Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
الجزء السابع والعشرون
الحياة الدنيا، التى تعيشون فيها ما شاء الله لكم أن تعيشوا ... ((لعب)، واللعب:
هو قضاء الوقت فى قول أو فعل لا فائدة من ورائه ..
((ولهو، واللهو: إسم لفعل أو قول يقصد من ورائه التلذذ والتمتع ،
وصرف الآلام والهموم عن النفس .
((وزينة)) الزينة إسم لما يتزين به الإنسان من ملبس أو مسكن أو ما يشبهما
مما يفعله من أجل أن يكون فى أعين الناس مهيبا جميلا .
(( وتفاخر بينكم، أى: وتفاخر فيما بينكم بالأموال والمناصب. والأحساب
والأعمال. (( وتكاثر فى الأموال والأولاد، والتكاثر تفاعل من الكثرة -
كما أن التفاخر تفاعل من الفخر - وصيغة التفاعل جىء بها هنا، للمبالغة فى
إظهار ما يتفاخرون به، وما يتكاثرون فيه، حتى لكأنه ينافس غيره فى ذلك
ويريد الظهور عليه .
والحرص على التفاخر والتكاثر فى الأموال والأولاد ، من طبيعة كثير
من الناس، كما قال - تعالى -: ((ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ... ))
ثم بين - سبحانه - حال الحياة الدنيا ، التى يلعب الناس فيها ، ويلهون
ويتفاخرون ، ويتكاثرون.
٠٠
فقال: ((كمثل غيث أعجب الكفار نباته ....
أى: هذه الحياة الدنيا حالها وصفتها ومثلها كمثل مطر أعجب الكفار
وراقهم وسرهم ، ما ترتب على هذا المطر، من نبات جميل أبت من الأرض
بعد هطول الغيث عليها .
فقوله - تعالى -: ((كمثل، خبر لمبتدأ محذوف. أى: مثلها كمثل.
والمراد بالكفار هنا: الجاحدون لنعم الله - تعالى -، الساترون لها ،
وخصوا بالذكر ، لأنهم أشد إعجابا وسروراً وإنغماما فى زينة الحياة الدنيا
من غیر ھم .

٠
٢٨٢
سورة الجديد
وروى عن عبدالله بن مسعود - رضى الله عنه - أن المراد بالكفار هنا:
الزراع الذين يزرعون الأرض بعد نزول المطر عليها، ويبذرون فيها البذور
سمواكفارا من الكفر بمعنى الستر والإخفاء. يقال: كفر الزارع أو زرعه
إذا أخفاه فى الأرض ، حتى لا يتعرض للتلف أو الضياع .
وقوله - سبحانه -: ((ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما .. ،
والهيجان: الاضطراب والثوران. ومنه سميت الحرب بالهيجاء، لأن
فيها يضطرب المقاتلون ، ويثور بعضهم على بعض ..
ويرى بعضهم أن معنى ((يهيج، هنا: بيبس ويجف.
وعطف - سبحانه - جملة ((يهيج)) بحرف ((ثم)) لافادة التراخى الرقى،.
إذ أن وصول النبات إلى درجة من الهيجان وبلوغ منتهاه ، لا يتأتى إلا بعد
زمن طويل من بدء زراعته ...
ولم يرتض بعض المحققين هذا المعنى فقال: تفسير (((يهيج)، يبيبس فيه
تسامح، فإن حقيقته أن يتحرك إلى أقصى ما يتأتى له أى : - من الطول
والغلظ . (١)
أى: ثم يتحرك هذا النبات الذى أعجب الكفار إلى أقصى ما يتأتى له من
طول وقوة، ثم يبدأ فى الضعف ، فتراه - أيها الناظر اليه - نباتا مصفرا متغيرا
عما كان عليه من النضرة ، آخذا فى الذبول وفى التهيؤ للحصاد، ثم يكون
بعد ذلك حطاما، أى : نباتاً محطما مكسرا.
والمقصود بقوله - تعالى -: ((كمثل غيث ... ألخ، التقرير والتأكيد لما
وصفت به الدنيا من كونها لعب ولهو وزينة .
وتشبيهها فى سرعة زوالها (وإنقضاء نعيمها، وقلة فائدتها ... بحال نبات
ظهر على الأرض بعد هطول المطر عليها، واستمرفى ظهوره وجماله ونضرته
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٢٩٢

