Indexed OCR Text

Pages 101-120

٦
الجزء السابع والعشرون
١٠١
عليها ويعلم أن فى إمكان الغير أن يحمل عنه أوزاره وذنوبه يوم القيامة؟
كلا ، إنه لا علم عنده بشىء من ذلك، وإنما هو قد ارتد على أعقابه،
لانطماس بصيرته ، بعد أن قارب الرشد والصواب .
فالاستفهام فى قوله: (أعنده علم الغيب .. ، » للنفى والإنكار.
وقدم - سبحانه - الظرف ((عنده)) وهو مسند، على ((علم الغيب)) وهو
مسند إليه ، لإفادة الاهتمام بهذه العندية التى من أعجب العجب ادعاؤها،
وللإشعار بأنه بعيد عنها بعد الأرض عن السماء.
والفاء فى قوله: ((فهو يرى، للسببية، ومفعول (يرى) محذوف.
أى: فهو بسبب معرفته للعوالم الغيبية ، يبصر رفع العذاب عنه ، ويعلم -
أن غيره سيتكفل بافتدائه من هذا العذاب .
ثم وبخه - سبحانه - على جهالته وعدم فهمه فقال : ( أم لم ينبأ بما فى
محف موسى ، وإبراهيم الذى وفى . أن لا تزر وازرة وزر أخرى ... )
و((أم) هنا للإضراب الانتقالى من ذمه على إعراضه ويخله، إلى ذمه
على جهله وحمقه. وصحف موسى : هى التوراة التى أنزلها - سبحانه - عليه .
ومصحف إبراهيم: هى الصحف التى أوحى الله - تعالى - إليه بما فيها، وقد
ذكر سبحانه ذلك فى قوله تعالى: « إن هذا لفى الصحف الأولى . صحف
إبراهيم وموسى ..
وخصت صحف هذين النبيين الكريمين بالذكر ، لأنها كانت أشهر من
غيرها عند العرب ، وكانوا يسألون أهل الكتاب من اليهود عما خفى عليهم
من صحف موسى .
وقدم - سبحانة - هنا صحف موسى، لاشتهارهما بسعة الأحكام التى
اشتملت عليها ، بالنسبة لما وصل إليهم من صحف إبراهيم.
وأما فى سورة الأعلى فقدمت صحف إبراهيم على صحف موسى،
لوقوعهما بدلا من الصحف الأولى، وصحف إبراهيم أقدم من صحف موسى،
فكان الإتيان بهما على الترتيب الزمنى أنسب بالمقام .

١٠٢
سورة النجم
وحذف - سبحانه - متعلق ((وفِّ)). ليتناول كل ما يجب الوفاء به كمحافظته
على أداء حقوق الله - تعالى -، واجتماده فى تبليغ الرسالة التى كلفه - سبحانه-
بتبليغها، ووقوفه عند الأوامر التى أمره - تعالى -بها، وعند النواهى التى
نهاه عنها ...
و((أن، فى قوله - تعالى -: ((أن لاتزر وازرة وزر أخرى)) مخففة من
من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف ، والجملة بدل من صحف موسى
وإبراهيم :
وقوله (( تزر)) من الوزر بمعنى الحمل ... وقوله («وازرة، صفة لموصوف
محذوف . أى : نفس وازرة .
والمعنى: إذا كان هذا الإنسان المتولى عن الحق ... جاهلا بكل ما يجب
العلم به من شئون الدين ، فإلا يسأل العلماء عن صحف موسى وإبراهيم - عليهما
السلام - ففيها أنه لاتحمل نفس آ ثمة حمل أخرى يوم القيامة.
قال الآلوسي: وقوله: ((ألا تزر وازرة وزر أخرى، أى: أنه لاتحمل
نفس من شأنها الحمل ، حمل نفس أخرى ... ولا يؤاخذ أحد بذنب غيره،
ليتخلص الثانى من عقابه. ولا يقدح فى ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -:
((من سن سنة سيئة فعليه وزرها، ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، فإن
ذلك وزر الإضلال الذی هو وزره لا وزر غیرہ ،(١).
وقوله - تعالى -: «وأن ليس للإنسان إلا ما سعى .... معطوف على
ما قبله، لبيان عدم إثابة الإنسان بعمل غيره، إثر بيان عدم مؤاخذته بذنب.
سواه .
٠٫٠٠
أى: كما أنه لا تحمل نفس آثمة حمل نفس أخرى «فكذلك لا يحصل
الإنسان إلا على نتيجة عمله الصالح، لا على نتيجة عمل غيره.
(١) تفسير الآلوسى ص ٢٧ ص ٠٦٦

