Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
سورة الجن
اقتداء أصحابه ، قياماً ، وركوعاً، وسجوداً ... ومنهم من يرى أن
الضمير فى: كادوا ، يعود لكفار قريش، فيكون المعنى: وأنه لما محمد
- صلى الله عليه وسلم - قام يدعو ربه ... کادوا من تزاحمهم عليه، يكونون
كاليد، لا لكى ينتفعوا بما يسمعون ، ولكن لكى يطفئوا فور الله
بأفواههم، والحال أن الله - تعالى - قدرد كيدهم فى نحورهم، وأبى
إلا أن يتم نوره ولو كره المشركون.
قال صاحب الكشاف: ((عبد الله)، هو النبى - صلى الله عليه
وسلم - . فإن قلت: هلا قيل: رسول اللّه أو النبى؟ قلت: لأن تقديره
وأوحى إلى أنه لما قام عبد اللّه. فلما كان واقعاً فى كلام رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - عن نفسه: جىء به على ما يقتضيه التواضع والتذلل.
أو لأن المعنى أن عبادة عبد الله، لله - تعالى - ليست بأمر مستبعد عن
العقل ولا مستنكر، حتى يكونوا عليه أبدا .
ومعنى ((قام يدعوه)): قام يعبده. يريد: قيامه لصلاة الفجر بنخلة
حين أناه الجن، فاستمعوا لقراءته ، وتزاحموا عليه.
وقيل معناه : لما قام رسولا يعبد الله وحده، مخالفاً المشركين فى.
عبادتهم ، كاد المشركون لتظاهرهم عليه، وتعاونهم على عداوته ، يزدحمون
عليه متراكمين ... )) (١)
ويبدو لنا أن عودة الضمير فى «كادوا، على مؤمنى الجن أرجح ،
لأن هذا هو الموافق لإعجابهم بالقرآن الذى سمعوه من النبى - صلى الله
عليه وسلم - ، لأن هذا هو الظاهر من سياق الآيات، حيث إن الحديث.
عنهم، ولأن الآثار قد وردت فى أن الجن قد التفوا حول النبى - صلى
الله عليه وسلم - حين سمعوه يقرأ القرآن.
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٦٣٠

٢٠٢
الجزء التاسع والعشرون
ومن هذه الآثار قول الزبير بن العوام : هم الجن حين استمعوا
- القرآن من النبى - صلى الله عليه وسلم - كادوا يركب بعضهم بعضا
ازدحاماً عليه ... (١)
ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يعلن لجميع من
أرسل إليهم، أنه لا يعبد أحداً سواه - عز وجل - فقال: ((قل إنما أدعو
ربى ولا أشرك به أحدا ) .
أى: قل - أيها الرسول الكريم - بجميع من أرسلناك إليهم من الجن
والإنس: إنى أعبد ربى وحده، وأتوجه إليه وحده بالدعاء والطلب ،
ولا أشرك معه أحدا فى عبادنى أو صلاتى أو نسكى ...
وقل لهم. كذلك: ((إنى لا أملك لكم ضراً، أي: لا أملك ما يضر كم
(((ولا نفعا، أى: ولا أملك ما ينفعكم، وإنما الذى يملك ذلك هو الله
- تعالى - وحده .
وقل لهم للمرة الثالثة: (( إنى لن يحيرنى من اللّه أحد، أى: إنى لن
يمنعنى أحد من الله - تعالى - إن أرادفى بسوء .
(( ولن أجد من دونه ملتحدا، أى: ولن أجد من دونه ملجأ أركن
إليه. يقال: التحد فلان إلى كذا، أى: مال إليه ..
فالآية الكريمة بيان لعجزه - صلى الله عليه وسلم - عن شئون نفسه
أمام قدرة خالقه - عز وجل - بعد بيان عجزه عن شئون غيره .
وقوله - سبحانه -: ((إلا بلاغا من الله ورسالاته .
-(
استثناء من مفعول ((لا أملك، وهما قوله قبل ذلك: (( ضرا ولا رشدا)).
وما يليهما اعتراض مؤكد لنفى الاستطاعة .
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - إنى لا أملك ما يضركم
(١) راجع تفسير القرطبى =١٩ ض٠٤٣ وتفسير ابن كثير«ه ص ٢٧١

