Indexed OCR Text
Pages 181-200
يُسْـ قُلْ أُوِحِىَ إِلَّأَنَّهُ أَسْتَمَعَ نَفَرُ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُواْ إِنَّا سَمِعْنَا قُرْءَانًا نَجَبَّا ي ◌َدِىّ إِلَى الزُّشْدِ فَقَامَنَّا بِهِ، وَلَنْ تُشْرِكَ بِرَبِنَا أَحَدًا يَّ وَأَنْهُ تَعَلَى جَدْ رَ بِنَامَا أَّخَذَّ صَدِحِبٌ وَلَا وَلَّدًا (جٌ وَأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ سَفِيَُّ عَلَى اللَّهِ شَطَطًا () وَأَنَّ ظَتَنَّا أَنْ لَّنْ تَقُولَ آلْإِنسُ وَالْجِنْ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا ﴾ وَأَنَُّكَانَ رِجَالٌ مِنَ اْإِنِسِ يَعُوذُونَ بِجَالٍ مِنَ الْنِ فَادُوهُمْ رَهَقًّا يَّ وَأَنَّهُمْ ظَنُّواْ كَا ظَنْتُمْ أَنْ لَّنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَدًّا ◌َيْهِ وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَآءَ فَوَجَلْنَهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًاً وَشْهَبَارَهُ وَأَنَّا ◌ُّ نَقْعُدُ مِنْهَ مَقَعِدَ لِلسَّمْعِ فَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لُ شِهَابًا وَّصَدًا (٢ ) وَأَنَّ لَدْرِىّ أَنَّأُرِدَ بِمَنْ فِ الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ ◌ِهِمْ رَبْهُمْ رَشَدَّا وَأَنَّا مِنَّا الصَّالِحُونَ وَمِنَّا دُونَ ذَلِكٌ كُنَّا طَرَآءٍقَ قِدَدًا لِيَّ وَأَنَّا ظَنَنْآَ أَنْ لَّنْ تُعْجِزَ لَه فِ الْأَرْضِ. (وَلَنْ تُعَُِْهَرَبّ ◌َِ وَأَنَّ لَمَّ سَمِعْنَا أَهْدَّءَ امَنَّبٌِّ لَمَنْ يُؤْمِنَ. ◌ِيَةِ، فَلَ يَخَافُ بَخْسًا وَلَ رَهَقًّا (َ وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا" (أَنْقَسِطُونَّ قَنْ أَسْلَمَ فَأُوْلَكَ تَحَرَّوْ رَشَدًا ﴾ وَأَمَّا الْقَسِطُونَ﴾. ١٨٢ الجزء التاسع والعشرون وقد ذ کر المفسرون عند تفسیرم هذهالآيات روايات منها ماأخرجه الشيخان والترمذى، عن ابن عباس أنه قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم - فى طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ بنخلة ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر للسماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم ، فقالوا: مالكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب . قالوا: ماذاك إلا لشىء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء؟ فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر - من الجن - الذين أخذوا نحو تهامة، عامدين إلى سوق عكاظ، فوجدوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بنخلة يصلى بأصحابه صلاة الصبح، فلما سمعوا القرآن ، استمعوا إليه وقالوا : هذا الذى حال بيننا وبين خبر السماء. فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا، إنا سمعنا قرآنا عجبا. يهدى إلى الرشد فآمنا به وأن أشرك بربنا أحدا،، وأنزل الله - تعالى - على نبيه ((قل أوحى إلى أنه استمع نفر من الجن .. )). وروى أبو داود عن علقمة عن ابن مسعود عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: أقانى داعى الجن، فذهبت معهم، فقرأت عليهم القرآن ... وهناك رواية ثالثة لابن اسحاق ملخصها: أنه لما مات أبو طالب ،. خرج النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى الطائف يلتمس النصرة من أهلها ويدعوهم إلى الإيمان .. فأغروا به سفهاءهم، يسبونه ويستهزئون به .. فانصرف - صلى الله عليه وسلم - عنهم، حتى إذا كان يطن خلة - وهو موضع بين مكة والطائف - قام يصلى من الليل، فر به نفر من جن فصیبین - وهو موضع قرب الشام - فاستمعوا اله، فلما فرغ من صلاته) ١٨٣ سورة الجن ولوا إلى قومهم منذدين، قد آمنوا وأجابوا إلى ما سمعوا، فقص الله - تعالى - خبرهم عليه .. )) . وهناك روايات أخرى فى عدد هؤلاء الجن، وفى الأماكن التى النقوا فيها مع النبى - صلى الله عليه وسلم - وفما قرأه الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم، وفيمن