١٠٣
الجزء السابع والعشرون
فالمراد بالسعى فى الآية: السعى الصالح، والعمل الطيب، لأنه قد جاء
فى مقابلة الحديث عن الأوزار والذنوب .
وقوله - تعالى -: ((وأن سعيه سوف يرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى، بيان
لثمرة هذا السعى الصالح يوم القيامة .
أى: ليس للإنسان إلا ثمرة عمله الصالح بدون زيادة أو نقص ، وهذا
العمل الصالح سوف يراه مسجلا أمامه فى صحف مكرمة ، وفى ميزان حسناته،
ثم بجازيه الله - تعالى - عليه الجزاء التام الكامل، الذى لا نقص فيه
ولا بخس .
وفى رؤية الإنسان لعمله الصالح يوم القيامة، تشريف وتكريم له ، كما
قال - تعالى - ((يوم ترى المؤمنين والمؤمنات، يسعى فورهم بين أيديهم
وبأيمانهم، بشراكم اليوم جنات تجرى من تحتها الأنهار . خالدين فيها ، ذلك
هو الفوز العظيم )،(١).
هذا ، وقد توسع العلماء فى الجمع بين قوله - تعالى -: ((وأن ليس للإنسان
إلا ماسعى)، وبين النصوص التى تفيد أن الإنسان قد ينتفع بعمل غيره، وهذه
خلاصة لأقوالهم :
قال الإمام ابن كثير : ومن هذه الآية استنبط الشافعى ومن اتبعه، أن
أن القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنه ليس من عملهم ولا كسبهم،
ولهذا لم يندب إليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته، ولا حثهم
عليه، ولا أرشدهم إليه بغص ولا إيماء ، ولم ينقل ذلك عن أحد من الصحابة،
ولو كان خيرالسبقونا إليه ، وباب القربات يقتصر فيه على النصوص ،
ولا يتصرف فيه بأنواع الأقية والآراء .
فأما الدعاء والصدقة ، فذاك مجمع على وصولهما ، ومنصوص من الشارع
عليهما .
(١) سورة الحديد الآية ١٢

١٠٤
سورة النجم
وأما الحديث الذى رواه مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال: قال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : من
ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده ، أو علم ينتفع به،.
فهذه الثلاثة فى الحقيقة، هى من سعيه وكده وعمله ... )،(١).
وقال الجمل فى حاشيته على الجلالين: واستشكل الحصر فى هذه الآية
((وأن ليس الإنسان إلا ماسعى،، بقوله - تعالى - فى آية أخرى: «والذين
آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان: الحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من
شئ ..... ، وبالأحاديث الواردة فى ذلك، كحديث: ((إذا مات ابن آدم
انقطع عمله إلا من ثلاث ... ).
وأجيب: بأنها مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى، لأنها حكاية لما فى صحفهم
وأما هذه الأمة فلها ماسعت هى، وماسعى لها غيرها، لما صح من أن لكل في
وصالح شفاعة ، وهو انتفاع بعمل الغير ، ومن تأمل النصوص وجد من
انتفاع الإنسان بما لم يعمله ما لا يكاد يحصى . فلا يجوز أن تؤول الآية على
على خلاف الكتاب والسنة واجتماع الأمة ، وحينئذ فالظاهر أن الآية عامة ،
قد خصصت بأمور كثيرة ...
ثم قال الشيخ الجمل - رحمه الله -: وقال الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد
ابن تيمية: من اعتقد أن الإنسان لا ينتفع إلا بعمله ، فقد خرق الإجماع.
وذلك باطل من وجوه كثيرة :
أحدها : أن الإنسان ينتفع بدعاء غيره، وهو انتفاع بعمل الغير .
ثانيها : أن النبى - صلى الله عليه وسلم - يشفع لأهل الموقف فى الحساب
ثم لأهل الجنة فى دخولها .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٣٥٨:

١٠٥
الجزء السابع والعشرون
ثالثها : أنه - صلى الله عليه وسلم - يشفع لأهل الكبائر فى الخروج من
النار ، وهذا إنتفاع بسعى الغير .
رابعها: أن الملائكة يستغفرون وبدءون لمن فى الأرض ، وذلك منفعة
-يعمل الغير .
خامسها: أن الله - تعالى - يخرج من النار من لم يعمل خيرا قط ـ أى من
المؤمنين - بمحض رحمته، وهدا إنتفاع بغير عملهم.
سادسها : أن أولاد المؤمنين يدخلون الجنة بعمل آبائهم ، وذلك إنتفاع
بمحض عمل الغير .
سابعها: قال الله - تعالى - فى قصة الغلامين اليتيمين: ((وكان أبوهما
صالحا ، فانتفعا بصلاح أبيهما، وليس ذلك من سعيهما.
ثامنها : أن الميت ينتفع بالصدقة عنه، وبالعتق ، بنص السنة والإجماع
وهو من عمل الغير .
تاسعها : أن الحج المفروض يسقط عن الميت، بحج وليه بنص السنة ،
-وهو إنتفاع بعمل الغير .
عاشرها : أن الحج المنذور أو الصوم المنذور ، يسقط عن الميت بعمل
غيره ، وهو إنتفاع بعمل الغير .
حادى عشرها: المدين قد إمتنع - صلى الله عليه وسلم - من الصلاة عليه
حتى قصى دينه أبو قتادة ، وقضى دين الآخر على بن أبى طالب، وإنتفع
-صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو من عمل الغير.
ثانى عشرها: أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال لمن صلى وحده:
ألا رجل يتصدق على هذا فيصلى معه، فقد حصل له فضل الجماعة بفعل الغير
ثالث عشرها: أن الانسان تبرأ ذمته من ديون الغير، إذا قضاها عنه
قاض، وذلك إنتفاع بعمل الغير .
رابع عشرها: أن من عليه تبعات ومظالم ، إذا حلل منها سقطت عنه ،
بوهذا إنتفاع بعمل الغير .

١٠٦
سورة النجم
خامس عشرها: أن الجار الصالح ینفع فى المحیا وفی المات كما جاء فىالأثر
وهذا إنتفاع بعمل الغير .
سادس عشرها: أن جلي أهل الذكر يرحم بهم، وهو لم يكن معهم،
ولم يجلس لذلك بل لحاجة عرضت له ، والأعمال بالنيات ، فقد إنتفع
بعمل غيره .
سابع عشرها: الصلاة على الميت ، والدعاء له فى الصلاة، إنتفاع للميته
بصلاة الحى عليه ، وهو عمل غيره .
ثامن عشرها: أن الجمعة تحصل باجتماع العدد، وكذا الجماعة بكثرة العدد،
وهو إنتفاع البعض بالبعض .
تاسع عشرها: أن الله - تعالى - قال لنبيه: ((وما كان الله ليعذبهم
وأنت فيهم ، وقال - تعالى -: ((ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات .. ))
فقد رفع الله - تعالى - العذاب عن بعض الناس ، بسبب بعض، وذلك
إنتفاع بعمل الغير .
عشروها: أن صدقة الفطر تجب على الصغير وغيره من يمونه الرجل، فإنه
ينتفع بذلك من يخرج عنه ، ولا سعى له فيها .
ثم قال - رحمه الله -: ومن تأمل العلم وجد إنتفاع الإنسان بما لم يعمله
مالا يكاد يحصى، فكيف يجوز أن نتأول الآية الكريمة ، على خلاف صريح
الكتاب والسنة، وإجماع الأمة ... ، (١)
والخلاصة أن الآية الكريمة قد تكون من قبيل العام الذى قد خصص
بأمور كثيره، كما سبق أن أشرنا، وقد تكون مخصوصة بقوم إبراهيم وموسى
- عليهما السلام - ، لأنها حكاية عما فى صحفهما ، أما الأمة الإسلامية فلها
سعيها ، ولها ما سعى لها به غيرها، وهذا من فضل الله ورحمته بهذه الأمة .
(١) راجع حاشية الجمل على الجلالین - ٤ ص ٢٣٦

