Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
الجزء السابع والعشرون
خلقه الله عليها مرة أخرى ، غير المرة الأولى التى كانت فى أوائل بعثته
- صلى الله عليه وسلم - .
ولكن بعض المفسرين يرون أن مرجع الضمير فى هذه الآية وغيرها ،
يعود إلى الله - تعالى -، ويستدلون بذلك على أن الرسول - صلى الله عليه وسلم-
رأی ر به .
وقد فصل القول فى هذه المسألة الإمام الآلومى فقال ماملخصه: فالضمائر
فى «دفا وتدلى وأوحى ... وكذا الضمير المنصوب فى ( رآه،- لله - عز
وجل - ...
واستدل بذلك معبتو رؤية النبي - صلى الله عليه وسلم - لله - عز وجل-
كابن عباس وغيره ...
وخالفت فى ذلك عائشة - رضى الله عنها -، فقد أخرج مسلم عن مسروق
قال : كنت عند عائشة فقالت: ثلاث من تكلم بواحدة منهن ، فقد أعظم
على الله - تعالى - الفرية .
قلت ماهن ؟ قالت : - من زعم أن محمدا يعلم الغيب فقد كذب ، ومن
زعم أن محمدا كتم شيئا فقد كذب - ومن زعم أن محمدا رأى ربه فقد أعظم
على الله الفرية ((فقلت: يا أم المؤمنين: ألم يقل الله - تعالى -: (ولقد رآه
نزلة أخرى ،؟
فقالت: أنا أول من سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك
فقال: لا، إنما هو جبريل، لم أره على صورته التى خلق عليها سوى ماتين
المرتين . رأيته منهبطا من السماء سادا مابين السماء إلى الأرض)).
ثم قال الآلوسى: ولا يخفى أن جواب الرسول - صلى الله عليه وسلم - على
عائشة، ظاهر فى أن الضمير المنصوب فى ((رآه، ليس راجعا إليه - تعالى-،
بل إلى جبريل - عليه السلام ... ، (١).
(١) راجع تفسير الآلومى = ٢٧ ص ٥٢. وابن كثير جـ ٤ ص ٨
وما بعدها .
( ٦ - سورة النجم)

٨٢
سورة النجم
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة براما ترد على المشركين مزاعمهم،
بأبلغ أسلوب، وأقوى بيان، وتثبت أن هذا القرآن ، قد بلغه الرسول - صلى
الله عليه وسلم - عن جبريل - عليه السلام- دون أن يزيد فيه شيئا، أو ينقص
منه شيئا، وأنه - سبحانه - قد أعطى نبيه - صلى الله عليه وسلم - من المعجزات،
ومن الخيرات والبر كات ... مالم يعط غيره .
٠٠٠
وبعد هذا التصوير البديع لما كان عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - من
حق واضح، ومن تكريم عظيم ، ومن طاعة قامة لخالقه عز وجل - بعد كل
ذلك أخذت السورة الكريمة، فى تصوير ما عليه المشركون من باطل وجهل
وفى نبكيتهم على عبادتهم لأصنام لا تسمع ولا تبصر، ولا تملك الدفاع عن
نفسها فضلا عن غيرها ... فقال - تعالى - :
(أَفَرَأْ تُمُ اللَّتَ والعُزَّى (١٩) ومنَةَ الثَّالِثَةَ الْأَخْرَى (٢٠) ألكُم
الذَّكَرُ ولهُ الأنْثى (٢١) تَلِكَ إذاَ قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إنْ مِىَ إلاَّ أسماء
◌َّتُوهَا أَنتُم وَآبائٌ كم ما أَنْزَلَ اللهُ بها من سُلطانٍ، إنْ يَِّمُونَ إلاَّ"
الظنّ وما تَهْوَى الْأنْفُس، ولَقَدْ جاءهُم من ربهم الهُدَى (٢٣) أمْ
للإنسانِ ما تَّى (٣٤) فلْهِ الآخِرَةُ والأولَى (٢٥) وَكَمْ من ملكٍ فى
السَّمواتٍ لا تُغْنِى شفاَمْتُهم شيئاً إلاَّ من بَعدِ أنْ يأذَنَ اللهُ لمن يشآه
ويرْضَى (٢٦) إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤمِنُونَ بالآخرةِ لِيُسَمُونَ الملائكةَ تَسْمِيةً
الأذنى (٢٧) وما لهُم بهِ من عِلْمٍ ، إِنْ يَتِّونَ إلاَّ الظَّنَّ، وإنَّ الظنّ
لا يُغَنِى من الحقِّ شَيْئًا (٢٨)».

