Indexed OCR Text
Pages 421-440
٤٢١ الجزء الثامن والعشرون ثم بين - سبحانه - الآثار السيئة التى تترتب على ضلالهم عن سواء السبيل فقال: (( أن تنفعكم أرحامكم، ولا أولادكم، يوم القيامة يفصل بينكم ..... والأرحام: جمع رحم، والمراد بهم الأقارب ، الذين كان بعض المؤمنين موالون المشركين من أجلهم . استكه تكهـ أى: منكم - أيها المؤمنون - من أفشى أسراركم للكافرين خوفا على أُقاربه أو أولاده الذین یعیشون فی مکه مع هؤلاء (-کافرین، والحق أنهلن تنفعكم قراباتكم ولا أولادكم الذين توالون المشركين من أجلهم شيئا من النفع يوم القيامة ، لأنه فى هذا اليوم (يفصل بينكم، أى يفرق بينكم وبين أناربكم وأولادكم يوم القيامة، كما قال - تعالى -: ((فإذا نفخ فى الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون، وكما قال - سبحانه -: يوم يفر المرء من أخيه ، وأمه وأبيه، وصاحبته وبنيه . لكل امرىء منهم يومشف شأن يغنيه » . وخص - سبحانه - الأولاد بالذكر مع أنهم من الأرحام ، لمزيد المحبة لحم - والحنو عليهم . قال الشوكانى : وجملة « يوم القيامة يفصل بينكم، مستأنفة لبيان عدم نفع الأرحام والأولاد فى ذلك اليوم: ومعنى ((يفصل بينكم، يفرق بينكم، فيدخل أهل طاعته الجنة، وأهل معصيته النار . وقيل المراد بالفصل بينهم، أنه يفر كل منهم من الآخر من شدة الهول ... قيل : ويجوز أن يتعلق ((يوم القيامة ، بما قبله. أى: لن تنفعكم أرحامكم ولا أولادكم يوم القيامة، فيوقف عليه. ويبتدأ بقوله: ((يفصل بينكم. والأولى أن يتعلق بما بعده - أى: يفصل بينكم يوم القيامة، فيوقف على ((أولادكم)) ويبتدأ بيوم القيامة، (١). وقراءة الجمهور ((يفصل بينكم، - بضم الياء وتخفيف الفاء وفتح الصاد - (١) تفسير فتح القدير لاشمو كانى <٥ ص ٠٢١١ ٤٢٢ سورة الممتحنة على البناء للمجهول. وقرأ عاصم. يفصل بينكم)) - بفتح الياء وكسر الصاد . على البناء للفاعل. وقرأ حمزة والكسائى (( يفصل بينكم، - بضم الياء وفتح الفاء وتشديد الصاد مع الكسر - بالبناء الفاعل - أيضا -. وقرأ ابن عامر. يفصل بينكم)) - بضم الياء وفتح الفا. وتشديد الصادمع الفتح - على البناء للمجهول . ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((والله بما تعملون بصير .. أى: والله - تعالى - لا يخفى عليه شيء من أعمالكم، بل هو مطلع عليها إطلا عاتاما وسيجازيكم يوم القيامة بما تستحقونه من ثواب أو عقاب . هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من الآيات الكريمة ما يأتى : ١ - أن هذه الآيات أصل فى النهى عن موالاة الأعداء ومصافلهم بأية صورة من الصور، وشبيه بها قوله - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا لاتتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين ، أر بدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا. مبيناً »(١) . وقوله - سبحانه -: ((يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطاقة من دونكم لا يألونكم خبالا، ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء ،من أفواههم وما تخفى صدورهم أكبر ... ،(٢) . ٢ - أن هذه الآيات الكريمة نتجلى فيها رحمة الله - تعالى - بعباده المؤمنين ، حيث ناداهم بهذه الصفة مع وقوع بعضهم فى الخطأ الجسيم ، وهو إفها. أسرا: المؤمنين لأعدائهم . قالوا وفى هذا رد على المعتزلة الذين يقولون: إن المعصية تنافى الإيمان ... (١) سورة النساء الآية ١٤٤. (٢) سورة آل عمران الآية ١١٨. ٤٢٣ الجزء الثامن والعشرون ٢ - أن هذه الآيات الكريمة فيها ما فيها من الأساليب الحكيمة فى الدعوة إلى الفضائل واجتناب الرذائل ، لأن الله - تعالى- عندما نهى المؤمنين عن موالاة أعدائه وأعدائهم ، ساق لهم الأسباب التى تحملهم على قطع كل صلة بهؤلاء الأعداء ، بأن ذكر لهم أن هؤلاء الأعداء قد كفروا بالحق ، وحرصوا على إخراج الرسول والمؤمنين من ديارهم، وأنهم إن يتمكنوا من المؤمنين ، فسينزلون بهم أشدألوان الأذى . وهكذا يجب أن يتعلم الدعاة إلى الله - تعالى -، أن على رأس الوسائل التى توصلهم إلى النجاح فى دعوتهم ، أن بأنوا فى دعوتهم بالأسباب المقنعة لاعتناق الحق، واجتناب