١٠٧
الجزء السابع والعشرون
وقد قال بعض الصالحين فى معنى هذه الآية: ليس للانسان إلا ما سعى
عدلا، ولله - تعالى - أن يجزيه بالحسنة ألما فضلا.
ولهذه المسألة تفاصيل أخرى فى كتب الفقه ؛ فليرجع إليها من شاء.
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر قدرته ورحمته، فقال
- تعالى -: ((وأن إلى ربك المنتهى ... ،
أى: وأن إلى رك وحده - لا إلى غيره - إنتهاء الخلق ومر جعهم ومصير ثم
فيجازى الذين أساؤا بما عملوا، ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
فقوله: ((المنتهى)): مصدر بمعنى الإنتهاء، والمراد بذلك مرجعهم إليه
- تعالى - وحده . . وأنه هو أضحك وأبكى، أى: وأنه - سبحانه - هـ الذى
أوجد فى هذا الكون ما يؤدى إلى ضحك الإنسان وسروره قارة، وما يؤدى
إلى حزنه وبكائه تارة أخرى. فبسبب ما يحيط بالانسان من مؤثرات ومن
مشاعر مختلفة ... تارة يضحك ، وتارة يبكى .
وما أكثر هذه المؤثرات والأحوال والاعتبارات والدوافع .. فى حياة
الإنسان .
فالآية الكريمة إنتقال من وجوب الاعتبار بأحوال الآخرة، إلى وجوب
الاعتبار بأحوال الإنسان وبما يحيط به من مؤثرات تارة تضحكه، وقارة تبكيه
وأسند - سبحانه - الفعلین الیه، لأنه هو خالقهما، وهو الموجد لأسبابهما
وحذف - سبحانه - المفعول به لهما ، لأنهما هما المقصودان بالذات ،
لدلالتهما على كمال قدرته - تعالى - أى: وأنه وحده - عز وجل - هو الذى
أوجد فى الإنسان الضحك والبكاء، فالفعلان منزلان منزلة الفعل اللازم.
وقدم - سبحانه - الضحك على البكاء. للاشعار بمزيد فضله ومنته.
على عباده .

١٠٨
سورة النجم
وقوله: ((وأنه هو أمات وأحيا، أى: وأنه - تعالى - بقدرته وحدها،
هو الذى أحيا من يريد إحياءه من مخلوقاته، وأمات من يريد إمانته منهم.
وهذا رد على أولئك الجاهلين الذين أنكروا ذلك، وقالوا - كماحكى
القرآن عنهم -: ((ما هى إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا، وما يهلكنا
إلا الدهر ....
وقوله - سبحانه -: وأنه خلق الزوجين الذكر والأنى . من نطفة
إذا تمنى ... ».
وأصل النطفة: الماء الصافى ، أو القليل من الماء الدى يبقى فى الدلو أو القرية ،
وجمعها نطف ونطافه. يقال: فطفت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة.
وقوله: ((نمنى)) أى: تتدفق فى رحم المرأة. يقال: أمنى الرجل ومَنَّى إذا
خرج منه المنى .
أى: وأنه - تعالى - وحده، هو الذى خلق الزوجين الكائنين من الذكر
والأنثى، من نطفة تتدفق من الرجل إلى رحم الأفى ، فتلتقى ببويضة الأنثى،
فيكون منهما الإنسان - بإذن الله - .
كما قال - تعالى -: أيحسب الإنسان أن يترك سدى. ألم يك نطفة من
منى يمنى، ثم كان علقة خلق فسوى. جعل منه الزوجين الذكر والأنى.
أليس ذلك بقادر على أن يحي الموتى ..
وقوله - سبحانه -: «وأن عليه النشأة الأخرى، أى: وأن عليه وحده
- سبحانه - الإحياء بعد الإمانة. والإعادة إلى الحياة مرة أخرى يوم
البعث والنشور .
والنشأة: هى المرة من الإنشاء ، أى: الإيجاد والتكوين والخلق. والأخرى
مؤنث الأخير. والمراد أنه - سبحانه - يوجد النشأة التى لا نشأة بعدها.
وقوله: ((وأنه هو أغنى وأفنى، أى: وأنه - سبحانه - هو الذى أغنى

