Indexed OCR Text

Pages 361-380

٢٦١
اجزء الاس راعسرون
وكذلك الرعد، كما فى قوله: ((ويسبح الرعد بحمده والملائكة من
خيفته .. ، ، .
وكذلك الجبال والطير قال - تعالى -: ((إنا سخرن الجبال معه يسبحن
بالمشى والإشراق ... ».
وقدمين أن ذكرنا خلال تفسيرنا لقوله - تعالى -: ((وإن من شيء
إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ... ، أن الرأى الذى تطمئن
إليه النفس، أن التسبيح حقيقي، ولكن بلغة لا يعلمها إلا الله - تعالى -(١).
والمعنى: سبح لله - تعالى- ونزهه عن كل ما لا يليق به، جميع ما فى السموات
وجميع ما فى الأرض من كائنات ومخلوقات، وهو - عز وجل - ((العزيز))
الذى لا يغلبه غالب، « الحكم)) فى كل أقواله وأفعاله.
وقد افتتحت بعض السور - كورة الحديد والحشر والصف، بالفعل
الماضى، لإفادة الثبوت والتأكيد، وأن التسبيح قد تم فعلا.
وافتتحت بعض السور - كسورة الجمعة والتغابن - بالفعل المضارع
(( يسبح،، لإفادة تجدد هذا التسبيح فى كل وقت، وحدوثه فى كل لحظة .
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين، حيث نصرهم
على أعدائهم، فقال: ((هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من
ديارهم لأول الحشر ... ».
والمراد بالذين كفروا من أهل الكتاب هنا: يهود بنى النضير، وقصتهم
معروفة فى كتب السنة والسيرة، وملخصها: أن هؤلاء اليهود كانوا يسكنون
فى ضواحى المدينة، فذهب إليهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ليستعين بهم
فى دفع دي لقتيلين قتلهما بعض المسلمين خطأ، فاستقبلوه استقبالا حسنا،
(١) راجع تفسيرنا لسورة الإسراء ص ٠١١٦

٣٦٢
سورة الحشر
وأظهروا له صلى الله عليه وسلم - إستعدادهم المساعدة فيما يطلبه منهم.
ثم خلا بعضكم ببعض وقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، فمن
منكم يصعد إلى أعلى هذا البيت الذى يجلس تحته محمد - صلى الله عليه وسلم -
فيلقى عليه حجراً فيريحنا منه.
فتعهد واحد منهم بذلك ، وقبل أن يتم فعله، نزل جبريل - عليه السلام-
على النبى - صلى الله عليه وسلم- فأخبره بما أضمره اليهود من غدر وخيانه.
فرجع - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينه، وأخبر أصحابه بما أضمره له
يهود بنى النضير، ونزل قوله - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا أذكروا نعمة
القه عليكم، إذهم قوم أن يبطوا إليكم أيديهم، فكف أيديهم عنكم واتقوا الله،
وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١)
ثم أمر الذى - صلى الله عليه وسلم - أصحابه أن يستعدوا لحصار بنى
النضير، وتأديبهم على غدرهم ... خاصرهم المؤمنون بضعا وعشرين ليله.،
وإنتهى الأمر بإجلائهم عن المدينه، فمنهم من ذهب إلى خيبر؛ ومنهم من
ذهب إلى غيرها .
واللام فى قوله - تعالى - ((لأول الحشر)) متعلقه بأخرج والحشر: الجمع.
يقال حشر القائد جنده إذا جمعهم ، ومنه قوله - تعالى -: «وحشر لسليمان
جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون»
أى: هو - سبحانه - الذى أخرج - بقدرته - الذين كفروا من أهل
الكتاب من ديارهم: وهم يهود بنى النضير، عند مبدأ الحشر المقدر ظم فى علمه،.
بأن مكنكم - أيها المؤمنون - من محاصرتهم وجمعهم فى مكان. واحد، ثم طردهم.
من المدينة المنورة إلى أماكن أخرى، بسبب غدرهم وسوء منيعهم.
قال صاحب الكشاف: اللام فى قوله: ((لأول الحشر، تتعلق بأخرج +
(١) سورة المائدة . الآية ١١

٠
الجزء الثامن والعشرون
٣٦٣
وهى مثل اللام فى قوله: ((يا ليتنى قدمت لحياتي، وفى قولك: ( جئته
لوقت كذا ،
«المغنى؛ أخرج الذين كفروا عند أول الحشر. ومعنى أول الحشر : أن
هذا أول حشرهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء قط.، .. أو
المعنى: هذا أول حشرهم، وآخر حشرهم: إجلاء عمر - رضى الله عنه - لهم
من خيبر إلى الشام .
وقيل معناه: أخرجهم من ديارهم لأول ما حشر لقتالهم ، لأنه أول قتال
قائلهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم .. » (١)
وقصر - سبحانه - إخراجهم عليه قال: « هو الذى أخرج الذين كفروا))
مع أن المسلمين قد إشتركوا فى إخراجهم عن طريق محاصرتهم . للإشعار بأن
السبب الحقيقى فى إخراجهم من ديارهم، هو ما قذفه الله - تعالى - فى قلوبهم
من الرعب ... ، أما محاصرة المؤمنين لهم فهى. أسباب فرعية، قد تؤدى إلى
إخراجهم، وقد لا تؤدى، وللإشعار - أيضا - بأن كل شىء إنما هو بقضاء.
الله وقدره .
ووصفهم - سبحانه - بالكفر وبأنهم من أهل الكتاب ، للتشنيع عليهم
وزيادة مذمتهم ، حيث إنهم جمعوا بين رذيلتين: رذيله الكفر بالحق ،
ورذيله عدم العمل بكتابهم الذى أمرهم بإتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم-
الذى يجدونه مكتوبا عندهم فى التوراة والإنجيل، والذى يأمرهم بالمعروف ،
وينهاهم عن المنكر .
و ((من)) فى قوله - تعالى - ,من أهل الكتاب، للبيان, حتى لا يظن بأن
المراد بالذين كفروا هنا، مشر كو قريش، وإن كان الجمیع یشتر كون فى
الكفر والفسوق والعصيان .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٧٩