٢٠٣
سورة الجن
.ولا أملك ما ينفعكم، وإنما الذى أملكه هو قبليغ رسالات ربى إليكم،
بأمانة واجتهاد .
والبلاغ: مصدر بلغ ، وهو إيصال الكلام أو الحديث إلى الغير ،
-ويطلق على الكلام المبلغ من إطلاق المصدر على المفعول، مثل: (هذا
خلق الله))، و((من، ابتدائية صفة لقوله: (( بلاغا، أى: بلاغاً كائناً من
جهة الله - تعالى - وأمره. والرسالات: جمع رسالة، وهى ما يرسل
إلى الغير من كلام أو كتاب. والمراد بها هنا: تبليغ ما أوحاه الله - تعالى-
إلى نبيه للناس .
قال الألوسى ما ملخصه: قوله: ((إلا بلاغاً من الله ... )، استثناء من
مفعول لا أملك ... وما بينهما اعتراض ... فإن كان المعنى: لا أملك
أن أضركم ولا أن أنفعكم، كان استثناء متصلا، كأنه قيل: لا أملك
شيئاً إلا بلاغاً، وإن كان المعنى: لا أملك أن أقسر كم على الغى والرشد
كان منقطعاً، أو من باب: لاعيب فيهم غير أن سيوفنا ... أى: أنه
من أسلوب تأكيد الشىء بما يشبه ضده - وقوله ((ورسالاته)، عطف على
قوله ((بلاغاً)، وقوله: (( من الله)) متعلق بمحذوف وقع صفة له . أى:
« بلاغاً كائناً من الله .. )) (١)
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك سوء عاقبة من يخالف أمره فقال:
((ومن يعص الله ورسوله، فيما أمرابه، أو نهيا عنه.
(( فإن له، أى: لهذا العاصى , نار جهنم خالدين فيها أبدا، أى:
فحكمه أن له نار جهنم، وجمع - سبحانه - خالدين باعتبار معنى (من))،
كما أن الإفراد فى قوله ((فإن له)) باعتبار لفظها.
وقوله: ((أبدا) مؤكد لمعنى الخلود. أى: خالدين فيها خلوداً أبدياً
لانهاية له .
بعة (١) تفسير الآلومى = ٢٩ ص ٩٤

٢٠٤
الجزء التاسع والعشرون
وقوله - سبحانه - : ((حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعدون من أضعف.
ناصرا وأقل عددا، تهديد ووعيد للكافرين بسبب استهزائهم بالمؤمنين،
فقد حكى القرآن عن الكفار أنهم قالوا: ((نحن جميع منتصر))".وقالوا)
نحن أكثر أموالا وأموالا وما نحن بمعذبين، وقالوا : «متى هذا الوعد
إن كنتم صادقين».
و ((حتى)) هنا حرف ابتداء، وهى متعلقة بمحذوف دل عليه الكلام،
وهو سخرية الكافرين من المؤمنين . و((إذا) اسم زمان للمستقبل مضمن.
معنى الشرط، وهى فى محل نصب بجوابه الذى هو قوله: ((فسيعلمون)).
والمعنى : أن هؤلاء الكفار لا يزالون على ماهم عليه من غرور وعناد
وجحود ... حتى إذارأوا ما يوعدون من العذاب فى الدنيا والآخرة
((فسيعلمون، حينتذ من هو أضعف جنداً وأقل عدداً، أهم المؤمنون.
- كما يزعم هؤلاء الكافرون -؟ أم أن الأمر سيكون على العكس؟ لاشك.
أن الأمر سيكون على العكس ، وهو أن الكافرين فى هذا اليوم هم.
الذين سيكونون فى غاية الضعف والذلة والهوان .
وجىء بالجملة التى أضيف إليها لفظ (( إذا) فعلا ماضيا، للتنبيه على
تحقق الوقوع .
والآية الكريمة تشير إلى خيبة هؤلاء الكافرين، وتلاشى آمالهم ..
فإنهم فى هذا اليوم سيفقدون الناصر لهم ، كما أنهم سيفقدونه من جهة
أنفسهم ، لأنهم مهما کثر عددهم، فهم مغلو بون.
ثم أمر الله - تعالى - رسوله الذرة الرابعة، أن يعلن للناس أن هذا
اليوم الذى يأتى فيه نصر الله للمؤمنين لا يعلمه إلا هو، فقال - تعالى - :
((قل إن أدرى أقريب ما توعدون . أم يجعل له ربى أمدا .. ،
أى: وقل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين إن نصر الله لنه