٨٣
الجزء السابع والعشرون
والهمزة فى قوله: ((أفرأيتم) للافكار والتهكم. والفاء لترتيب الرؤية على
ما سبق ذكره من صفات جليلة لله - تعالى - تدل على وحدانيته، وكال
قدرته ، ومن ثناء على النبى - صلى الله عليه وسلم - وعلى جبريل - عليه
السلام - والرؤية هنا، علميه ومفعولها الثانى محذوف، لدلالة قوله - سبحانه -
· ألكم الذكر وله الأفى، عليه.
و((اللات)) إسم لصنم كان لتقيف بالطائف. قال الشاعر:
بمنقلب الخائب الخامر
وفرت ثقيف إلى « لاتها
وكان هذا الصنم على هيئة صخرة مربعة، قد بنوا عليه بناء، ونقشواعليه
نقوشا . وكانت قريش وجمهور العرب، يعظمون ويعبدونه ...
وكأنهم قد سموه بهذا الإسم، على سبيل الاشتقاق من إسم الله - تعالى -
فقالوا ((اللات)) قصدا للتأنيث ...
و «العزى: "فعلتى من العز. وهى إسم الصنم، وقيل لشجرة حولها بناء
وأستار وكانت، بمكان يقال له خة ؛ بين مكة واط أب؛ وكانت قريش
تعظمها، كما قال أبو سفيان يوم أُحُد لنا العزى ولا عزى لكم.
فقال - صلى الله عليه وسلم - قولوا له: ((المه مولانا ولا مولى لكم))
ولعلهم قـ سموها بذلك، أخذا من لفظ العزيز، أو من لفظالمر، فهى
تأنيث الأعز، كالفضل والأفضل.
وأمامناة)، فكانت صخرة ضخمة، بمكان يقال له المضلل، بين مكة
والمدينة. وكانت قية خراعة والأوس والخزرج فى جاهليتهم يعلمونبها،
ويهلون منها الحج إلى الكمية .
قالوا: وسميت بهذا الاسم، لأن ماء اذبائح كات نى عنها، أي:
زاق وتسكب .

٨٤
سورة النجم
والمعنى: لقد ذكرنالكم - أيها المشركون - ما يدل على وحدانيتنا ،
وكال قدرتنا، وسمو منزلة نبينا - صلى الله عليه وسلم - ... فأخبرونى بعد
ذلك ما شأن هذه الأصنام التى لا تضر ولا تنفع ، كاللات والعزى ومناة
الثالثة الأخرى ، إنها أشياء فى غاية الحقارة والعجز، فكيف سويتم بينها وبين
الخالق عز وجل - فى العبادة، وكيف أبحتم لأنفسكم تعظيمها، وزعمتم
أنها بنات الله ... ؟
فالمقصود بالاستفهام التعجيب من أحوالهم، والتجهيل لمقولهم.
ويصح أن تكون الرؤية فى قوله سبحانه ــ , أفر أيتم، بصرية،
فلا تحتاج إلا لمفعول واحد .
أى: أنظر وابأعينكم إلى تلك الأصنام ، الى من أشهرها: اللات والعزى
ومناة الثالثة الأخرى، أترونها تملك الدفاع عن نفسها فضلا عن غيرها ؟ إنها
لاتملك شيئا ، فكيف عظمتموها مع حقارتها وعجزها ؟
والاستفهام - أيضا - للتهكم بهم، والتعجيب من تفكيرهم السقيم.
قال الآلوسي: والظاهر أن (الثالثة الأخرى، صفتان لمناة. وهما على
ما قيل للتأكد ..
وقال بعض الأجلة: الثالثة للتأكيد. و«الأخرى، للذم بأنها متأخرة فى
الرتبة ، وضيعة المقدار ...
والكلام خطاب لعندة هذه المذكورات ، وقد كانوا مع عبادتهم لها
يقولون: إن الملائكة - عليهم السلام - وتلك المعبودات الباطلة، بنات اله.
- تعالى - عن ذلك علوا كبيرا فقيل لهم توبيخا وتبكيتا: «أفر أيتم اللات
والعزى ... الخ (١)
(١) تفسير الآلوسى = ٢٧ ص ٥٦

٨٥
الجزء السابع والعشرون
وقوله - سبحانه -: ((ألكم الذكروله الأنثى. تلك إذا قسمةضيزى))
توبيخ آخر لهم على جهلهم ، وبيان السبب التوبيخ والتهكم ...
ولفظ «ضیزی )» بمعنى جائرة وظالمة . يقال ضازفلان فى حكمه ،إذا جار
وظلم، ولم يراع القسط فى آخر أقواله. ويقال: ضاز فلان فلانا حقه، إذا
بخسه ونقصه ..
قال الجمل ما ملخصه: قرأ الجمهور ((ضيزى)) من ضاؤه يضيره إذا جار
عليه، فمعنى ((ضيزى)) جائرة. وعلى هذا فتحتمل وجهين: أحدهما أن تكون
صفة على (( فعلى)) - بضم الفاء -، وإنما كسرت الفاء لتصح الياء كبيض - جمع
أبيض -..
وثانيهما: أن تكون من ضأزه بالهمز كقراءة ابن كثير ، إلا أن الهمزة
قد خففت ... ومعنى ضازه يضأزه: نقصه ... ،(١)
أى: أجملتم لله - تعالى - البنات ، وجعلتم لأنفسكم البنين ، مع تفضيلكم
للبنين على البنات ، ومع إعترافكم بأن الله - تعالى - هو الخالق لكم ولكل شىء.
إن فعلكم هذا لهو فى غاية الجور والظلم، لأنكم نسبتم إلى الله - تعالى-
وهو خالفكم ما إستنكفتم من نسبته إلى أنفسكم ...
فأنت ترى أنه - سبحانه - لم يكتف بوصفهم بالكفر، بل أضاف إلى
ذلك وصفهم بالجور والحمق وإنطماس البصيرة .
وجملة: ((تلك إذا قسمة ضيزى)) تعليل للإنكار والتوبيخ المستفاد من
الاستفهام فى قوله: «ألكم الذكر وله الأنثى)).
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله: ((ألكم ... ، الإفادة التخصيص
والإشارة بتلك تعود إلى القسمة المفهومة من قوله: « ألكم الذكروله الأنثى)
٠
(١) راجع حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٢٣٠