١٠٩
الجزء السابع والعشرون
الناس بالأموال الكثيرة المؤثلة، التى يقتنيها الناس ويحتفظون بها لأنفسهم
ولمن بعدهم .
فقوله: (( أقنى)) من القنية بمعنى الإدخار للشىء، والمحافظة عليه.
قال الآلومى: قوله. ((وأنه هو أغنى وأقنى)) أى: وأعطى الفنية.
وهو ما يبقى ويدوم من الأموال ، ببقاء نفسه ، كالرياض والحيوان والبناء.
وأفرد - سبحانه - ذلك بالذكر مع دخوله فى ((أغنى))، لأن القضية أنفس
الأموال وأشرفها ...
وإنما لم يذكر المفعول، لأن القصد إلى الفعل نفسه ... ))(١).
وقوله: ((وأنه هو رب الشعرى)، أى: وأنه - سبحانه - هو رب ذلك
الكوكب المضىء، الذى يطلع بعد الجوزاء فى شدة الحر ، ويسمى الشعرى
اليمانية .
وخص هذا النجم بالذكر، مع أنه - تعالى - هو رب كل شىء - لأن
بعض العرب كانوا يعبدون هذا الكوكب، فأخبرهم - سبحانه - بأن هذا
الکو کب مربوب له ۔ تعالی ۔ ولیس ربا - كما يزعمون .
قال القرطبى: واختلف فيمن كان تعبده، فقال السدى: كانت تعبده
حمير وخزاعة . وقال غيره: أول من عبده رجل يقال له أبو كبشة ، أحد
أجداد النبى - صلى الله عليه وسلم - من جهة أمهاته، ولذلك كان مشركوقريش
يسمون النبى - صلى الله عليه وسلم - ابن أبى كبشة. حين دعاهم إلى ما يخالف
دینهم ... )(٢) .
وبعد هذه الجولة فى الأنفس والآفاق، ساقت السورة جانباً من مصارع
الغابرين، فقال - تعالى -: ((وأنه أهلك عادا الأولى. وثمود فى أبقى:
وقوم فوح من قبل إنهم كانوا هم أظلم وأطغى. والمؤتفكة أهوى .... ))
أى: وأنه - تعالى .. هو الذى أهلك بقدرته قبيلة عاد الأولى، وهم قوم
هود - عليه السلام - .
(١) راجع تفسير الالوسى = ٢٧ ص ٦٩ (٢) تفسير القر طبى - ١٧ ص١١٩

١١٠
سورة النجم
وسميت قبيلة عاد بالأولى، لتقدمها فى الزمان على قبيلة عاد الثانية ، التى هى
قوم صالح - عليه السلام -، وتسمى - أيضا - بثمود .
وقوله: ((وثمود)، معطوف على عاد. أى: وأنه أملك - أيضا - قبيلة
نمود، دون أن يبقى منهم أحدا .
وهلاك هاتين القبيلتين قد جاء فى آيات كثيرة منها قوله - تعالى -:
• كذبت ثمود وعاد بالقارعة. فأما نمود وأهلكوا بالطاغية. وأما عاد وأهلكوا
بريح صرصر عاقية ..
وقوله: (( وقوم نوح من قبل ... )، أى: وأهلك - أيضا - قوم نوح.
من قبل إهلاكه لعاد وثمود ...
((إنهم كانوا)، أى: قوم. فوح ((هم أظلم وأطفى، أى: هم كانوا أشد
فى الظلم وفى الطغيان من عاد وثمود، فقد آذوا نوحا - عليه السلام - أذى
شديدا، استمر صابرا عليه زمنا طويلا . وكان هلاكهم بالطوفان ، كما قال
- تعالى -, فأخذهم الطوفان وهم ظالمون)).
وقدم قبیاتی عادا ونمود فى الذ کرعلی قوم نوح - مع آن قوم نوح أسبق۔
لأن هاتين القبيليتين كانتا مشهورتين عند العرب أكثر، وديارهم معروفة لهم.
والمراد بالمؤتفكات قوم لوط - عليه السلام -، وسموا بذلك لأن قريتهم
ائتفكت بأهلها، أى: انقلبت رأسا على عقب. يقال: أفكه عن كذا يأفكـ
إذا قلبه وصرفه . ومنه الإفك، لأنه قلب للحق عن وجهه الصحيح .
أى: وأهلك - سبحانه - القرى المؤتفكة بأهلها، بأن أهوى بها جبريل
- عليه السلام - إلى الأرض بعد أن رفعها إلى السماء ((فنشاها ماغشى)) أى:
فأصابها ما أصابها من العذاب المهين، والدمار الشامل، كما قال - تعالى -:
تجعلنا عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود . مسومة عند
ربك، وماهى من الظالمين بعيد .