الباطل . ٤ - أن هذه الآيات الكريمة صريحة فى أن ما يتعلق بالدين والمقيدة، يجب أن يقدم على ما يتعلق بالأرحام والأولاد. لأن الأرحام والأولاد لن تنفع يوم القيامة، وإنما الذى ينفع هو ما يتعلق بالإستجابة لما يفرضه لدبن علينا من واجبات وتكاليف . وبعد هذا التهى للمؤمنين عن موالاة أعداء الله وأعدائهم ... - أقت لهم السورة الكريمة، جانبا من قصه إبراهيم - عليه السلام - الذى تبرأ من كل صلة تربطه بغيره سوى صلة الإيمان، وإخلاص العبادة لله - تعالى - ، وأمرتهم بأن يقتدوا به فى ذلك. لينالوا رضا الله - عز وجل - ، فقال: (( قَد كانَتْ لُكُمْ أَسْوةٌ حَسَنَةٌ فى إبراهيمَ والذينّ مَعهُ، إِذْ قَالُوا القَومِهم إِنَّنَا بُرْءَاءِ مِنْكُم، وما تَعَبدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ، كفرنَاَ بُكُم، وبدَا بينَناَ وبَينَكُم العداوةُ والبَغْضَاء أبداً، حتَّى تؤْمِنُوا باللهِ وحْدَه، إِلاَّ قولَ إلاَّ إبراهيمَ لأبيهِ، لْأَسْتغفِرَنَّلكَ، وما أَملِكُ لكَ من الله - ٤٢٤ سورة الممتحنة من شىءٍ، ربَّ عليكَ توَكَلْنَا، وإليكَ أَنِبْنَاَ وإليكَ المِصِيرُ (،) ربَّناً لا تَجْعَلْنَا فِئَةً للذينَ كَفَرُوا واغْفِرْ لناَ ربَّناً، إنَّكَ أَنتَ العزِيزُ الحَكِيمُ (٥) لقَدْ كَانَ لِكُم فِيهِمْ أُسوَةٌ حسَنةٌ لمن كانَ بِرِجُوالَهَ واليَومَ الْآخِرَ ، ومَنْ يتولَّ فإِنَّ اللهَ هُو الغِنِىُّ الحميدُ (٦))). والأسوة كالقدوة، وهى إتباع الغير على الحالة التى يكون عليها. قال - تعالى: ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ... )). قال الآلوسي: قوله - تعالى - : «قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم ... ، تأكيد لأمر الإنكار عليهم، والتخطئة فى موالاة الكفار، بقصة إبراهيم - عليه السلام - ومن معه، ليعلم أن الحب فى الله - تعالى -، والبغض فيه - سبحانه - ، من أوثق عرا الإيمان، فلا ينبغى أن يفضل عنهما. والأسوة - بضم الهمزة وكسرها - بمعنى الائتساء والاقتداء، وتطلق على الخصلة التى من حقها أن يؤتسى ويقتدى بها ، وعلى نفسى الشخص المؤتسى به ... )(١). والمعنى: قد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة، وخصلة حميدة ، ومنقبة كريمة، فى قصة أبيكم إبراهيم - عليه السلام - ، وفى قصة الذين آمنوا معه . وافتتح- سبحانه - الكلام بقوله: وقد كانت ... ، لتأكيد الخبر ، فإن هذا الأسلوب المشتمل على قد وفعل المكون ، يفيد التأكيد بموجب الخبر، والتعريض بغفلة من يخالفه . ووصف - سبحانه - الأسوة بالحسن، على سبيل المدح لها، والتحريض على الاقتداء بصاحبها . (١) تفسير الآلوسى = ٢٨ ص ٠٦٩ ٤٢٥ الجزء الثامن والعشرون وعطف - سبحانه - على إبراهيم الذين آمنوا معه، !يتم التمثيل جال المسدين مع رسولهم - صلى الله عليه وسلم - أى: كونوا - أيها المؤمنون - متأسين ومقتدين برسولكم - صلى الله عليه وسلم - ومطيعين له. ومستحيبين لتوجيهات ، كما كان أتباع أيكم إبراهيم كذلك. ثم بين - سبحانه - ما يجب عليهم الاقتداء به من حال إبراهيم - عليه السلام - والمؤمنين معه، فقال: « إذا قالوا لقومهم إفابر. أ. منكم، ومما تعبدون من دون الله كهرنا بكم، وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا، حتى تؤمنوا بالله وحده ... )) و((إذ، ظرف زمان بمعنى وقت وحين ، وهو بدل اشتما من إبراهيم والذير معه. أو خبر لكان ... و «برها.)) جمع برىء. يقال: برئ فلان من كدا يبرأ براء وبراءة ... إذا ابتعد عنه ، لكراهته له .. أى: قد كان لكم - أيها المؤمنون - أسوة حسنة فى إبراهيم - عليه السلام -، وفى الذين آمنوا معه، رقت أن قالو لقومهم الكافرين ، بشجاعة وقوة: إذا برماء منكم، ومن آلهتكم التى تعبدونها من دون الله-عز وجل - وإننا قد كفرنابكم وبمعبوداتكم،، وبدا، أى: وظهر بيننا وبينكم العداء والبغض على سبيل التأبيد والاستمرار، ولن نتخلى عن ذلك معكم، حتى تؤمنوا بالله - تعالى - وحده، وتتركوا عبادتكم لغيره - تعالى -. فأنت ترى أن إبراهيم - عليه السلام - والمؤمنون معه، قد أعلنوا بكل شجاعة وشدة ، وإيمانهم الكامل بالحق، وبرامتهم وكراهيتهم واحتقارهم ،. لكل من أشرك مع الله - تعالى - فى العبادة آلهة أخرى . وأنهم لم يكتفوا بالتغيير القلى المنكر، بل جاهروا بعدواتهم له، وبالتنزه عن اقترابهم منه، وبتجا فيهم عنه ... ولعل هذا هو أقصى ماكانوا يملكونه بالنسبة لتغيير هذا المنكر فى ذلك الوقت .. ٤٢٦ سورة الممتحنة وقد أخبرنا القرآن أن إبراهيم - عليه السلام - لم يكتف بذلك ، بل حطم الأصنام التى كان يعبدها قومه. وقال لهم: «أف لكم ولما تعبدون. من دون الله أفلا تعقلون)). قال صاحب الكشاف: أى كان فيهم - أى: فى إبراهيم ومن آمن معه - مذهب حسن مرضى، جدير بأن يؤتسى به ، ويقبع أثره ، وهو قوهم الكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوم بالعداوة ، وقشروا لهم العصا، وأظهروا البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب عدواتهم وبغضاتهم، وليس إلا كفرم باته . وما دام هذا السبب قائما، كانت العداوة قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده، انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء محبة، والمقت مقةً - أى: محبة - فأفصحوا عن محض الإخلاص ... )، (١) وقوله - تعالى -: ((إلا قول إبراهيم لأبيه، لأستغفرن لك ... كلامٍ معترض بين الأقوال التى حكاما - سبحانه - عن إبراهيم - عليه السلام. والاستثناء يرجح أنه منقطع، لأن هذا القول من إبراهيم لأ بيه ، ليس من جنس الكلام السابق ، الذى تبرأ فيه هو ومن معه مما عليه أقوامهم. الكافرون .... والمعنى: اقتدوا - أيها المؤمنون - بأبيكم إبراهيم - عليه السلام- وبالذين. آمنوا معه، فى براءتهم من الشرك والمشركين ... ولكن لا تقتدوا به فى. استغفاره لأبيه الكافر، لأن استغفاره له كان عن موعدة وعدها إياه ، فلما. قبین له أنه عدد فقه تبرأ منه . قال الإمام الشوكانى ما ملخصه: قوله: «إلاقول إبراهيم لأبيه لأستغفرن لك.)، هو استثناء متصل من قوله: ((فى إبراهيم)) بتقدير مضاف .. أى: (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٥١٤ : ٤٢٧ الجزء الثامن والعشرون قد كانت لكم أسوة حسنة فى مقالات إبراهيم ، إلا فى قوله لأبيه: لأستغفر ن لك . ويصح أن يكون استثناء متصلا من قوله: ((أسوة حسنة))، وصح ذلك لأن القول من جملة الأسوة، فكانه قيل: قد كانت لكم أسوة حسنة فى إبراهيم فى جميع أقواله وأفعاله، إلا فى قوله لأبيه لأستغفرن لك . أو هو استثناء منقطع، أى: اقت وا بإبراهيم فى كل أقواله وأحواله، لكن لا تقتدوا به فى قوله لأبيه المشرك : لأستغفرن لك ، بأن تستغفروا لآبائكم المشركين، لأن استغفار إبراهيم لأبيه المشرك كان عن موعدة وعدها إياه، أو أنه ظن أن أباه قد أسلم.)(١). وقرله - سبحانه - ((وما أملك لك من الله من شىء)) حكاية لبقية كلام إبراهيم لأبيه، وليس الاستثناء متوجها إليه، لأن هذه الجملة بيان لما تحلى به إبراهيم عليه السلام - من آداب مع ربه - تعالى -، حيث فرض الأمر إليه - سبحانه . أى: وعد إبراهيم أباه بالاستغفار له، أملا فى هدايته، وقال له: يا أبت إنى لا أملك لك من أمر قبول الاستغفار شيئا، بل الأمر كله فقه، إن شاء عذبك وإن شاء عفا عنك، والجملة الكريمة فى محل نصب على الحال مر فاعل ((لأستغفرن لك،. أى: لأستغفرن لك حالة كونى لا أملك من أمر المغفرة أو غيرها شيئاً، وإنما الذى يملك ذلك هو الله - عز وجل -. ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جافبا مما تضرع به إبراهيم - عليه السلام- إلى خالقه فقال: ((ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير)). أى: يا ربنا عليك وحدك فوضنا أمورنا ، وإليك وحدك قبول أو بثناء. وإليك لا إلى أحد سواك مرجهنا ومصيرنا. (١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ● ص ٠٢١٢ ٤٢٨ سورة الممتحنة ((ربنا لا تجعلنافتنة الذين كفروا .. )) والفتنة هنا مصدر بمعنى المفتون، أى: المعذب، مأخوذ من فتن فلان الفضة إذا أذابها ... أى : ياربنا لا تجعلنا مفتونين معذبين لهؤلاء الكافرين، بأن تسلطهم علينا فيفتنونا بعذاب لا نستطيع صده، كما قال - تعالى -: ((إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات .. ، أى: عذوهم وحاولوا إنزال الضرر