٢٨٣
الجزء السابع والعشرون
وهيجانه ، لفترة ما من الحياة ، أعجب خلالها الكاربه، ثم حل هذا النبات
البائع الاصفرار والاضمحلال حتى صار حطاما مفتنا تذروه الرياح ..
فر والمقصود بهذا التشبيه، زجر الناس عن الركون إلى الحياة الدنيا ر كونا
ينسون معه فرائض الله - تعالى -، وتكاليفه التى كلفهم بها - سبحانه -
. وعطف - سبحانه -: « فتراه مصفراء بالفاء للإشعار بقصر المسافة - مهما
طالت فى عرف الناس - بين نضرة الزرع وإستوائه ، وبين إصفراره
ونهايته .
قال صاحب الكشاف - رحمه الله -: أراد - سبحانه - أن الدنيا ليست
إلا معقرات من الأمور، وهى اللعب واللهو ... وأما الآخرة فما هى إلا
أمور عظامٍ ...
وشبه حال الدنيا وسرعة تقضيها، مع قلة جدواها ، بنبات أنبته الغيث
فاستوى واكتهل ، وأعجب به الكفار الجاحدون لنعمة الله ، فيما رزقهم من
الغيث، والنبات ... فبعث عليه العاهة فهاج وأصغر وصار حطاما .... (١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان عظم الآخرة، وهو ان الدنيا
فقال: (( وفى الآخرة عذاب شديد، أى: لمن كفر بالله - تعالى - وفسق
من أمره.
. ((ومغفرة من الله ورضوان)، أى: لمن آمن بالله - تعالى -، واتبع ماجاء
به الرسول - صلى الله عليه وسلم، وحافظ على أداء ما كلف به بإخلاص
وحسن إقتداء .
((وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور، أى: وما أحوال الحياة الدنيا
وما إشتملت عليه من شهوات ، إلا متاع زائل ، لا يقدم عليه ، ولا يتشبع
به إلا من خدع بزخرفه، وإغتر بمظهره .
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦٥

٢٨٤
سورة الحديد
F
فالمراد بالغرور : الخديعة . مصدر غره، أى: خدعه وأطمعه بالباطل
ثم أمرهم - سبحانه - بالمسارعة إلى ما يسعدهم، بعد أن بين لهم حال الحياة
الدنيا فقال: ((سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء
والأرض ... ،
وقوله - تعالى - ((سابقوا)) من المسابقة وهى محاوله أن يسبق
الانسان غيره .
و((من)) فى قوله ((من ربكم)) إبتدائية، والجار والمجرور صفة للمغفرة.
أى: سارعوا - أيها المؤمنون - مسارعة السابقين لغيرهم، إلى مغفرةٍ.
عظیمة کائنه من ربكم .
فالتعبير بقوله: ((سابقوا، لالهاب الحماس وحض النفوس إلى الاستجابة
لما أمروا به، حتى لكأنهم فى حالة مسابقة يحرص كل قرين فيها إلى أن
يسبق قرينه ..
وقوله: «وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ... ، معطوف على
المغفرة. أى: سابقوا غيركم - أيها المؤمنون - إلى مغفرة عظيمه من ربكم،
وإلى جنة كريمة، هذه الجنة عرضها وسعتها ورحابتها ... كسعة السماء!
والأرض ...
وهذه الجنة قد ((أعدت للذين آمنوا بالله ورسله، إيمانا حقا، جعلهم
لا يقصرون فى أداء واجب من الواجبات التى كلفهم - سبحانه - بها ...
قال الامام الفخر الرازى ما ملخصه: وفى كون الجنة عرضها كعرض
السماء والأرض وجوه:
منها: أن المراد لو جعلت السموات والأرضون طبقا طبقا ... لكان
ذلك مثل عرض الجنة، وهذا غاية فى السعة لا يعلمها إلا الله - تعالى-

٢٨٥
الجزء السابع والعشرون
٤ ومنها : أن المقصود المبالغة فى الوصف بالسعة للجنة ، وذلك لأنه لاشىء
عندنا أعرض منهما ... (1) .
وخص - سبحانه - العرض بالذكر، ليكون أبلغ فى الدلالة على عظمها،
وإتساع طولها، لأنه إذا كان عرضها كهذا، فإن العقل يذهب كل مذهب فى
تصور طولها، فقد جرت العادة أن يكون الطول أكبر من العرض .
قال الإمام ابن كثير : وقد روينا فى مسند الإمام أحمد أن مرقل - ملك
الروم - كتب إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنك دعوتنى إلى جنة
عرضها السموات والأرض، فأين النار؟ فقال - صلى الله عليه وسلم - :
"سبحان الله، فأين الليل إذا جاء النهار، (٢)
وإسم الإشارة فى قوله - تعالى -: «ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله
ذو الفضل العظيم، يعود إلى الذى وعد الله - تعالى - به عباده المؤمنين من
المغفرة والجنه .
أى: ذلك العطاء الجزيل فضل الله - تعالى - وحده وهو صاحب الفضل
العظيم الذى لا يعلم مقداره إلا هو - عز وجل -
فأنت ترى أن الله - تعالى - بعد أن بين حال الحياة الدنيا ... دعا المؤمنين
إلى المسابقة إلى العمل الصالح ، الذى يوصلهم إلى ما هو أكرم وأبقى ...
: وهو الجنة.
وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: «زين للناس حب الشهوات من النساء
والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة ... قل أونبئكم بخير من
ذلکم ... ،(٢)
(١) راجع تفسير الفخر الرازى ج٩ ص ٤
(٢) تفسير ابن كثير جـ١ ص ٤٠٤
(٣) سورة آل عمران الآيات ١٤ - ١٧