٢٦٤
سوره اخضر
وقوله - تعالى -: ((ماظننتم أن يخرجوا ... ، تذكير للمؤمنين بنعم الله
- تعالى - عليهم.
أىّ ما ظننتم أيها المؤمنين .. أن يهود بنى النضير سيخرجون من
ديارهم بتلك السهولة ، وذلك لتملكهم لألوان من القوة، كقوة السلاح،
وكثرة العدد ، ووجود من يحميهم من يسكنون معكم فى المدينة ، وهم حلفاؤهم
من بنى قومهم ، كبنى قريظة : غيرهم ، ومن غير بنى قومهم كالمنافقين الذين
وعدوهم ومنوهم
وقوله:، وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من عند الله، معطوف على ما قبله
أُی : أنتم أيها المؤمنون - ظننتم أن اليهود ان يخرجوا من ديارهم لما
معهم من قوة، وهم - أيضا- ظنوا أن حصونهم ستمنع بأس الله عنهم. وأنها .
متحول بينهم وبين خروجهم منها، وتصركم عليهم
وقوله - سبحانه - : « فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقدف فى قلو بهم
الرعب.، متفرع على الظر السابق، الذى ظنه المؤمنون ، والذى ظنه
أعداؤهم وهم بنو النضير
أى: أنتم ظننتم أنهم لن يخرجوا من ديارهم، وهم ظنوا - أيضا - أن
حصوفهم ستمنعهم من نصركم عليهم، فكانت النتيجة أن أتاهم بأس اله وعقابه
من حيث لم يحتسبوا، ومن حيث لم يخطر هم يبال ، بأن قذف فى قلوبهم
الرعب والفزع. خرجوا من حصونهم التى تمنعوا بها، ومن ديارهم التى
سكنوها زمنا طويلا صاغرين أذلاء.
والتعبير بقوله: « من حيث لم يحتسبوا)) إشارة إلى أن ما نزل بهم من
هزيمة، لم يكونوا يتوقعونها أصلا، إذ الإحتساب مبالغة فى الحسبان، أى :
أتاهم عقاب الله - تعالى - لهم من المكان الذى كانوا يعتقدون أمانهم فيه،
وفى زمان لم يكونوا أصلا يقوقعون حاول هزيمتهم عنده ..

٢٦٥
الجزء الثامن والعشرون
وعبر - سبحانه - بالقذف ، لأنه كناية عن الرمى بقوة وعنف وسرعة .
والرعب : شدة الخوف والفرغ، وأصله : الامتلاء. تقول رعبت الحوض
إذا ملأته .
أى: وقذف - سبحانه - فى قلوبهم الرعب الذى ملأها بالجزع والفزع،
فاستسلموا بسبب ذلك لما حكم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - عليهم.
ثم بين - سبحانه - ما حدث منهم خلال جلائهم فقال: يخربون بيوتهم
بأيديهم وايدى المؤمنين، فاعتبروا يا أولى الأبصار، والتخريب: إسقاط
البناء وهدمه أو إفساده،
أى: أن هؤلاء اليهود، بلغ من سوء نيتهم، ومن اضطراب أمرهم، أنهم
عندما أجمعوا أمرهم على الرحيل عن المدينة، أخذوا يخربون بيوتهم بأيديهم،
عن طريق إسقاط بناتها، وهدم السليم منها ، وإزالة ما اشتملت عليه من
أبواب وغيرها ... حتى لا ينتفع المسلمون بها من بعدهم ..
وأخذوا يخربونها - أيضا - بأيدى المؤمنين، أى: بسبب أن المؤمنين كانوا
يزيلون من طريقهم كل عقبة حتى يقتحموا عليهم ديارهم ، فترتب على ذلك أن
هدموا بعض بيوت بنى النضير من الخارج ؛ ليستطيعوا التمكن منهم .
قال صاحب الكشاف : ما معنى تخريبهم لها بأيدى المؤمنين؟ قلت:
لما عرضوم لذلك، وكانوا السبب فيه، فكأنهم أمروم به، وكلفوم.
إياه ، ١) .
أى : أن يهود بنى النضير بسبب تحصنهم فى ديارهم ، ومحاولتهم عدم النزول
على حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - حملوا المؤمنين على تخريب هذه.
الحصون من الخارج، أيدخلوها عليهم ...
والخطاب فی قوله - تعالى -: « فاعتبروا یا أولی الأبصار، لکل من
يصلح له .
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٨١