كان معه من الصحابة خلال التقائه بهم ... ويبدو لنا من مجموع الروايات، أن لقاء النبى - صلى الله عليه وسلم"- بالجن قد تعدد، وأنهم قارة استمعوا اليه - صلى الله عليه وسلم - دون أن فراهم، وقارة التقى بهم وقرأ عليهم القرآن (١). قال الألوسى : وقد دلت الأحاديث على أن وفادة الجن كانت مت -مرات، ويجمع بذلك بين اختلاف الروايات فى عددهم وفى غير ذلك . وذكر ابن مردويه عن ابن عباس أنه قال: صرفت الجن إلى رسول الله -- صلى الله عليه وسلم - مرتين .. )، (٢) . قال القرطبى: واختلف أهل العلم فى أعمل الجن. فعن الحسن البصرى. أن الجن ولد إبليس، والإنس ولد آدم ، ومن هؤلاء وهؤلاء مؤمنون وكافرون، وهم شركاء فى الثواب والعقاب، فمن كان من هؤلاء .وهؤلاء مؤمناً فهو ولى الله، ومن كان من هؤلاء وهؤلاء كافرا فهو شيطان ... وعن ابن عباس: أن الجن هم ولد الجان وليسوا بشباطين ، ومنهم المؤمن الكافر، والشياطين هم ولد إبليس، لا يموتون إلا مع إبليس .. (٣) (١) راجع تفسير القرطبى حـ١٦ ص ٢١٠ و ١٩٣ ص ٢، وتفسير نابن کثیر = ٧ ص ٢٧٢ (٢) راجع تفسير الألوسى = ٢٦ ص ٣٠ و ٥ ٢٩ ص ٨٣ (٣) راجع تفسير القرطبى = ١٩ ص. ١٨٤ الجزء التاسع والعشرون وقال بعض العلماء: عالم الجن من العوالم الكونية، كعالم الملائكة وقد أخبر الله - تعالى - أنه خلقه من مارج من نار، أى : أن عنصر النار فيه هو الغالب؛ وأنه يرى الأناسى وهم لا يرونه، أى: بصورته .. الجبلية ، وإن كان يرى حين يتشكل بأشكال أخرى ، كما رئی جبريل. حین تشكل بشکل آدمى . وأخبر - سبحانه - بأنه قادر على الأعمال الشاقة. وأنه سخر الشياطين .. لسليمان يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل. وأخبر بأن من الجن مؤمنين، ومنهم شياطين متمردين، ومن هؤلاء. إبليس اللعين . ولم يختلف أهل الملل فى وجودهم، بل اعترفوا به كالمسلمين، وإن اختلفوا فى حقيقتهم ، ولا تلازم بين الوجود والعلم بالحقائق ، ولا ينه. وبين الرؤية بالحواس ، فكثير من الأشياء الموجودة لا تزال حقائقها مجهولة، وأسرارها محجبة، وكثير منها لا يرى بالحواس. ألا ترى الروح وهى مما لاشك فى وجودها فى الإنسان والحيوان - لم يدرك كنهها أحد. ولم يرها أحد، وغاية ما علم من أمرها بعض صفاتها وآثارها .. وقد بعث النبى - صلى الله عليه وسلم - الى الجن، كما بعث إلى الإنس،. فدعاهم إلى التوحيد، وأنذرهم وبلغهم القرآن، وسيحاسبون على الأعمال يوم الحساب كما يحاسب الناس، فيزمنهم كمؤمنهم، وكافرهم ككافرهم، وكل ذلك جاء صريحاً فى القرآن والسنة ... (١) وقد افتح - سبحانه - السورة الكريمة بأمر النبى - صلى الله عليه- وسلم - بأن يقول للناس ما حدث من الجن عند سماعهم للقرآن . فقال : ((قل أوحى الى أنه استمع نفر من الجن .. ». (١) صفوة البيان =٢ ص ٤٧٠ لفضيلة الشيخ حسنين مخاوف. ١٨٥ سورة الجن وفى هذا الأمر دلالة على أن المأمور به شىء هام، يستدعى من السامعين. التيقظ والانتباه، والامتثال للمأمور، وتصديقه - بَّلهــ فيما أخبر به. والنغر: الجماعة من واحد إلى عشرة. وأصله فى اللغة الجماعة من الإنس. فأطلق على الجماعة من الجن على وجه التشيه . أى: قل - أيها الرسول الكريم - للناس، إن الله -تعالى- قد أخبرك عن طريق أمين وحيه جبريل «أن جماعة من الجن قد استمعوا إليك وأنت. تقرأ القرآن ... فقالوا - على سبيل الفرح والإعجاب بماسمعوا -: ((إنا سمعنا)» من الرسول - بريل - «قرآنا عجبا، أى: إنا سمعنا قرآنا جليل الشأن بديع الأسلوب ، عظيم القدر .. هذا القرآن ((يهدى إلى الرشد، أى: إلى الخير والصواب والهدى. ((فآمنابه، إيمانا حقاً، لا يخالطه شك أو ريب ((ولن نشرك بربنا أحدا)) أى : فآمنا بما اشتمل عليه هذا الكتاب من دعوة إلى إخلاص العبادة فيهـ - تعالى - وحده ، ولن نشرك معه فى العبادة أحداكائنا من كان هذا الأحد . والمقصود من أمره - خ - بذلك، دعوة مشركى قريش إلى الإيمان بالحق الذى جاء به - عقبيه -، كما آمن. جماعة من الجن به، وإعلامهم بأن رسالته - زيت - تشمل الجن والإنس. وضمير ((أنه)) للشأن، وخبر ,أن جملة (( استمع نفر من الجن))؛ وتأكيد هذا الخبر بأن، للاهتمام به ثغرابته. ومفعول ((استمع ، محذوف لدلالة قوله: ((إنا سمعنا قرآنا عجباً، عليه . ووصفهم القرآن بأنه «قرآنا عجباً يهدى إلى الرشد، يدل على تأثرهم به تأثرا شديدا، وعلى إعجابهم العظيم بنظمه المتقن، وأسلوبه الحكيم، ١٨٦ الجزء التاسع والعشرون ومعانية البديعة ... ولذا أعلنوا إيمانهم به بدون تردد، كما يشعر بذلك التعبير بالفاء فى قوله: « فآمنا با ... ». والتعبير بقوله - تعالى -: ((فقالوا إنا سمعنا .. )) يحتمل أنهم قالوا ذلك فيما بينهم، أولإِ خوانهم الذين رجعوا إليهم، كما فى قوله-تعالى- فى سورة الأحقاف: (( قالوايا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدى إلى الحق وإلى طريق مستقيم ... )، ويحتمل أنهم قالوا ذلك فى أنفسهم على سبيل الإعجاب، كمافى قوله - تعالى: ((ويقولون فى أنفسهم. لولا يعذبنا الله بما نقول)، بل اننا نرجح أن قولهم هذا قد شمل كل ذلك، لأن هذا هو الذى يتناسب مع اعجابهم بالقرآن الكريم ، ومع حرصهم على إيمان أكبر عدد منهم به . ثم حكى - سبحانه - أن هذا النفر من الجن بعد استماعهم إلى القرآن وإيمانهم به ، أخذوا فى الثناء على الخالق - عز وجل - ، فقال حكاية عنهم: ((وأنه تعالى جمد ربنا ما اتخذ صاحبة ولاولدا». ولفظ ((وأن)) قد تكرر فى هذه السورة الكريمة أكثر من عشرمرات قارة بالإضافة إلى ضمير الشأن ، وقارة بالإضافة إلى ضمير المتكلم .. ومن القراء السبعة من قرأه بفتح الهمزة، ومنهم من قرأه بكسرها. فن قرأ(«وأنه - تعالى - جدربنا .. ، بالفتح فعلى أنه معطوف على محمل الجار والمجرور فى قوله (( فآمنا به، فكأنه قيل : فصدقناه وصدقنا أنه تمالى جد ربنا. ومن قرأ بالكسر فعلى أنه معطوف على المحكى بعد القول. أى. قالوا إنا سمعنا قرآنا عجباً، وقالوا إنه تعالى جد ربنا ... قال الجمل فى حاشيته ما ملخصه: قوله - تعالى -: ((وأنه تعالى جد ربنا .. )، قرأه حمرة والكسائى وأبو عامر وحفص بفتح ((أن))، .وقرأه الباقون بالكر ... ١٨٧ سورة الجن وتلخيص هذا أن ((أن)) المشددة فى هذه السورة على ثلاثة أقسام: قسم ليس معه واو العطف، فهذالاخلاف بين القراء فى فتحه أو كسره، على حسب ما جاءت به التلاوة، واقتضته العربية، كقوله: ((قل أوحى .إلى أنه استمع .. ، لا خلاف فى فتحه لوقوعه موقع المصدر، وكقوله: « إنا سمعنا قرآنا عجباً، لا خلاف فى كسره لأنه يحكى بالقول. القسم الثانى أن يقترن بالواو ، وهو أربع عشرة كلمة ، إحداها : - لا خلاف فى فتحها، وهى قوله: ((وأن المساجد لله .. )) وهذا هو القسم الثالث. والثانية وهى قوله ((وأنه لما قام عبد الله .. ، كسرها ابن عامر .وأبو بكر وفتحها الباقون . والاثنتا عشرة الباقية، فتحها بعضهم ، وكسرها بعضهم وهى قوله - تعالى -: ((وأنه تعالى جد ربنا، وقوله. (وأنه كان يقول .. وأناظننا .. وأنه كان رجال .. وأنهم ظنوا .. وأفا لمسنا .. وأنا كنا .. وأنا لا ندرى .. وأنامنا الصالحون .. وأنا لما سمعنا الهدى .. وأنامنا المسلمون .. »(١). وقوله: ((تعالى - من التعالى وهو شدة العلو، و«الجاء) - بفتح الجيم. العظمة والجلال . قال القرطبى : الجد فى اللغة: العظمة والجلال ، ومنه قول أنس : كان الرجل إذا حفظ البقرة وآل عمران جد فى عيوننا . أى: عظم فمعنى. جد ربنا : عظمته وجلاله .. وقيل معنى ((جد ربنا .. )): غناه ، ومنه قيل للحظ جد. ورجل مجدود، أى: محظوظ، وفى الحديث: ((ولا ينفع ذا الجد منك الجد)» "أى: ولا ينفع ذا الغنى منك غناء، إنما تنفعه الطاعة ... )، (٢). (١) حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٠٤١٥ (٢) راجم تفسير القرطى ج ١٩ ص٨. ١٨٨ الجزء التاسع والعشرون وجمة , ما اتخذ صاحبة ولا ولدا، بيان وتفسير لما قبله . أى: آمنابه - سبحانه - إيمانا حقاً، وصدقنا فيه فيما جاءنا به من عنده، وصدقنا - أيضاً - أن الحال والشأن أنه تعالى وتعاظم جلال ربنا، وتنزه فى ذاته وصفاته، عن أن يكون له شريك فى ملكه، أو أن تكون له صاحبة، أو أن يكون له ولد، كما زعم الراعمون من الكافرين الجاهلين. وفى هذا القول من هذا النفر من الجن ، ود على أولئك المشركين الذين کانوا یزعمون أن الملائكة بنات الله - تعالى - ، وأنهم۔ أی : الملاك،۔ جاءوا عن طريق مصاهرته - سبحانه - الجن، كما حكى عنهم - سبحاته. ذلك فى قوله: ((وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا، ولقد علمت الجنة انهم محضرون . سبحانه الله عما يصفون». ثم حكى - سبحانه - أقرالا أخرى لهؤلاء المؤمنين من الجن فقال: ((وأنه كان يقول سفيهما على الله شططا ... والمراد بالسفيه هنا: إبليس. - لعنه الله -، وقيل المراد به الجفس فيشمل كل كافر ومتمرد من الجن. والشاط ((مجاوزة الحدو العدل فى كل شىء أى: أننا نتزه الله - تعالى ... عما كان يقوله سفهاؤنا - وعلى رأسهم إبليس - من أن الله - عز وجل- صاحبة أوولدا، فإن هذا القول بعيد كل البعد عن الحق والعدل والصواب. وقوله («وأناظننا أن أن تقول الإنس والجن على الله كذبا، اعتذارمنهم. عن كفرهم السابق، فكأنهم يقولون بعد أن استمعوا إلى القرآن، وآمنوا. بالله - تعالى - وحده: إننا نتزه الله - تعالى - عما قاله السفهاء فى شأنه .. وإذا كنا قد اتبعناهم قبل إيماننا، فسبب ذلك أننا صدقنا هؤلاء السفهاء فيما. قالوه لنا ، وما كنا نعتقد أو تتصور أو نظن أن هؤلاء السفهاء يصل بهم. الفجور والكذب .. إلى هذا الحد الشنيع، وقوله «كذبا، مفعول به ليقول، أو صفة لمصدر محذوف، أى : قولا مكذوبا . ١٨٩ سورة الجن ثم حكى - سبحانه - عنهم تكذيبهم لما كان متعارنا عليه فى الجاهلية حن أن للجن سلطانا على الناس ، وأن لهم قدرة على النفع والضر .... خقال - تعالى -: «وأنه كان رجال من الإنس بعوذون برجال من الجن فزادوم رهقا ) . . وقوله: ((بموذون، من الموذ بمعنى الاستجارة بالشىء، والالتجاء إليه طلبا للنجاة . والرهق: الإثم وغشيان المحارم ... قال صاحب الكشاف: والرهق : غشيان المحارم . والمعنى : أن الإفس باستعاذتهم بهم - أى بالجن - زادوم كفراوتكبرا. وذلك أن الرجل من العرب كان إذا أمسى فى واد قفر فى بعض مسايره ، وخاف على نفه قال : أعوذ بسيد هذا الوادى من سفهاء قومه ، يريد الجن وكبيرهم ، فإذا سمعوا ذلك استكبروا وقالوا: سدنا الجن والإنس ، فذلك رهقهم، أو : فزاد الجن الإنس رهقا بإغوائهم وإضلالهم لاستعاذتهم بهم .. )،(١). " فالمقصود من الآية الكريمة بيان فاد ما كان شائعا فى الجاهلية - بل وفى بعض البيئات حتى الآن - من أن الجن لهم القدرة على النفع والضر وأن بعض الناس كانوا يلجأون إليهم طلبا لمنفعتهم وعونهم على قضاء مصالحهم ... وإطلاق أسم الرجال على الجن ، من باب التشبيه والمشاكلة ، لوقوعه مع رجال من الإنس ، فإن الرجل اسم للذكر البالغ من بنى آدم. ،وقوله - سبحانه -: ((وأنهم ظنواكما ظننتم أن أن يبعث الله أحدا)) (١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٦٢٤ ١٩٠ الجزء التاسع والعشرون بيان لما استنكره هؤلاء النفر المؤمنون من الجن على قومهم الكافرين . وعلى من يشبهونهم فى الكفر من الإنس . أى: وأنهم - أى الإنس ـ ظنوا واعتقدوا ((كما ظننتم)، واعتقدتم. أيها الجن، أن الله - تعالى - لن يبعث أحدا بعد الموت، وهذا الظن منهم ومنكم ظن خاطىء فاسد ، فإن البعث حق ، وإن الحساب حق ، وإن الجزاء حق ... وفى هذا القول من مؤمنى الجن ، تعريض بمشركي قريش ، الذين فكروا البعث، وقالوا: «ماهى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا ومايهلكنه إلا الدهر ... ». ثم حكى - سبحانه - عنهم ما قالوه عند اقترابهم من السماء، طلبالمعرفة أخبارها ... قبل أن يؤمنوا فقال: «وأنا لمسنا السماء فوجد ناها ملئت حرسا شديدا وشهيا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا)) . ١٠ وقوله: (( لمسنا)) من اللمس، وحقيقته الجس باليد ، واستعير هنا. لطلب أخبار السماء، لأن الماس للشىء فى العادة، إنما يفعل ذلك طلبه لاختبار، و معرفته . والحرس: اسم جمع الحراس، ولا واحد له من لفظه كخدم وكخدام والشهب : جمع شهاب ، وهو القطعة التى تنفصل عن بعض النجوم، فتسقط فى الجو أو على الأرض