٢٨٦
سورة الحديد
ثم بين - سبحانه - أن كل شىء فى هذه الحياة، خاضع لقضاء الله - تعالى
وقدره، وأن على المؤمن الصادق أن يكون شاكراً عند الرخاء ، صابرا
عند البلاء ... فقال - تعالى -:
(( ما أصابَ من مُصيبةٍ فى الأرضِ ولا فى أنفُسِكُ إلاَّ فى كتابٍ
مِنْ قبلٍ أنْ تَبرأما إنَّ ذلكَ على اللّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لَكُمْ لا تَأْسُوا على
ما فاتكُ ولا تفرّحوا بماَ آتَاثُم، والهُ لا يُحِبُّ كَلَّ مختَلٍ فَخُور (٣٣)
الذينَ يُبْخَلونَ ويَأْمُرُونَ النَّاسَ بالبُخْلِ، ومَنْ يتولَّ فإِنَّ اللّه هُو
الغَِّىُّ الحميدُ (٢٤) )).
و («ما، فى قوله - تعالى - ((ما أصاب من مصيبة)) نافية. و((من)
مزيدة لتأكيد هذا النفي ، وإفادة عمومه . ومفعول ((أصاب)) محذوف.
وقوله ((فى الأرض)) إشارة إلى المصائب التى تقع فيها من فقر، وقحط،
وزلازل ...
وقوله: ((ولا فى أنفسكم، للإشارة إلى ما يصيب الإنسان فى ذاته
كالأمراض، والهموم ...
والاستثناء فى قوله - تعالى - ((إلا فى كتاب)) من أعم الأحوال. والمراد
بالكتاب: اللوح المحفوظ، أو عليه - عز وجل - الشامل لكل شىء.
وقوله ((نبرأها، من المبره - بفتح الباء - بمعنى الخلق والإيجاد، والضمير
فيه يعود إلى النفس، أو إلى الأرض، أو إلى جميع ماذكره الله - تعالى-
من خلق المصائب والأرض والأنفس .
والمعنى : واعلموا - أيها المؤمنون عذما يترقب عليه آثاره من العمل
الصالح - أنه ما أصابكم أو ما أصاب أحدا مصيبة، هذه المصيبة كائنة فى

٢٨٧
الجزء السابع والعشرون
الأرض - كالقحط والزلازل -، أو فى أنفسكم - كالأسقام والأوجاع .،
إلا وهذه المصائب مسجلة فى كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ..
وهذا التسجيل كان من قبل أن تخلق هذه الأنفس ، وهذه المصائب ..
وكرد - سبحانه - حرف النفى فى قوله (( ولا فى أنفسكم، للإيماء إلى أن
المصائب التى تتعلق بذات الإنسان، يكون أشد تأثرا واهتماما بها، أكثر
من غيرها .
واسم الإشارة فى قوله: ((إن ذلك على الله يسير)) يعود إلى الكتابة
فى الكتاب .
أى: إن ذلك الذى أثبتناه فى لوحنا المحفوظ وفى علمنا الشامل لكل
شىء ... قبل أن تخلقكم، وقبل أن نخلق الأرض ... يسير وسهل علينا،
لأن قدرتنا لا يعجزها شىء، وعلمنا لا يعزب عنه شىء .
فالآية الكريمة صريحة فى بيان أن مايقع فى الأرض وفى الأنفس من
مصائب - ومن غيرها من مسرات - مكتوب ومسجل عند اقه - تعالى - قبل
خلق الأرض والأنفس .
وخص - سبحانه - المصائب بالذكر، لأن الإنسان يضطرب لوقوعها
إضطرابا شديدا، وكثيرا ما يكون إحساسه بها، وإدراكه لأثرها، أشد
. من إحساسه وإدراكه للمسرات .
ومن الآيات التى تشبه هذه الآية فى معناها قوله - تعالى -: «قل لن يصيبنا
إلا ما كتب الله لنا، هو مولانا وعلى الله فليتوكل المؤمنون) (!).
ثم بين -سبحانه - الحكم التى من أجلها فعل ذلك فقال: «لكى لا تأسوا
على مافانكم، ولا تفرحوا بما آتاكم .....
(١) سورة التوبة الآية ٥١.

٢٨٨
سورة الحديد
فاللام فى قوله: «لكى لاتأسوا ... ، متعلقة بمحذف. وقوله:« تأسواه
من الأسى، وهو الحزن والضيق الشديد. يقال: أسى فلان على كذا- كفرح.
فهو یأمی اسی، إذا حزن واغتم لما حدث، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن
شعيب - عليه السلام -: ((فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالات ربى
ونصحت لكم، فكيف آسى على قوم كافرين،(١).
أى: فعلنا مافعلنا من إثبات ما يصيبكم فى كتاب من قبل خلقكم،
وأخبر ناكم بذلك، لكى لا تحزنوا على ما أصابكم من مصائب حزنا يؤدى بكم
إلى الجزع، وإلى عدم الرضا بقضاء الله وقدره، ولكى لاتفرحوا بما أعطاكمى
الله - تعالى - من نعم عظمى وكثيرة ... ، فرما يؤدى بكم إلى الطغيان وإلى
عدم استعمال نعم الله - تعالى - فيما خلقت له ... فإن من علم ذلك علما
مصحوبا بالتدبر والاتعاظ ... هانت عليه المصائب، واطمأنت نفسه لما
قضاه الله - تعالى -، وكان عند الشدائد صبورا، وعند المسرات شكورا.
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: يعنى أنكم
إذا علمتم أن كل شىء مقدر مكتوب عند الله ، قل أساكم على الفائت، وفرحكم
- على الآتى، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة، لم يتفاقم جزعه عند
فقده، لأنه وطن نفسه على ذلك، وكذلك من علم أن بعض الخير وأصل
إليه، وأن وصوله لا يفوته بحال ، لم يعظم فرحه عند نيله ...
(إن قلت: فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به ، ولا عند منفعة
ينالها، أن لا يحزن ولا يفرح؟
قلت: المراد الحزن المخرج إلى ما يذهل صاحبه عن الصبر والتسليم
لأمر الله - تعالى-، ورجاء ثواب الصابرين، والفرح المطفى الملهى
عن الشكر .
(١) سورة الأعراف الآية ٠٩٣