٣٦٦
سورة الحشر
قال الجمل فى حاشيته: والاعتبار مأخوذ من العبور والمجاوزة من شىء
إلى شىء، ولهذا سميت العبرة عبرة، لأنها تنتقل من العين إلى الحد. وسمى
علم لتعبير بذلك، لأن صاحبه ينتقل من المتخيل إلى المعقول، وسميت الألفاظ
عبارات ، لأنها تنقل المعانى من لسان الفائل إلى عقل المستمع، ويقال :
السعيد من اعتبر بغيره، لأنه ينتقل بواسطة عقله من حال ذلك الغير إلى
حال نفسه . ..
٠
ولهذا قال القشيرى : الاعتبار هو النظر فى حقائق الأشياء ، وجهات-
دلالتها، ليعرف بالنظر فيها شىء آخر، (١).
أى: إذا كان الأمر كما بينا لكم - أيها الناس - ، فاعتبروا واتعظوا
يا أصحاب العقول السليمة، والعيون الناظرة ، بما جرى لهؤلاء اليهود، حيث
دبر الله - تعالى - أمر إخراجهم من ديارهم تدبيراً حكيما، ونصر المؤمنين
عليهم بأ بسر طريق ، وجعل ديارهم من بعدهم ، خير عبرة وعظة لكل ذى
بصر، فقد خلفوما من بعدهم شاهد صدق على أن الغدر نهايته الخسران ...
وعلى أن النصر إنما هو لمن أقبع الصدق والوفاء بالعهد ..
:
قال الآلومى: واشتهر الإستدلال بهذه الجملة، على مشروعية العمل بالقياس
الشرعى، قالوا: لأنه - تعالى - أمر فيها بالاعتبار، وهو العبور والانتقال
من الشىء إلى غيره، وذلك متحقق فى القياس؛ إذ فيه نقل الحكم من الأصل
إلى الفرع ... ،(٢).
ثم بين - سبحانة - جانبا من حكمته فى إخراجهم فقال: ((ولولا أن كتب
الله عليهم الجلاء، لعذبهم فى الدنيا، ولهم فى الآخرة عذاب النار)).
ولفظ «لولا، هنا حرف امتناع لوجود - أى : امتنع وجود جوابها
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٢١١
(٢) راجع تفسير الآلوسي ٢٨٥ ص ٤١

٣٦٧
الجزء الثامن والعشرون
لوجود شرطها -. و((أن)) مصدرية، وهى مع ما فى حيزها فى محل رفع على
الابتداء, لأن لولا الامتناعية لا يليها إلا المبتدأ، والخير محذوف.
: والجلاء: الإخراج. يقال: جلا فلان عن مكان كدا. إذا خرج منه،
وأجلاه عنه غيره ، إذا أخرجه عنه .
قال القرطبى: والجلاء مفارفة الوطن، يقال: جلا بنفسه جلاء، وأجلاء
غيره إجلاء ..
: الفرق بين الجلاء والإخراج - وإن كان معناهما فى الإبعاد واحدا.
من وجهين :
أحدهما : أن الجلاء ما كان مع الأهل والولد، والإخراج قد يكون مع
بقاء الأهل والولد .
الثانى: أن الجلاء لا يكون إلا لجماعة، والإخراج يكون لواحد
ولجماعة ... ,(١).
أى: ولولا أن المه ـ تعالى ـ قد قدر على هؤلاء اليهود، الجلاء عن ديارهم،
لولا أن ذلك موجود، لعذبهم فى الدنيا عذابا شديداً ، استأصل معه شأفتهم .
ولكن الله - تعالى - كتب عليهم الجلاء دون القتل والإهلاك، لمصلحة
اقتضتها حكمته، لعل من مظاهرها أن يغنم المسلمون ديارهم وأموالهم، دون
أن تراق دماء من الفريقين. ودون أن يعرض المؤمنون أنفسهم لمخاطر القتال.
وجملة: ولهم فى الآخرة عذاب النار، مستأنفة. أى : أن هؤلاء اليهود
إن نجوا من القتل والإهلاك فى الدنيا، فلن ينجو فى الآخرة من العذاب
الذى يذلهم ويهيتهم، بل سيحل بهم عذاب مقيم، لا فكاك لهم منه .
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -( ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله)) يعود
إلى ما نزل وما سينزل بهم من عذاب .
-وقوله : - تعالى -: «شاقوا، من المشاقة بمعنى المعاداة والمخاصمة، حتى
(١) تفسير القرطبى = ١٨ ص ٦