٨٦
سورة النجم
و((إذا) فى قوله: « تلك إذا ... )) حرف جواب. أى: إن كان الأمر كما
زعمتم ، فقسمتكم إذاً قسمة جائرة ظالمة .
ثم بين هم - سبحانه - وجه الحق فى هذه الأصنام فقال: (( إن هى إلا
أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم، ما أنزل الله بها من سلطان ....
أى: ما هذه الأصنام التى عبد تموها من دون الله، أو توهمتم أنها تشفع
لكم عنده - تعالى -، ما هى إلا أسماء عضة، ليس فيها شىء أصلا من صفات
الألوهية، وأنتم وآباؤكم سيتموها آلهة من تلقاء أنفسكم، دون أن يكون
معكم على هذه التسمية شىء من الحجة أو الدليل أو البرهان ...
فالضمير (( هى)) يعود إلى اللات والعزى ومناة وغيرها من الآلهة الباطلة
والمراد بقوله:« أسماء: أنها ليس ما من الألوهية الى أنبتوها لهاسوى
إسمها ، وأما معناها وحقيقتها فهى أبعد ما تكون عن ذلك ...
وجملة ((سميتموها، صفة للأسماء، والهاء هى المفعول الثانى، والمفعول
الأول محذوف . والتقدير: إن هى إلا أسماء سميتموها الأصنام، أى: سميتم
بها الأصنام.
والمراد بالسلطان: الحجة والدليل. والمراد بالانزال: الاخبار بأنها آلهة
و((من)) مزيدة لتوكيد عدم الانزال على سبيل القطع والبت.
أى: ما أخبر الله - تعالى - عنها بأنها آلهة، بأى لون من ألوان الإخبار،
ولا توجد حجة من الحجج - حتى ولو كانت واهية تشير إلى ألوهيتها ..
ثم يهمل - سبحانه - خطابهم بعد ذلك ، ويذرهم فى أوهامهم يعمهون،
ويلتفت بالحديث عنهم حتى كأنهم لا وجود لهم، فيقول: إن يتبعون إلا
الظن وما تهوى الأنفس ... »
أى: ما يتبع هؤلاء الجاهلون فى عبادتهم لتلك الآلهة الباطلة. إلا الظنون

٨٧
الجزء السابع والعشرون
الكاذبة ، وإلا ما تشتهيه أنفسهم الأمارة بالسوء، من تقليد للآباء بدون تفكر
أو تدير ...
فالمراد بالظن هنا: الظن الباطل الذى يقوم على الاعتقاد الفاسد، كما فى
قوله - تعالى -: ((إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون))
والتعريف فى قوله - سبحانه -: ((وما تهوى الأنفس، عوض من
المضاف اليه. و((ما)، موصولة والعائد محذوف. أى: والذى تهواه أنفسهم
التى إستحوذ عليها الشيطان ...
وجملة: ((ولقد جاءهم من ربهم الهدى)، حالية من فاعل ((يتبعون ))، وجىء
بها لزيادة التعجيب من حالهم .
أى: هم ما يتبعون إلا الظنون وما تهواه أنفسهم المحجوبة عن الحق ،
والحال أنه قد جاء اليهم ، ووصل إلى مسامعهم من ربهم ، ما يهديهم إلى
الصواب لو كانوا يعقلون .
وأكد - سبحانه - هذه الجملة بلام القسم وقد، لتأكد الخبر ، ولزيادة
التعجب من أحوالهم التى بلغت الغاية فى الغرابة ..
": والتعبير بقوله: « جاءهم، يشعر بأن الحق قد وصل اليهم بدون عناء
منهم، ولكنهم مع ذلك رفضوه وأعرضوا عنه.
والتعريف فى لفظ (( الهدى)) يدل على كماله وسموه. أى: ولقد جاءهم من
ربهم الهدى الكامل الذى ينتهى بمن يتبعه إلى الفوز والسعادة .
والمرادبه: ماجاء به النبى - صلى الله عليه وسلم - من قرآن كريم، ومن
سنة مطهرة ...
ثم بين - سبحانه - أن شهوات النفس ومطالبها وأمنياتها لا تتحقق إلافى
الإطار الذى يريده الله - تعالى - لها، فقال: « أم الإنسان ما تمنى. فلله
الآخرة والأولى ).