والأذى بهم. ويصح أن يكون المعنى: ياربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، بأن تعذبنا بأيديهم، فيظنوا بسبب ذلك أنهم على الحق، ونحن على الباطل، لأننا لو كنا على الحق لما انتصروا علينا . ولبعض العلماء رأى آخر فى فهم هذه الاية، وهو أن المراد بالفتنة هنا: إضطراب حال المسلمين وفساده. وكونهم لا يصلحون أن يكونواقدرة لغيرم فى وجوه الخير ... فيكون المعنى: ياربنا لا تجعل أعمالنا وأقوالنا سيئة. فيترتب على ذلك أن ينفر الكافرون من ديننا، بحجة أنه لو كان دينا سلما، لظهر أثر ذلك على أتباعه. ولكانوا بعيدين عن كلتفرق وتباعد وتأخر. قال بعض العلماء ما ملخصه: قوله: ((ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا)): الفتنة : اضطراب الحال وفساده، وهى اسم مصدر، فتجىء بمعنى المصدر، كقوله - تعالى -: والفتنة أشد من القتل)). وتجى. وصفا للمفتون والفاتن . ومعنى جعلهم فتنة للذين كفروا: جعلهم مفتونين يفتنهم الذين كفروا، فيصدق ذلك بأن يتسلط عليهم الدين كفروا فيفتنون ... وبصدق - أيضا - بأن تختل أمور دينهم بسبب الذين كفروا، أى: بسبب محبتهم والتقرب منهم . وعلى الوجهين ، فالفتنة من إطلاق المصدر على اسم المفعول ... ٤٢٩ الجزء الثامن والعشرون واللام فى (( للذين كفروا)) على الوجهين - أيضا - للملك، أى: مفتونين مسخرين لهم. ويجوز عندى أن تكون «فتنة)، مصدرا بمعنى اسم الفاعل . أى: لا تجعلنا فاتتين ، أى :سبب فتنة للذين كفروا، فيكون كناية عن معنى: لا تغلب الذين كفروا علينا ، واصرف عنا ما يكون من اختلال أمرنا، وسوء الأحوال ، كى لا يكون شىء من ذلك فاتنا للذين كفرا .. أى: يزيدهم كفرا، لأنهم يظنون أنا على الباطل وأنهم على الحق .. ،(١) وقوله: ((واغفر لنا ربنا إنك أنت العزيز العزيز الحكيم، أى: واغفر لنا يا ربنا ذنوبنا، إنك أنت الغالب الذى لا يغالب ، الحكيم فى كل أقواله وأفعاله . وقوله - سبحانه -: « لقد كان لكم فيهم أسوة حسنة لمن كان جو الله واليوم الآخر ... ، تأكيد لقوله - تعالى - قبل ذلك: ((قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم .. ))، والغرض من هذا التأكيد ، تحريض المؤمنين على التأمى بالسابقين فى قوة إيمانهم، وشدة إخلاصهم .. أى: لقد كان لكم أيها المؤمنون - أسوة حسنة ، وقدوة طيبة، فى أبيكم إبراهيم - عليه السلام -، وفيمن آمن به، وهذه القدوة إنما ينتفع بها من كان يرجو لقاء الله - تعالى - ورضاه، ومن كان يرجوا ثوابه وجزاءه الطيب .. وجىء بلام القسم فى قوله: ((لقد كان لكم .. ، على سبيل المبالغة فى التأكيد بوجوب التأسی بإبراهيم، ويمن آمن معه . وجملة (( لمن كان يرجو الله واليوم الآخر .. )) بدل من قوله (( لكم)) بدل اشتمال . وفائدة هذا البدل : الإيذان بأن من يؤمن بالله واليوم الآخر ، لا يترك (١) تفسير التحرير والتنوير حـ ٢٨ ص ١٣٩ للشيخ / الطاهر بن عاشور ٤٣٠ سورة الممتحنة الاقتداء بإبراهيم - عليه السلام - وبمن آمن ... وان ترك ذلك من علامات عدم الإيمان الحق ... كما ينى. عنه التحذير فى قوله - تعالى - بعد ذلك: « ومن يتول فإن الله هو "الغنی الحمید ». أى: ومن يعرض عن هذا التأمى، فوبال إعراضه عليه وحده، فإن الله - تعالى - هو الغنى عن جميع خلقه، الحميد لمن يمتثل أمره. والمتدبر فى هذه الآيات الكريمة، من أول السورة إلى هنا، يجد أن الله - تعالى - لم يترك وسيلة للتغفير من موالاة أعدائه، إلا أظهرها وكشف عنها. ٥٠٥ ثم فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته وفضله، فبشرهم بأنه قد يهدى إلى الاسلام قوما من الأعداء الذين تربط بينهم وبين المؤمنين رابطة الدم والقرابة وحدد لهم القواعد التى عليها يبنون مودتهم وعداوتهم لغيرهم ، فقال - تعالى - : ((عسَى اللهُ أن يُحِعَلَ بيْنَكُم وبينَ الذينَ عاديْتُمْ مِنِهِم مَودَّةً، واللهُ قديرٌ، والهُ غفورٌ رَحِيمٌ (٧) لا ◌َنها كُ اللهُ عن الذينَ لم يُقاتِلَولُ فى الدّين، ولم يُخْرِجُوكُمْ مِن دِيارِثُ أنْ تَبَرُّوهُ وَتُقْسُطُوا إليْهِمْ، إِنَّ الله يُحِبُّالْمُقسطينَ (٨) إنَّا يَنْها كُ اللهَ عن الذينَ قاتِلُوكُمْ فَى الدِّين، وأخرَجُولُ من