٢٨٩
الجزء السابع والعشرون
فأما الحزن الذى لا يكاد الإنسان يخلو منه مع الاستسلام والسرور بنعمة
الله، والاعتداد بها مع الشكر، فلا بأس بهما(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «والله لا يحب كل مختال
فخور » .
أى: والله - تعالى - لا يحب أحدا من شأنه الاختيال بما آتاه - سبحانه-
من نعم دون أن يشكره - تعالى - عليها، ومن شأنه - أيضا - التفاخر
والتباهى على الناس بما عنده من أموال وأولاد ... وإنما يحب الله - تعالى -
من كان من عباده متواضعا حليما شاكرا لخالقه - عز وجل -.
فأنت ترى أن هاتين الآيتين قد سكبتا فى قلب المؤمن ، كل معانى الثقة
والرضا بقضاء الله وقدره فى كل الأحوال ...
وليس معنى ذلك عدم مباشرة الأسباب التى شرعها الله - تعالى - لأن
ماسجله أنه فى كتابه علينا قبل أن يخلقنا ... لا علم لنا به، وإنما علمه مرده
إليه وحده - تعالى - .
وهو - سبحانه - لا يحاسبنا على مانجهله، وإنما يحاسبنا على ما أمرنا به،
. أو نهانا عنه، عن طريق رسوله - صلى الله عليه وسلم -.
وكما سجل - سبحانه - أحوالنا قبل أن يخلقنا، فقد شرع الأسباب وأمرنا
بمباشرتها ، وبين لنا فى كثير من آياته، أن جزاءنا من خير أو شر على
حسب أعمالنا ...
ـمغطـ
وعندما قال بعض الصحابة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: « أفلا نتكل على
ما قدره الله علينا ، ؟
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٦٦
(١٩ - سورة الحديد )

٢٩٠
سورة الحديد
أجابهم بقوله: (( اعملوا فكل ميسر لما خلق له )).
وقوله - سبحانه - بعد ذلك: «الذين يبخلون ربأمرون الناس بالبخل .. ،
بدل من قوله - تعالى -: ((كل مختال فخور)) .. والمراد بالذين يبخلون: كل
من يبخل بماله أو بعلمه ... فكانه - تعالى - يقول: والله لا يحب الذين
يبخلون بما أعطاهم من فضله، بخلا يجعلهم لا ينفقون شيئا منه فى وجوه الخير،
، لأن حهم لأموالهم جعلهم يمسكونها ويشحون بها شحا شديدا ...
ولا يكتفون بذلك، بل يأمرون غيرهم بالبخل والشح ...
وعلى رأس هؤلاء الذين لا يجبهم الله - تعالى - المنافقون، فقد كانوا
يبخلون بأموالهم عن إنفاق شىء منها فى سبيل الله، وكانوا يتواصون بذلك
فيما بينهم، فقد قال - سبحانه - فى شأنهم: ( هم الذين يقولون لانتفقوا على
من عند رسول الله حتى ينفضوا، ولله خزائن السموات والأرض، ولكن
المنافقين لا يفقهون)»(١) .
وقوله - سبحانه -: ((ومن يتول فإن الله هو الغنى الحميد ، تذييل
المقصود به ذم هؤلاء البخلاء على بخلهم ..
وجواب الشرط محذوف، أغنت عنه جملة ((فإن الله هو الغنى الحميد))
وتغنى: هو الموصوف بالغنى. وهى صفة من صفات الله - عز وجل - إذ هو
الغنى غنى مطلقا، والخلق جميعا فى حاجة إلى عطائه - سبحانه - والحميد :
وصف مبالغة من الحمد . والمراد به أنه - تعالى - كثير الحمد والعطاء للمنفقين
فى وجوه الخير .
أى: ومن يعرض عن هدايات الله - تعالى - وعن إرشاداته ... فلن
يضر الله شيئا، فإن الله - تعالى - هو صاحب الغنى المطلق الذى لا يستغنى معى.
(١) سورة المنافقون الآية ٧.