٨٨
سورة النجم
والاستفهام هنا - أيضا - للافكار؛ ولإبطال إتباعهم للظنون ولما تهواه
أنفسهم ..
أى: إن هؤلاء قد إتبعوا فى ضلالهم وكفرهم الظنون والأوهام،
وما تشتهبه قلوبهم من حب الرياسة ، ومن تقليد للآباء، ومن تطلع إلى أن
هذه الأصنام ستشفع لهم عند الله - تعالى -...
مع أن وقائع الحياة وشواهدها التى يرونها بأعينهم ، تدل دلالة واضحة ،
على أنه ليس كل ما يتمناه الإنسان يدركه، وليس كل ما يريده بتحقق له ...
لأن كل شىء فى هذه الحياة مرهون بإرادته ومدينته - سبحانه - ، وهو
- عز وجل - صاحب الدار الآخرة، وصاحب الدار الأولى وهى دار الدنيا
ولا يقع فيهما إلا ما يريده ...
فالمقصود من الآيتين الكريمتين ، ففي ما كان يتمناه أولئك المشركون
من شفاعة أصنامهم لهم يوم القيامة ، كما حكى عنهم - سبحانه - ذلك فى قوله :
( ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ... ))
وففى ما كانت تتطلع اليه نفوس بعضهم، من نزول القرآن عليه، أو من
إختصاصه بالنبوة .
فقد حكى - سبحانه - عنهم قولهم: ( لولا نزل هذا القرآن على رجل من
القربتين عظيم ،.
كما أن المقصود بها كذلك، ترويض النفس البشرية على عدم الجرى وراء
ظنونها وأهوائها، بل عليها أن تتمسك بالحق، وأن تعتصم بطاعة الله - تعالى-
وان تباشر الأسباب التى شرعها - سبحانه - ، ثم بعد ذلك تترك النتائج له
يسيرها كيف يشاء، فإن له الآخرة والأولى .
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور فى قوله: ((أم للانسان ما تمنى)) الإفادة
أن هذا المنى هو محط الإنكار ، وأن الانسان العاقل هو الذى لايجرى وراء
أمنياته، وإنما هو الذى يسعى إلى تحقيق ما أمره الله - تعالى - به من تكاليف

٨٩
الجزء السابع والعشرون
وقدم - سبحانه - الآخرة على الأولى، لأنها الأمم، إذ نعيمها هو الخالد
الباقى، أما شهوات الدنيا وملذاتها ، فهى مهما كثرت ، زائلة فافية .
ثم بين - سبحانه - أن الملائكة - مع سمو منزلتهم، وشدة حرصهم على
طاعة الله - تعالى -، لا يملكون الشفاعة لأحد إلا بإذنه - عز وجل - فقال:
((وكم من ملك فى السموات، لاتغنى شفاعتهم شيئاً إلا من بعد أن بأذن الله
لمن يشاء ويرضى».
و«كم، هنا خبرية بمعنى كثير، وهى فى موضع رفع على الابتداء ،
وخبرها جملة « لاتغنى شفاعتهم ... )) وهى وإن كانت مفردة لفظا، إلا أنها
فى معنى الجمع ...
أى: وكثير من الملائكة المقربين لدينا فى السموات العلا، لاتغنى
شفاعتهم عندنا شيئا من الأشياء. إلا من بعد أن يأذن الله - تعالى - لهم فيها،
لمن يشاء أن يشفعوا له، ويرضى - سبحانه - عن هذا المشفوع له.
فالآية الكريمة من قبيل ضرب المثل للمشركين ، الذين توهموا أن
أصنامهم ستشفع لهم، وكأنه - سبحانه - يقول لهم: إذا كان الملائكة - مع
سمو منزلتهم عندنا لا يشفعون إلا بإذننا، ولمن ترضى عنه ... فكيف
وصل بكم الجهل والحمق - أيها المشركون - إلى توهم أن أصفاءكم - مع خستها
.وحقارتها - ستشفع لكم عندنا؟
وقوله: ((فى السموات، صفة «لملك، والمقصود بهذه الصفة التشريف
والتكريم.
وقوله: «شيئا، التفكير فيه للتقليل والتعميم. وهو فى موقع المفعول
المطلق .
أى: لاتغنى شفاعتهم شيئا من الإغناء حتى ولو كان فى غاية
القلة ...

٩٠
سورة النجم
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «ولا تنفع الشفاعة عنك إلا لمن
أذن له ... .(١) .
وقوله - - سبحانه -: « ولا يشفعون إلا لمن ارتضى. وهم من خشيته
مشفقون ،(٢) .
وهذه الآيات الكريمة - بجانب تينسيها للكافرين من الحصول على أية
شفاعة ، لأنهم ليسوا من رضى الله عنهم- تدعو المؤمنين إلى مواصلة المحافظة
على أداء حقوقه - سبحانه -، لينالوا رضاه عنهم يوم القيامة، وليكونوا
أهلا للحصول على الشفاعة التى يبغونها.
ثم عادت السورة إلى ذم الكافرين الذين وصفوا الملائكة بصفات لا تليق
بهم . فقال - تعالى - : ((إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ... ، وما فيهامن حساب"
وجزاء هوثواب وعقاب ...
((ليسمون الملائكة تسمية الأنى، أى: ليصفون الملائكة بوصف
الإناث فيقولون: الملائكة بنات الله، كما قال - تعالى -: ((وجعلوا الملائكة
الذين هم عباد الرحمن إنانا أشهد وا خلقهم، ستكتب شهادتهم ويسألون. (٣).
ولفظ «الملائكة هنا فى معنى استغراق كل فرد. أى: ليسمون كل
واحد منهم ويصفونه بصفة الأنوثة .
وقوله - سبحانه -: ((وماهم به من علم)، إن يتبعون إلا الظن ... ))
رد عليهم فيما قالوه ، وتجهيل لهم فيما زعموه ... والجملة حال من ضمير
(( ليسمون)).
(١) سورة سبأ. الآية ٢٣.
(٢) سورة الأنياء. الآية ٣٨.
(٣) سورة الزخرف . الآية ١٩.

