Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ الجزء السابع والعشرون أى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، اتقوا الله فى كل ما تأنون وما تذرون، وداوموا على الإيمان برسوله - صلى الله عليه وسلم - ، واثبتوا على ذلك ... ((يؤنكم كفلين من رحمته، أى: يعطكم بسبب ذلك نصيين وضعفين من رحمته - سبحانه - وفضله . وأصل الكفل - كما يقول القرطبى كماء يكتفل به أراكب فيحفظه من السقوط ... أى يؤتكم نصييبين يحفظانكم من هلكه المعاصى. كما يحفظ الكفل الراكب من السقوط(١) ... ويجعل لكم فورا تمشو به، أى : ويجعل لكم بفضله فورا تمشون به يوم القيامة، كما قال - تعالى -: ((يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورم بين أيديهم وبأيمانهم ...... ((ويغفر لكم)) أى: مافرط منكم من ذنوب، بأن يزيلها عنكم ... ((والله غفور رحيم)، أي: واسع المغفرة والرحمة لمن اتقاه وأطاعه. فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وعد المؤمنين على تقواهم وعلى إيمانهم برسوله ، أن يؤتيهم نصيبين من رحمته .. وأن يجعل لهم نورا يمشون به، فيهديهم إلى ما يسعدهم فى كل شئونهم . وأن يغفر لهم ما سبق من ذاربهم ... فمثلا منه وكرما . قالوا: وأعلى الله - تعالى - للمؤمنين نصيبين من الأجر، لأن أولهما بسبب إيمانهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم .. وثانيهما : بسبب إيمانهم بالرسل السابقين ، كما أعطى مؤمنى أهل الكتاب نصيبين من الأجر : أحدهما للإيمان بالرسول - صلى الله عليه وسلم - والثانى للإيمان - بعيسى - عليه السلام - الذى نسخت شريعته بالشريعة المحمدية. وقوله - سبحانه -: «لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شىء من (١) تفسير القرطى ج ١٧ ص ٠٢٦٦ ٣٠٢ سورة الحديد فضل اف ... ، رد على مزاعم أهل الكتاب أنهم شعب الله المختار، وأنهم أفضل من الأمة الإسلامية . . قال الجمل ما ملخصه: لما سمع من لم يؤمن من أهل الكتاب قوله - تعالى - , أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ... ، قالوا للمسلمين: أما من آمن منا بكتابكم فله أجره مرتين لإيمانه بكتابنا وكتابكم، ومن لم يؤمن منا بكتابكم فله أجر كأجركم، فبأى شى فضلتم علينا ؟ فأنزل الله هذه الآية ... و «لا، زائدة. واللام متعلقة بمحذوف، هومعنى الجملة العصبية المتضمنة لمعنى الشرط، إذ التقدير: إن تتقوا وتؤمنوا برسوله، يؤتكم الله من فضله كذا وكدا - وقد أعدناكم بذلك - لكى يعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على شىء من فضل الله . أى : أنهم لا ينالون شيئا مما ذكر من فضله .. كالكفلين من رحمته وكمغفرة الذنوب - لأنهم لم يؤمنوا برسوله - صلى الله عليه وسلم ولم يخلصوا العبادة له - عز وجل ... ) (١). وقوله - سبحانه -: ((وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم ، ٠ ٤كد لما قبله، ومقرر له . أى: ليعلم أهل الكتاب عدم قدرتهم على الظفر بشىء من فضل الله إلا إذا آمنوا بالله ورسله ... وليعلموا - أيضا - أن الفضل والعطاء بيد أنه - تعالى - وحده، يمنحه لمن يشاء ويختار من عباده، وهو - سبحانه -. صاحب الفضل الواسع العظيم . وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه يكون المقصود من الآيتين تحريض المؤمنين من هذه الأمة على الثبات على تقوى الله - تعالى - واتباع رسولة . - صلى الله عليه وسلم - فى كل ماجاء به، وتبشيرهم بالعطاء الجزيل إذا مافعلوا ذلك ... (١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٤ ص ٢٩٨ ٢٠٣ الجزء السابع والعشرون والرد على المتفاخرين من أهل الكتاب، الذين زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم ليس أحد أفضل منهم، وأن الأجر ثابت لهم سواء آمنوا بالرسول - صلى الله عليه وسلم - أم استمروا على كفرهم. قال الإمام ابن كثير عند تفسيره هاتين الآيتين: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين، أنزل الله هذه الآية (يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله ... ، فى حق هذه الأمة ... وهى كقوله- تعالى -: ( يأيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم، ويغفر لكم، والله ذو الفضل العظيم). ومما يؤيد هذا القول. أى: أن هذه الآية فى حق هذه الأمة -، مارواه الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: مثلكم ومثل اليهود والنصارى كمثل رجل استعمل عمالا فقال : من يعمل لى من صلاة الصبح إلى نصف النهار على قيراط قيراط ؟ ألا فعملت اليهود. ثم قال: من يعمل إلى من صلاة الظهر إلى صلاة العصر على قيراط قيراط؟ ألا فعملت النصارى . ثم قال: من يعمل لى من صلاة العصر إلى غروب الشمس على قيراطين قيراطين ؟ ألا فأنتم الذين عملتم. فغضبت النصارى واليهود، وقالوا : نحن أكثر عملا وأقل عطاء. قال: هل ظلتكم من أجركم شيئا ؟ قالوا: لا. قال: فإنما هو فضلى أوتيه من أشاء))(١). ويرى بعض المفسرين أن الخطاب لمن آمن من أهل الكتاب، فيكون المعنى: يامن آمنتم بموسى وبعيسى وبمحمد - عليهم الصلاة والسلام - انقوا الله وآمنوا برسوله - صلى الله عليه وسلم - وأثبتوا على ذلك، يؤتكم الله - تعالى - كفلين من رحمته ... (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٣٫٧ ٢٠٤٠ سورة الحديد وليعلم الذين لم يؤمنوا من أهل الكتاب ، أنهم لن ينالوا شيئاً مما قاله. المؤمنون منهم ... ٠ ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإمام ابن جرير ، فقد قال - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآية: يقول - تعالى ذكره -: أيها الذين صدقوا الله ورسوله من أهل الكتابين: التوراة والإنجيل، خافوا الله، وآمنوا برسوله محمد - صلى الله عليه وسلم -((يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم ... ،. أى: يؤتكم أجرين لإيمانكم بعدى وبمحمد - عليهما الصلاة والسلام.(1). ويبدو لنا أن الخطاب فى هذه الآية المؤمنين من هذه الأمة ، على سبيل الحض والتبشير، وأن قوله - تعالى - بعد ذلك: (( لئلا يعلم أهل الكتاب. ألا يقدرون على شىء من فضل الله ... )) واضح فى ذلك، وأن جعل الخطاب. لمؤمنى أهل الكتاب لا دليل عليه .. ولذا قال بعض المحققين: هذه الآية الكريمة من سورة الحديد ، فى. المؤمنين من هذه الأمة، وأن سياقها واضح فى ذلك، وأن من زعم من أهل العلم أنها فى أهل الكتاب فقد غلط، وأن ماوعد الله به المؤمنين من هذه. الأمة، أعظم ما وعد به مؤمنى أهل الكتاب ... (٢). وبعد: فهذا تفسير لسورة ( الحديد، نسأل الله - تعالى- أن يجعله خالصاً: لوجهه، وتفعا لعباده. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ کتبه الراجی عفو ربه. فندق الشيراتون بالدوحه - قطر صباح الخميس ٢٤ من رجب سنة ١٤٠٦ هـ ٣ من أبريل سنة ١٩٨٦ م محمد سيد طنطاوى (١) راجع تفسير ابن جرير حـ ١٧ ص ٠٢٤٢ (٢) تفسير أضواء البيان =٧ ص ٨١٦ للشيخ محمد الأمين الشنقيطى .. تفسير سُودَة المُجَادلة (٢٠ - سورة المجادلة). بِسْر ◌َبد الرحمن الرحيم مقدمة و مهيد ١ - سورة (( المجادلة)) - بفتح الدال وكسرها والثانى أظهر، لأن إفتتاح السورة فى المرأة التى جادلت النبي - صلى الله عليه وسلم - فى شأن زوجها -. وهذه السورة: هى السورة الثامنة والخمسون فى ترتيب المصحف ، أما ترتيبها فى النزول فكان بعد سورة ((المنافقون))، وقبل سورة (( التحريم)، وعدداً بانها ثنتان وعشرون آيه فى المصحف الكوفى والبصرى والشامى، وإحدى وعشرون آية فى المصحف المكى والمدنى . ٢ - وهى من السور المدنية الخالصة، ومن قال بأن فيها آيات مكية، لم 24 يأت بدليل يعتمد عليه فى ذلك. قال القرطبى : هذه السورة مدنية فى قول الجميع . إلا رواية عن عطاء : أن العشر الأول منها مدنى، وباقيها مكى. وقال الكلى: نزل جميعها بالمدينة، غير قوله - تعالى -: ((ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، نزات بمكـ،(١) . ٣ - وقد افتتحت سورة , المجادلة) بالحديث عن المرأة التى جادات النبي - صلى الله عليه وسلم - فى شأن زوجها، وقد أصدر - سبحانه - حكمه العادل فى مسألتها، مبينا حكم الظهار، فقال - تعالى -: (والذين يظاهرون من فسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماما، ذلكم توعظون به، والله بما تعملون خبير. فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماما، (١) تفسير القرطبي ج ١٧ ص ٠٢٦٩ - ٣٠٨ - فن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله ، وتلك حدود الله ، وللكافرين عذاب أليم)). ٤ - ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن الذين يحادون الله ورسوله،فینت سوء عاقبتهم، لأن الله - تعالى - لايخفى عليه شيء من أحوالهم، فهو سبحانه. (( ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم، ولا خمسة إلا هو سادسهم، ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ، ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة، إن الله بكل شىء عليم)). ٥ - ثم وجه - سبحانه - ثلاث نداءات إلى المؤمنين، أمرهم فى أول نداء بأن يتناجوابالبر والتقوى .. وأمرهم فى النداء الثانى أن يفسح بعضهم لبعض فى المجالس ... وأمرهم فى النداء الثالث إذا ماناجوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يقدموا بين يدى نجواهم صدقة ...- قال - تعالى -: (( يأيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول ، فقدموا بين يدى نجواكم صدقة، ذلك خير لكم وأطهر، فإن لم تجدوا، فإن الله غفور رحيم). ٦ - وبعد أن عجبت السورة الكريمة من أحوال المنافقين، وبينت سوء عاقبتهم، وكيف أن الشيطان قد استحوذ عليهم، فأنساهم ذكر الله ... بعد كل ذلك ختمت السورة الكريمة ببيان حسن عاقبة المؤمنين الصادقين وبيان صفاتهم الكريمة ، فقال - عز وجل -: لاتجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ، يوادون من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو أبناءع أو إخوانهم أو عشيرتهم، أولئك كتب فى قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، ويدخلهم جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها ، رضى الله عنهم. ورضوا عنه، أولئك حزب الله، ألا إن حزب الله م المفلحون)). ٧ - هذا، والمتأمل فى سورة ((المجادلة)) يراها قد بينت حكم الظهار، وأبطلت ما كان شائعا من أن الرجل إذا ظاهر من زوجته لا تحل له ... وساقت جانبا من فضل الله - تعالى - على عباده ، حيث أجاب دعاء امرأة - ٣٠٩ - قد اشتكت إليه، وقضى فى مسألتها قبل أن تقوم من مكانها، وهى بجانب النبي - صلى الله عليه وسلم - تجادله فى شأن زوجها .. كما يراها قد كشفت القناع عن المنافقين ، وفضحتهم على أقو الهم الباطلة، وأفعالهم الذميمة، وموالاتهم لأعداء الله ورسوله ... كما يراها قد ساقت ألوانا متعددة من الآداب التى يجب على المؤمنين أن يتحلوا بها، وبشرتهم برضا الله - تعالى - عنهم، متى أخلصوا له - سبحانه - العبادة والطاعة . ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ الدوحة - قطر صباح الأحد : ٢٧ من رجب سنة ١٤٠٦ هـ ٦ /١٩٨٦/٤ م د . محمد سيد طنطاوى عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية ٣١٠ سورة المجادلة التفسير قال اگها- تعالى - : (( قَدْ تُمع الله قول المتی تُجَادِے فی زوجِها وَنَشْكر إلى الهِ، واللّهُ يسَعُ تَحَاوُرُكُما إنَّ الله سمِعٌ بَصِيرٌ (١) الذينَ ظَاهِرُوذَ مِنكُم مِنْ سَائِهِم ما منَّ أُمَّها تَهِمْ، إنْ أمَّاتُهم إلاّ اللّى ولمْنَهُم، وإنْهم ليْقُولُون مُنكراً من القَوْلِ وزُوراً وإنّاله لعُفُوٌّ فَدورٌ (٢) والذينَ يِظَاهِرِوَ من نِسَائِهِمْ ثُمَّ يُعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَعرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبلِ أنْ يَتَماسًّا، ذلكُم تُوعُطُونَ بِهِ، والله ما تَمِلونَ خَبِيرٌ (٣) فَنْ لم يَجِدْ فعِيامُ شَهرِينٍ متتابعينٍ مِنْ قَبَلٍ أنْ يناسًا، فَمن لم يَسْتَطِعْ فإِنْمامُ ستَّيْرَ مِسْكِينً، ذلِكَ لَتُؤْمِنوا بالمِ ورسُوله، وتِكَ حدودِ اللهِ وللكَافِرِينَ عَذَابٌ أَليمٌ (٤)». ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه الإمام أحمد عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خولة بنت ثعلبة قالت : فىَّ والله وفى - زوجى - أوس بن الصامت أنزل الله صدر سورة المجادلة. قالت: كنت عنده، وكان شيخاً كبيرا قد ساء خلقه. قالت: فدخل ، على يوما فراجعته بشىء فغضب، فقال: أنت على كظهر أمى . قالت : ثم خرج جلس فى نادى قومه ساعة ، ثم رجع، فإذا هو بريدنى عن نفسى. فقلت له: كلا والذى نفس خولة بيده لا تخلص إلى وقد قلت ماقلت ، حتى يحكم الله ورسوله فينا بحكمه ... ٣١١ الجزء الثامن والمشرون قالت : فو البنى، فامتنعت عنه ، فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف. القبته عنى . ثم خرجت إلى بعض جاراتى، فاستعرت منها ثيابا ، ثم خرجت حتى جئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جلست بين يديه، فذكرله - صلى الله عليه وسلم - ما لقيت من زوجى ، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه . قالت فجعل رسول الله - صلى اقه عليه وسلم - يقول: (( ياخويلة، ابن عمك شيخ كبير فانقى الله فيه .. . قالت : فو الله ما برحت حتى نزل فى قرآن ، فتغشى رسول الله - صلى اله عليه وسلم - ما كان يتغشاه، ثم سرى عنه. فقال لى: «ياخو إله قد أنزل الله فيك وفى صاحبك قرآنا، ثم قرأ على هذه الآيات ... وفى رواية، أنها أقت تنبى - صلى الله عليه وسلم - فقالت له: يارسول أفقه، إن أوسا زوجنى وأنا شابة مرغوب فى، فلما خلا سنى، ونثرت بطنى، جعلنى عليه كأمه ، وتركنى إلى غير أحد ، فإن كنت تجد لى رخصة بارسول الله حد ثنی بها . فقال - صلى الله عليه وسلم ـ((ما أمرت بشىء فى شأنك حتى الآن، وفى رواية أنه قال لها: ((ما أراك إلا قد حرمت عليه». فقالت: يارسول، إنه ماذكر طلاقا، وأخذت تجادل النبى - صلى الله عليه وسلم - . ثم قالت: اللهم إنى أشكو إليك فاقتى، وشدة حالى، وإن لى من زوجى أولادا صغارًا، إن ضممتهم إليه ضاعوا ، وإن ضممتهم إلى جاءوا ...... قالت: وما برحت حتى نزل القرآن . فقال - صلى الله عليه وسلم - : قبل نزول هذه الاية . وقوله: (( تجادلك)) من المجادلة، وهى المفاوضة على سبيل المفـ والمنازعة. وأصلها من جدّلت الحبل: إذا أحكمت فتله . وقوله: ((وتشتكى، من الشكر. وأصله فتح الشكوة - وهى سقاء هـ يجعل فيه الماء - وإظهار مافيها، ثم شاع هذا الاستعمال فى إظهار الإنـ لما يؤلمه ويؤذيه، وطلب إزالته . والمعنى: قد سمع الله - تعالى - سماعا قاما، قول هذه المرأة التى تجاد - أيها الرسول الكريم - فىشأن مادار بينها وبينزوجها، وفماصدر عنهفى۔ من الظهار، وسمع - سبحانه - شكواها إليه، والتماسها منه - عز وجل - قضيتها، وتفريج كربتها، وإزالة ما نزل بها من مكروه ... (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ص٣١٨ وتفسير ابن جرير = ٥٢٨ (٢) تفسير المكشاف ج ٤ ص ٧٠ ٣١٣ الجزء الثامن والعشرون وقل - سبحانه - ((التى تجادلك .. )) بأسلوب الإسم الموصول للإشعار بأنها كانت فى نهاية الجدال والشكوى، وفى أقصى درجات التوكل على ربها، والأمل فى تفريج كربتها، ورحمة بها ويزوجها وأبنائها. وقوله - سبحانه -: ((والله يسمع تحاوركما)) جملة حالية. والتحاور: مراجعة الكلام من الجانبين . يقال: حاور فلان فلانا فى الكلام إذا راجعه فيما يقوله ... أى: والحال أن الله - تعالى - يسمع ما يدور بينك - أيها الرسول الكريم - وبين تلك المرأة، من مراجعة فى الكلام، ومن أخذ ورد فى شأن قضيتها . والمقصود بذلك، بيان الاعتناء بشأن هذا التحاور ، والتنويه بأهميته، وأنه - تعالى - قد تمكرم وتفضل بإيجاد التشريع الحكيم لحل هذه القضية: وعبر - سبحانه - بصيغة المضارع، لزيادة التنويه بشأن ذلك التحاور، واستحضار صورقة فى ذهن السامع ، ليزد د عظة واعتبارا. وجملة: ( إن الله سميع بصير، قذبيل قصد به التعليل لما قبله بطريق التحقيق . أى: أه - سبحانه - يسمع كل المسموعات. ويبصر كل المبصرات، على أتم وجه واكمله، ومن مقتضيات ذلك، أن يسمع تحاوركا. ويبصر حا دار بينكما . قال الفرطى: أخرج ابن ماجه أن عائشة - رضى الله عنهما - قالت: تبارك الذى وسع سمعه كل شىء إنى لأسمع كلام خولة بنت ثعلبة، ويخفى على بعضه ، وهى تشتكى زوجها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم - وهى تقول: يا رسول الله !! أكل شبابى، ونثرت له بطنى، حتى إذا كبر سنى .. ظاهر منى !! اللهم إنى أشكو إليك ... ٣١٤ سورة المجادلة وفى البخارى عن عائشة قالت: الحمد لله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا فى ناحية البيت ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - تعالى -: «قد سمع الله قوله التى تجادلك فی زوجها .. (١) ثم شرع - سبحانه - فى بيان شأن الظهار فى ذاته، وفى بيان حكمه المتر تب عليه شرعا فقال: (( الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما من أمهاتهم، إن أمهاتهم إلا اللائی ولدنهم ... ، وقوله: «يظاهرون، من الظهار، وهو لغة مصدر ظاهر، وهو مفاعلة من الظهر ... قال الألوسى: والظهار يراد به معان مختلفة راجعة إلى الظهر معنى ولفظا. باختلاف الأغراض . فيقال : ظاهر زيد عمرا ، أى : قابل ظهره بظهره حقيقة، وكذا إذا غايظه ... وظاهره إذا ناصره باعتبار أنه يقال : قوى ظهره إذا نصره ..... (٢) . والمراد به هنا : أن يقول الرجل لزوجته : أنت على كظن أمى، قاصدا بذلك تحريم زوجته على نفسه. كتحرج أمه عليه . وكان هذا القول من الرجل لا امرأته يؤدى إلى طلاقها منه بحيث لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره وقيل إلى طلاقها منه طلاقا مؤبدا ، لا تحمل له بعده .. وقيل . إن هذا القول لم يكن طلاقا من كل وجه ، بل كانت الزوجة. تبقى بعده معلقة، فلا هى مطلقة، ولا هى غير مطلقة ... (١) تفسير القرطبى جـ ١٧ ص ٠٢٧٠ (٢) تفسير الآلوسی ج ٢٨ ص ٠٤. ٣١٥ الجزء الثامن والعشرون و((من)) فى قوله (( من نسائهم، بيانية، الإفادة أن هذا تشريع عام، وليس خاصا بخولة بنت أملبة، التى نزلت فى شأنها هذه الآيات. وجملة: ((ما هن أمهاتهم، قائمة مقام الخبر، ودالة عليه والمعنى: ((الذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نساءم)) بأن يقولوا لهن: أنتن علينا كظهر - أمهاتنا، مخطئون فيما يقولون. فإنزوجاتهم لن بأمهاتهم ... (( إن: أمهاتهم إلا اللائى ولد نهم، أى: ليس أمهاتهم على سبيل الحقيقة والواقع إلا النساء اللاتى ولد نهم وأرضعنهم، وقمن برعايتهم فى مراحل الطفولة والصبا والشباب ... ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بقوله: « وإنهم ليقولون منكرا من القول وزورا ... - أى: وإن هؤلاء الرجال الذين يقولون لأزواجهم: أنتن علينا كظهور أمهاتنا فى الحرمة ، لتيفوهون بما هو منكر من القول؛ فى حكم الشرع. وفى حكم العقل، وفى حكم الطبع ، وفضلا عن كل ذلك فهو قول كاذب وباطل إذ لم يحرم الله - تعالى - الزوجة على زوجها. كما حرم عليه أمه، فعلاقة الأزواج بأمهاتهم ، تختلف إختلافا تاما عن علاقتهم بزوجاتهم ... وإذا فالمقصود بهذه الجملة الكريمة: التوبيخ على هذا القول، وهو قول : الرجل لزوجته: أنت على كظهر أمى، وذم من ينطق به ، لأنه يعرض مقام الأمهات - وهو مقام فى أسمى درجات الاحترام والتبجيل - إلى تخيلات قبيحة تصاحب النطق بهذا الكلام . وكعادة القرآن الكريم فى قرن الترغيب بالترهيب ، حتى لا تيأس النفوس من رحمة الله، ختمت الآية الكريمة بما يدل على فضله - تعالى - ٣١٦ سورة المجادلة فقال: ((وإن الله لعفو غفور، أى: وإن الله - تعالى - لكثير المفو والمغفره، لمن تاب اليه - سبحانه - وأناب، وأقلع عن تلك الأقوال والأفعال التى يبغضها - سبحانه -. ثم أخذت السورة الكريمة فى تفصيل حكم الظهار ، بعد بيان كونه منكراً من القول وزورا، فقال. تعالى -: (والذين يظاهرون من نسائهم، ثم ٠٠ .. يعودون لما قالوا ، فتحرير رقبة من قبل أن يتماما. وقد إختلف العلماء فى معنى قوله - تعالى -: «ثم يعودون لما قالوا ٢٠٠ فمنهم من يرى أن المراد منه، ثم يرجعون عما قالوا، قاصدين معاشرة زوجاتهم ، أو قاصدين تحليل ما حرموه على أنفسهم بالنسبة لزوجاتهم بسبب الظهار. ومنهم من يرى، أن المراد بهذه الجملة: العوده إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية ، بعد أن هداهم الله - تعالى - إلى الاسلام. فيكون المعنى: ثم يعودون إلى ما كانوا يقولونه فى الجاهلية من ألفاظ الظهار، التى يبغضها الله - تعالى -. وهذا القول يبدو عليه الضعف من جهة : جعله الفعل المضارع الدال على الحال والاستقبال وهو ((يظاهرون))، بمعنى الماضى المنقطع، ومن جهة جعلهم أن المظاهر بعد الإسلام، كان قد ظاهر فى الجاهلية ، مع أن هذا ليس بلازم، إذ لم يثبت أن « أوس بن الصامت، كان قد ظاهر من زوجته فى الجاملية، وهذا الحكم إنما هو حق المظاهر فى الاسلام. ومنهم من يرى أن المراد