٣٦٨
سورة الحشر
لكأن كل واحد من المتخاصمين فى شق ومكان يخالف شق صاحبه
ومكانه ....
أى: ذلك الذى حل بهم فى الدنيا من عقاب ، والذى سيحل بهم فى الآخرة
من عذاب، سببه أناهؤلاء الذين كفروا من أهل الكتاب ، عادوا امّه - تعالى ..
وخالفوا دعوة رسوله - صلى الله عليه وسلم - .
(( ومن يشاق الله، بأن يخالف ما أمر به، أونهى عنه، يعذبه الله - تعالى -
وبخذله ، فإنّه - سبحانه - شديد العقاب .
وجملة («فإن الله شديد العقاب، قائمة مقام جواب الشرط، أى: ومن
يخالف أمر الله - تعالى - عذبه، فإنه - سبحانه - شديد العقاب، لمن أعرض.
عن طاعته وذكره .
ثم ساق - سبحانه - لما يغرس الطمأنينة فى قلوب المؤمنين، الذين اشتركوا
فى تخريب ديار بنى النضير , وقى قطع نخيلهم ، فقال - تعالى -: « ماقطعتم
من ليتة أو زكتموها قائمة على أصولها، فبإذن الله وليخزى الفاسقين)).
و((ما، شرطية فى موصع نصب، بقوله: ((قطعتم)، وقوله: ((ومن لبنة» ]
بيان لها .
وقوله: (( فبإذن الله، جزاء الشرط. واللام فى قوله - تعالى -: « وليخزى.
الفاسقين ، متعلقة بمحذوف .
واللينة واحدة اللين ، وهو النخل كله، او كرام التخل فقط .
: - قال الألوسى ما ملخصه: الينة هى النخلة مطلقا .. وهى فعلة من اللون،.
وياؤها مقلوبة عن واو لكسر ما قبلها - فأصل البينة: لوفة -...
وقيل : اللينة: النخلة مطلقا .. وقيل: هى النخلة القصيرة، وقيل:
الكريمة من النخل ... ويمكن أن يقال: أراد باللينة النخلة الكريمة، (١).
(١) راجع تفسير الألوسى - ٢٨ ص ٤٣

٣٦٩
الجزء الثامن والعشرون
وقد ذكروا فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : أن المسلمين عندما
أخذوا فى تقطيع نخيل اليهود ، قال اليهود للنبى - صلى الله عليه وسلم -: يا محمد
إنك تنهى عن الفساد ، فما بالك تأمر بقطع النخيل ؟ فأنزل الله هذه الآية.
. وقيل: إن المسلمين بعد أن قطعوا بعض النخيل، ظنوا أنهم قد أخطأوا
فى ذلك ، فقالوا: لنسألن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت هذه الآية.
وقيل: إن المسلمين نهى بعضهم بعضا عن قطع النخيل، وقالوا إنما هى
مغانم المسلمين، فنزلت هذه الآية لتصديق من نهى عن القطع، وتحليل من
قطع من الإثم .
والمعنى: لا تختلفوا - أيها المؤمنون - فى شأن مافعلتموه بنخيل بنى
النضير، فإن الذى قطع شيئا من هذه النخيل لا إثم عليه، والذى لم يقطع
لا إثم عليه - أيضا -، لأن كلا الأمرين بإذن الله - تعالى - ورضاه، وفى
كليهما مصلحة لكم .
لأن من قطع يكون قد فعل ما يغيظ العدو ويذله، ويحمله على الاستسلام
والخضوع لأمركم ...
ومن ترك يكون قد فعل ما يعود بالخير عليكم ، لأن تلك النخيل الباقية،
منفعتها ستثول إليكم ...
وقد شرع - سبحانه - لكم كلا الأمرين فى هذا المقام (ليخزى الفاسقين»
عن أمره، وهم يهود بنى النضير ، ومن ناصرهم، وأيدهم، وسار على طريقتهم
فى الخيانة والغدر .
فالآية الكريمة المقصود بها: إدخال المسرة والبهجة فى قلوب المؤمنين ،
حتى لا يتأثروا بما حدث منهم بالنسبة لنخيل بنى النضير، وحتى يتركوا
الخلاف فى شأن هذه المسألة ، بعد أن صدر حكم الله - تعالى - فيها، وهو
( ٢٤ - سورة الحشر )

٢٧٠
سورة الحشر
أن القطع والترك بإذنه ورضاه، لأن كلا الأمرين يفرس الحسرة فى
قلوب الأعداء ...
وعبر - سبحانه - باللينة عن النخلة، لأن لفظ «لينه، أخف لفظا،
وأدخل فى كونها نخلة من كرام النخل .
وقال - سبحانه -: (( أو تركتموها قائمة على أصولها)، لتصوير هيئها
وحسنها وأن فروعها قد بقيت قائمة على أصولها، التى هى جذور ما وجذوعها.
قال الألوسى: وقوله: ((وليخزى الفاسقين)) متعلق بمقدر على أنه علة له،
وذلك المقدر عطف على مقدر آخر. أى: ليعز المؤمنين ، وليخزى الفاسقين.
أى : ليذلهم ...
والمراد بالفاسقين: أولئك الذين كفروا من أهل الكتاب . ووضع
الظاهر موضع المضمر، إشعارا بعلة الحكم - أى أن فقهم هو السبب فى
إخزائهم ... ))(١) .
هذا ، ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الآية : أن تخريب ديار
العدو، وقطع الأشجار التى يملكها ، وهدم حصونه ومعسكراته ... جائز
مادام فى ذلك مصلحة تعود على المسلمين، ومادامت هناك حرب بينهم وبين
أعدائهم .
ثم بين - سبحانه - حكم الفىء الذى أفاءه على المسلمين فى غزوة بنى النضير
وفيما يشبهها من غزوات، وأمر المؤمنين بأن يطيعوا رسوله - صلى الله عليه
وسلم - فى أمره ونهيه، وأثنى - سبحانه - على المهاجرين والأنصار لقوة.
إيمانهم، ولنقاء قلوبهم، وسخاء نفوسهم ... فقال - تعالى -:
(١) تفسير الآلوسي - ٢٨ ص ٠٤٣

