Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ سورة الملك وقال - سبحانه - ((فمن يجير الكافرين) للإشارة إلى أن كفرهم هو السبب فى بوارهم وفى نزول العذاب الأليم بهم . ثم أمره - سبحانه - للمرة الخامسة ، أن يبين لهم أنه هو واصحابه معتمدون على الله - تعالى - وحده، ومخلصون له العبادة والطاعة، فقال: ((قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا .... أى: وقل يا محمد لهؤلاء الجاحدين: إذا كنتم قد أشركتم مع الله - تعالى - آلهة أخرى فى العبادة، فنحن على النقيض منكم؛ لأننا أخلصنا عبادتنا للرحمن الذى أوجدنا برحمته ؛ وآمنابه إيمانا حقا ؛ وعليه وحده. توكلنا وفوضنا أمورنا .. وأخر - سبحانه - مفعول , آمنا، وقدم مفعول , تو كلنا)،، التعريض بالكافرين ، الذين أصروا على ضلالهم ، فكأنه يقول: نحن آمنا ولم تكفر كما كفرتم، وتوكلنا عليه وحده («ولم نتوكل على ما أنتم متوكلون عليه من أصنامكم وأموالكم وأولادكم .. وقوله ((فستعلمون من هو فى ضلال مبين) مسوق مساق التهديد والوعيد أى : فستعلمون فى عاجل أمرنا وآجله ، أنحن الذين على الحق أم أنتم؟ ونحن الذين على الباطل أم أنتم ؟ فالمقصود بالآية الكريمة التهديد والإنذار، مع إخراح الكلام مخرج الإنصاف، الذى يحملهم على التدبر والتفكر لوكانوا يعقلون . ثم أمر - سبحانه = نبيه - ورق - للمرة السادسة، أن يذكرهم بنعمة الماء الذى يشربونه فقال: ((قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأيتكم بماء معين،. ٤٢ الجزء التاسع الشرون وقوله ((غورا، مصدر غارت البئر، إذا نضب ماؤها وجف . يقال: غار الماء يغور غورا، إذا ذهب وزال . والمعين: هو الماء الظاهر الذى تراه العيون ، ويسهل الحصول عليه، وهو فعیل من معن إذا قرب وظهر .. أى: وقل لهم - أيها الرسول الكريم - على سبيل التوبيخ وإلزام الحجة: أخبرونى إن أصبح ماؤكم غائرا فى الأرض، بحيث لا يبقى له وجود أملا .. فمن يستطيع أن يأتيكم بماء ظاهر على وجه الأرض، تراه عيونكم، وتستعملونه فى شئونكم ومنا فعكم . إنه لا أحد يستطيع ذلك إلا الله - تعالى - وحده ، فعليكم أن تشكروه على نعمه ، لكى يزيد كم منها . وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الملك، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصالوجهه، ونافعا لعباده. والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.؟ كتبه الراجی عفور به محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدنية نصر. صباح الأحد ٦ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦ هـ الموافق ١٣ /١٩٨٦/٧ م رَفْسِيْر ◌ُورَة الفخامة بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((ن) أو((القلم، تعتبر من أوائل السور القرآنية، التى نزلت على النى - صلى الله عليه وسلم - ، فقد ذكر السيوطى فى كتابه ((الإتقان، أنها السورة الثانية فى النزول، بعد سورة ((العلق)) (١) . ويرى بعض العلماء أنها السورة الرابعة فى النزول ، فقد سبقتها سور : : العاق، والمدثر ، والمزمل وعدد آياتها اثنتان وخمسون آية . ٢ - والمحققون على أنها من السور المكية الخالصة ، فقد ذكر الزمخشرى، وابن كثير ... أنها مكية، دون أن يذكرا فى ذلك خلافا . وقال الآلونى : هى من أوائل ما نزل من القرآن بمكة ، فقد نزلت على ماروى عن ابن عباس: «اقرأ باسم ربك ... ))، ثم هذه، ثم المزمل، ثم المدثر ، وفى البحر أنها مكية بلا خلاف فيها ، بين أهل التأويل. وفى الإتقان: استثنى منها: ((إنا بلوناهم