٩١
الجزء السابع والعشرون
أى: إنهم ليصفون الملائكة بالأنوثة، والحال أنهم لا علم لهم بتكوين
هؤلاء الملائكة، أو بصفتهم ... وإنما هم يتبعون الظن الباطل فى أقوالهم
وأحكامهم ...
(( وإن الظن لا يغنى من الحق شيئا، أى: وإن الظن الباطل، والاعتقاد
الخاطىء، لا يغنى فى معرفة الحق شيئاً، حتى ولو كان هذا الشىء قليلا، لأن
العقائد السليمة، لاتبنى على الظنون والأوهام، وإنما تبنى على الحقائق
الراسخة والعلوم الثابتة ،
وأظهر - سبحانه - لفظ الظن هنا، مع تقدم ذكره، لتكون الجملة.
متقلة بنفسها، ولتكون - أيضا - بمثابة المثل الذى يقال فى الموضع الذى
يناسبه .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد وبخت المشركين على شركهم.
بأسلوب منطقى سليم ، حيث ساقت لهم الحقائق فى أسلوب يغلب عليه طابع
الموازنة والمقارنة، والاستشهاد بالواقع، ووضع أيديهم على أماكن الدواء،
لو كانوا من يربدونه، ويبحثون عنه.
وبعد هذا البيان الحكيم الذى يحق الحق، ويبطل الباطل ، أى الله
- تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يمضى فى طريقه الذى رسمه - سبحانه-
له ، وأن يترك حساب هؤلاء الضالين لله - تعالى - الذى يجازى كل نفس
بما كسبت، والذى يعلم السر وأخفى، والذى رحمته وسعت كل شىء ...
فقال - تعالى - :
((فَأعرِضْ عِمَّن تولَّى عَن ذِكرِنَا، ولم يُرِدْ إلا الحياةَ الدُّنياً، ذلكَ
مَّغْهُم من العِلْمِ ، إِنَّ رَبَّكَ هَوَ أَعَلَمُ بَّنْ ضَلّ عن سَبِيلِهِ، وهوَ أعلمُ

٩٢
سورة النضم
يَمَنِ اهْتَدَى (٣٠) وللهِمافى السَّمواتِ وما فى الأرْضِ، لِيَجزِىَ الذينَ
أساؤًا بِمَ عَمِلُوا، وَيَجْزِىَ الذينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسنَى (٣١) الذينَ يَجْنُبُونَ
كبائرَ الإِنمِ والفواحشَ إلا اللَّهَمَ، إِنَّ رَبَّكَ واسِحُ الْمَغْفِرَةِ، هوّ
أعلَمُ بُكُمْ إِذْنْشَأْ ثُ مِنَ الْأَرْضِ، وإِذْ أَ تُمْ أَجِئَّةٌ فى بُطُونِ أُمْهَتَكُم
فِلاَّ تُزَكُوا أَنفُسَكُم، هوَ أعلمُ بمِنِ اتَّى (٣٢))).
والفاء فى قوله: «فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة
الدنيا ... ، الإفصاح ...
وأصل الإعراض: لفت الوجه عن الشىء، لأن الكاره لشىء يعرض
بصفحة خده عنه .
والمراد به هنا : ترك هؤلاء المشركين، وعدم الحرص على إيمانهم ،
بعد أن وصلتهم دعوة الحق ...
أى: إذا كان الأمر كماذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أن
هؤلاء المشركين ، ما يتبعون فى عق قدهم إلا الظن الباطل ، وإلا مانشتهيه
أنفسهم ..
فاترك مجادلتهم ، ولا تهتم بهم، بعد أن بلغتهم رسالة ربك ... فإنهم
قوم قد أصروا على عنادهم. وعلى الإدبار عن وحينا وقرآ فنا الذى أنزلناه
إليك، ولم يريدوا من حياتهم إلا التشبع من زينة الحياة الدنيا ، ومن شهواتها
ومتعها ...
ومن كان كذلك فلن تستطيع أن تهديه، لأنه آثر الغى على الرشد،
والضلالة على الهداية. وجىء بالاسم الظاهر فى مقام الإضمار، فقيل:

-
الجزء السابع والعشرون
٩٣
,فأعرض عمن تولى عن ذكرنا، ولم يقل: فأعرض عنهم .. لبيان ما تؤذن به
صلة الموصول من علة الأمر بالإعراض عنهم، وهى أنهم قوم أعرضوا عن
الوحى، ولم يريدوا سوى متع دنياهم، أما ما يتعلق بالآخرة فهم فى
غفلة عنه .
وقوله: ((ذلك مبلغهم من العلم)) تسلية له - صلى الله عليه وسلم - عما
أصابه منهم، وتحقير لهم ولأفكارهم ، وتهوين من شأنهم ...
أى: ذلك الذى تراه منهم من التولى عن قرآننا، ومن الخرص على عرض
الحياة الدنيا ، منتهى علمهم، ولا علم سواه.
فاسم الإشارة (( ذلك ، يعود إلى المفهوم من الكلام السابق وهو قوليهم
عن القرآن الكريم، وتكالبهم على الحياة الدنيا .
وفى هذه الجملة المعترضة ما فيها من تحقير أمرهم، ومن الازدراء بعلمهم الذى
أدى بهم إلى إيثار الشر على الخير، والعاجلة على الآجلة ...
وقوله - سبحانه -: ((إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله ٠٠٠، تعليل
للأمر بالإعراض عنهم، والإعمال لشأنهم، وتسلية أخرى له - صلى الله
عليه وسلم - .
أى: امض - أيها الرسول الكريم - فى طريقك، وأعرض عن هؤلاء
الجاحدين المعاندين ، الذين أصروا على عدم الاستجابة لك، بعد أن سلكت
معهم كل وسيلة تهديهم إلى الحق ... إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو
أعلم بمن أصر من الناس على الضلال، وهو - سبحانه - أعلم بمن شأنه
الاهتداء، والاستجابة للحق ..
والمراد بالعلم هنا لازمه، أى: ما يترتب عليه من ثواب وعقاب، ثواب
المؤمنين ، وعقاب للكافرين .