٢٠٥
سورة الجن
آت لا ريب فيه، وعذاب الله لكم آت - أيضاً - لاريب فيه، ولكنى
لا أدرى ولا أعلم أبتحقق ذلك فى الوقت العاجل القريب ، أم يجعل الله
- تعالى - لذلك، أمدا، أى: غاية ومدة معينة من الزمان، لا يعلم
-وقتها إلا هو - سبحانه - .
والمقصود من الآية الكريمة: بيان أن العذاب فازل هم قطعاً ولكن
موعدهقد یکون بعد وقت قریب ، وقد یکون یعد وقت بعید ، لأن تحدید
- هذا الوقت مرده إلى الله - تعالى - وحده.
وقوله - تعالى - بعد ذلك: ((عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا ،
تعليل لما قبله. أى: أنا لا أدري متى يكون عذابكم - أيها الكافرون -،
لأن مرد على ذلك إلى الله - تعالى - الذى هو علم بكل شىء من الظواهر
. والبواطن ، والذى اقتضت حكمته أن لا يطلع أحدا على غيربه، وعلى
- ما استقر وخفى من أمور خلقه .
وقوله : (( إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن
خلفه رصدا، استثناء من النفى فى قوله ((فلا يظهر على غيبه أحدا).
أى : عالم هو - سبحانه - الغيب ، فلا يطلع على غيبه أحدا من
-خلقه ، إلا الرسول الذى ارتضاه واختاره من خلقه ، فإنه - سبحانه - قد
يطلعه على بعض غيوبه، ليكون ذلك معجزة له، دالة على صدة، أمام قومه.
فإذا ما أراد - سبحانه - إطلاع رسوله المصطفى لحمل رسالته على بعض
غيوبه ، سخر له من جميع جوانبه حرساً من الملائكة يحرسونه من
موسوسة الشيطان وفوازعه ، ومن كل ما يتعارض مع توصيل وحيه
- سبحانه - إلى رسله ، بكل أمانة وصيانة .
ومعنى: «من ارتضى .. )): من اختار واصطفى واجتبى، وعبر عن
ذلك بقوله ((من ارتضى)، للإشعار بأنه - سبحانه - يخص هؤلاء الذين

٢٠٦
الجزء التاسع والعشرون
رضى عنهم ورضوا عنه بالاطلاع على بعض غيوبه ، على سبيل التأييد
والتكريم الهم.
و ((من، فى قوله: « من رسول، البيان. والمراد بالرسول هنا: ]
ما يشمل كل رسول اختاره - سبحانه - لحمل رسالته، سواء أكان من.
البشر أم من الملائكة ..
والضميران فى قوله - تعالى - ((فإنه)، و((يسلك، يعودان على الله
- عز وجل -، وأطلق السلك على إيصال الخبر إلى الرسول المرتضى،
الإشعار بأن هذا الخبر الذى أطلع الله - تعالى - رسوله عليه ، قد وصل.
إليه وصولا مؤكدا، ومحفوظا من كل تحريف ، كما يدخل الشىء.
فى الشىء دخولا ناما بقوة وضبط، إذ حقيقة السلك: إدخال الشىء فى
الشىء بشدة وعناية ..
والمراد بقوله: ((من بين يديه ومن خلفه، جميع الجهات، وعبر عن.
جميع الجهات بذلك، لأن معظم ما يتعرض له الإنسان يكون من.
هاتين الجهتين .
والرصد : جمع راصد، وهو ما يحفظ الشىء ، ويصونه من كل
مالا يريده. أى: إلا من ارتضى - سبحانه - من رسول، فإنه.
- عز وجل - يطلعه على ما يشاؤه من غير به ، ويجعل له حراسا من
جميع جوانبه ، يحفظونه من كل سوء .
قال الآلوسي: قوله: ((إلا من ارتضى من رسول .. ، أى: لكن ..
الرسول المرتضى يظهره - جل وعلا - على بعض الغيوب المتعلقة
برسالته ... إما لكون ، بعض هذه الغيوب من مباديها ، بأن
يكون معجزة .
وإما لكونه من أركانها وأحكامها كعامة التكاليف الشرعية ».

٢٠٧
سورة الجن
وكيفيات الأعمال وأجزيتها، ونحو ذلك من الأمور الغيبية، التى بيانها
من وظائف الرسالة، بأن يسلك من جميع جوانبه عند اطلاعه على ذلك ،
حرساً من الملائكة يحرسونه من تعرض الشياطين ، لما أريد اطلاعه
عليه ... )،(١).
واللام فى قوله - تعالى -: ((ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم .. ،
متعلقة بقوله ((يسلك )) .
والضمير فى ((يعلم، يعود إلى الله !- تعالى-، والمراد بالعلم: علم
المشاهدة الذى يترتب عليه الجزاء ، أى : أطلع الله - تعالى - من أرتضام.
على بعض غيوبه، وحرسهم من وصول الشياطين إلى هذا الذى أظهرهم
عليه من غيوب .. ليعلم - تعالى - علم مشاهدة يترقب عليه الجزاء، أن
الرسل قد أبلغوا رسالته - سبحانه - إلى خلقه، وأنه - تعالى - قد « أحاط
بما لديهم، أى: أحاط علمه - تعالى - بكل ما لدى الرسل وغيرهم من
أقوال وأفعال، «وأحصى كل شىء عددا، أى: وأحصى كل شىء فى
هذا الكون إحصاء تاماً، وعلما كاملا.
قال الشوكانى قوله: ((ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم ... ، اللام
متعلقة بيسلك ، والمراد به العلم المتعلق بالإبلاغ الموجود بالفعل ، وأن هى
المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن، والخبر الجملة ، والرسالات عبارة
عن الغيب الذى أريد إظهاره لمن أرقضاء الله من رسول ...
" وقال قتادة: ليعلم محمد أن الرسل قبله قد أبلغوا الرسالة كما بلغ هو،
وفيه حذف تتعلق به اللام ، أى: أخبرناه - صلى الله عليه وسلم - بحفظنا
الوحى، ليعلم أن الرسل قبله كافوا على حالته من التبليغ بالحق والصدق .
(١) تفسير الآلومى = ٢٩ ص ٠٩٦