ديارِ ثُ، وظاهَرُوا عَلَى إخراجِكُمْ أنْ تَوَلَّوْمُ ، ومَنْ يَولَّهُمْ فَأَلْتِكَ مَ الظَّالِمُونَ (٩) ». وعسى، فعل مقاربة يدل على الرجاء، وإذا صدر من الله - تعالى - كان متحقق الوقوع ، اصدوره من أكرم الأكرمين . قال صاحب الكشاف: («عسى، وعدد من الله على عادات الملوك حيث ٤٢١ الجزء الثامن والعشرون يقولون فى بعض الحوائج: عسى أو لمل ، فلا تبقى شبهة للحتاج فى تمام ذلك أو قصد به إطاع المؤمنين .. ،(١) وقال الجمل فى حاشيته: (( لما أمر الله المؤمنين بعداوة الكفار، عادى المؤمنون أقرباءهم المشركين وأظهروا هم العداوة والبراءة، وعلم الله شدة ذلك على المؤمنين ، فوعد سبحانه - المسلمين بإسلام أقاربهم الكفار، غير الوهم موالاة جائزة ، وذلك من رحمته - تعالى - بالمؤمنين ، ورأفته بهم ، فقال: « عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاو يتم منهم مودة .. )، (٢) والمعنى: عسى الله - تعالى - أن يجعل بينكم - أيها المؤمنون - وبين الذين عاديتموهم من أقاربكم الكفار، مودة ومحبة ... بأن يهديهم إلى الدخول فى دين الإسلام، فتتحول عداوتكم لهم، إلى أخوة صادقة، وصلة طيبة ، ومحبة شديدة . وقد أنجز الله - تعالى - وعده، فهدى كثيراً من كفار قريش إلى الدخول فى الاسلام، والتقواهم وأقاربهم الذين سبقوهم إلى الاسلام، على طاعة الله ومحبته، والدفاع عن دينه ، وبذل أنفسهم وأموالهم فى سبيله . ((والله قدير، والله غفور رحيم، أى: والله - تعالى - شديد القدرة على أن يغير أحوال القلوب؛ فيصبح المشركون مؤمنين، والأعداء أصدقاء، والله - تعالى - واسع المغفرة والرحمة، لمن إستجاب لأمره ونهيه، وأفلع عن المعصية إلى الطاعه، ونبذ الكفر وتحول إلى الايمان . فالآية الكريمة بشارة عظيمة المؤمنين ، بأنه - سبحانه - كفيل بأن يجمع شملهم بكثير من أقاربهم الكافرين ، وبأن يحول العداء الذى بينهم، إلى مودة (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٥١٥ (٢) حاشية الجمل على "جلالين حـ ٤ ص ٢٢٨ ٤٣٢ سورة الممتحنة ومحبة، بسبب انتقاء الجميع على طاعة الله - تعالى - وإخلاص العبادة له ... وقد تم ذلك بصورة موسعة، بعد أن فتحت مكة ، ودخل الناس فى دين الله أفواجا . ثم بين - سبحانه - للمؤمنين القاعدة التى يسيرون عليها فى مودتهم وعداوتهم. وصلتهم ومقاطعتهم ... فقال - تعالى -: ((لا ينها كم الله عن الذين لم بةا لوكم فى الدين ولم يخرجوكم من دياركم، أن تبروهم وتقسطوا البهم ، إن الله يحب المقسطين .. وقد ذكر المفسرون فى سبب ذلك نزول هذه الآية والتى بعدها روايات منها، ما أخرجه البخارى وغيره عن أسماء بنت أبى بكر الصديق قالت: أنتنى أمى راغبة - أى: فى عطائى - وهى مشركة فى عهد قريش ... فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أ أصلها ؟ فأنزل الله - تعالى -: ((لاينها كم اته .... فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((نعم صلى أمك. وروى الامام أحمد وجماعة عن عبد الله بن الزبير قال: قدمت ققيله بنت. عبد العزى - وهى مشركة - على إبنتها أسماء بنت أبى بكر بهدايا، فأبت أسماء أن تقبل ھدینها، أو تدخلها بيتها، حتى أرسلت إلى عائشة، لکی تسال رسول الله - صلى الله عليه وسلم عن هذا، فسألته، فأنزل الله - تعالى - ((لاينها كم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين . . وقال الحسن وأبو صالح : نزات هذه الآية فى قبائل من العرب كانوا قد. صالحوا النبى - صلى الله عليه وسلم - على أن لا يقاتلوه، ولا يعينوا عليه. وقال مجاهد: نزلت فى قوم بمكة آمنوا ولم يها جروا ، فكان المهاجرون. والأنصار يتحرجون من برهم لتركهم فرص الهجرة ٤٣٣ الجزء الثامن والعشرون قال الآلوسي - بعد أن ذكر هذه الروايات وغيرها .: والأكثرون على أنها فى كفرة إنصفوا بما فى حيز الصلة. ، (١) والذى تطمئن إليه النفس أن هاتين الآيتين ، ترسمان للمسلمين المنهج الذى يجب أن يسيروا عليه مع غيرهم، وهو أن من لم يقانلنا من الكفار ، ولم يعمل أو يساعد على إلحاق الأذى والضر بنا. فلا بأس من بره وصلته . ومن قائلنا، وحاول إيذاءنا منهم . فعلينا أن نقطع صلتما به، وأن تتخذ كافة الوسائل