١١١
الجزء السابع والعشرون
ويجوز أن يكون الضمير فى «فغشاها، يعود إلى جميع الأمم المذكورة،
وأبهم - سبحانه - ما غشيهم من عذاب، للتهويل والتعميم .
وقوله - سبحانه -: ((فبأي آلاء ربك تتمارى)) تذكير بنعم الله - تعالى -
بعد التحذير من نقمه .
أى: فبأى نعمة من نعم الله - تعالى - تتشكك أيها الإنسان.
والآلاء جمع إلى، وأى: اسم استفهام المقصود به التذكير بهذه النعم .
وسمى - سبحانه - مامر فى آيات السورة نعما، مع أن فيها النعم والنقم،
لأن فى النقم عظات للمتعظين، وعبرا للمعتبرين، فهى نعم بهذا الاعتبار.
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة هذا الإنذار الشديد، فقال - تعالى -:
هذا قذير من النذر الأولى)) والنذير بمعنى المنذر، وهو من يخبر غيره بغير فيه
مضرة به، لکی يحذره .
أى: هذا الرسول الكريم، وما جاء به من قرآن حكيم. نذير لكم - أيها
الناس - من جنس الإنذارات الأولى. الى أتى بها الأنبياء السابقون لأمهم ،
فاحذروامخالفة رسولنا - صلى الله عليه وسلم-، لأن مخالفته تؤدى إلى هلاككم
وخسرانكم .
فقوله - تعالى ـ((من النذر، على حذف مضاف. أى: من جنس النذر
التى سبقت ...
« أزفت الآزفة، أى: قربت الساعة، ودفت القيامة. يقال: أزف السفر
- كفرح - أزفا، إذا دنا وقرب. وأل فى الآزفة للعهد. وهى علم بالغلية
على الساعة .
(( ليس لها، أى: الساعة ((من دون الله كاشفة)، أى: ليس لها أحدسوى
الله - تعالى - يستطيع الإخبار عنها، والكشف عن علاماتها ، والعلم بوقتها
وبوقوعها ...

١١٢
سورة النجم
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((أفمن هذا الحديث تعجبون، الإنكار
والتوبيخ .
أى : أفن هذا القرآن وما اشتمل عليه من هدايات وتشريعات ...
تتعجبون ، وتنكرون كونه من عند الله - تعالى -.
((وتضحكون ولا تبكون، أى: وتضحكون ضحك استهزاء وتهكم
منه وممن جاء به - صلى الله عليه وسلم - ولا تبكون خشية من الله -تعالى-،
ومن سماع ما اشتمل عليه القرآن من وعد وعيد.
("وأنتم سامدون)) أى: وأنتم لاهون معرضون - يقال: سمد يسمد
ـ كدخل ـ إذا اشتغل باللهو والإعراض عن الرشد:
أو المعنى: وأنتم رافعون رءوسكم تكبرا. يقال سمد سمودا، إذا رفع
وأسة تكبرا وغرورا، وكل متكبر فهو سامد ، ومنه قولهم : بعير سامد فى
سيره إذ رفع رأسه ، متبخترا فى مشبته :
وقيل السمود: الغناء بلغة حمير . ومنه قول بعضهم لجاريته : أسمدى لنا ،
أُی : غنی لنا .
أی : وأنتم سادرون فی غنائكم وهو کم ، دون أن تکترئوا بزواجر
القرآن الكريم.
وقوله - سبحانه -: ((فاسجدوا لله واعبدوا)) إرشاد لهم إلى مايجب
عليهم . ونهى لهم عن الكفر والضلال .
فالفاء فى قوله - تعالى -: ((فاسجدوا، لترتيب الأمر بالسجود، على
الإنذار بالعذاب الشديد إذا ما استمروا فى كفرهم ولهوم .
والمراد بالسجود: الخضوع لله - تعالى-، وإخلاص العبادة له، ويندرج
فيه سجود الصلاة ، وسجود التلاوة .:
.