بهذه الجملة: تكرار لفظ الظهار ، فمعنى ثم يعودون لما قالوا : ثم يعودون إلى تكرار لفظ الظهار مره أخرى. وكأن أصحاب هذا القول يرون، أن الكفارة لا تكون إلا بتكرار ٣١٧ اجزء الثامن والعشرون ألفاظ الظهار، وهو قول لا يؤيده دليل، لأنه لم يثبت أن خولة - أو غيرها. كرر عليها زوجها لفظ الظهار أكثر من مرة، بل الثابت أنه عندما قال لها: أنت على كظهر أمى، ذهبت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - وقصت عليه ما جرى بينها وبين زوجها ... وقد رجح الإمام ابن جرير الرأى الأول فقال: «والصواب من القول فى ذلك عندى أن يقال: معنى اللام فى قوله: (( لما قالوا، بمعنى إلى أو فى، لأن معنى الكلام : ثم يعودون لنقض ما قالوا من التحريم فيحلاونه ، وأن قيل: ثم يعودون إلى تحليل ما حرموا، أو فى تحليل ما حرموا فصواب ، لأن كل ذلك عود له، فتأويل الكلام: ثم يعودون لتحليل ما حرموا على أنفسهم مما أحله الله لهم)،(١) والمعنى: والذين يظاهرون منكم - أيها المؤمنون - من نسائهم، ثم يندمون على مافعلوا، ويريدون أن يعودوا عما فالوه، وأن يرجعوا إلى معاشرة زوجاتهم ... فعليهم فى هذه الحالة إعتاق رقبة (( من قبل أن يتماسا)، أى: من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر، أى يحرم عليهما الجماع ودواعية قبل التكفير. والمراد بالرقبة: المملوك ، من تسمية الكل باسم الجزء. واسم الإشارة فى قوله - سبحانه ـ: ((ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير ) يعود إلى الحكم بالكفارة . أى: ذلكم الذى شرعناه لكم - أيها المؤمنون - وهو الحكم بالكفارة، إنما شرعناه من أجل أن تتعظوا به ، وتنزجروا عن النطق بالألفاظ التى تؤدى إلى الظهار ، وأنه - تعالى - خبير ومطلع على كل ما تقولونه من أقوال ، وما (١) تفسير ابن جرير حـ ٢٨ ص ٨ ٣١٨ سورة المجادلة تفعلونه من أفعال، - وسيحاسبكم على ذلك حسابا دقيقا ... وما دام الأمر كذلك، فافعلوا ما أمركم به. واجتنبوا ما نها كم عنه. ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر يسره فى أحكامه فقال: (فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماما .... أى: فمن لم يجد منكم ـ أيها المؤمنون - رقبة يعتقها، أو يجد لنال الذى يشترى به الرقبة فيعتقها ... فعليه فى هذه الحالة، أن يصوم شهرين متتابعين من قبل أن يستمتع أحدهما بالآخر ... · فن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا، أى: فمن لم يستطع أن يصوم شهرين متتابعين ، لسبب من الأسباب كمرض أو غيره فعليه فى هذه الحالة أن يطعم ستين مسكينا، بأن يقدم لهم طعاما يكفى لغداتهم وعشائهم بصورة مشبعة . واسم الإشارة فى قوله:((ذلك لتؤمنوا بالله ورسوله)) إشارة إلى ماسبق الحديث عنه، من تشريع يتعلق بالظهار ومحله إما الرفع على الابتداء، أو النصب بمضمر معلل بما بعد)). أى: ذلك واقع، أو فعلنا ذلك ليزداد إيمانكم بالله ورسوله ، وعملكم بشريعة الإسلام، وتنفيذكم التكاليف التى كلمكم الله - تعالى - بها. ,( وتلك حدود الله والكافرين عذاب أليم، أى: وذلك الأحكام التى ذكرناها لكم می حدود الله - تعالى- التى لا يجوز تعديها، فالزموها وقفوا عندها ، والكافرين الذين يتعدونها ولا يقفون عندها، عذاب شديد الألم علی من ینزل به. هذا، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات مايأتى: ١ - أن الدعاء منى صدر عن لسان صادق، وعن قلب عامر باليقين ... أجابه الله - تعالى - لصاحبه فى الحال، أو فى