٢٠٨
الجزء التاسع والعشرون
وقيل : ليعلم الرسل أن الملائكة قد بلغوا رسالات ربهم .... (١).
ويبدو لنا أن عودة الضمير فى ((ليعلم، إلى الله - تعالى - هو الأظهر،
أى: ليعلم الله - تعالى - أن رسله قد أبلغوا ومالاته على مشاهدة كما علمه
غيبا، لأن علم اللّه بذلك لا يكون إلا على وفق ما وقع ...
وهكذا ساقت لنا سورة ((الجن، الكثير من الحقائق التى تتعلق
بإصلاح العقائد والأخلاق والسلوك والأفكار التى طغى كثير منها على
العقول والأفهام ...
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
القاهرة - صباح الأربعاء - مدينة نصر
٣٠ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦ هـ / ٨ / ١٩٨٦ م
..
-
(١) تفسير فتح القدير ج ٥ ص ٣١٣ للدوكانى.

تَفسِيرُّورَة
«المزمل»

بِسِن ◌ِح الرحيم.
١ - سورة ((المزمل)، هى السورة الثالثة والسبعون فى ترتيب
المصحف . أما ترتيبها فى النزول على النبى - صلى الله عليه وسلم-، فهى ..
السورة الثالثة أو الرابعة، إذ يرى بعضهم أنه لم يسبقها فى النزول سوى
-ورتي العاق والمدثر، بينما يرى آخرون أنه لم يسبقها سوى سورتى العلق
وفون ، واحدثر .
وعدد آياتها عشرون آية عند الكوفيين ، وتسع عشرة آية عند البصريين.
وثمانى عشرة آية عند الحجازيين .
٢ - وجمهور العلماء على أن سورة ((المزمل) من السور المكية.
الخالصة، فابن كثير -مثلا- عند تفسيره لها قال: تفسير سورة ((المزمل)،
وهى مكية .
وحكى بعضهم أنها مكية سوى آيتين ، فقد قال القرطى: مكية كلها فى قول.
الحسن وعكرمة وعطاء وجابر . وقال ابن عباس وقتادة : هى مكية إلا
آيتين منها، وهما قوله - تعالى -: ((واصبر على ما يقولون واهجرهم ..
هجرا جميلا. وذرنى والمكذبين ... »
وقال الثعلبى هى مكية إلا الآية الأخيرة منها وهى قوله - تعالى -:
((إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ونصفه .... )) فإنها نزلت.
بالمدينة)) (١) .
..
(١) تفسير القرطبى = ١٩ ص ٣١

٢١١
-٤٤٠ سورة المزمل
وقال الشيخ ابن عاشور ما ملخصه: وقال فى الإققان : إن استثناء
قوله - تعالى -: ((إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثى الليل ....
إلى آخر السورة، يرده ما أخرجه الحاكم عن عائشة أنها قالت : نزلت
هذه الآية بعد نزول صدر السورة إسنة ٠٠٠،.
ثم قال الشيخ ابن عاشور : وهذا يعنى أن السورة كلها مكية،
والروايات تظاهرت على أن هذه الآية قد نزات منفصلة عما قبلها ، بمدة
مختلف فى قدرما، فعن عائشة أنها سنة ... ومن قال بأن هذه الآية
مدقية ، يكون نزولها بعد نزول ما قبلها بسنين ..
والظاهر أن هذه الآية مدنية، لقوله - تعالى - ((وآخرون يقاتلون
فى سبيل الله)) - ومن المعروف أن القتال لم يفرض إلا فى المدينة -، إن
لم يكن ذلك إنباء بمغيب على وجه المعجزه)، (١)
٣ - والسورة الكريمة : زاخرة بالحديث الذى يدخل التسلية
والصبر على قلب النبى - صلى الله عليه وسلم -، ويعلى من شأن القرآن
الكريم، ويرشد المؤمنين إلى ما يسعدهم ويصلح بالهم، ويهدد الكافرين
بسوء المصير إذا ما استمروا فى طغيانهم، ويذكر الناس بأهوال يوم
القيامة ... ويسوق لهم ألوانا من يسر شريعته، ورأفته - عز وجل -
بعباده، وإثابتهم بأجزل الثواب على أعمالجم الصالحة .
وقد افتتح - سبحانه - السورة الكريمة، بقوله - تعالى -:
(١) راجع تفسير التحرير والتنوير ج ٢٩ ص ٢٥٢ لشيخ
ان عاشور.