١١٣
الجزء السابع والعشرون
أى: اتركوا ما أنتم عليه من كفر وضلال، وخصوا الله - تعالى -
بالخضوع الكامل ، وبالعبارة التامة ، التى لاشرك فيها لأحد معه
-سبحانه -.
قال الآلومى: وهذه آية سجدة عند أكثر أهل العلم، وقد سجد الفي
- صلى الله عليه وسلم - عندها .
أخرج الشيخان، وأبو داود ، والنسائى عن ابن مسعود قال: « أول
سورة أنزلت فيها سجدة، سورة ((النجم) فسجد الرسول - صلى الله عليه
وسلم - وسجد الناس كلهم إلا رجلا)) .
هذا، وقد ذكر بعض المفسرين، قصة الغراتيق . وملخصها أن الرسول
- صلى الله عليه وسلم - قرأ سورة النجم، فلما بلغ قوله - تعالى - أفر أيتم اللات
والعزى، ومناة الثالثة الأخرى ، ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغر انيق الملا
وإن شفاعتهن لترتجى)).
وقد قال الإمام ابن كثير عند حديثه عن هذه القصة: « إنها من روايات
وطرق كلها مرسلة، ولم أرها مسندة من وجه صحيح ،
وقد ذكرنا عند تفسيرنا لقوله - تعالى -: ((وما أرسلنا من قبلك منرسول
ولا فى إلا إذا تمنى ألقى الشيطان فى أمنيته، فينسخ الله ما يلقى الشيطان ، ثم
يحكم الله آياته، والله عليم حكيم ... ،:
ذكرنا ما يدل على بطلان هذه القصة من جهة النقل ومن جهة
العقل(١) .
(١) راجع تفسيرنا لسورة الحج ٨١.
(٨ - سورة النجم )

١١٤
سورة النجم
وبعد، فهذا تفسير لسورة ((النجم، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا
لوجهه ، ونافعا لعباده :
وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الراجي عفو ربه
قطر - الدوحة
صباح السبت ١٤٠٦/٦/٢٧
١٩٥٦/٢/٨
محمد سيد طنطاوى

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسير
سُورَة القَمَرُ
لفضيلة
الدكتور محمد السيد طنطاوى
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
(الجزء السابع والعشرون)
٥١٤٠٦ - ١٩٨٦ م

بِ اله الشعر العَم
البيـ
مقدمة
٠
١ - سورة القمر: هى السورة الرابعة والخمسون فى ترتيب المصحف،
أما ترتيبها فى النزول فكان بعد سورة الطارق، وقبل سورة (ص)).
ويبلغ عدد السور التى نزلت قبلها ، سبعا وثلاثين سورة.
ويغلب على الظن أن نزولها كان فى السنوات الأولى من بعثته - صلى الله
عليه وسلم - .
قال بعض العلماء: وكان نزولها فى حدود سنة خمس من الهجرة . ففى
الصحيح أن عائشة - رضى الله عنها - قالت: أنزل على رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - بمكة، وإنى لجارية ألعب، قوله - تعالى -: «بل الساعة موعدم
والساعة أدهى وأمر ، (١).
٢ - وتسمى هذه السورة يسورة القمر، وبسورة اقتربت الساعة، وتسمى
بسورة اقتربت ، حكاية لأول كلمة افتتحت بها .
روى الإمام مسلم وأهل السنن عن أبي واقد الليثى أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - كان يقرأ فى العيد بسورتى ((ق)) و((اقتربت الساعة)).
وعدد آياتها: خمس وخمسون آية. وهى من السور المكية الخالصة - على
الرأى الصحيح -، وقيل: هى مكية إلا ثلاث آيات منها، وهى قوله -تعالى -:
((أم يقولون نحن جميع منتضره سيهزم الجمع ويولون الدبر. بل الساعة موعدم
والساعة أدهى وأمر، فإنها نزلت يوم بدر، وهذا القيل لا دليل له يعتمد عليه.
(١) تفسير التحرير والتنوير ج٢٧ ص١٦٦ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور.