كما بلونا .. ، إلى قوله - تعالى - ((لو كانوا يعلمون)) (٢) ٣ - والذى تطمئن إليه النفس، أن سورة ((ن)) من السور المكية الخالصة ، لأنه لم يقم دليل مقنع، على أن فيها آيات مدنية، بجانب أن أسلوبها وموضوعاتها تشير إلى أنها من السور المكية الخالصة . (١) الإتقان في علوم القرآن جـ ١ ص ٢٧ (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ - ٢٢ ٤٦ سورة القلم كذلك نميل إلى أن بعض آياتها قد نزلت على النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد أن جهر بدعوته ٤ - وقد فصل هذا المعنى بعض العلماء فقال ما ملخصه , لا يمكن. تحديد التاريخ الذى نزلت فيه هذه السورة ، سواء مطلعها أو جملتها والروايات التى تقول: إن هذه السورة هى الثانية فى النزول بعدسورة العلق كثيرة،، ولكن سياق السورة وموضوعها وأسلوبها، يجعلنا ترجع غير هذا ، حتى ليكاد يتعين أنها نزلت بعد فترة من الدعوة العامة ، التى. جاءت بعد نحو ثلاث سنوات من الدعوة الفردية ، فى الوقت الذى أخذت. فيه قريش تدفع هذه الدعوة وتحاربها، وتصف الرسول - صلى الله عليه. وسلم - بما هو برىء منه،، كذلك ذكرت بعض الروايات أن فى السورة آيات مدنية،، ونحن نستبعد هذا كذلك ، ونعتقد أن السورة كلها مكية ؛ لأن طابع آياتها عميق فى مكيته والذى نرجحه بشأن السورة كلها ، أنها ليست الثانية فى ترتيب النزول. وأنها نزلت بعد فترة من البعثة النبوية ، ، بل بعد الجهر بالدعوة ، ، وبعد. أن أخذت قريش فى محاربتها بصورة عنيفة والسورة قد أشارت إلى شىء من عروض المشركين: ((ودوالو قد هن فيدهنون، وظاهر أن مثل هذه المحاولة لا تكون والدعوة فردية ، إنما تكون بعد ظهورها ، وشعور المشركين بخطرها ، (١) · - والذى يتدبر هذه السورة الكريمة، يراها قد اشتملت على مقاصد من أبرزها: تحدى المشركين بهذا القرآن الكريم، والثناء على الني. (١) راجع فى ((ظلال القرآن)) جـ ٢٩ ٠٠ ٢١٤ ٤٧ الجزء التاسع العشرون - صلى الله عليه وسلم - بأفضل أنواع الثناء ,ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون، وإنك لعلى خلق عظيم .. ، والتسلية الجميلة له - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من أعدائه ((أستبصر ويبصرون. بأيكم المفتون. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين)) . ونهيه - صلى الله عليه وسلم - عن مهادنة المشركين أو ملاينتهم. أو موافقتهم على مقترحاتهم الما كرة، قال - تعالى -: ((ودوا لو تدهن فيدهنون . ولا تطع كل حلاف مهين . هماز مشاء بنعم . مناع للخير معتد. أثيم .. ، ثم تراها تضرب . الأمثال لأهل مكة ، لعلهم يتعظون ويعتبرون ، ویتر کون الجحود والبطر .. (( إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنه ، إذ أقسموا ليصر منها مصبحين ، ولا يستثنون . فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون، فأصبحت كالصريم .. ، ثم نرى من مقاصدها كذلك : المقارنة بين عاقبة الأخيار والأشرار ، ليهلك من هلك عن بينه ، ويحي من حتى عن بينته . وتسفيه أفكار المشركين وعقولهم، بأسلوب مؤثر خلاب: «أفنجعل المسلمين كالمجرمين . مالكم كيف تحكمون . أم لكم كتاب فيه قدرسون ٠ ٠) وتمديدهم بأقسى ألوان التهديد : ((فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون ، وأملى لهم إن كيدى متين. )) ثم تختتم بتكرار التسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم - وبأمره. ٤٨ سورة القلم بالصبر على أذى أعدائه: ((فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوث، إذ نادى وهو مكظوم ، لولا أن تداركه نعمة من ربه لنبذ بالعراء وهو هذهوم ، فاجتباه ربه فجعله من الصالحين، وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون، وما هو إلا ذكر للعالمين . وبعد: فهذه فكرة مجملة عن سورة ((القلم)) تكشف عن زمان ومكان نزولهاإ، وعن أهم المقاصد والأهداف . التى اشتملت عليها ونسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. د . محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر - مساء الأحد عميد كلية الدراسات الإسلامية ٦ من ذى القعدة سنة ١٤٠٦ هـ ١٣ - ٧ سنة ١٩٨٦ م والعربية ٤٩ التفسير - بسـ -1 نَّ وَالْقَلَ وَمَا يَسْطُرُونَ (*) مَآ أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِجُنُونٍ (٣) وَإِنَّلَكَ لَأَجْرًّا غَيْرَ بَمِنُونٍ يَّ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِ يمٌ فَسَنُبِصِرُ وَيُصِرُونَ ﴾ ◌ِأَبِّكُمُ الْمَقْتُونُ ﴾ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّى أَنْ سَبِيلِهِ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٣) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ هَّ وَدُواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ ﴿ وَلَا تُطِعْ لَكُلّ حَلَافٍ مَّهِيرٍ ) هُمَّاٍ مُشَآءٍ بَيِ هِ مَّابِ الْغَيْ مُعْتَدِ أَيْم ◌َ عُلِّ بَعْدَ ذَلِكَ. ◌ّنِيٍ ◌َ أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ (٤) إِذَا مُتْلَى عَلَيْهِ ءَايَتُنَا قَالَه أَسَطِيرُ الْأَوَِّينَ يْ سَنَسِمُ عَلَى الْخُرْطُومَِ افتتحت سورة ((القلم)) بأحد الحروف المقطعة، وهى آخر سورة فى ترتيب المصحف، افتتحت بواحد من هذه الحروف . أما بالنسبة لترتيب النزول، فقد تكون أول سورة نزلت على النبى - صلى الله عليه وسلم - فى السور المفتتحة بالحروف المقطعة . وقد قلنا عند تفسيرنا لسورة البقرة : وردت هذه الحروف المقطعة قارة مفردة بحرف واحد ، وتارة مركبة من حرفين أو ثلاثة ، أو أربعة ، أو خمسة . فالسور التى بدنت بحرف واحد ثلاثة، وهى: سور ص، ق ، ن، والسور التى بدئت بحرفين تسعة وهى: طه ، يس، طس، و (جم، (٤٥ - سورة الملك ) ٠٠ سورة القلم فى ست سور، وهى: غافر، فصلت، الزخرف، الدخان, الجالية، الأحقاف. والصور التى بدئت بثلاثة أحرف، ثلاث عشرة سورة، وهى «ألم، فى . ست سور، وهى: البقرة، آل عمران، العنكبوت، الروم، لقمان، السجدة. و(« أثر ، فى خمس سور ، وهى : يونس ، هود ، يوسف، إبراهيم ، الحجر . و((طسم)، فى سورتين وهما: الشعراء ، والقصص . وهناك سورتان بدئتا بأربعة أحرف وهما: الرعد، (( ألمر، ،. والأعراف (( ألمص)). وهناك سورتان - أيضا - بدئنا بخمسة أحرف ، وهما : مريم. ((كهيعص)) والشورى: «حم عسق، فيكون مجموع السور التى افتتحت .. بالحروف المقطعة : تسعا وعشرين سورة. هذا، وقد وقع خلاف بين العلماء فى المعنى المقصود بتلك الحروف. المقاطعة، التى افتتحت بها بعض السور القرآنية، ويمكن إجمال خلافهم. فى رأيين رئيسيين : الرأى الأول يرى: أصحابه: أن المعنى المقصود منها غير معروف، فهى من المتشابه الذى استأثر الله - تعالى - بعلمه . وإلى هذا الرأى ذهب ابن عباس - فى بعض الروايات عنه - كما ذهب إليه الشعبى، وسفيان الثورى وغيرهم من العلماء . فقد أخرج ابن المنذر عن الشعبى أنه سئل عن فوائح السور فقال: إن لـ كل كتاب سراً، وإن سر هذا القرآن فى فواتح السور». ويروى عن ابن عباس أنه قال . عجزت العلماء عن إدراكها . وعن على بن أبى طالب أنه قال: «إن لكل كتاب صفوة، وصفوة. هذا المكتب حروف التهجى)) . ٠١ الجزء التاسع العشرون وفى رواية أخرى عن الشعبى أنه قال: «سر الله فلا تطلبوه)). ومن الاعتراضات التى وجهت إلى هذا الرأى، أنه إذا كان الخطاب بهذه الفوائح غير مفهوم للناس؛ لأنه من المنشابه، وإنه يترتب على ذلك أنه كالخطاب بالمهمل ، أو مثل ذلك كمثل المتكام بلغة أعجميه مع أناس عرب لا يفهمونها . وقد أجيب عن ذلك بأن هذه الألفاظ ، لم ينتف الإفهام عنها عند كل أحد، فالرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يفهم المراد منها، وكذلك بعض أصحابه المقربين ، ولكن الذى تنفيه، أن يكون الناس جميعاً فاهمين لمعنى هذه الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور . وهناك مناقشات أخرى للعلماء حول هذا الرأى ، بضيق المجال عن ذكرها . أما الرأى الثانى فيرى أصحابه أن المعنى المقصود منها معلوم، وأنها ليست من المتشابه الذى استأثر الله - تعالى - بعلمه . وأصحاب هذا الرأى قد اختلفوا فيما بينهم فى تعيين هذا المعنى المقصود على أقوال كثيرة من أهمها ما يأتى : (١) أن هذه الحروف أحاء للسور، بدليل قول النبى- صل الله عليه وسلم -: ((من قرأ حم السجدة حفظ إلى أن يصبح))، وبدليل اشتهار بعض السور بالتسمية بها كسورة ((ص)، وسورة ( يس)). ولا يخلو هذا القول من الضعف ؛ لأن كثيراً من السور قد افتتحت بلفظ واحد من هذه الفواتح ، والغرض من التسمية رفع الاشتباه. (ب) وقيل: إن هذه الحروف قد جاءت هكذا فاصلة، للدلالة على ٥٢ سورة القلم (جـ) وقيل: إنها حروف مقطعة، بعضها من أسماء الله - تعالى - ، وبعضها من صفاته، فمثلا: ((ألم)) أصلها: أنا الله أعلم . (د) وقيل: إنها أضم الله الأعظم. إلى غير ذلك من الأقوال التى لا تخلو من مقال، والتى أوصلها الإمام السيوطى فى كتابه «الإتقان)) إلى أكثر من عشرين قولا . (هـ) ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال: إن هذه الحروف المقطعة، قد وردت فى افتتاح بعض السور، للإشعار بأن هذا القرآن الذى تحدى الله به المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التى يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه فى الفصاحة والبلاغة ، مرتبة يقف قصحازم وبلغاؤهم دونها بمراحل شاسعة . وفضلا عن ذلك ، فإنه قصدير هذه السور بمثل هذه الحروف المقطعة، يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم، إلى الإنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم فى أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة فى مجارى كلامهم، وذلك ما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها، فيسمعوا حكما وحججا قد تكون سبباً فى هدايتهم واستجابتهم للحق . هذه خلاصة لآراء العلماء فى الحروف المقطعة، التى افتتحت بها بعض السور القرآنية ، ومن أراد مزيداً لذلك فليرجع - مثلا - إلى كتاب (البرهان)) للزركشى، وكتاب ((لإتقان) السيوطى، وتفسير ((الآلوسى)). ولفظ ((ن)، على الرأى الذى رجحناه، يكون إشارة إلى إعجاز القرآن ... وقيل: هو من المتشابه الذى ١-٩" ٠٠ ١ ٥٣ الجزء التاسع والعشرون وقد ذكر بعض المفسرين أقوالا أخرى، لا يعتمد عليها لضعفها ، ومن ذلك قولهم: إن ((نون) اسم لحوت عظيم ... أو اسم للدولة ... وقيل: ((ن)، لوح من نور)) ... (١). والواو فى قوله: « والقلم، للقسم، والمراد بالقام : جنسه، فهو يشمل كل قلم يكتب به و((ما، فى قوله ((وما يسطرون)، موصولة أو مصدرية. و ((بسطرون)) مضارع سطر - من باب نصر - ، يقال: سطر الكتاب سطراً، إذا كتبه . والسطر: الصف من الشجر وغيره، وأصله من السطر بمعنى القطع ، لأن صفوف الكتابة تبدو وكأنها قطع متراصة . وجواب القسم قوله: « ما أنت بنعمة ربك بمجنون)). أى : وحق القلم الذى يكتب به الكاتبون من مخلوقاتنا المتعددة ، إنك - أيها الرسول الكريم لمبرأ مما اتهمك به أعداؤك من الجنون، وكيف تكون مجنونا وقد أنعم الله - تعالى - عليك بالنبوة والحكمة. فالمقصود بالآيات الكريمة تسلية النى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من المشركين ، ودفع تهمهم الباطلة دفعاً يأتى عليها من القواعد فيهدمها وإثبات أنه رسول من عنده - تعالى - . وأقسم - سبحانه - بالقلم، لعظيم شرفه، وكثرة منافعه فيه تكتب الكتب السماوية، وبه تكتب العلوم المفيدة. وبه يحصل التعارف بين الناس ... (١) راجع تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٢١٣. وتفسير القرطبى ج ١٨ ص ٠٢٢٣ ٥٤ سورة القلم وصدق الله إذ يقول: ((إقرأ وربك الأكرم. الذى علم بالقلم علم الإنسان مالم يعلم ..... قال القرطبى: أقسم - سبحانه - بالقلم. لما فيه من البيان كاللسان، وهو واقع على كل قلم مما يكتبُ به مّن فى السماء ومَن فى الأرض، ومته قول أبي الفتح البستى : وعدوه ما يكسب المجد والكرم إذا أقسم الأبطال يوما بسيفهم مدى الدهر أن الله أقسم بالقلم (١) كفى قلم الكتاب عزا ورفعة والضمير فى قوله: ((يسطرون)) راجع إلى غير مذ كور فى الكلام ، إلا أنه معثوم للسامعين، لأن ذكر القلم يدل على أن هناك من يكتب به . وانى - سبحانه - عنه - صلى الله عليه وسلم - الجنون بأبلغ أسلوب، لأن المشركين كانوا يصفونه بذلك، قال - تعالى -: ((وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم، لما سمعوا الذكر ويقولون إنه مجنون » . قال الآلوسى: قوله: (( ما أنت بنعمة ربك بمجنون)): جواب القسم والباء الثانية مزيدة لتأكيد النفى. ومجنون خبرما. والباء الأولى للملابسة والجار والمجرور فى موضع الحال من الضمير فى الخبر. والعامل فيها معنى النفى . والمعنى: انتفى عنك الجنون فى حال كونك ملتبسا بنعمة ربك. أى : منعما عليك بما أنعم من حصافة الرأى، والنبوة ..... (٢). (١) تفسير القرطبى جـ ١٨ ص ٣٢٥ (٢) تفسير الآلوسى جـ ٢٩ ص ٢٤ ٥٥ سورة القلم وفى إضافته - صلى الله عليه وسلم- إلى الرب - عز وجل - مزيد إشعار .بالتسلية والقرب والمحبة .. ومزيد إشعار - أيضا - بنفى ما افتراه الجاهلون عن كونه - صلى الله عليه وسلم - مجنونا. لأن هذه الصفة لا تجتمع فى عبد أنعم الله - تعالى - عليه. وقربه. واصطفاه، حمل رسالته وتبليغ دعوته. ثم بشره - سبحانه - ببشارة ثانية فقال: (( وإن لك لأجرا -غير ممنون)) . وقوله «ممنون، مأخوذ من المن بمعنى القطع، تقول : منذت الحبل، - إذا قطعته. ويصح أن يكون من المن، بمعنى أن يعطى الإنسان غيره عطية - ثم يفتخر بها عليه . ومنه قوله - تعالى - : ((يأيها الذين آمنو الاقبطلوا صدقاتكم بالمن الأذى ... )). أى: وإن لك - أيها الرسول الكريم - عندنا، لأجرا عظيما ، لا يعلم مقداره إلا نحن، وهذا الأجر غير مقطوع بل هو متصل ودائم ، -وغير منون به عليك . وهذه الجملة الكريمة وما بعدها، معطوفة على جملة جواب القسم ، لأنها من جملة المقسم عليه . ثم أثنى - سبحانه - عليه، بأجمل ثناء وأطيبه فقال: ((وإنك : لعلى خلق عظيم)). والخلق - كما يقول الإمام الرازى -: ملكة نفسانية ، يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال، الجميلة ... و ... )) (١). (١) راجع تفسير الفخر الرازى = ٨ ص ٠١٧٥ ٥٦ الجزء التاسع والعشرون والعظيم : الرفيع القدر ، الجليل الشأن ، السامى المنزلة . . أى: وإنك - أيها الرسول الكريم - لعلى دين عظيم، وعلى خلق. كريم، وعلى سلوك قويم ، فى كل ما تأتيه وما تتركه من أقوال وأفعال . والتعبير بلفظ ((على، يشعر بتمكنه - صل - ورسوخه فى كل خلق كريم، وهذا أبلغ رد على أولئك الجاهلين الذين وصفوه بالجنون ، لأن الجنون سفه لا يحسن معه التصرف، أما الخلق العظيم. فهو أرقى. منازل الكمال ، فى عظماء الرجال . وإن القلم ليعجز عن بيان ما اشتملت عليه هذه الآية الكريمة ، من. ثناء من الله - تعالى - على نبيه - ونتطلع . قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : قال قتادة : ذكر لنا أن سعد بن هشام سأل السيدة عائشة عن معنى هذه الآية فقالت : ألست تقرأ القرآن؟ قال: بلى. قالت: فإن خلق رسول الله - كان القرآن ». ومعنى هذا، أنه ــ مؤرخ - صار)متثال القرآن، أمراو نهيا، سجية له، وخلقا وطبعا ، فهما أمره القرآن فعله ، ومهمانهاه عنه تركه ، هذا مع ما جبله اللّه عليه من الخلق الكريم، كالحكمة، والعفة، والشجاعة، والعدالة ... )،(١). وكيف لا يكون - لا - جماع كل خلق عظيم وهو القائل :- (((إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق)). (١) راجع تفسير ابن كثير ج ٨ ص ١٢ ٥٧ سورة الملك ثم بشره - سبحانه - ببشارات أخرى فقال : فستبصر ويبصرون. بأيكم المفتون. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بالمهتدين)). والفاء فى قوله: (فستبصر ... ) للتفريع على ما تقدم من قوله: ((ما أنت بنعمة ربك بمجنون)). والفعل قبصر ويبصرون، من الإبصار الذى هو الرؤية بالعينين ، وقيل: بمعنى العلم ... والسين فى ((فستبصر .. ، للتأكيد. والباء فى قوله ((بأيكم ... ، يرى بعضهم أنها بمعنى فى. والمفتون. اسم مفعول، وهو الذى أصابته فتنة، أدت إلى جنونه ! والعرب كانوا يقولون للمجنون : فتنته الجن. أو هو الذى اضطرب أمره؛ واختل تكوينه وضعف تفكيره ... كأولئك المشركين الذين قالوا فى النبى - X 184 - أقوالا لا يقولها عاقل . أى: لقد ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - أنك بعيد عما اتهمك به الكافرون ؛ وأنك لك عندنا المنزلة التى ليس بعدها منزلة ... وما دام الأمر كذلك فسترى وستعلم؛ وسيرى وسيعلم هؤلاء المشر كون ؛ فى أى فريق منكم الإصابة بالجنون ؟ أ فى فريق المؤمنين أم بفريق الكافرين .. قال الجمل فى حاشيته ما ملخصه: قوله : فستبصر ويبصرون) قال ابن عباس : فستعلم ويعلمون يوم القيامة حين يتميز الحق من الباطل ؛ وقيل. فى الدنيا بظهور عاقبة أمرك ... ( بأيكم المفتون ) الباء مزيدة فى المبتدأ ؛ والتقدير: أيكم المفتون ؛ فزيدت الباء كزيادتها فى نحو: بحبك درهم ... ٥٨ الجزء التاسع والعشرون وقيل: الباء بمعنى فى الظرفية؛ كقولك= زيد بالبصرة. أى= فيها. والمعنى : فى أى فرقة منكم المفتون . وقيل : المفتون مصدر جاء على مفعول كالمعقول والميسور . أى: بأيكم (الفتون .... )) (١). وجملة: ((إن ربك هو أعلم بمن عضل عن سبيله ... ، تعليل لما ينى. عنه ما قبله من ظهور جنونهم بحيث لا يخفى على أحد ، وتأكيد لوعده - شَيء - بالنصر، ولو عيدهم بالخيبة والخسران. أى: إن ربك - أيها الرسول الكريم - الذى خلقك فسولك فعدلك، هو أعلم بمن ضل عن سبيله ، وبمن أعرض عن طريق الحق والصواب ... وهو - سبحانه - أعلم بالمهتدين الذين اهتدوا إلى