين أعدلهم عذابا أليما». وقد افتح - سبحانه - السورة الكريمة بقوله : بِسُـ هُلْ أَنَّى عَلَى آلْإِنسَنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَّذْ كُورًا (يَ﴾ إِنَّ خَلَقْنَ آلْإِنسَنَ مِن نُطَفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَكِهِ فَعَلْنَهُ سَمِيعاً بَصِيرًايّ ◌ِنَّ هَدِينَهُ السَّيِلَ إِنَّ شَاكِرًا وَ إِنَّ كَفُورًا ١ ٣٠٠ الجزء التاسع والعشرون والاستفهام فى قوله - تعالى -: «هل أتى على الإنسان ... » للتقرير. والمراد بالإنسان : جنسه، فيشمل جميع نبى آدم . والحين: المقدار المجمل من الزمان، لاحد لأكثره ولا لأقله . والدهر : الزمان الطويل غير المحدد بوقت معين . والمعنى: لقد أتى على الإنسان ((حين من الدهر، أى: وقت غير محدد من الزمان الطويل الممتد فى هذه الحياة الدنيا .. ((لم يكن شيئا مذكورا)، أى: لم يكن هذا الإنسان فى ذلك الحين من الدهر، شيئا مذكورا من بين أفراد جنسه، وإنما كان شيئاً غير موجود إلا فى علم الله - تعالى - . ثم أوجده - سبحانه - بعد ذلك من نطفة فعلقة فمضغة .. ثم أنشأه. - سبحانه - بعد ذلك خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين. فالمقصود بهذه الآية الكريمة بيان مظهر من مظاهر قدرته - عزوجل- حيث أوجد الإنسان من العدم ، ومن كان قادرا على ذلك ، كان - من. باب أول - قادرا على إعادته إلى الحياة بعد موته، للحساب والجزاء. قال الإمام الفخر الرازى ما ملخصه: اتفقوا على أن هل ها هنا ، وفى. قوله - تعالى -: ((هل أتاك حديث الغاشية . بمعنى قد، كما تقول: هل رأيت صنيع فلان، وقد علمت أنه قدراً ... وتقول: هل وعظنك وهل أعطيتك، ومقصودك أن تقرره بأنك. قد أعطيته ووعظته .. والدليل على أن ((هل، هنا ليست للاستفهام الحقيقى .. أنه محاله على الله - تعالى - ، فلابد من حمله على الخبر .. )) (١) . . - (١) راجع تفسير الفخر الرازى = ٨ ص ٠٢٧١