٢٧١
الجزء الثامن والعشرون
((وما أَفاء الله على رسُولِهِ منهُمْ ذَا أَوجِفْتُ عليهِ منْ خيلٍ ولا ركاَبٍ
ولكنَّ الله يسأُطُ رسُلهُ عَلَى من إشَهُ والله عَلَى كلِّ شىءٍ قَدِيرٌ (٦)
ما أَفاء الله عَلَى رسُولِهِ منْ أَهلِ الْقُرى، فَتُّهِ والرَّسُولِ ولذِى
الْقُرِبِىِ واليتامى والمسا كينٍ وابنِ السَّبِيلِ ، كَىْ لا يكونَ دولةٌ بينَ
الأغنياء منُكُم ، وما آتاكُ الرسُولُ فَخَذُوه، وما نَهَا ثُم عنه فَاقْتَهوا،
وَاتَّقُوا الله إنَّ الَّشَ دِيدُ العقابِ (٧) للفقرَاء المهاجِرِينَ الذينَ أُخرِجُوا
مِنْ دِيارِهِمْ وَأَموالهِيمِ ، يَبْغونَ فَضْلاً من اللهِ ورِضواناً، وينصُرُونَ
الله ورسُولُهُ، أُولَئِكَ مِ الصَّادِقُونَ (٨) والذينَ تَبَوَّقًا الدارَ والإيمانَ
مِنْ قَبَلِم، يُحُون من هاجر إليهم، ولا يَجِدُونَ فى صُّدورِمٍ حاجةً
مَا أُوتُوا، ويؤثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِم ولو كانَ بِهِمْ خصاصةٌ، ومنْ يُوقَ
شُحَّنَفَسِهِ فَأُولَئِكَ م المُْلحونَ (٩) والذينَ جَاؤًا من بَدِمٍ يَقولُونَ
رِيَِّ اغفِرْ لذا ولإخْوانِناَ الذينَ سَبَقُونَ بالإيمانِ، ولا تجعلْ فى قُلُوبِناً
فِلا لِلِذِينَ آمَنُوا، ربَّ إِنَّكَ رءوفٌ رَحِيمٌ (١٠))).
وقوله: (( وما أفاء الله على رسوله منهم، فا أوجفتم عليه من خيل
ولا ركاب ... ) معطوف على قوله - تعالى -: «ماقطعتم من لينة ....
لبيان نعمة أخرى من النعم التى أنعم بها - سبحانه - على المؤمنين، فى غزوة
بنى النضير .
و((أفاء)) من الفيء بمعنى الرجوع. يقال: فا. عليه، إذا رجع . ومنه
قوله - تعالى - فى شأن الإيلاء: ((فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم)).
والمراد به هنا معناه الشرعى: وهو ماحصل عليه المؤمنون من أموال

٣٧٢
سورة الحشر
أعدائهم بدون قتال ، كأن يكون هذا المال عن طريق الصلح، كما فعل بنو
النضير ، فقد صبالحوا المؤمنين على الخروج من المدينة ، على أن يكون لكل
ثلاثة منهم حمل بعير -سوى السلاح- وأن يتركوا بقية أموالهم المسلمين ...
والضمير فى قوله ((منهم)) يعود إلى بنى النضير، الذين عبر - سبحانه.
عنهم بقوله: ((هو الذى أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب ... )).
وقوله: (( فما أوجفتم .. )) من الإيجاف بمعنى الإسراع فى السير، يقال:
وجف الفرس يجف وجفا ووجيفا، إذا أسرع فى سيره. والجملة خبر ((ما))
الموصولة فى قوله: ((وما أفاء ... )، و((ما، فى قوله , فما أوجفتم، نافية.
والر كاب: اسم جمع الإبل التى تركب، وفى الكلام حذف أغنى عنه
قوله - سبحانه - «فما أو جفتم ... )).
والمعنى: اعلموا - أيها المؤمنون - أن ما أعطاه الله - تعالى - لرسوله
- صلى الله عليه وسلم - من أموال بنى النضير التى صالحوه عليها، فلا حق لكم
فيها، لأنكم لم تنالوها بقتالكم لهم على الخيل أو الإبل، وإنما تفضل بها.
- سبحانه - علی نبیه - صلی الله عليه وسلم - بلا قتال یذ کر ، فقد كانت دیار
بنى التعزير على بعد ميلين من المدينة ، فذهب إليها المسلمون راجلين ،
وحاصروها حتى تم استسلام بنى النضير لهم ...
قال الألوسى: روى ان بنى النضير لما أجْلُوا عن أوطانهم، وتركوا
رباعهم وأموالهم، طلب المسلمون تخميسها كغنائم بدر، فأنزل الله - تعالى -:
((وما أفاء الله على رسوله منهم ذا أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب ... )).
فسكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة.
فقد أخرج البخارى ومسلم وأبو داود ، والترمذى ، والنسائى، وغيرهم.
عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال: كانت أموال بنى النضير، ما