٢٩١
الجزء السابع والعشرون
عطائه أحد، وهو - سبحانه - كثير الحمد والعطاء لمن استجاب لأمره، فأنفق
ما رزقه الله بدون اختيال أو تفاخر أو أذى ...
٠ ٠.
ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد افتضت أن يرسل رسله إلى الناس ،
ليدوهم إلى طريق الحق ، وأن الناس منهم من اتبع الرسل، ومنهم من أعرض
عنهم، ومنهم من ابتدع أمورا من عند نفسه لم يرعها حق رعايتها ... فقال
، تعالى - :
((لقد أُرسَلنَ وسُلناَ بالبينّتٍ وأَنزَلِناَ مَعهم الكتابَ والميزَانَ
: لِيقُومِ النَّاسُ بالقسْط، وأنزلنا الحديدَ فيهِ بأسٌ شديدٌ ومنافعُ النَّاسِ
وليَ اللهُ مَن يَنْصِرُهُ ورِسُلَه بالغَّيْبٍ إِنَّ الله قوىّ عَزِ يزٌ (٢٥) ولقَدْ
أرسَلْنَ أُوحاً وإِبراهِيمَ وجَعلناً فى ذُرِّيْتِهِمَ الثُبْوَّةَ والكتابَ، فَنْهُمْ
ثُمَّدٍ وكثيرٌ منهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦) ثم قَّنَ على آثَارِمْ بِرسُلِناً، وفقّناً
بِنْسَى ابن مريمَ، وَآتَبْناهُ الإنجيلَ، وجعلناً فى قُلُوبِ الذين التَُّوه
◌َفَةَ ورحمةً ورهبانيةَ ابْتَدُعُوها ما كتبناها عليهم إلاَّ ابتغاء رضوانٍ
الثّهِ، فما رعَوهَا حقَّ رعايتها، فَآتَيْناَ الذين آمنُوا منهم أجرهُم، وكثيرٌ
منهُمْ فاسِقُون (٢٧)».
والمراد بالبينات فى قوله - تعالى -: ((لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ... »
الحجج والدلائل التى تشهد لهم بأنهم رسل من عند الله - تعالى -، وقدخل
فيها المعجزات دخولا أوليا .
٠٠ ٥
والمراد بالكتاب: جنس الكتب ، وتشمل التوراة والإنجيل وغيرهما .

٢٩٢
سورة الحديد.
والميزان: الآلة المعروفة بين الناس لاستعمالها فى المكاييل وغيرها.
والمراد بها العدل بين الناس فى أحكامهم ومعاملاتهم ...
وشاع إطلاق الميزان على العدل ، باستعارة لفظ الميزان على العدل، على
وجه تشبيه المعقول بالمحسوس. والمراد بإنزاله: تبليغه ونشره بين الناس.
أى: بالله لقد أرسلنا رسلنا، وأيدناهم بالحجج والبراهين الدالة على صدقهم»
وأنزلنا معهم كتبنا السماوية، بأن بلغناهم إياها عن طريق وحينا، وأنزلنا
معهم العدل، بأن أرشد ناهم إلى طرقه، وإلى إعطاء كل ذى حق حقه ..
قال ابن كثير: يقول الله - تعالى -: « لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، أى:
بالمعجزات، والحجج الباهرات، والدلائل القاطعات ((وأنزلنا معهم الكتاب))
وهو النقل الصدق , والميزان، وهو العدل. أو وهو الحق الذى تشهد به البقول
الصحيحة المستقيمة المخالفة للآراء السقيمة ... )، (١).
وأكد - سبحانه هذا الإرسال، للرد على أولئك الجاحدين الذين
أنكروا نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم - ولبيان أنه واحد من مؤلامية
الرسل الكرام، وأن رسالته إنما هى إمتداد ( سالنهم ... وقوله - تعالى -في
((ليقوم الناس بالقسط، علة لما قبله. أى: أرسلنا الرسل، وأزلنا الكتاب،".
وشرعنا العدل، ليقوم الناس بنشر ما يؤدى إلى صلاح بالهم، واستقامة؟
أحوالهم، عن طريق التزامهم بالحق والقسط فى كل أمورهم .
قال الآلوسى: والقيام بالقسط ، أى: بالعدل ، يشمل التسوية فى أمور
التعامل باستعمال الميزان، وفى أمور المعاد باحتداء الكتاب: وهو - أي:
القسط .- لفظ جامع مشتمل على جميع ما ينبغى الاتصاف به ، معاها
ومعادا،(٢)
(١) تفسير ابن كثير حـ ٤ ص ٣١٤
(٢) تفسير الآلومى = ٢٧ ص ١٨٨

٢٩٣
الجزء السابع والعشرون
وقوله - تعالى -: ((وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس))
معطوف على ماقبله .
والمراد بإنزال الحديد: خلقه وإيجاده، وتهيئته للناس ، والإنعام به
عليهم، كما فى قوله - سبحانه -: « وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج
"يخلفكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق ... )،(١).
والمراد بالبأس الشديد: القوة الشديدة التى تؤدى إلى القتل وإلحاق
الضرر بمن توجه إليه . أى: لقد أرسلنا رسلنا بالأدلة الدالة على صدقهم،
وأنزلنا معهم ما يرشد الناس إلى صلاحهم ...
وأوجدنا الحديد ، وأنعمنا به عليكم، ليكون قوة شديدة لكم فى الدفاع
عن أنفسكم ، وفى تأديب أعدائ كم، وليكون كذلك مصدر منفعة لكم فى
: مصالحكم وفى شئون حياتكم ...
فمن الحديد تكون السيوف وآلات الحرب ... ومنه - ومعه غيره -
تتكون القصور الفارهة، والمبانى العالية الواسعة ، والمصانع النافعة ...
وآلات الزراعة والتجارة ...
: فالآية الكريمة تلفت أنظار الناس إلى سنة من سنن الله - تعالى - فى
خلقه، هذه السنة تتلخص فى أن الله - تعالى - قد أرسل الرسل وزوده
بالهدايات السماوية التى تهدى الناس إلى ما يسعدهم ... وزودهم - أيضا -
بالقوة المادية التى تحمى الحق الذى جاءوا به وترد كيد الكائدين له فى نحورم،
وذهب كل من يحاول الاعتداء عليه، كما قال - تعالى -: ((وأعدوا لهم
فا استطعتم من قوة ومن رباط الخيل، ترهبون به عدو الله وعدوكم)،(٢).
ورحم اله الإمام ابن كثير فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: ما ملخصه:
(١) سورة الزمر الآية ٦.
(٢) سورة الأنفال الآية ٦٠.