لردعه وتأديه ، حتى لايتجاوز حدوده معنا. والمعنى: (( لا ينهاكم الله - تعالى - أيها المؤمنون - ((عن) مودة وصلة الكافرين (( الذين لم يقاتلوكم، فى الدين، ولم يخرجوكم من دياركم، أى : لم يقاتلوكم من أجل أنكم مسلمون ، ولم يحاولوا الحاق أى أذى بكم ، كالعمل على إخرجكم من ديار كم لاينها كم الله - تعالى - عن (( أن تبروهم)، أى: عن أن تحسنوا معاملتهم وتكرموم. وعن أن متقطوا اليهم، أى تفضوا اليهم بالعدل، وتعاملوم بمثل معاملتهم لكم ، ولا تجوروا عليهم فى حكم من الأحكام . ( إن الله يحب المقسطين، أى: العادلين فى أقوالهم وأفعاهتم واحكامهم، الذين بنصفون الناس، ويعطونهم العدل من أنفسهم، ويحسنون إلى من أحسن الیهم . (( إنما ينهاكم الله - تعالى - ((عن بر وصلة ((الذين يقاتلوكم فى الدين» أى قاتلوكم لأجل أنكم على غير دينهم («وأخرجوكم من دياركم، التى تسكنونها , وظاهروا على إخراجكم، (١) راجع تفسير الألوسى ٥ ٢٨ ض ٧٤ ( ٢٨ - سورة الممتحنة) ٤٣٤ سورة الممتحنة أى: وعاوفوا غيرهم على إخراجكم من دياركم، يقال : ظاهر فلان فلانا على كذا , إذا عاونه فى الوصول إلى مطلبه . وقوله: ((أن قولهم)) بدل إشتمال ((من الذين قانلوكم، أى: ينها كم - سبحانه - عن موالاة ومواصلة وبر، الذين قاتلوكم في الدين ، وأخرجوكم من دبار كم . ((ومن يتولهم، أى: ومن ببرمنكم - أيها المؤمنون - هؤلاء الذين قانلوكم ((فأولئك، الذين يفعلون ذلك (هم الظالمون)، لأنفسهم ظلما شديداً، يستحقون بسببه العقاب الذى لا يعلمه إلا هو - سبحانه - فأنت ترى أن الآ ية الأولى قد رخصت لنا فى البر والصلة - قولا وفعلا - للكفار الذين لم يقاتلونا لأجل ديننا، ولم يحاولوا الإساءة إلينا. بينما الآبة الثانية قد نهضتنا عن البر أو "صلة لأولئك الكافرين، الذين. قاتلونا من أجل مخالفتنا لهم فى العقيدة، وحاولوا إخراجنا من ديارنا أو أخرجوا بعضنا بالفعل -، وعاونوا غيرهم على إنزال الأذى بنا . هذا، ويرى بعض العلماء أن الآية الأولى منسوخة . قال القرطبى : قال إبن زيد: كان هذا فى أول الاسلام عند الموادعة ، وترك الأمر بالقتال، ثم نسخ هذا الحكم. قال قتادة: نسخها قوله - تعالى -: فاقتلوا المشركين حيث وجدة وم.() والذى عليه المحققون من العلماء، أن الآية محكمة وليست منسوخة ، لأنها تقرر حكما يتفق مع شريعة الاسلام فى كل زمان ومكان ، وهو أننا لا فؤذى إلا من آذانا، ولا نقاتل إلا من أظهر العداوة لنا بأية صورة من الصور . (١) راجع تفسير القرطبى حـ ١٨ ص ٥٩ ٤٣٥ الجزء الثامن والعشرون وأقوال النبى - صلى الله عليه وسلم - وأفعاله يؤيد عدم النسخ، فقد فان - صلى الله عليه وسم - يستقبل الوفود التى تأتيه لمناقشتها فى بعض الأمور دنية ، مقابلة كريمة، ويتجلى ذلك فيما فعله مع وفد نجران ، ووفد تميم قرمما ... كذلك ما يؤيد عدم النسخ، أنه لا تعارض بين هذه الآية، وبين آية ـيف، لأن الأمد بالقتال إنما هو بالنسبة لقوم يستحقونه، بأن يكونوا قد لونا أو أخرجونا من ديارنا، كما جاء فى الآية الثانية . "وأما الرخصة فى البر والصلة. فهى فى شأن الذين لم يقاتلونا. ولم يخرجونا ديارنا ، وهذا ما صرحت به الاية الأولى. ورحم الله الامام ابن جرير فقد قال بعد أن ذكر الآراء فى ذلك: «وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب، قول من قال: عنى بقوله - تعالى -: «لاينهاكم فعن الذين لم يقاتلوكم فى الدين ... )) جميع أصناف الملل والأديان ، أن وهم وتصلوهم وتقسطوا إليهم .. ويشمل ذلك من كانت صفته، دون ـيص لبعض دون بعض . ولا معنى لقول من قال: ذلك منسوخ، لأن بر المؤمن من أهل الحرب، بن بينه وبينه قرابة نسب ، أو ممن لاقرابة بينه ولا نسب، غير محرم ، منهى عنه، إذا لم يكن فى ذلك، دلالة له ، أو لأهل الحرب، على عورة هل الاسلام، أو تقوية لهم بكراع أو سلاح، (١) ثم إنتقلت السورة الكريمة إلى بيان بعض الأحكام التى تتعلق بالنساء المؤمنات، اللائى تركن أزواجهن الكفار، ورغين فى الهجرة إلى دار الاسلام تلك - تعالى - : ٤٣٦ سورة الممتحنة ((يأيها الذين آمنُوا إِذَا جَاءكُم المؤمِنَاتُ مهَاجِراتٍ فَمتحِنُوهنَّ الله أَعَلَمُ بِإِا ◌ِنَّ فإنْ عِلِمْتُمُومِنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلاَ تَرجِعُوهُنَّ إلى الكفّارِ لاهُنَّ حلٌّ لَهُمْ ولا هُمْ يَحلونَ لَهَنَّ وَآنُومِ ما أَنفَقُوا، ولا جناح عَلَيْكُمْ أنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا آتَبتموهُنَّ أَجُورَهُنَّ، ولاَ تُمسكُوا بِصم. الكوافر، واسألوا ما أَنفَقَتْم وليَسْأَلُوا ما أَنفَقوا، ذَلِكُمْ حُكُمُ اله يَمْكُم بَنْكُم، والله عليمٌ حَكِيمٌ (١٠) وإنْ فاتَكُم شى ءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُم إلى الكَفَّارِ فعاقَبُمْ، فَآتُوا الذينَ ذهَبَتْ أَزْوَاجُهم مثلَ ما أَنفِقُوا، واتَّقُوا اللهَ الذى أنتُم بِه مُؤْمنُونَ (١١))). قال الإمام القرطبى: قوله - تعالى - (( يأيها النى إذا جاءكم المؤمنات مها جرات ... )،، !! أمر الله المسلمين بترك موالاة المشركين ، اقتضى ذلك. مهاجرة المسلمين عن بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام وكان التفاكح من أوكد. أسباب الموالاة ، فبين - سبحانه - أحكام مها جرة النساء. قال ابن عباس: جرى الصلح مع مشركى قريش عام الحديبية، على أن من أتاه من أهل مكة رده إليهم، فجاءت سعيدة بنت الحارث الأسلمية بعد الفراغ. من الكتاب، والنبى - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية بعد، فأقبل زوجها - ؛ وكان كافرا ... فقال: يا محمد، اردد على امرأتى فإنك شرطت ذلك. وهذه طينة الكتاب لم تجف بعد، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية. وقيل: جاءت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، فجاء أملها بسألون رسول أنه - - صلى الله عليه وسلم - أن يردها . ٤٣٧ الجزء الثامن والعشرون وقيل: هربت من زوجها عمرو بن العاص ومعها أخواها فرد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخويها وحبسها، فقالوا للنبى - صلى الله عليه وسلم -: ردها علينا للشرط، فقال: « كان الشرط فى الرجال لا فى النساء، فأنزل الله هذه الآية ... ،(!) والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، (( إذا جاءكم المؤمنات مها جرات، من دار الكفر إلى دار الإيمان، وراغبات فى فراق الكافرين ، البقاء كم ... ((فامتحنوهن)، أى: فاختبروهن اختبارا يغلب ٠عه الظن بأنهن صادقات فى هجرتهن وفى إيمانهن ، وفى موافقة قلوبهن لألسنتهن. وقد ذكر ابن جرير فى كيفية امتحانهن صيغا منها : ما جاء عن ابن عباس أنه قال . كانت المرأة إذا أتت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حلفها بأنها ما خرجت بغضالزوجها ، ولا رغبة فى الانتقال من أرض إلى أرض، ولا التماسا لدنيا، وإنما خرجت حبا لله ولرسوله)).(٢) وجملة: «الله أعلم بإيمانهن)، معترضة لبيان أن معرفة خفايا القلوب، مردها إلى الله - تعالى - وحده .. ١ قال صاحب الكتاب: قوله: « الله أعلم بإيمانهن، أى: منكم: لأنكم لا تكبون فيه علما تطمئن معه نفوسكم، وإن استحلفتموهن ورؤتم أحوالهن، وعند الله حقيقة العلم به،(٢) . والمراد بالعلم فى قوله - تعالى -: ((فإن علمتومن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكمار ، الظن الغالب .. (١) راجع تفسير القرط ي جـ ١٨ ص ٩١، (٢) راجع تفسير ابن جرير جـ ٢٨ ض ٠٤٥ (٣) تفسير الکھاف ج ٤ ص ١٧٥ ٠ ٤٣٨ سوره الجاده أى: فإن غلب على ظنكم بعد امتحانهن أنهن مؤمنات صادقات فى إيمانهن، فأيقوهن عندكم، ولا ترجعوهن إلى أزواجهن أو إلى أهلهن من الكفار. وسمى الظن القوى علماء للإيذان بأنه كالعلم فى وجوب العمل بمقتضاه وإنما رد الرسول - صلى الله عليه وسلم - الرجال الذين جاموه مؤمنين بعدصلح الحديبية، ولم يرد النساء المؤمنات، لأن شرط الرد كان فى الرجال ولم يكن. فى النساء - كما سبق أن ذكرنا نقلا عن القرطبى -، ولأن الرجل لا يخشى عليه من الفتنه فى الرد، ما يخشى على المرأة، من إصابة المشرك إياها ، وتخويفها. وإكرامها على الردة ... قال بعض العلماء: قال كثير من المفسرين: إن هذه الآية مخصصة لما جاء فى معاهدة صلح الحديبية، والتى كان فيها من جاء من الكفار مها إلى المسدين، ردوه إلى المشركين ، ومن جاء من المسلمين كافرا للمشركين، لا