٣٧٣
الجزء الثامن والعشرون
أنا. آنه - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - مما لم يوجف المسلمون
عليه بخيل ولا ركاب، وكانت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة،
فكأن ينفق على أهله منها نفقة سنة، ثم يجعل ما بقى في السلاح والكراع
عدة فى سبيل الله - تعالى -
وقال الضحاك: كانت أموال بنى النضير لرسول الله - صلى الله عليه
أوسلم - خاصة، فآثر بها المهاجرين، وقسمها عليهم، ولم يعط الأنصار
منها شيئًا. إلا ثلاثة منهم أعطاهم الفقرم .... (١).
وقوله - سبحانه -: «ولكن الله يسلط رسله على من يشاء ... ،
استدراك على النفى فى قوله - تعالى -: ((فما أوجفتم عليه ... )).
أى: ليس لكم الحق - أيها المؤمنون - فى أموال بنى النضير، لأنكم لم
تظفروا بها عن طريق قتال منكم لهم، ولكن الله - تعالى - سلط رسوله
ج - صلى الله عليه وسلم - عليهم وعلى ما فى أيديهم، كما كان يسلط رسله
" على من يشاء من أعدائهم، وأنّه - تعالى - قدير على كل شىء ...
ومادام الأمر كذلك ، فاتركوا رسولكم - صلى الله عليه وسلم -
يتصرف فى أموال بنى الفضير بالطريقة التى يريدها ويختارها ، بإلهام من
الله - عز وجل -.
وقوله - تعالى -: ((ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى، فلله والرسول
ولذى القربى ... ، يرى كثير من العلماء أنه وارد على سبيل الاستئناف
الابتدائى، وأنه سبق لبيان حكم شرعى جديد، يختلف عن الحكم الذى
أوردته الآية السابقة على هذه الآية ..
(١) تفسير الآلوسي - ٢٨ س ٠٤٥

٣٧٤
سورة الحشر
:
إذ أن الآية السابقة، واردة فى حكم أموال بنى النضير بصفة خاصة،
وهذه فى حكم الفيء بعد ذلك بصفة عامة.
وعليه يكون المعنى: لقد بينت لكم ــ أيها المؤمنون - حكم أموال بنى
التضير، وهى أنها لرسولنا - صلى الله عليه وسلم - يضعها حيث يشاء.
أما ما أفاده الله - تعالى - على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من أموال
أهل القرى الأخرى، كقريظة وفدك وغيرها فحكم هذا الفيء أنه يقسم إلى
خمسة أقسام.
قسم للرسول - صلى الله عليه وسلم - ينفق منه على نفسه وأهله، وما تبقى
منه يكون فى مصالح المسلمين .
وقسم لأقاربه - صلى الله عليه وسلم - وهم : بنو هاشم وبنو المطلب ..
وقسم لليتامى: وهم أطفال المسلمين الذين مات آباؤهم عنم قبل أن يبلغوا.
وقسم للمساكين وهم الذين ليس لهم مال يكفيهم ضروريات الحياة .
وقسم لأبناء السبيل ، وهم ، المسافرون المنقطعون عن مالهم فى سفرهم،
ولو كانوا أغنياء فى بلدهم ...
وقد رجح الإمام ابن جرير هذا الرأى، فقال - بعد استعراضه للأقوال -:
والصواب من القول فى ذلك عندى أن هذه الآية حكمها غير حكم الآية التى
قبلها وذلك أن الآية التى قبلها، مال جعله الله - عز وجل - لرسوله - صلى الله
عليه وسلم - خاصة دون غيره . لم يجعل فيه لأحد نصيبا ...
فإذا كانت هذه الآية التى قبلها مضت، وذكر المال الذى خص الله به
رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يجعل لأحد منه شيئا، وكانت هذه الآية
خبرا عن المال الذى جعله الله لأصناف شتى، كان معلوما بذلك أن المال الذى

٢٧٥
الجزء الثامن والعشرون
جعله لأصناف من خلقه، غير المال الذى جعله للنبى - صلى الله عليه وسلم -،(!).
وقال الآلومى عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصة: قوله - تعالى - :
((ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى .. )) بيان لحكم ما أفاءه الله على رسوله
من قرى الكفار على العموم ، بعد بيان حكم ما أفاءه من بنى النضير ...
فالجملة جواب سؤال مقدر ناشىء مما فهم من الكلام السابق، فكان قائلا
يقول: قد علمنا حكم ما أفاء الله - مالى - من بنى النضير، فما حكم ما أفاء
- عز وجل - من غيرهما؟
فقيلَ: ما أفاء الله عل رسوله من أهل القرى فلله ولارسول ولذى القربى)).
ولذا لم يعطف على ما تقدم، ولم يذكر فى الآية فيه الإيجاف ولا عدمه ...
وسهمه - سبحانه - وسهم رسوله واحد. وذكره - تعالى -: افتتاح
كلام للتيمن والتبرك. ((إن الله له ما فى السموات وما فى الأرض، وفيه تعظيم
لشأن الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وأهل القرى المذكورون فى الآية ، هم : أمل الصفراء ؛ وينبع، ووادى
القرى ، وما هنالك من قرى العرب، التى تسمى قرى عرينة، وحكمها مخالف
لحكم أموال بنى النضير،(٢) .
ومن العلماء من يرى أن الآية التى معنا، بمنزلة البيان والتفسير الآية التى
قبلها، لأن الآية الأولى لم تبين المستحقين للفىء الذى أفاءه الله - تعالى -.
على رسوله من أموال بنى النضير ، خامت الآية الثانية وبينت المستحقين له.
وعلى رأس المفسرين الذين قالوا بهذا الرأى صاحب الكشاف ، فقد
(١) راجع تفسير ابن جرير حـ ٢٥ ص ٢٨
(٢) راجع تفسير الألوسى - ٢٨ ص ٤٥