٢٩٤
سورة الحديد
أى: وجعلنا الحديدرادعا لمن أبى الحق، وعائده بعد قيام الحجة عليه، ولهذا
أقام الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمكة ثلاث عشرة سنة، تنزل عليه السور
المكية ، لبيان أن دين الله حق ...
فلما قامت الحجة على من خالفه ، شرع الله القتال بعد الهجرة، حماية
الحق ، وأمرهم بضرب رقاب من عائد الحق و كذبه .
وقد روى الإمام أحمد عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - بعثت بالسيف بين يدى الساعة حتى يعبد الله وحده لا شريك له .
وجعل رزقى تحت ظل رمحى ، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمرنى ،
ومن تشبه بقوم فهو منهم) .
ولهذا قال - تعالى -: ((وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد، يعنى السلاح
كالسيف والخراب ...
((ومنافع للناس، أى: فى معايشهم كالفأس والقدوم ... وغير.
ذلك ،(١) .
. هذا ، ومن المفسرين الذين فصلوا القول فى منافع الحديد وفى بيان ٣
لماذا خصه الله - تعالى - بالذكر: الإمام الفخر الرازى فقد قال - رحمه اله.
ما ملخصه: ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة ، جعله الله سهل
الوجدان ، كثير الوجود، والذهب لما كانت حاجة الناس إليه قليلة ، جعله
أقه - تعالى - عزيز الوجود ...
وبهذا تتجنى رحمة الله على عباده ، فإن کل شیء کانت حاجتهمإلیه أ کثر
جعل الحصول عليه أيسر ...
فالهواء - وهو أعظم ما يحتاج الإنسان إليه - جعل الله - تعالى - الحصول
عليه سهلا ميسورا ... فعلمنا من ذلك أن كل شىء كانت الحاجة إليه أكثر،
كان وجدانه أسهل ...
(١) تفسير ابن كثير ج ٤ ص ٠٣١٥

٢٩٥
الجزء السابع والعشرون
ولما كانت الحاجة إلى رحمة إن - تعالى - أشد من الحاجة إلى كل شىء،
فرجوه من فضله أن يجعلها أسهل الأشياء وجدانا كما قال الشاعر :
والناس مستغنون عن أجناسه
سبحان من خص العزيز بعزة
نفسٍَّ، فمحتاج إلى أنفاسه١١)
وأذل أنفاس الهواء وكل ذى
وقوله : - سبحانه -: ((وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب ....
معطوف على محذوف يدل عليه السياق .
والمراد بقوله: « وليعلم .. ، أى: وليظهر علمه - تعالى - للناس، حتى
يشاهدوا آثاره .
أى: وأنزل - سبحانه - الحديد لكى يستعملوه فى الوجوه التى شرعها
الله، وليظهر - سبحانه - أثر علمه حتى يشاهد الناس، من الذى سيقبع الحق
رعنهم، فينصر دين الله - تعالى-، وينصر رسله، ويستعمل نعمه فيما خلقت له
حالة كونة لا يرى الله - تعالى - بعينيه، وإنما يتبع أمره، ويؤمن بوحدانيته
ووجوده وعلمه وقدرته ... عن طريق ما أوحاه - سبحانه - إلى رسوله
- صلى الله عليه وسلم - .
فقوله: ((بالغيب، حال من فاعل ((ينصره)).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: ((إن الله قوى عزيز)) أى: إن
الله - تعالى - هو المتصف القوة التى ليس بعدها قوة وبالعزة التى لاتقار بهاعزة.
وختمت الآية بهذا الختام ، لأنه هو المناسب لإرسال الرسل، ولإنزال .
الكتب والحديد الذى فيه بأس شديد ومنافع للناس .
فكان هذا الختام تعليل لما قبله . أى: لأن الله تعالى - قوى فى أخذه
عزيز فى إنتقامه فعل ما فعل من إرسال الرسل، ومن إنزال الحديد.
وقوله - سبحانه - : ((ولقد أرسلنا نوحا وإبراهيم وجعلنا فى ذريتهما
(١) راجع تفسير الفخر الرازى جـ ٢٩ ص ٢٤٣.

٢٩٦
سورة الحديد
النبوة والمكتاب ... )، معطوف على جملة: «لقد أرسلنا رسلنا بالبينات ... ))
عطف الخاص على العام .
أى: لقد أرسلنا رسلا كثيرين ... وبالله لقد أرسلنا نوحا وإبراهيم،
وجعلنا فى ذريتهما عددا من الأنبياء، وأوحينا فيهم كتبنا، التى تهدى
أقوامهم إلى طريق الحق ، كالتوراه التى أنزلناها على موسى ، وكالزبور الذى
أنزلناه على داود ...
وخص - - حانه - فوحا وإبراهيم - عليهما السلام - بالذكر، لشهرتهما
ولان جمیع الأنبياء من نسلهما
والضمير فى قوله - تعالى -: ((فمنهم مهند وكثير منهم فاسقون، أى : فن.
ذريتهم من إهتدى إلى الدين الحق ، وآمن به ، وقام بأداء تكاليفه ، وكثير .
من أفراد هذه الذرية فاسقون. أى: خارجون عن الاعتداء إلى الحق،
متغمون فى الكفر والضلال .
• ثم قفينا على آثارهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم، والتقفيه إتباع
الرسول برسول آخر. يقال: قفا فلان أثر فلان ... إذا أتبعه، وقفى على
أثره بفلان، إذا أتبعه إياه ... وأصله من الففا وهو مؤخر العنق ، فكان
الذى يتبع أثر غيره قد أقاه من جهة قفاه .
وضمير الجمع فى قوله ((على آثارهم .. ، يعود إلى نوح وإبراهيم وذريتهما
الذين كافت فيهم النبوة والكتاب ..
أى: ثم أرسلنا بعدهم رسولا بعد رسول، حتى إنتهينا إلى عيسى - عليه
السلام - الذى ((آتيناه الإنجيل)) أى: أو جيناه اليه ليكون هداية لقومه.
قالوا: والإنجيل كلمة يونانية من النجل وهو الأصل، يقال: رحم الله
فاجليه، أى: والديه . وقيل: الإنجيل مأخوذ من بحلت الشىء، إذا إستخرجته
وأظهرته . ويقال للماء الذى يخرج من البئر: نجل. وقيل هو من النجل الذى
هو سعة العين . ومنه قولهم: طعنة نجلاء، أى: واسعة .

٢٩٧
الجزء السابع والعشرون
وسمى الإنجيل بهذا الاسم، لأنه سعة ونور وضياء ، أنزله الله - تعالى -
على نبيه عيسى ، ليكون بشارة وهداية لقومه (١)
وأعاد - سبحانه - مع عيسى - عليه السلام - كلمة، قفينا، الإشعار بأن
المسافة التى كانت بين عيسى - عليه السلام - وبين آخررسول من بنى إسرائيل
كانت مسافة طويلة .
ثم بين - سبحانه - بعض السمات التى كانت واضحة فى أنباع عيسى فقال:
, وجعلنا فى قلوب الذين إتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية إبتدعوها ماكتبناها
عليهم إلا ابتغاء رضوان الله ... ))
والراف: اللين وخفض الجناح. والرحمة: العطف والشفقة.
قالوا: وعطف الرحمة على الرأنه من باب عطف العام على الخاص ، لأن .
الرأفه، رحمة خاصة، تتعلق بدفع الأذى والضر، أما الرحمة فهى أشمل وأعم،
لأنها عطف وشفقة على كل من كان فى حاجة اليها .
و((الرهبانية، معناها الفعلة المنسوبة إلى الرهبان، وهم النصارى المبالغون
فى الرهبنة والخوف من الله - تعالى -، والزهد فى متاع الحياة الدنيا .
قال بعض العلماء: والرهبانيه، إسم للحالة التى يكون الراهب متصفا بها
فى غالب شئون دينه . والياء فيها ياء النسبة إلى الراهب على غير قياس، لأن
قياس النسب إلى الراهب: الراهبية. والنون فيها مزيدة للمبالغة فى النسبة،
كما زيدت فى قولهم: شعر انى، لكثير الشعر، ولحيانى لعظيم اللحية ... (٢)
وقوله - تعالى -,ورهبانية إبتدعوها .... منصوب بفعل مضمر
يفسره الظاهر .
(١) راجع تفسير الفخر الرازي = ٧ ص ١٧١
(٢) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٧ ص ٤٢١ للشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
- رحمه الله - .

٢٩٨
سورة الحديد
أى: وإبتدعوار مبانيه إبتدعوها، فهو من باب الإشتغال.
ويصح أن يكون معطوفا على قوله: «رأفة ورحمه، وقوله: (( إبتدعوها،
فى موضع الصفه، والكلام على حذف مضاف، أى: وجعلنا فى قلوبهم رأفة
ورحمة وحب رهبانية مبتدعة لهم .
وجملة , ما كتبناها عليهم، مستأنفه مبينة لجملة (( إبتدعوها،
والإستثناء فى قوله: (( إلا إبتغاء رضوان الله، منقطع
والضمير فى قوله: «فما رعوها ... ) يعود لهؤلاء الذين إبتدعوا
الرهبانية ...
والمعنى: ثم أتبعناكل رسول من ذربة نوح وإبراهيم برسول آخر، حتى
إنتهينا إلى عيسى - عليه السلام -، فأرسلناه إلى بنى إسرائيل وآتيناه الإنجيل
وجعلنا فى قلوب الذين إتبعوه وآمنوا به (( رافة)) أى لينا وخفض جناح
((ورحمة، أى: شفقة وعطفا. وحب ((رهبانيه، مبتدعة عنهم ، أى: ثم
الذين إبتدعوهاواخترعوهاواختاروها لأنفسهم ، زهدا فى متاع الحياة الدنيا
ونحن ما كتبنا عليهم هذه الر هبانية. وإنما هم الذين إبتدعوها من أجل أن
يرضى الله عنهم، ((فمارعوها حق رعايتها، أى: ولكنهم بمرور الأيام، لم
يحافظ كثير منهم على ما تقتضيه هذه الرهبانية من زهد وتقى وعفاف ... بل
صارت طقوسا خالية من العبادة الصحيحة ، ولم يصبر على تكاليفها إلا عدد
قليل منهم .
ولذا حتم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله : . فآتينا الذين آمنوا منهم.
أجرهم ، وكثير منهم فاسقون ، .
أى: أما الذى استمروا على اتباعهم اعيسى - عليه السلام -، وعلى الإيمان
بالحق إيمانا صحيحا خاليا ما يفسده، .. فقد أعطيناهم أجورهم الطيبة كاملة
غير منقوصة ..