يردونه على المسلين، فأخرجت الآية النساء من المعاهدة، وأبقت الرجال ، من باب تخصيص العموم . وتخصيص السنن بالقرآن، وتخصيص القرآن بالسنن ، أمر معلوم. ومن أمثله تخصيص السنة بالكتاب ، قوله - صلى الله عليه وسلم: ما أبين الن حى فهو ميت، أى: فهو محرم . فقد جاء تخصيص هذا العموم. بقوله - تعالى -: ((ومن أصوافها وأوبارها، أى: ليس محرما. ومن أمثلة تخصيص الكتاب بالسنة قوله - تعالى -: ((حرمت عليكم الميتة والدم ... فقد جاء تخصيص هذا العموم بحديث: « أحلت لنا ميتتان ودمان: أما الميقتان فالجراد والحوت ... ، وقال بعض المفسرين: إنها ليست مخصصة للمعاهدة. لأن النساء لميدخلن فيها ابتداء ، وإنما كانت فى حق الرجال فقط ، .. والذى يظهر - والله أعلم - أنها مخصصة لمعاهدة الحديبية، وهى من أحسن ٤٣٩ الجزء الثامن والعشرون الأمثلة لتخصيص السنة بالقرآن - كما قال الإمام ابن كثير -،(١) وقوله - سبحانه: ((لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن)) تعليل للنهى عن ود المؤمنات المهاجرات إلى دار الكفر ، أو إلى أزواجهن الكفار. أى: لا ترجعوا - أيها المؤمنون - النساء المؤمنات المهاجرات إليكم من أرض الكفر إلى أزواجهن الكافرين، فإن هؤلاء المؤمنات حرق بسبب إيمانهن لا يصح ارتباطهن بأزواجهن الكفار، كما لا يصح لهؤلاء الكافرين الارتباط بالنساء المؤمنات . فالجملة الكريمه المقصود بها تأكيد النهى عن رد المؤمنات المهاجرات إلى أرض الكفر ، ووجوب التفرقة بين المرأة المؤمنة وزوجها الكافر فى جميع الأحوال . قال ابن كثير : هذه الآية هى التى حرمت المسلمات على المشركين، وقد كان ذلك جائزا فى أول الإسلام، أن يتزوجه المشرك المؤمنة ... (٢) وقوله - تعالى -: ((وآتوهم ما أنفقوا، بيان لمظهر من مظاهر عدالة الإسلام فى أحكامه. والخطاب لولاة الأمور. وهذا الإيتاء إنما هو الأزواج المعاهدين، أما إذا كانون حرببين فلا يعطون شيئا. أى: وسلموا إلى المشركين الذين جاءكم نساءهم مؤمنات ، ما دفعوه لهن من مهور قال القر طبى: قوله: ((وآنوهم ما أنفقوا،: أمر الله - تعالى - إذا أمسكت المرأة المسلمة، أن برد إلى زوجها المشرك ما أنفق، وذلك من الوفاء بالعهد، لأنه لما منع من أهله ، بحرمة الإسلام ، أمر - سبحانه - برد المال إليه، حتى لا يقع عليهم خسر ان من الوجهين: الزوجة والمال، (٢). (١) راجع أضواء البيان = ٨ ص ٠١٦٠ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٨ ص ٠١١٨ (٣) تفسير القرطبى = ١٨ ص ٠٦٥ ٤٤٠ سورة الممتحنة فالمراد بقوله - تعالى - ،ما أنفقوا)) : ما دفعه المشركون لأزواجهم المؤمنات . وعبر عن هذه المهور بالنفقة، للإشعار بأن هؤلاء الزوجات المؤمنات، أصبحن لا صلة لهن بأزواجهن المشركين . وقوله - سبحانه -: (( ولا جناح عليكم أن تنكجوهن إذا آتيتموهن أجورهن، تكريم لهؤلاء النساء المدات اللائى فرون بدينهن من أزواجهن المشركين . أى: ولا حرج عليكم ـ أيها المؤمنون - فى نكاح هؤلاء المؤمنات، بعد فراقهن لأزواجهن المشركين، وبعد استبرائكم لأرحامهن ، وعليكم أن تدفهوا لهن مهورهن كاملة غير منقوصة . وقص على دفع المهن لهن - مع أنه أمر معلوم -، لكى لا يتوهم متوم، أن رد المهر إلى الزوج الكافر ، يغنى عن دفع مهر جديد لهن إذا تزوجن بعد ذلك بأزواج مسلمين ، إذ المهر المردود للكفار، لا يقوم مقام المهر الذى يجب على المسلم إذا ما تزوج بامرأة مسلمة فارقت زوجها الكافر . والمراد بالإيتاء: ما يشمل الدفع العاجل، والتزام الدفع فى المستقبل. ثم نهى الله - تعالى - المسلمين عن إبقاء الزوجات المشركات فى عصمتهم فقال: ((ولا تمسكوا بعصم الكوافر)). والعصم: جمع عصمة، والمراد بها هنا: عقد النكاح الذى يربط بين الزوج والزوجة ، والكوافر : جمع كافرة، كضوارب جمع ضاربة . أى: ولا يصح لكم - أيها المؤمنون - أن تبقوا فى عصمتكم، زوجاتكم اللافى آثرن الكفر على الإيمان، وأبين الهجرة معكم من دار الكفر إلى دار الاسلام، وقد بادر المسلمون بعد نزول هذه الآية بتطليق زوجاتهم المكافرات، فطلق عمر بن الخطاب - رضى الله عنه -امر أتين له كانتامشر كتين، وطلق طلحة بن عبيد الله إحدى زوجاته وكانت شركة ...