٩٤
سورة النجم
وكرر - سبحانه - قوله ((هو أعلم))، لزيادة التقرير، والمراد بمز عل:
من أصر على الضلال، وبمن اهتدى: من عنده الاستعداد لقبول الحق
والهداية .
وقدم - سبحانه - من ضل على من اهتدى منا، لأن الحديث السابق
واللاحق معظمه عن المشركين، الذين عبدوا من دون الله - تعالى - أصبناما
لاتضر ولا تنفع ...
وضمير الفصل فى قوله - سبحانه -«هو أعلم، لتأكيد هذا العلم، وقصره
عليه - سبحانه - قصرا حقيقيا، إذ هو - تعالى - الذى يعلم دخائل النفوس،
وغيره لا يعلم .
ثم بين - سبحانه - ما يدل على شمول ملكه لكل شىء فقال: «ولله مافى
السموات ومافي الأرض ... )).
أى: ولله - تعالى - وحده جميع مافى السموات ومافي الأرض، خلقا،
وملكا ، وتصرفا ...
واللام فى قوله: (( ليجزى الذين أساؤا بما عملوا، ويحزى الذين أحسنوا
بالحسنى، متعلقة بمحذوف يدل عليه الكلام السابق .
أى : فعل ما فعل - سبحانه - من خلقه السموات والأرض وما فيهما،
ليجزى يوم القيامة ، الذين أساؤا فى أعمالهم بما يستحقونه من عقاب،
وليجزى الذين أحسنوا فى أعمالهم بما يستحقونه من ثواب.
وقوله: (( بالحسنى)، صفة لموصوف محذوف. أى: بالمثوبة الحسنى التى
هى الجنة .
وقوله: «الذين يحتفون كبائر الإثم والفواحش إلا اللهم ... ، صفة
لقوله: الذين أحسنوا، أو بدل منه ...

- ٩٥
الجزء السابع والعشرون
والمراد بكبار الإئم: الآثام الكبيرة، والجرائم الشديدة، التى يعظم
العقاب عليها. كقتل النفس بغير حق ، وأكل أموال الناس بالباطل ..
والفواحش: جمع فاحشة ، وهى ماقبح من الأقوال والأفعال ، كالزنا ،
وشرب الخمر ...
وعطفها على كبائر الإثم من باب عطف الخاص على العام، لأنها أخص
من الكبائر، وأند إنما .
واللهم: ماصغر من الذنوب، وأصله ماقل قدره من كل شىء. يقال:
ألم فلان بالمكان ؛ إذا قل مكثه فيه. وألم بالطعام : إذا قل أكله منه ...
وقيل : اللهم، مقاربة الذنب دون الوقوع فيه، من قولهم : ألم فلان
بالشىء، إذا قاربه ولم يخالطه ..
وجمهور العلماء على أن الاستثناء هنا منقطع، وأن اللهم هو الذقوب الصغيرة،
كالنظرة الخائنة ولكن بدون مداومة ، والإكثار من الممازحة ...
قال الإمام ابن كثير ماملخصه: واللمم : صغائر الذنوب، ومحقرات
الأعمال ، وهذا استثناء منقطع ...
قال الإمام أحمد: عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: مارأيت شيئا
أشبه باللهم، مما قال أبو هريرة، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - قال: « إن
الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر،
وزنا اللسان النطق، والنفس تتمنى وتشتهى، والفرج يصدق ذلك أو ،
يكدبه ، ...
وعن مجاهد أنه قال فى هذه الآية (( إلا اللمم)): الذى يلم بالذنب ثم يدعه،
كما قال الشاعر :
إن تغفر اللهم تغفر جما وأى عبدلك ما ألما (١)
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٢٥٥