ما ينفعهم ويسعدهم فى دنياهم وآخرتهم .. وما دام الأمر كذلك : فذرهم فى طغيانهم يعمهون ، وسر فى طريقك، فستكون العاقبة لك ولأتباعك . ثم أرشده - سبحانه - إلى جانب من مسالكهم الخبيثه ، وصفاتهم القبيحة، وحذره من الاستجابة إلى شىء من مقترحاتهم، فقال: «فلا قطع المكذبين. ودوالوقدهن فيدهنون». وقوله: ((ودوا)، من الود بمعنى المحبة. وقوله: ((تدهن)) من الإدهان وهو المسايرة والمصافعة والملاينة للغير، وأصله أن يجعل على الشىء دهنا لكى يلين أو لكن يحسن شكله. ثم استعير للملاينة والمساهلة مع الغير . (١) راجع حاشية الجمل على الجلالين ج ٤ ص ٣٨٣. ٠٩ سورة الملك أى: إن ربك - أيها الرسول الكريم - لا يخفى عليه شيء من أحوالك وأحوالهم، وما دام الأمر كذلك، فاحذر أن تطيع هؤلاء المكذبين فى شىء مما يقترحونه عليك، فإنهم أحبوا وودوا أن تقبل بعض مقتر حاتهم، وأن تلاينهم وقطاوعهم فيما يريدون منك .. وهم حينئذ يظهرون لك من جانبهم الملايئة والمصافعة .. حتى لمكأنهم يميلون نحو الاستجابة لك، .وترك إيذائك وإيذاء أصحابك . فالآية الكريمة تشير إلى بعض المساومات التى عرضها المشركون على النبى - بؤلتم وما أكثرها - ومنها: ما ذكره ابن اسحاق فى سيرته من أن بعض زعماء المشركين قالوا النبى - توت -: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعيد ، فنشترك نحن وأنت فى الأمر ، فإن كان الذى تعبد خيرا مما نعبد، كنا قد أخذنا بحظنا منه، وإن كان ما نعبد خيرا مما تعبد، كنت قد أخذت يحظك منه ، فنزلت سورة الكافرون . ومنها: ما دار بينه - التع ـ وبين الوليد بن المغيرة قارة ، و بينه وبين عتبة بن ربيعة تارة أخرى ... مما هو معروف فى كتب السيرة .. ولقد قال الرسول - من - لعمه أبى طالب عندما نصحه بأن يترك المشر كين وشأنهم، وقال له : يا ابن أخى أشفق على نفسك وعلى ، . ولا تحملنى من الأمر مالا أطيق .. قال له - صلى الله عليه وسلم -: يا عماء، والله لو وضعوا الشمس فى يمينى، والقمر فى يسارى، على أن أترك هذا الأمر ما تركته ، حتى يظهره الله أو أهلك فيه .. ، ٦٠ الجزء التاسع العشرون والتعبير بقوله: «ودوا لو تدهن فيدهنون، يشير إلى أن الملاينة والمصانعه كانت منهم، لا منه - صلى الله عليه وسلم - ، فهم الذين كانوا يحبون من أن يستجيب لمقترحاتهم، لكى يقابلوا ذلك بالتظاهر بأنهم على. صلة طيبة به وبأصحا به . قال صاحب الكشاف، قوله: (فلا قطع المكذبين، تهييج وإهاب. للتصميم على معاصاتهم ، وكانوا قد أرادوه على أن يعبد الله مدة ، وآلهتهم. مدة، ويكفوا عن غوائلهم . وقوله: « لو تدهن)) لو قلين وتصانع ((فيدهنون)). فإن قلت: لماذا رفع ((فيدمتون)) ولم ينصب بإضمار (( أن)، وهو جواب التمنى ؟ قلت: قد عدل إلى طريق آخر، وهو أن جعل خبر مبتدأ" محذوف . أى. فهم يدهنون ، کقوله: «فمن يؤمن بر به فلا يخاف بخا ولا رهقا، على معنى: ودوا لو تدهن فهم يدهنون ... )، (١) .. ثم يكرر - سبحانه - النهى للنى - صلى الله عليه وسلم - عن طاعة كل حلاف مهين . هماز مشاء بنسيم ... فيقول: ((ولا قطع كل خلاف مهين. هماز مشاء بنعم. مناع للخير معتد أثيم. عتل بعد ذلك زنيم ... )). وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآيات الكريمة، نزلت فى. الوليد بن المغيرة ... وقيل: إنها نزلت فى الأخذس، من شريق .... والآيات الكريمة يشمل النهى فيها كل من هذه صفاته ، ويدخل فيها الوليد بن المغيرة ، والأخنس بن شريق .. دخولا أوليا. (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٥٨٦