٢١٢
الجزء التاسع والعشرون
بشنـ
١١٠٠٠٠/٤٠
◌َُيُّهَ الْعُزَّمِّلُ (*) قُمِ الَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (*) نِصْفَهُ أَوِ آَنْقُصْ
عِنْ قَلِيلًا (يَ أَوْزِدْ عَلَيْهِ وَرَقِّلِ الْقُرْءَانَتَرْبِيلًا (ي إِنَّ سُلْفِي عَلَيْكَ
قَوْلا تَقِيلًالَّهِ إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُ وَطْعًا وَأَقْوَمُ فِلَا يٌ إِنَّ
لَكَ فِ النََّارِ سَبْعًا طَوِيلًا (يَ وَاذْكُرٍ أَسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ
تَبْنِيلًا (*) رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّهُوَّ فَاتَّخِذُهُ
وَبِلََّ () وَأَصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرُهُمْ هَجْرًا ◌َجِيلًا (َّ وَذَرْنِ
وَالْمُكَذِبِينَ أُوْلِ النَّعْمَةِ وَمَهِلْهُمْ قَلِيلًا (﴿ إِنَّ ◌َدَيْنَا أَنْكَالَّ
وَجَّحِيمًا ﴿يَهِ وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِمًا ﴿ يَوْمَ تَرْجُفُ
الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَلُ كَتِبً مَّهِيلًا لَهَ إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيْكُمْ
وُسُوْلَا شَهِدًا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَآ إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (٢ٌ فَعَصَى
فِرّعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَهُ أَخْذًا وَبِيلًا () فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِن
ج
كُفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ اَلْوِلْدَانَ شِيً (لْهِ السَّمَاءُ مُنْفَطِرُ بِهِ كَانَ وَعْدُر
مُفْعُولًا (*) إِنَّ هَذِهِ، تَذْكِرَةً فَ شَآءَ أَخَلَ إِلَى رَبِهِ، سَيِلً فَ

٢١٣
سورة المزمل
وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه السورة الكريمة روايات منها
ما رواه البزار والطبرانى فى الأوسط ، وأبو فعم فى الدلائل عن جابر
- رضى الله عنه - قال: اجتمعت قريش فى دار الندوة فقالوا: سموا هذا
الرجل إنما تصدوا الناس عنه . فقالوا: كاهن. قالوا : ليس بكامن قالوا :
مجنون. قالوا: ليس بمجنون. قالوا: ساحر. قالوا: ليس بساحر ...
فتفرق المشر كون على ذلك . فبلغ ذلك النبى - صلى الله عليه وسلم -
فتزمل فى ثيابه وتعثر فيها. فأتاه جبريل فقرأ عليه: «يأيها المزمل -
يأيها المدثر ٢٠٠٠
وقيل: إنه - صلى الله عليه وسلم - كان نائما بالليل متزملا فى قطيفة ..
فجاءه جبريل بقوله - تعالى - . ((يأيها المزمل قم الليل إلا قليلا ... ))
وقيل : إن سبب نزول هذه الآيات ما رواه الشيخان وغيرهما من
حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
جاورت بحراء، فلما قضيت جوارى، هبطت، فنوديت فنظرت عن يمينى
فلم أر شيئا ، ونظرت عن شمالى فلم أر شيئا ... فرفعت رأسى فإذا الذى
جاءنى بحراء، جالس على كرسى بين السماء والأرض ... فرجعت فقلت.
دثرونى دثرونى ، وفى رواية : فجئت أهلى فقلت: زملونى زملونى ، فأنزل
الله - تعالى -: ((يأيها المدثر ... (١)
وجمهور العلماء يقولون: وعلى أثرها نزلت: ((يأيها المزمل .. »
و((المزمل)): اسم فاعل من تزمل فلان بثيابه، إذا تلفف فيها،
وأصله المتزمل ، فأدغمت التاء فى الزاى والميم .
وافتتح الكلام بالنداء ، للتنبيه على أهمية ما سيلقى على المخاطب من
أوامر أو قواء .
وفى ندائه - صلى الله عليه وسلم - بلفظ «المزمل»، قلطف معه،
وإيناس لنفسه ، وتحبيب إليه، حتى يزداد نشاطا، وهو يبلغ رسالة ربه.
. (١) راجع تفسير القرطى ج ١٩ ص ٣٢ وتفسير الالوسى =٢٩ ص ١٠١