الوقت الذى يريده - سبحانه -. والدليل على ذلك أن السيدة خولة بنت ثعلبه، عندما تضرعت إلى أنه ٣١٩ الجزء الثامن والعشرون - تعالى - بالدعاء، أن يكشف كربها، وأن يحل قضيتها ... أجاب -سبحانه- دعاءها ، وأنزل قرآنا يتلى، وأحكاما يعمل بها فى شأن الظهار ... ورضى الله عن السيدة عائشة فقد قالت: (الحمدلله الذى وسع سمعه الأصوات، لقد جاءت المجادلة تشكو إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأنا فى ناحية البيت، ما أسمع ما تقول، فأنزل الله - عز وجل -: (قد سمع الله قول لى تجادلك فى زوجها ... ،. . وقال القرطبى: المرأة التى اشتكت هى خولة بنت ثعلبة ... وقــ مر بها عمر بن الخطاب فى خلافته، والناس معه، فاستوقمته طويلا ووعظته وقالت: باعمر قد كنت قدهى عميرا، ثم قيل لك يا عمر ، ثم قيل لك يا أمير المؤمنين، فاتقى الله يا عمر ، فإنه من أيقن بالموت خاص الفوت، ومن أيقن بالحساب خلى العذاب ... فقيل له: يا أمير المؤمنين : أنقف هذا الوقوف لتلك المرأة العجوز؟ فقال: والله لو حبستنى من أول النهار إلى آخره لازلت إلا الصلاة المكتوبة. أندرون من هذه؟ إنها خولة بنت ثعلبة، سمع الله قولها من فوق سبع سماوات، أيسمع رب العالمين قولها ولا يسمعه عمر (١). ٢ - أخذ العلماء من قوله - تعالى -: «الذين يظاهرون منكم من .. ، أنه ليس للنساء ظهار، فلو ظاهرت امرأة من زوجها، لم يلزمها نسائهم شىء ... لأن الحل والعقد، والتحليل والتحريم فى النكاح، إنما هو بيد الرجل لا بيد المرأة ... ويرى بعضهم أن عليها كفارة يمين، ولا يحول قولها هذا بينها وبين زوجها من مجامعتها كما أخذ الأحناف والحنابلة والمالكية من هذه الآية ، أن الظهار خاص بالمسلمين ، لأنهم هم المخاطبون ، ولأن غيرهم من الذميين ليسوا من أهل الكفارة ... (١) راجع تفسير القرطبي =١٧ ص ٠٢٦٩ ٢٢٠ سورة المجادلة وقال الشافعية : كما يصح طلاق الذمى وتترقب عليه أحكامه ، يصح ظهار الذمى وتترتب عليه أحكامه ... كذلك أخذ العلماء من هذه الآية: صحة ظهار العبد من زوجته، لأن أحكام النكاح فى حقه ثابتة ، وإذا تعذر عليه العشق والإطعام ، فإنه قادر على الصوم ... ٣ - يؤخذ من قوله - تعالى -: ((وإنهم ليقولون مشكرا من القول وزورا ... ، أن الظهار حرام، لأن الله - تعالى - قد وصفه بأنه منكر من القول ، وبأنه زور ... والفعل الذى يوصف بهذا الوصف. يجب على المؤمن أن يتنزه عنه . ٤ - يرى الحنفية والظاهرية أنه يكفى فى الكفارة بالنسبة للظهار تحرير وقبة حتى ولو كانت كافرة، لأن الله - تعالى - يقول: ((فتحرير رقبة)) ولو كان الإيمان شرطا لبينه كما بينه فى كفارة القتل، فوجب أن يطلق ما أطلقه ، وأن يقيد ماقيده، ويعمل بكل منهما فى موضعه . ويرى جمهور الفقهاء إشتراط الإيمان فى الرقبة ، لأنه من المعروف حمل المطلق على المقيد إذا كان من جنسه ، ومادام قد ورد النص على كون الرقبة مؤمنة فى بعض الآيات ، فيجب حمل بقية الآيات على ذلك . ٥ - دل قوله - تعالى - ((من قبل أن يتماسا، على حرمة الجماع قبل التكفير ... وألحق بعضهم بالجماع دواعيه من التقبيل ونحوه، لأن الأصل فى الأحكام أنه إذا حرم شىء منها، أن يلحق بذلك الشىء المحرم ما يوصل إليه. إذ طريق المحرم محرم . ويرى بعضهم أن المحرم إنما هو الجماع فقط، لأن حرمة الجماع ليست لمعنى يخل بالنكاح، وعليه فلا يلزم من تحريم الجماع تحريم دواعيه ، فإن الحائض بحرم جماعها دون دواعيه ... قال القرشى: ولا يقرب المظاهر امرأته ولا يباشرها، ولا يتلذذ منها