٢١٩
الجزء السابع والعشرون
وأما الذين بدلوا ماجا به عيسى - عليه السلام -، حيث كفروا به وقالوا:
الله ثالث ثلاثة، أو قالوا: المسيح ابن الله .. فسيلة ون ما يستحقونه من عقاب.
وقوله: ((وكثير منهم فاسقون)) يدل على أن الذين خرجوا عن الدين
الحق الذى جاء به عيسى - عليه السلام - وفسقوا عن أمر ربهم ... أکثر من
الذين آمنوا به إيمانا صحيحا.
قال الإمام ابن جرير : واختلف أهل التأويل فى الذين لميرعوا الرهبانية
حق رعايتها، فقال بعضهم: هم الذين ابتدعوها، ولم يقوموا بها، ولكنهم
بدلوا وخالفوا دين الله الذى بعث به عيسى: فتنصروا وتهودوا.
وقال آخرون : بل هم قوم جاءوا من بعد الذين ابتدعوها فلم يرعوها حق
رعايتها ، لأنهم كانوا كفارا .... فهم الذين وصفهم الله بأنهم لم يرعوها
حق رعايتها .
وأولى الأقوال فى ذلك بالصحة أن يقال : إن الذين وصفهم الله بأنهم
لم يرعوا الرهبانية حق رعايتها، بعض الطوائف التى ابتدعتها، وذلك لأن
الله - تعالى - قد أخبر أنه آتى الذين آمنوا منهم أجرهم. فدل ذلك على أن
منهم من قد رعاها حق رعايتها ...
وكثير منهم - أى: من الذين ابتدعوا الرهبانية - أهل معاصر، وخروج
عن طاعة الله - تعالى - وعن الإيمان به)) (١).
وقال الامام الآلومى ما ملخصه: وقوله - تعالى - ((ماكتبناها عليهم.
جملة مستأنفة ..
وقوله - سبحانه -: ((إلا ابتغاء رضوان الله، استثناء منقطع. أى:
ما فرضناها نحن عليهم رأسا ، ولكن ابتدعوها وألزموا بها أنفسهم ابتغاء
رضوان الله ..
وقوله - تعالى -: «فما رعوها حق رعايتها، أى: ماحافظوا عليها حق
(١) راجع تفسير ابن جرير <ـ ٢٧ ص ٢٢٨

٢٠٠
سورة الحديد
المحافظة، ذم لهم من حيث إن ذلك كالنذر، وهو عبد مع الله - تعالى - يجب
رعايته، لا سيما إذا قصد به رضاه - عز وجل - ...
وجائز أن يكون الاستثناء متصلا من أعم العدل . أى : ما قضينا ما عليهم
لشىء من الأشياء، إلا ليبتغوا بها رضوان الله ويستحقوا بها الثواب، ومن
ضرورة ذلك أن يحافظوا عليها .... إلا أنهم لم يحافظوا عليها، ولم يرعوها
حق رعايتها .
والفرق بين الوجهين: أن الأول يقتضى أنهم لم يؤمروا بها أصلا . وأن
الثانى يقتضى أنهم أمروا بها، لابتغاء رضوان الله، فما رعوها حق رعايتها .
والظاهر أن الضمير فى قوله ((فما رعوها)) يعود لأولئك الذين ابتدعوا
الرهبانية ، والمراد نفى وقوع الرعايه من جميعهم، أى: فما رعاها كلهم بل
بعضهم ... ،(١)
فالآ ية الكريمة تثنى على الذين أحسنوا اتباع عيسى - عليه السلام. ، فطهر وا
أرواحهم من كل دفس ، وزهدوا فى متمع الحياة الدنيا .... وتذم الذين
بدلوا ما جاء به عيسى - عليه السلام - وقالوا الأقوال الباطلة فى شأنه، وفعلوا
الأفعال القبيحة التى تغضب الله - تعالى -.
ثم ختم - سبحانه السورة الكريمة بهذا النداء للمؤمنين فقال - تعالى - :
(يَأيُّها الذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وآمنُوا برسُولِهِ يُؤْتِكَمَ كَفْلَين من
رحتِهِ، ويجعلْ لكمُ نُورًا تمشُونَ بهِ ويغفِرْ لكم والله غفورٌ.
رحيمٌ (٢٨) لِثَلاَّ يعَلَمْ أَهلُ الكتابِ أَلَّ يقدِرُونَ عَلَى شَىءٌ من فضْلٍ
الله، وأنَّ الفَضْل بيدِ الله يؤتيه من يشاء واللهُ ذُو الفضْلِ
العَظيمِ (٢٩))).
(١) راجع تفسير الألوسى - ٢٧ ص ١٩١