٢١٤
الجزء الناسع العشرون
والمعنى: يأيها المتزمل بثيابه، المتلفف فيها، رهبة ممارآه من عبدنا جبريل،
أو هما وغما مما سمعه من المشركين، من وصفهم له بصفات هو برىء منها ..
((قم الليل إلا قليلا، أى: قم الليل متعبدا لربك، ((إلا قليلا، منه، على
قدر ما تأخذ من راحة لبدنك. فقوله: (( إلا قليلا، استثناء من الليل ...
وقوله (( نصفه، بدل من ( قليلا ، بدلكل منكل ، على سبيل التفصيل.
بعد الإجمال .
أى: قم نصف الليل للعبادة لربك ، واجعل النصف الثانى من الليل
لراحتك ونومك .
-
ووصف - سبحانه - هذا النصف الكائن للراحة بالقلة فقال , إلا
قليلا)، للإشعار بأن النصف الآخر ، العامر بالعبادة والصلاة ... هو
النصف الأكثر ثوابا وقربا من الله - تعالى- بالنسبة للنصف الثانى المتخذ
· الراحة والنوم .
وقوله - سبحانه -: ((أو انقص منه قليلا. أوزد عليه ... ))
تخيير له - صلى الله عليه وسلم - فيما يفعله، وإظهار لما اشتملت عليه
شريعة الإسلام من يسر وسماحة ..
فكأنه - تعالى- يقول له - على سبيل التلطف والإرشاد إلى ما يشرح
صدره - يأيها المتلفف بثيابه: قم الليل للعبادة والصلاة، إلا وقتا قليلا
منه يكون لراحتك ونومك ، وهذا الوقت القليل المتخذ النوم والراحة
قد يكون نصف الليل ، أو قد يكون أقل من النصف بأن يكون فى حدود
ثلث الليل، ولك - أيها الرسول الكريم - أن تزيد على ذلك، بأن
تجعل ثلثى الليل للعبادة ، وثلثه النوم والراحة ،.
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد خص لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فى
- أن يجعل نصف الليل أو ثلثه، أو ثلثه للعبادة والطاعة، وأن يجعل المقدار
الباقى من الليل النوم والراحة.
وخص - سبحانه - الليل بالقيام، لأنه وقت سمكون الأصوات ..

٢١٥
سورة المزمل
فتكون العبادة فيه أكثر خشوعا، وأدعى لصفاء النفس، وطهارة القلب،
وحسن الصلة بالله - عز وجل - .
هذا، وقد استمر وجوب قيام الليل على الرسول - عَ ج - حتى بعد
-فرض الصلوات الخمس عليه وعلى أمته، تعظما لشأنه، ومداومة له على
مناجاة ربه ، خصوصا فى الثلث الأخير من الليل ، يدل على ذلك قوله
- تعالى -: ((ومن الليل فتهجد به نافلة لك على أن يبعثك ربك مقاما
محمودا)، (١) .
وقد كان المسلمون يقتدون بالرسول - عَ ليه - فى قيام الليل،
وقد أثنى - سبحانه - عليهم بسبب ذلك فى آيات كثيرة، منها قوله
- تعالى - : ((تتجا فى جنوبهم عن المضاجع، يدعون ربهم خوفاً وطمعاً
وما رزقناهم ينفقون . فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين، جزاء
بما كانوا يعملون)، (٢).
. وقد ذكر الإمام أحمد حديثا طويلا عن سعيد بن هشام ، وفيه أنه
سأل السيدة عائشة عن قيامه - معلم - بالليل، فقالت له: ألست تقرأ
- هذه السورة ((يأيها المزمل ... )،؟.
إن الله أفترض قيام الليل فى أول هذه السورة، فقام رسول الله - بر}.
«وأصحابه حولا حتى انتفخت أقدامهم . وأمسك الله ختامها فى السماء اثنى
عشر شهراً. ثم أنزل التخفيف فى آخر هذه السورة ، فصار قيام الليل
-تطوعا من بعد فريضة ... )) (٣).
قال القرطبى ما ملخصه: واختلف: هل كان قيام الليل فرضا وحتما،
"أو كان ندبا وحضا؟ والدلائل تقوى أن قيامه كان حتما وفرضا، وذلك
-أن الندب والحض، لا يقع على بعض الليل دون بعض، لأن قيامه ليس
-مخصوصا به وقتا دون وقت ...
(١) سورة الإسراء. الآية ٠٧٩ (٢) سورة السجدة. الآية ٠١٧،١٦
(٣) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٧٨.