أو البحر . أى = وأنا طلبنا أخبار السماء كما هى عادتنا قبل أن نؤمن (فوجد ناها" ملئت حرسا شديدا وشهبا، أى: فوجدناها قد امتلأت بالحراس الأشداء من الملائكة الذين يحرسونها من استراق السمع ... كما أنا قد وجدناها قد · امتلأت بالشهب التى تنقض على مسترقى السمع فتحرقهم. ١٩١ سورة الجن (((وأنا كنا نقعد منها، أى: من السماء ((مقاعد للسمع)، أى: كنه نقعد منها مقاعد كائنة للسمع، خالية من الحرس والشهب . . ((فمن يستمع الآية، بعد نزول القرآن، الذى هو معجزة النبى - 195- والذى آمنا به وصدقناه. ((يجد له شهابا رصدا)، أى: فمن يجلس الآن ليسترق السمع من السماء يجد له شهابا معدا ومهياً للانقضاض عليه فيهلكه . فالرصد: جمع راصد، وهو الحافظ للشىء ، وهو وصف لقوله. , شهابا ). والفاء في قوله: «فمن يستمع الآن .. ) للتفريع على محذوف ، و كلمة ((الآن)) فى مقابل كلمة « كنا) الدالة على هذا المحذوف .. والتقدير: كنا نقعد منها مقاعد للسمع، فنستمع أشياء .. وقد انقضى ذلك ، وصرنا من يستمع الآن منا يجد له شهابا رصدا، ينقض عليه فيحرقه . والمقصود من هاتين الآيتين: تأكيد إيمانهم بالله - تعالى-، وبرسوله - صلى الله عليه وسلم -، وحض غيرهم على اتباعهم، وتحذيرهم من التعرض لا سعراق السمع . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره هاتين الآيتين : بخبر - تعالى - عن الجن حين بعث الله رسوله محمداً - وَلتم - وأنزل عليه القرآن، وكان من حفظه له أن السماء ملئت حرسا شديدا وشهبا، وحفظت من سائر أرجائها ، وطردت الشياطين عن مقاعدها التى كانت تقعد فيها قبل ذلك ، لئلا يسترقوا شيئا من القرآن . فيلقوه على ألسنة الكهنة، فيلتبس الأمر ويختلط ولا يدرى من الصادق، وهذا من لطف الله مخلقه، ورحمته بعباده، وحفظه لكتابه العزيز، ولهذا قالت للجن: «وأنا لمنسا السماء فوجد ناهه ١٩٢ الجزء التاسع والعشرون حلات حرسا شديدا وشهبا. وأنا كذا نقعد منها مقاعد للسمع، فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا)، أى: من يروم أن يسترق السمع اليوم يجد له شهابا مرصدا، لا يتخطاه ولا يتعداه، بل يمحقه ويهلكه)) (١). وقال بعض العلماء: والصحيح أن الرجم كان موجودا قبل المبعث، فلما بعث - الفر - كثر وازداد، كما ملئت السماء بالحرس والشهب. وليس فى الآية دلاله على أن كل ما يحدث من الشهب إنما هو الرجم ، بل أنهم إذا حاولوا استراق السمع رجعوا بالشهب. وإلا فالشهب الآن وفيما مضى قد تكون ظواهر طبيعية ولأسباب كونية)) (٢) . ثم حكى - سبحانه - ما قالوه على سبيل الاقرار بأنهم لا يعلمون شيئا من الغيوب فقال: وأنا لا نددى أشر أريد بمن فى الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا )،. أى: وقال هؤلاء الجن المؤمنون - على سبيل الاعتراف بأن مرد على الغيوب إلى الله - تعالى - وحده -: قالوا وإنا لا ندرى ولا نعلم الآن، بعد هذه الحراسة المشددة للسماء، أ أريد بأهل الأرض ما يضرهم ، أم أراد الله - تعالى - بها ما ينفعهم؟ قال الألوسى: ولا يخفى ما فى قولهم هذا من الأدب ، حيث لم يصرحوا. بنسبة الشر إلى الله - تعالى -، كما صرحوا به فى الخير، وإن كان فاعل الكل هو الله - تعالى -، ولقد جمعوا بين الأدب وحسن الاعتقاد)، (٣). ثم حکی - سبحانه - ما قالوه فى وصفحالهم وواقعهم فقال: «وأنامنا الصالحون .. )) أى: منا الموصوفون بالصلاح والتقوى .. وهم الذين (١) تفسير ابن كثير =٧ ص ٢٦٧. (٢) تعسير صفوة البيان = ٢ ص ٤٧٢ لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف. (٣) تفسير الآلوسي جـ ٢٩ ص٠٨٨ ١٩٣ سورة الجن آمنوا بالله - تعالى - إيمانا حقا، ولم يشركوا معه فى العبادة أحدا .. (((ومنا دون ذلك، أى: ومنا قوم دون ذلك فى الصلاح والتقوى .. -وهم الذين فسقوا عن أمر ربهم، ولم يستقيموا على صراطه ودينه . وقوله : «كنا طرائق قددا، تشبيه بليغ. والطرائق: جمع طريقة، . وهى الحالة والمذهب . وقددا : جمع قدة، وهى الفرقة والجماعة من الناس ، الذين تفرقت : مشاربهم وأهواؤهم . والجملة الكريمة بيان وتفسير لما قبلها . أى: وأنا فى واقع أمرنا منا الصالحون الأخيار .. ومنا من درجته - ورقبته أقل من ذلك بكثير أو بقليل .. فنحن فى حياتناكنا قبل سماعنا للقرآن كالمذاهب المختلفة فى حسنها وقبحها، وكالطرق المتعددة فى استقامتها واعوجاجها .. أما الآن فقد وفقنا الله - تعالى - إلى الإيمان به، وإلى - إخلاص العبادة له .. ومن وجوه البلاغة فى الآية الكريمة، أنهم قالوا: ((ومنا دون ذلك))، ليشعل التعبير من هم دون الكمال فى الصلاح، ومن هم قد انحدروا فى الشرور الآثام إلى درجة كبيرة، وهم الأشرار. والمقصود من الآية الكريمة ، مدح الصالحين ، وذم الطالحين، ودعوتهم إلى الاقتداء بأهل الصلاح والتقوى والإيمان . ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بشأن عجزهم المطلق. أماماقدرة خالقهم فقال: ((وأنا ظننا أن لن نعجز الله فى الأرض، وأن نعجزه هربا)). والظن هنا بمعنى العلم واليقين. وقوله: ((فعجزه، من الإعجاز، وهو جعل الغير عاجزا عن الحصول على ما يريد .. وقوله (( فى الأرض - وهربا، فى موضع الحال . (م ١٣ - جزء تبارك) ١٩٤ الجزء التاسع والعشرون أى : وأننا قد علمنا وتيقنا بعد إيماننا وبعد سماعنا للقرآن .. أنتافيه. قبضة الله - تعالى - وتحت قدرته ، ولن نستطيع الحرب من قضائه. سواء أكنا فى الأرض أم فى غيرها. فقوله ((فى الأرض، إشارة إلى عدم قدرتهم على النجاة من قضائه - تعالى- مهما حاولوا الجو، إلى أية بقعة من بقاعها، ففى أى بقعة منها يكونون)). بدر كهم قضائه وقدره . وقوله: ((وأن نعجزه هرباء إشارة إلى أن هربهم إلى السماء لا إلىّ. الأرض، أن ينجبهم ما يريده - سبحانه - بهم. فالمقصود بالآية الكريمة : إظهار عجزهم المطلق أمام قدرة الله - تعالى ... وعدم تمكنهم من الحرب من تضانه، سواء ألجأوا إلى الأرض، أم إلى السماء. - وشيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى -: وما أنتم بمعجزين فى. الأرض وما لكم من دون الله من ولى ولا نصير)). ثم حكى - سبحانه - حالهم عندما سمعوا ما يهديهم إلى الرشيد .. فقال - تعالى -: وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به، فمن يؤمن بربه فلايخاف بحساولا رهقا ..... أى: وأننا لماسمعنا الهدى، أى: القرآن من النبى - معلم - «آمنا به» .. بدون تردد أوشك ,فمن يؤمن بربه، وبما أنزله على نبيه - ×الت} - فلا يخاف بخسا، أى: نقصا فى ثوابه ,ولارهقا)) أى: ولا يخاف .. - أيضاً - ظلما يلحقه بزيادة فى سيئاته، أو إهانة تذله وتجعله كسير القلب ، منقبض النفس. فالمراد بالبخس : الغبن فى الأجر والثواب. والمراد بالرهق: الإهانة والمذلة والمكروه. ١٩٥ سورة الجن . والمقصود بالآية الكريمة إظهار ثقتهم المطلقة فى عدالة الله - تعالى -. وقوله - سبحانه -: وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون، فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا، وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا، تأكيد وتفصيل لما قبله . والقاسطون: هم الجائرون الظالمون، جمع قاسط ، وهو الذى ترك الحق واتبع الباطل، اسم فاعل من قسط الثلاثى بمعنى جار. بخلاف المقسط فهو الذى ترك الباطل واقبع الحق . مأخوذ من أقسط الرباعى ، بمعنى عدل . أى: وأنا - معاشر الجن - ((منا المسلمون)، الذين أسلموا وجوههم لله وأخلصوا له العبادة . ,ومنا القاسطون، أى: الجائرون العادلون عن الحق إلى الباطل. ((فمن أسلم، منا ((فأولئك، المسلمون (( تحروا رشدا)) أى : توخوا وقصدوا الرشد والحق . ((وأما القاسطون، وهم الذين آثروا الغى على الرشد «فمكافوا الجهنم. حطبا)،أى: وقودا لجهنم ، كما توقد النار بما يلقى فيها من حطب ومايشبهه. وإلى هنا نرى الآيات الكريمة قد حكمت أقوالا متعددة ، لهؤلاء النفر من الجن، الذين استمعوا إلى القرآن، فآمنوا به ، وقالوا لن نشرك. بربنا أحدا . ثم بين - سبحانه - سنة من منته التى لا تتخلف ، وهى أن . الاستقامة على طريقه توصل إلى السعادة ، وأن الإعراض عن طاعته - تعالى - يؤدى إلى الشقاء، وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - ١٩٦ الجزء التاسع والعشرون أن يعلن للناس حقائق دعوته، وخصائص رسالته، وإقراره أمامهم بأنه لا يملك لهم ضرا ولا نفعاً، وأن علم الغيب مرده إلى الله - تعالى - وحده ، فقال - سبحانه - : . وَأَلٍَّ أَسْتَقَامُواْ عَلَى الْطَرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَهُمِ مُّآءَ غَدَقًّا ◌ْ لِنَفْتِنَهُمْ فِهِ وَمَن يُعْرِضْ عَن ذِكْرِ رَبِهِ يَسْلُكُ. ◌َذَابًا صُعَدًا (بَّ وَأَنَّ الْمَسَتِدُ لِلَّهِفَلَا تَدْ عُواْ مَعَ اللَّهِ أَحَدًّا لٌ وَنَّهٍُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِيَدْعُوُهُ كَادُ واْيَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًّا (٨﴾ قُلْ إِنَّا أَدْعُواْ رَبِيِ وَلاَ أُشْرِكُ بِهَِ أَحَدًا ( ﴿ قُلْ إِى لَا أَمْلِكُ لَكْ ضَرًّا وَلَ رَشَدًّا (يَ قُلْ إِى لَنْ يُحِرَِ مِنَ اللّهِأَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِن دُونِهِ، مُلْتَحَدًا (﴿ إِلَّا بَلَغَا مِّنَ الَهِ وَرِسَلَِةٍّ، وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. فَإِنَّلَهُ نَارَ جَهََّ خَلِينَ فِيَهَا أَبَدًّا ( حَتَّى إِذَا رَأَوْ مَا يُوعَدُونَ فَيَعْلُونَ مَنْ أَضْعَفُ نَاصِرً ا وَقَلْ عَدَدًّا (يَ قُلْ إِنْ أَدْرِىَّ أَقَرِيبٌ مَّا تُؤْعَدُونَ أَمْ يَجْعَلُ لَهُ رَبِ أَمَدًا (ي عَلِمْ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيِّهِ أَحَدًّا (٤٦) إِلَّ مَنِ آَرْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ، رَصَدًّا (٣) لِّبَعْلَ أَنْ قَدْ أَيْلَغُواْرِسَلَتِ رَيْهِمْ وَأَخَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدَاً ١٩٧ سورة الجن وقوله - سبحانه -: ((وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا ... ، معطوف على قوله - تعالى -: «أنه استمع نفر من الجن ... )) فهو من جملة الموحى به، وهو من كلام اللّه - تعالى - لبيان سنة من سفنه فى خلقه، واسم ( أن) المخففة ضمير الشأن، والخبر قوله: « لو استقاموا ... ))، والضمير يعود على القاسطين - وا. أكانوا من الإنس أم من الجن . والماء الغدق: هو الماء الكثير. بقال: غدقَتْ عين فلان غدا - كفرح - ، إذا كثر دمعها فهو غدقة ، ومنه الغيداق للماء الواسع الكثير، والمراد : لأعطيناهم فعما كثيرة . أى: ولو أن هؤلاء العاداين عن طريق الحق إلى طريق الباطل استقاموا على الطريقة المثلى، التى هى طريق الإسلام، والتزموا بما جاءهم به النبى - صلى الله عليه وسلم - من عندربه ... لو أنهم فعلوا ذلك ، لفتحنا عليهم أبواب الرزق ، ولأعطيناهم من بركاتنا وخير أتنا الكثير ... وخص الماء الغدق بالذكر، لأنه أصل المعاش والسعة . ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ((ومن يق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب ... )، وقوله - سبحانه -: ,(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ... )، وقوله - تعالى -: ((ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم، لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم ... )). ثم بين - سبحانه - الحكمة فى هذا العطاء لعباده فقال: «لنفتنهم فيه، وأصل الفتن الامتحان والاختبار. تقول: فتنت الذهب بالنار، أى: اختبرته لتعرف مقدار جودته . ١٩٨ الجزء التاسع والعشرون والمعنى : نعطيهم ما نعطيهم من خيراننا ، لنختبرهم وتمتحنهم ، ليظهر الخلائق موقفهم من هذه النعم، أيشكروننا عليها فنزيدهم منها، أم يجحدون ويبطرون فنمحقها من بين أيديهم ... ؟ والجملة الكريمة معترضة بين ما قبلها ، وبين قوله - تعالى - بعد ذلك:((ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا» .. وقوله: ((يسلكه، من السلك بمعنى إدخال الشىء فى الشىء ومنه قوله - تعالى -: (( كذلك فلكه فى قلوب المجرمين)). والصعد : الشاق. يقال: فلان فى صعّد من أمره، أى: فى مشقة وتعب، وهو مصدر صَعِد - كفرح - صعداً وصعودا. ٠ أى: ومن يعرض عن طاعة ربه ومراقبته وخشيته ... يدخله - سبحانه - فى عذاب شاق ألم، لا مفر له منه، ولا مهرب له عنه . ومن الحقائق والحكم التى نأخذها من هاتين الآيتين ، أن الاستقامة على أمر الله، تؤدى إلى السعادة التى ليس بعدها سعادة، وأن رخاء العيش وشظافته مما لون من ألوان الإبتلاء والاختبار، كما قال - تعالى -: ((وفيلوكم بالشر والخير فتنة)،، وأن الإعراض عن ذكر الله ... عاقبته الخسران المبين ، والعذاب الأليم .. قال القرطبى ما ملخصه: قوله: ((لنفتنهم فيه)، أى لتختبرهم كيف شكرهم فيه على تلك النعم . وقال عمر بن الخطاب فى هذه الآية: أينما كان الماء كان المال ، وأينما كان المال كانت الفتنة . فمعنى ((لأستيناهم)): لوسعنا عليهم فى الدنيا، وضرب الماء الغدق الكثير لذلك مثلا، لأن الخير والرزق كله بالمطر يكون، فأقيم مقامه ... وفى صحيح مسلم، عن أبى سعيد الخدرى ، أن رسول الله - صلى الله ١٩٩ سورة الجن عليه وسلم - قال: أخوف ما أخاف عليكم ، ما يخرج لكم من زهرة -الدنيا. قالوا: وما زهرة الدنيا؟ قال: بركات الأرض ... ». وقال - صلى الله عليه وسلم -: والله ما الفقر أخشى عليكم، وإنما أخشى عليكم أن تبسط عليكم الدنيا ، كما بسطت على من قبلكم ، -فتنافسوها، كما تنافسوها فتهلككم كما أهلكتهم، (١). ثم بين - سبحانه - أن المساجد التى تقام فيها الصلاة والعبادات، يجب -أن تنسب إلى الله - تعالى - وحده، فقال: «وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا)). والجمنة الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك ,أوحى إلى أنه -استمع نفر من الجن ٠٠٠). والمساجد: جمع مسجد، وهو المكان المعن لإقامة الصلاة والعبادة فيه. واللام فى قوله ((لله))، للاستحقاق . أى: وأوحى إلى - أيضاً - أن المساجد التى هى أماكن الصلاة والعبادة لا تكون إلا لله - تعالى - وحده، ولا يجوز أن تنسب إلى صنم من : الأصنام ، أو طاغوت من الطواغيت. قال الإمام ابن كثير: قال قتادة: كانت اليهود والنصارى إذا دخلوا كنائسهم وبيعهم ، أشركوا بالله، فأمر الله نبيه والمؤمنين، أن يوحدوه - وحده ... وقال سعيد بن جبير: نزلت فى أعضاء السجود، أى: هى الله فلا فسجدوايها لغيره ... وفى الحديث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - -قال: أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين)) (٢) . (١) تفسير القرظي حـ ١٩ ص ١٨ (٢) راجع تفسير ابن كثير -٧ ص ٢٧٠ ٢٠٠ الجزء التاسع والعشرون . ويبدو لنا أن المراد بالمساجد هنا: الأماكن المعدة للصلاة والعبادة، لأن هذا هو المبتادر من معنى الآية، وأن المقصود بها توبيخ المشركين .. الذين وضعوا الأنصاب والأصنام، فى المسجد الحرام ، وأشركوما فى العبادة مع الله - تعالى -. وأضاف - سبحانه -- المساجد إليه، على سبيل التشريف والتكريم. وقـ تضاف إلى غيره - تعالى - على سبيل التعريف فحسب ، وفى. الحديث الشريف: الصلاة فى مسجدى هذا خير من ألف صلاة فى غيره، .. إلا المسجد الحرام . . ثم بين - سبحانه - حال الصالحين من الجن، عندما استمعوا إلى. النبى - لتر - وهو يقرأ القرآن، ويتقرب إلى الله - تعالى - بالعبادة .. فقال: (( وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه ليدا)). أى: وأوحى الله - تعالى - فما أوحى من شأن البون، أنه لما قام، عبد الله، وهو محمد - ربيع -، ((يدعوه، أى: يدعو الله - تعالى -. ویعبده فى الصلاة ، ((كادوا ، أى : الجن , یکونون علیه لبدا ، أى : كادوا من شدة التزاحم عليه، والتكتل حوله .. يكونون كالبد، أى : كالشى .. الذى تلبد بعضه فوق بعض. ولفظ ((لبدا) جمع لبده، وهى الجماعة المتزاحمة ، ومنه لبدة الأسد للشعر المقراكم فى رقبته . ووضع - سبحانه - الاسم الظاهر موضع المضمر، إذ مقتضى. الظاهر أن يقال: وأنه لما قمت تدعو الله .. أو لما قمت أدعو الله .. تكريما للنبى - بِالتَّم -، حيث وصفه بأنه ((عبد الله)) لما فى هذه الإضافة من .. التشريف والتكريم . ٠ والجن إنما ازدحموا حول الرسول - مخلل - وهو يصلى ويقرأ القرآن .. تعجبا مما شاهدوه من صلاته، ومن حسن قراءته، ومن كمال.