٩٦
سورة النجم
ومن العلماء من يرى أن الاستثناء هنا متصل، وأن المراد باللمم ارتكاب
شىء من الفواحش، ثم التوبة منها قوبة صادقة نصوحا ... .
فعن الحسن أنه قال: ((اللهم من الزنا أو السرقة أو شرب الخمر، ثم
لا يعود ... )(١).
ويبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الصواب، لأن العلماء قسموا
الذنوب إلى كبائر وصغائر، وأن اللهم من النوع الثانى الذى لا يدخل تحت
كبائر الإثم والفواحش.
قال صاحب الكشاف: واللهم: ماقل وصغر ... والمراد به: الصغائر
من الذنوب، ولا يخلو قوله - تعالى - ((إلا اللهم)، من أن يكون إستثناء
منقطعا .. كأنه قيل: كبائر الإثم غير اللمم)،(٢).
وليس المقصود من قوله - تعالى -: ((إلا اللمم)) فتح الباب لارتكاب
صغائر الذنوب ، وإنما المقصود فتح باب التوبة، والحض على المبادرة بها،
حتى لا ييأس مرتكب الصغائر من رحمة الله - تعالى-، وحتى لا يمضى قدما
فى ارتكاب هذه الصغائر، إذ من المعروف أن ارتكاب الصغائر، قد يجر إلى
ارتكاب الكبائر .
كذلك من المقصود بهذا الاستثناء أن لا يعامل مرتكب الصغائر، معاملة
مرتكب الكبائر .
هذا ، وقد أفاض الإمام الآلوسى فى الحديث عن الكبائر والصغائر ،
فقال: والآية عند الأكثرين دليل على أن المعاصى منها الكبائر ، ومنها
الصغائر ..
وأذكر جماعة من الأئمة هذا الانقسام، وقالوا: سائر المعاصى كبائر.
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٢٥٦
(٢) تفسير الكثاف جـ ٤ ص ٠٣٢

٩٧
الجزء السابع والعشرون
ثم قال: واختلف القائلون بالفرق بين الكبائر والصغائر فى حد الكبيرة
فقيل: هى كل مالحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد، بنص كتاب
أو سنة ...
وقيل: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، ورقة الديانة.
واعتمد الواحدى أنه لا حد لها يحصرها ويعرفها العباد به ، وقد أخفى
الله - تعالى - أمرها، ليجتهدوا فى اجتناب المنهى عنه، رجاء أن تجتنب
الكبائر .... (١) .
وقوله - سبحانه -: ((إن ربك واسع المغفرة ... ، تعليل لاستثناء
اللهم، وتنبيه على أن إخراجه عن حكم المؤاخذة، ليس لخلوه عن الذنب فى .
ذاته، بل لسعة رحمة الله ومغفرته.
أى: إن ربك - أيها الرسول الكريم - واسع المغفرة والرحمة، لعباده
الذين وقعوا فيما نهاهم عنه - سبحانه -، ثم تابوا إليه توبة صادقة نصوحا.
ثم بين - سبحانه - أن هذه الرحمة الواسعة، صادرة عن علم شامل للظواهر
والبواطن، فقال: « هو أعلم بكم، إذ أنشاكم من الأرض، وإذاتم أجنة فى
بطون أمهاتكم .....
والظرف (( إذ)) متعلق بقوله ((أعلم)). والأجنة: جمع جنين، ويطلق
على ما يكون بداخل الأرحام قبل خروجه منها .
وسمى بذلك، لأنه يكون مستترا فى داخل الرحم، كما قال - تعالى -:
((يخلقكم فى بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق فى ظلمات ثلاث ... )،(٢).
أى: هو - سبحانه - أعلم بكم من وقت إنشائه إياكم من الأرض، ضمن
(١) راجع تفسير الآلومى جـ ٢٧ ص ٠٦١
(٢) سورة الزمر الآية ٦.
( ٧ - سورة النجم )

٩٨
سورة النجم
خلقه لأبيكم آدم، ومن وقت أن كنتم أجنة فى بطون أمهاتكم، يعلم
أطواركم فيها، ويرعاكم برحمته، إلى أن تنفصلوا عنها .
وقال - سبحانه ـ («فى بطون أمهاتكم، مع أن الجنين لا يكون إلا فى
بطن أمه، التذكير برعايته - تعالى - لهم، وهم فى تلك الأطوار المختلفة من
وقت العلوق إلى حين الولادة، وللحض على مداومة شكره وطاعته .
و قوله - تعالی۔: «فلا تز کوا أنفسكم ھو أعلمیمن اتقى، تحذير من
التفاخر بالأعمال والأحساب والأنساب، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شى.
من أحوال الناس . والفاء للتفريع على ما تقدم .
أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم من عدم مؤاخذنى إياكم على اللمم،
فإن ذلك بسبب سعة رحمتی ، فلا تمدحوا أنفسكم بأنكم فعلتم كذا وكذا من
الأفعال الحسنة، بل أشكرونى على سعة وحمتى ومغفرقى، فإنى أنا العليم بسائر
أحوالكم، الخبير بالظواهر والبواطن الأتقياء والأشقياء.
قالوا: والآية نزلت فى قوم من المؤمنين، كانوا يعملون أعمالا حسنة،
ثم يتفاخرون بها .
قال صاحب الكشاف: قوله (( فلا تزكوا أنفسكم ... ، أى: فلا تنسبوها
إلى ز كاء العمل، وزيادة الخير، وعمل الطاعات، أو إلى الزكاء والطهارة من
المعاصى، ولا تثنوا عليها واهضموها فقد علم الله الزكى منكم والتقى أولا
وآخرا، قبل أن يخرجكم من صلب آدم، وقبل أن تخرجوا من بطون أمهاتكم.
وهذا إذا كان على سبيل الإعجاب أو الرياء، فأما من اعتقد أن ماعمله من
العمل الصالح ، من الله وبتوفيقه وتأييده، ولم يقصد به التمدح، لم يكن من
المزكين لأنفسهم، لأن المسرة بالطاعة طاعة، وذكرها شكر لله - تعالى-(١).
وقال الآلوسي: والمراد النهى عن تزكية السمعة أو المدح للدنيا، أو
(١) تفسير الكشاف حـ ٤ ص ٢٣.