٢١٦
الجزء التاسع والعشرون
واختلف - أيضاً - هل كان فرضاً على النبى - بر الخ - وحده ؟
أو عليه وعلى من كان قبله من الأنبياء ؟ أو عليه وعلى أمته؟ ثلاثة أقوال ...
أصحها ثالثها للحديث المتقدم الذى رواه سعيد بن هشام عن عائشة .
- رضى الله عنها - (١) .
وقال بعض العلماء بعد أن ساق أقوال العلماء فى هذه المسألة بشىء.
من التفصيل: والذى يستخلص من ذلك أن أرجح الأقوال، هو القول
القائل بأن التهجد كان فريضة على النبى - چين# - وعلى أمته، إذ هو
الذى يمكن أن تأتلف عليه النصوص القرآنية السابقة، ويشهد له ما تقدم.
من الآثار عن ابن عباس وعائشة وغيرهما .
ويرى بعض العلماء أن وجوب التهجد باق على الناس جميعا، وأنه لم.
ینسخ، وإنما الذی نسخ هو وجوب قیام جزء مقدر من الليل ، لا ينقص.
كثيراً عن النصف ...
ويرد على هذا القول بما ثبت فى الصحيحين، من أن الرسول.
- صلى الله عليه وسلم - قال للرجل الذى سأله عما يجب عليه من صلاة؟"
قال: (( خمس صلوات فى اليوم والليله . قال : هل على غيرها ؟ قال : لا
إلا أن تطوع .
ويرى فريق آخر ، أن قيام الليل نسخ عن الرسول وعن أمته بآخر
سورة المزمل ، واستبدل به قراءة القرآن، على ما يعطيه قوله - تعالى -
((على أن أن تحصوه فتاب عليكم، فافرؤا ما تيسر من القرآن.». وبدل
عليه - أيضاً - ظاهر ما روى عن عائشة، من قولها: ((فصار قيام الليل.
تطوعا من بعد الفريضه، دون أن تقيد ذلك بقيد.
=
(١) راجع تفسير القرطبى جـ ١٩ ص ٣٤.

٢١٧
سورة المزمل
ويرى فريق ثالث : أن وجوب التهجد استمر على النبى وعلى الأمة ،.
حتى نسخ بالصلوات الخمس ليلة المعراج.
ويرى فريق رابع : أن قيام الليل نسخ عن الأمة وحدها ، وبقى.
وجوبه على النبى - ◌َوالع - على ما يعطيه ظاهر آية الإسراء.
ولعل أرجح هذه الأقوال هو القول الرابع ... فإن آية سورة الإسراء
وهى قوله - تعالى - ((ومن الليل فتهجد به نافلة لك ... ، تدل على
أن وجوب التهجد قد بقى عليه - { اغ -)) (١).
وقوله - تعالى -: «ورقل القرآن ترتيلا) ارشاد له - ريخ - ولأمته
إلى أفعال طريقة لقراءة القرآن الكريم، حتى يستمروا عليها، وتم فى
أول عهدهم بنزول هذا القرآن الكريم.
والترتيل: جعل الشىء مرتلا، أى: منسقا منظما، ومنه قولهم :
ثغر مرقل ، أى : منظم الأسنان ، لم يشذ بعضها عن بعض ...
أى: قم - أيها الرسول الكريم - الليل إلا قليلا منه ... متعبدالربك
مرتلا للقرآن ترتيلا جميلا حسنا، تستبين معه الكلمات والحروف، حتى
يفهمها السامع، وحتى يكون ذلك أعون على حسن قدبره ، وأثبت لمعانيه
فى القلب ...
قال الإمام ابن كثير: وكذلك كان يقرأ - معدات -، فقد قالت عائشة.
كان رسول الله - ◌َةٍ - يقرأ السورة فيرقلها.، وسق أفس عن قراءته
- سالم - فقال: كانت مدا ..
.
وقال - لل - زينوا القرآن بأصواتكم)).
(١) راجع تفسير آيات الأحكام ج ٤ ص ١٩٠ للشيخ محمد على السايس.
- رحمه الله -

٢١٨
الجزء التاسع والعشرون
وقال عبد الله بن مسعود: لا تنثروه نثر الرمل، ولا تهذوه هذ الشعر
وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب (١) - أى لا تسرعوا فى قراءته
كما تسرعوا فى قراءة الشعر. والهذ: سرعة القطع - هذا، وليس معنى
قوله - سبحانه -: ورتل القرآن ترتيلا)،، أن يقرأ بطريقة فيها تلحين
أو قطريب، يغير من ألفاظ القرآن، ويخل بالقراءة الصحيحة من حيث
الأداء، ومخارج الحروف، والفن والمد، والإدغام والإظهار .. وغير
. ذلك ما تقتضيه القراءة السليمة للقرآن الكريم ..
وإنما معنى قوله - تعالى -: ((ورقل القرآن ترتيلا)، أن يقرأ،
بصوت جميل، وبخشوع وقدبر ، وبالتزام تام القراءة الصحيحة،
من حيث مخارج الحروف ، ومن حيث الوقف والمد والإظهار والإخفاء ..
وغير ذلك .
وقد بسط القول فى هذه المسألة بعض العلماء ، فارجع إليه
إن شئت (٢) .
وقوله - تعالى -: ((إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا)، تعليل للأمر
بقيام الليل، وهو كلام معترض بين قوله - سبحانه - ((قم الليل .. ))
وبين قوله - تعالى - بعد ذلك: ((إن ناشئة الليل .. )).
والمراد بالقول الثقيل : القرآن الكريم الذى أنزله - سبحانه - على
قلب نيه - رق -ِ .
ويشهد لثقل القرآن على النبى - لتر - أحاديث كثيرة، منها :
ما رواه الإمام البخارى من أن السيدة عائشة قالت: ((ولقد رأيته- المريخ-
ينزل عليه الوحى، فى اليوم الشديد البرد ، فيفهم عنه ، وإن جبينه
ليتقصد عرقا)،.
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٧٦
(٢) راجع تفسير آيات الأحكام ج ٤ ص ١٩٣ للشيخ السايس.