- ١١٨ -
ويرده ما أخرجه ابن أبى حاتم عن أبى هريرة قال: أنزل الله - تعالى - على
نبيه - صلى الله عليه وسلم - بمكة قبل يوم بدر: ((سيهزم الجمع ويولون الدبر،
وقال عمر بن الخطاب: قلت: يارسول الله أى جمع يهزم؟ فلما كان يوم بدر،
وأنهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى آثارم
مصلتا بالسيف، وهو يقول: ((سيهزم الجمع ويولون الدبر، فكانت
پوم بدر .
وبذلك نرى أن هذا الحديث، وحديث عائشة السابق، بدلان على أن
هذه الآيات مكية - أيضا -، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - إنما قرأها
فى غزوة بدر على سبيل الاستشهاد بها .
٣ - والسورة الكريمة قد تحدثت فى مطلعها عن اقتراب يوم القيامة،
وعن جحود المشركين للحق بعد إذ جاءهم، وعما سيكونون عليه يوم القيامة
من ندم وحسرة. قال - تعالى -: ((اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا
آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر. وكذبوا واتبعوا أهواءهم وكل أمر
مستقر .....
٤ - ثم تحدثت السورة الكريمة عن مصارع الغابرين ، فذكرت ماحل
من هلاك ودمار، بقوم نوح، وهود، وصالح، ولوط عليهم السلام -وماحل-
أيضا - بفرعون وملئه من عقاب .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان مظاهر قدرته، وبليغ
حكمته، ودقة نظامه فى كونه، وبشر المتقين بما يشرح صدورهم فقال - تعالى:
(( إنا كل شىء خلقناه بقدر. وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر. ولقد
أهلكنا أشیاءكےلاذ کر فهل من مدكر . وكل شىء فعلوه فى الزير . وكل صغير
وكبير مستطر. إن المتقين في جنات ونهر. فى مقعد صدق عند مليك
مقدر» .

- ١١٩ -
٥ - والمتدبر فى السورة الكريمة يراها قد اهتمت بالحديث عن أحوال
يوم القيامة، وعن تعنّت المشركين وعنادهم، وعن سنن الله - تعالى- فى خلقه،
الى من أبرز مظاهرها، نصر المؤمنين ، وخذلان الكافرين.
والحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله
وصحبه وسلم ؟
دولة قطر - الدوحة
د. محمد سيد طنطاوى
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
صباح السبت ٠١٤٠٦/٦/٢٧
١٩٨٦/٣/٨ م
جامعة الأزهر

١٢٠
سورة القمر
التفسير
قال الله - تعالى -: افتَّرَبَتِ السَّاعَةُ وانشَقَّ القمرُ (١) وإن يَرَّوْا
آيَةً يُعرضُوا ويَقُولُوا سِخْرٌ مُستَعِرِ (٢) وَكَذَّبُوا وَاتَّبُوا أَهْواءِمُ
وكلُّ أَمْرِ مُسْتَقِرٌ (٣) ولقَدْ جاءهُ من الأنْباء ما فيه مُزْدَجَرٌ (٤)
حِكَةٌ بَالِغَةٌ فِما تُنْنِ النُّذُرِ (٥) فَولَّ عَنْهُمُ يومَ يَدْعُ الدَّاعِ إلى شَىء
تُكُر (٦) غُثْمَا أَبْصَارُم يَخْرِجُونَ مِنَ الْأجْداثِ كَأَنَّهم جراءٌ
مَنَشِيرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إلى الدَّاعِ، يقولُ الكَافِرُونَ هذَا يومٌ عَسِرِ (٨)).
افتتحت السورة الكريمة بهذا الافتتاح الذى يببث فى النفوس الرهبة
والخشية ، فهو يخبر عن قرب انقضاء الدنيا وزوالها .
إذ قوله - تعالى -: ((اقتربت الساعة، أى: قرب وقت حلول الساعة،
ودنا زمان قيامها .
والساعة فى الأصل : اسم لمدار قليل من الزمان غير معين ، وتحديدها
بزمن معين اصطلاح عرفى ، وتطلق فى عرف الشرع على يوم القيامة .
وأطلق على يوم القيامة يوم الساعة ، لوقوعه بغتة، أو لسرعة ما فيه من
الحساب ، أو لأنه على طوله قدر يسير عند الله - تعالى -.
وقد وردت أحاديث كثيرة ، تصرح بأن مامضى من الدنيا كثير بالنسبة
لما بقى منها ومن هذه الأحاديث مارواه البزار عن أنس أن رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - خطب أصحابه ذات يوم، وقد كادت الشمس أن تغرب .. فقال
والذى نفسى بيده مابقى من الدنيا فيما مضى منها ، إلا كما بقى من يومكم هذا فيما
مضى منه » .