٩٩
الجزء السابع والعشرون
التزكية على سبيل القطع، وأما التزكية لإثبات الحقوق ونحوه - كالإخبار
عن أحوال الناس بما يعلم منهم وجربوا فيه من ثقة وعدالة - فهى جائزة))(١).
٠
وبعد هذا التوجيه الحكيم للنفوس البشرية، والبيان البديع لمظاهر رحمة أقه
- تعالى - بعباده بعد ذلك أخذت السورة فىالحديث مرة أخری عن الكافرين،
وفى الردعلى شبهاتهم ، وفى بيان مظاهر قدرته - تعالى - ... فقال - سبحانه -:
((أَفَرَأْ بتَ الذى تَولَّى (٣٣) وأَعَطَى قليلاً وأحْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ
علمُ الغَيْبِ فَهو يَرَى (٣٥) أمْ لم يُنَّبَأْ بما فى ◌ُِفٍ مُوسَى (٢٦)
وإبراهيمَ الذى وَفَّى (٣٧) أَلَّ تَزْرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨) وأنْ ليسَ
للإنسانِ إلَّ ما سَعَى (٢٩) وأَنَّ سَنْيَهُ سَوَفَ يُرَى (٤٠) ثم يُجْزَاءُ
الجزاء الأوْفَى (٤١) وأنَّ إلى ربِّكّ المنتهى (٤٢) وأَنَّه هوَ أَضْحكَ
وأبكى (٤٣) وأنَّهُ هوَ أَماتَ وَأَحْيا (٤٤) وأَنْ خلقَ الزَّوجينِ
الذكر والأنْثَى (٤٥) من أَطْفةٍ إِذَا تَحَتَى (٤٦) وأنَّ عليهِ النَّهُأَّةَ
الْأخْرَى (٤٧) وأَنَّه هوَ أغنى وأقنى (٤٨) وأنَّه هوَ رَبُ الصُّعْرَى (٤٩)
وأَنْه أَهْلَكَ عاداً الأولَى (٥٠) وثَمودَ هاَ أَبْقَى (٥١) وقومَ نوحٍ مِنْ
قبلُ إَّهم كانواهُ أَظَلَمَ وَأَطْفَى (٥٢) والمؤْتفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَشَاء)
ما غَشَّى (٢٤) فِأَىِّ آله رَبَكَ تَتَارَى (٥٥) هذا نذيرٌ مِنَ النُّذُرِ
الأولَى (٥٦) أَزِفَتِ الْآَزِفَةُ (٥٧) ليسَ لها من دُونِ اللهِ كَاشِئَةٌ (٢٨)
أَفْسِنْ هذَا الحديثٍ تعجّبُونَ (٥٩) وَأَضْحَكُونَ ولاَ تَبَكُونَ (٦٠)
وأنَّم سامِدُونَ (٦١) فاسجدوا لُّهِ واعبدُوا (٦٢))).
(١) قسم الأر سى حـ ٢٧ م، ٠٦٤

١٠٠
سورة النجم
وقد ذكر المفسرون روايات فى سبب نزول قوله - تعالى -: أقرأيت الذى
الذى تولى. وأعطى قليلا وأكدى ... ، منها: أنها نزلت فى الوليد بن المغيرة،
كان قد سمع قراءة النبى - صلى الله عليه وسلم-، وجلس إليه ووعظه فهم أن
يدخل فى الإسلام . فعايره رجل من المشركين، وقال له : أنترك ملة آبائك؟
أرجع إلى دينك، واثبت عليه، وأنا أتحمل عنك كل شىء تخافه فى الآخرة،
لكن على أن تعطينى كذا من المال .
فوافقه الولي: على ذلك. ورجع عمائم به من الدخول فى الإسلام، وأعطى
بعض المال لذلك الرجل ، ثم أمسك عن الباقى، ويخل به ، فأنزل الله - تعالى ..
هذه الآيات ... »(١) .
والاستفهام فى قوله - تعالى -: «أفرأيت ... ، للتعجيب من حال هذا
الإنسان ، الذى أعرض عن الحق، بعد أن عرف الطريق إليه ،
أى: أفرأيت - أيها الرسول الكريم - حالا أعجب من حال هذا الإنسان
الذى تولى عن الهدى، وفيذه وراء ظهره، بعد أن قارب الدخول فيه .
((وأعطى قليلا، من العطاء ((وأكدى)) أى ثم قطع هذا العطاء.
قال صاحب الكشاف: ((وأكدى، أى: وقطع عطيته وأمسك. وأصله
إكداء الحافر، وهو أن قلقاه كديه ، وهى صلابة كالصخر فيمسك عن
من الحفر ... ).(٢)،
والمراد به هنا : ذمه بالبخل والشح ، بعد ذمه بالتولى عن الحق .
((أعنده علم الغيب فهو يرى، أى: أعند هذا الإنسان الذى أعرض عن
الرشد، علم الغيوب المستقرة عن الأعين والنفوس ، فهو وحده يراها، ويطلع
(١) راجع تفسير الآلوسى = ٢٧ ص
(٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٣٣