٢١٩
سورة المزمل
ومنها قوله - عَله -: (( ما من مرة يوحى إلى، إلا ظننت
أن نفسى تفيض - أى: تخرج .. )).
ومنها قول زيد بن ثابت: أنزل على رسول الله - بلح - شىء من
القرآن - وفخذه على فخذى. فكادت ترض فخذى - أى: تتكر - .
ومنها ما رواه هشام بن عروة عن أبيه ؛ أن النبى صلى الله عليه وسلم -
كان إذا أوحى عليه وهو على ناقته، وضعت جرأنها - أى: باطن عنقها -
فما تستطيع أن تتحرك، حتى يسرى عنه)، (١).
أى: قم - أيها الرسول الكريم - الليل إلا قليلا منه متعبدا لربك،
عتقربا إليه بألوان الطاعات ، فإنا سنلقى عليك قولا ثقيلا، وهذا القول
هو القرآن الكريم، الثقيل فى وزنه ، وفى ميزان الحق ، وفى أثره فى
القلوب، وفما اشتمل عليه من تكاليف، وصدق الله إذ يقول: لو أنزلنا
هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله ... ))
قال الجمل: قوله: ((إنا سنلقى عليك قولا ثقيلا)، أى: كلاما عظم)
جليلا ذا خطر وعظمة، لأنه كلام رب العالمين ، كل شىء له خطر ومقدار
خهو ثقيل ...
أو هو ثقيل لما فيه من التكاليف، والوعد والوعيد، والحلال والحرام،
والحدودو الأحكام .
قال قتادة : ثقيل والله فى فرائضه وحدوده .. وقال محمد بن كعب:
ثقيل على المنافقين، لأنه يهتك أسرارهم .. وقال السدى: ثقيلا بمعنى
كريم، مأخوذ من قولهم: فلان ثقل على، أى كرم على .. وقال ابن المبارك
هو والله ثقيل مبارك، كما ثقل فى الدنيا، ثقل فى الميزان يوم القيامة ...
وقيل: ثقيلا بمعنى أن العقل الواحد لا يفى بإدراك فوائده ومعانيه،
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٧٧.

٢٢٠
الجزء التاسع والعشرون
فالمتكلمون غاصوا فى بحار معقولاته . والفقهاء بحثوا فى أحكامه ...
والأولى أن جميع هذه المعانى فيه .
وقيل : المراد بالقول الوحى، كما فى الخبر، أن النبى - صلى الله عليه.
وسلم - كان إذا أوحى إليه، وهو على ناقته وضعت جراتها - أى :
وضعت صدرها على الأرض - فما تستطيع أن تتحرك حتى يسرى.
عنه٠٠٠٠ (١)
ويبدو لنا أن وصف القرآن بالتقل وصف حقيقي ، لما ثبت من ثقة
على النبى - صلى الله عليه وسلم - وقت نزوله عليه ... وهذا لا يمنع
أن ثقله يشمل ما اندرج فيه من علوم نافعة ، ومن مدايات سامية، ومن.
أحكام حكيمة ، ومن آداب قويمة ، ومن تكاليف جليلة الشأن .
وعبر - سبحانه - عن إيجاته بالقرآن إلى الرسول - صلى الله.
عليه وسلم :- بالإلقاء، للإشعار بأنه يلقى إليه على غير ترقب منه - صلى
الله عليه وسلم -، بل ينزل إليه فى الوقت الذى يريده - سبحانه - ،
وللإشارة من أول الأمر إلى أن ما يوحى إليه شيء عظيم وشديد الوقع.
على النفس .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك الحكمة من أمره له - صلى الله عليه ..
وسلم - بقيام الليل إلا قليلا منه للعبادة والطاعة فقال: ((إن ناشئة الليل هى.
أشد وطنا وأقوم قيلا)).
٠
وقوله: (( ناشئة ، : وصف من النشء وهو الحدوث، وهو صقة
لموصوف محذوف. وقوله: ((وطأ)) بمعنى مواطأة وموافقة، وأصل
الوطأ : وضع الرجل على الأرض بنظام وترتيب، ثم استعير للموافقة ،
ومنه قوله - تعالى -: ((ليوط وا عدة ما حرم الله))، ومنه قولهم: وطأت.
(١) راجع حاشية الجمل على الجلالين - ٤ ص ٤٢٨