٣٧٦
سورة الحشر
قال عند تفسيره لهذه الآية: لم يدخل - سبحانه - العاطف على هذه الجملة
٠ - لأنها بيان للأولى ، فهى منها غير أجنبية عنها .
- وهی قوله : ما أفاء.
بين لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ما يصنع بما أفاده الله عليه، وأمره أن يضعه
حيث الخمس من الغنائم، مقسوما على الأقسام الخمسة،(١).
وقال الإمام ابن كثير: قوله - تعالى -: (( ما أفاء الله على رسوله من أهل
القرى)). أى جميع البلدان تى تفتح هكذا، فحكمها حكم أموال بنى النضير،
ولهذا قال : فلله والرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل،.
فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه ... )،(٢).
ومر هذا نرى أن أصحاب الرأى الأول، يقولون إن الآيتين فى حكمين
مختلفين ، لأن الآية الأولى فى بيان حكم أموال بنى النضير، وأن الله - تعالى -
قد جعلها للرسول: صلى الله عليه وسلم - يضعها حيث يشاء، وأما الآية الثانية
فهى فى حكم أموال القرى الأخرى، التى أفاءها الله - تعالى - على رسوله
- صلی الله عيه وسلم - ، و ان الله - تعالى - 3. حددله و جوه صرفها ،
فقال: ((فلله وللرسول ولذى القربى)».
وأما أصحاب الرأى الثانى فيرون أن الآية الثانية منفصلة لما أجملته الآية
الأولى، وأن كل فيى. يقسم بالطريقة التى بينتها الآية الثانية .
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن الثابت فى السنة
الصحيحة ، أن أموال بنى النضير، لم يخمسها - صلى الله عليه وسلم . بل كانت
له خاصة (( يوزعها كما يشاء، وقد آثر بها المهاجرين)) وقسمها عليهم: ولم يعط
الأنصار منهاشيئا سوى ثلاثة رجال منهم، كانت بهم حاجة فأعطاهم، وبذلك
(١) راجع تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٨٢
(٢) تفسير ابن كثير - ٤ ص ٢٣٥

٢٧٧
الجزء الثامن والعشرون
نرى أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يتقيد فى التوزيع لهذه الأموال، بمن
ورد ذكرهم فى الآية الثانية ..
٠
وما دام الأمر كذلك، في حاجة إلى القول بأن الآبه الثانية ، بيات
وتفضيل الآية الأولى .
هذا ، وهناك أقوال أخرى فى معنى هذه الآية ، مبسوطة فى كتب الفقه
والتفسير، فليرجع إليها من شاء المزيد من الأحكام الفقهية (1)
وقوله سبحانه - : «كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ... ، بيان
لحكمة هنا البشريع الذى شرعه - سبحانه - بالنسبة للأموال التى أنت
عن طريق الفي . .... والضمير المستتر فى قوله: «يكون، للفي ..
والدولة، بضم الدال المهددة - إسم لما يتداوله الناس فيما بينهم من
أموال ، فيكون فى يد هذا تارة ، وفى يد ذ لا تارة أخرى .
ور الدوله بفتح الدال المحددة - إسم للنوبة من الظفر والنصر فى
الحرب وغيرها .
يقال لفلان على فلان دوله ، أى: غلبة ونصر .
وبعضهم يرى أن الدولة بالضم والفتح - بمعنى واحد ، وهو مايدور
ويدول للانسان من الغنى والنصر.
والمعنى: شرعنا لكم هذه الأحكام المتعلقة بتقسيم الفوء، كى لا يكون
المال الناجم عنه، متداولا بين أيدى أغنياتكم دون فقرائكم .
والمقصود هذه الجملة الكريمة، إبطال ما كان شائعاً فى الجاهلية، من
(١) راجع تفسير القوطى ج ١٨ ص ١٢

٣٧٨
سورة الحشر
إستثمار قواد الجيوش ، ورؤساء القبائل، بالكثير من الغنائم دون غيرهم من
إشترك معهم فى الحروب، كما قال أحد الشعراء، لأحد الرؤساء أو القادة :
لك المرباع منها والصفايا وحكمك والنشيطة والفضول
أى: لك - أبها القائد وحدك من الغنيمة ربعها، والصفايا أى:
والنفيس منها، ولك - أيضا - ما تحكم به على العدو، ولك النشيطة، وهى
ما يصيبه الجيش من العدو قبل الحرب ، ولك - كذلك - الفضول ، أى :
ما يبقى بعد قسمة الغنائم .
وقد أبطل الإسلام كل ذلك، حيث جعل مصارف الفيء، تعود إلى .
المسلمين جميعا، بطريقة عادلة، بينها - سبحانه - فى هذه الآية وفى غيرها.
قال بعض العلماء: والجدير بالذكر هنا: أن دعاة بعض المذاهب الاقتصادية
الفاسدة، يحتجون بهذه الآية على مذهبهم الفاسد، ويقولون: يجوز الدوله
أن نستولى على مصادر الإنتاج ورءوس الأموال، لتعطيها أو تشرك فيها
الفقراء، وما يسمونهم طبقة العمال ، وهذا على ما فيه من كساد إقتصادى،
وفساد إجتماعى، قد ثبت خطؤه وظهر بطلانه مجانالحقيقة الاستدلال.
لأن هذا المال ترك لمرافق المسلمين العامه ، من الإنفاق على المجاهدين ،
وتأمين الغزاة فى الحدود والثغور ، وليس يعطى الأفراد كما يقولون ، ثم -
هو أساسما - مال جاء غنيمة للمسلمين ، وليس نتيجة كدح الفرد وكسبه الجلال
ولما كان مال الغنيمة ليس ملكا لشخص، ولا هو - أيضا - كسب
لشخص معين، تحقق فيه العموم فى مصدره، وهو الغنيمة، والعموم فى مصرفه
وهو عموم مصالح الأمة ، ولا دخل ولا وجود للفرد فيه ، فشتان بين هذا
الأصل فى التشريع ، وهذا الفرع فى التضليل ... (١)
ثم أمر - سبحانه - المسلمين، أن يمتثلوا أمر رسولهم - صلى الله عليه
(١) راجع تفسير أضواء البيان ج٨ ص٥٤ للشيخ الشنقيطى - رحمه الله ..

٢٧٩
الجزء الثامن والعشرون
وسلم - إمتثالا قاما، فقال: ((وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نها كم عنه فانتهوا
وإتقوا الله إن الله شديد العقاب)).
وقوله: «آتاكم، من الإنياء، والمقصود به هنا ما جاءهم به الرسول - صلى
الله عليه وسلم - من هدايات، وتشريعات، وآداب .. ويدخل فى ذلك دخولا
أوليا قسمته لفيى بنى النضير بين المهاجرين ، دون الأنصار.
أى: ما أمركم الرسول - صلى الله عليه وسلم - بفعله - أيها المؤمنون.
فافعلوه، وما نها كم عن فعله فاجتنبوه، وأنقوا الله فى كل أحوالكم، فإنه
- سبحانه - شديد العقاب لمن خالف أمره. ومنهم من جعل , آتاكم، هنا
بمعنى أعطاكم من الغبىء، وجعل «نها كم، بمعنى نهاكم عن الأخذ منه، وكأن
صاحب هذا الرأى يستعين على ما ذهب إليه بفحوى المقام .
قال صاحب الكشاف: قوله ((وما آتاكم الرسول)) من قسمة غنيمة أو
فيىء ((فخذوه)، (( وما نها كم عنه، أى: عن أخذه منها (( فانتهوا)) عنه .
والأجود أن يكون - الأمر والنهى ـ عاما فى كل، ما آ تى - رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - ونهى عنه، وأمر الفشىء داخل فى عمومه، (!)
وقال الامام ابن كثير: وقوله - تعالى -: ((وما آتاكم الرسول فخذوه
وما نها كمعنه فانتهوا ،
أى: مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر
بخير ، وينهى عن شر ...
أخرج الشيخان عن ابن مسعود أنه قال: لعن الله الواشمات، والمستوشمات
والمتنميات، والمتفلجات للحسن، والمغيرات لخلق الله - عز وجل -. فبلغ
ذلك أمرأة من بنى أسد يقال لها أم يعقوب، وكان-تقرأ القرآن، بأنته
فقالت: بلغني أنك قلت كذا وكذا ، فقال: وما لى لا ألعن من لعن رسول الله
- صلى الله صلى الله - صلى الله عليه وسلم - وهو فى كتاب الله.
(١) تفسير الکشاف ج ٤ ص ٨٢

٢٨٠
سورة الحشر
فقالت: لقد قرأت ما بين لو حى المصحف فما وجدته. فقال: إن کنت
قرأتيه فقد وجدقيه ، أما قرأت: «وماآتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه
فانتهوا ،؟ قالت بلى.
قال : فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنه. قالت: إنى لأغان
أهلك يفعلونه !!
قال: اذهبى فانظرى، فذهبت فلم تر من حاجتها شيئا. فجاءت فقالت:
ما رأيت شيئا. قال: لو كان كدا لم تجامعنا)، (١)
وقال بعض "علماء: وفى الآية دليل على وجوب الأخذ بالسنن الصحيحة
فی کل الأمور .
وعن أبي رافع أن سول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا ألفين أحدكم
متكتبا عنى أريكته بأنيه أمر مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا أدرى !!
ما وجدنا فى كتاب الله اتبعناه)).
وهذا الحديث من أعلام النبوة، فقد وقع ذلك بعد من الجاهلين بكتاب
الله، وبمنصب الرسالة، ومن الزنادة، الصادين عن سبيل الله)) (١)
ثم إننى - سبحانه - على المهاجرين الذين فرقوا أموالهم وعشيرتهم، من
أجل إعلاء كلمته - تعالى - فقال: ((للفقراء المهاجرين الذين أخرجوا من
ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضوانا وينصرون الله ورسوله،
أولئك هم الصادفوز »
قال الإمام الرازى: أعلم أن هذا بدل من قوله - تعالى -: «ولذى القربى
واليتامى والمساكين وابن السبيل ... ، كأنه قيل: أعنى بأولئك الأربعة،
هؤلاء الفقراء والمهاجرين الذين من صفتهم كذا وكدا .
(١) راجع تفسير ابن کثیر ج ٤ ص ٣٣٦
(٢) تفسير ، صفوة البيان، جـ ٢ ص ٤١٦ لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف