Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ الجزء السابع والعشرون النجوم، أى: وأكثر من تسبيحه - تعالى - وقت إدبار النجوم وغروبها، وذلك فى أواخر الليل . وبذلك نرى أن الله - تعالى - قد أمر نبيه - صلى الله عليه وسلم -، بالإكثار من التسبيح له - عز وجل - فى كل الأوقات، لأن هذا التسبيح يجلو عن النفس همومها وأحزانها ... وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الطور، نسأل الله - تعالى)) أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده ... وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم .؟ القاهرة - مدينة نصر كتبه الراجي عفو ربه محمد سيد طنطاوى مساء الثلاثاء ١٤٠٦/٥/١٦هـ عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية ١٩٨٦/٢/٢٠ م التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسير سُودَة التَّح٥٧) لفضيلة الدكتور محمد السسيد طنطاوى عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية (الجزء السابع والعشرون) ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م ◌َّاللَّهِالَّ الرحيم لبس مقدمة و تمهيد ١ - سورة ((النجم)) من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها ثنتان وستون آية فى المصحف الكوفى ، وإحدى وستون فى غيره، وكان نزولها بعد سورة ((الإخلاص))، فهى تعتبر من أوائل مانزل على النى - صلى الله عليه وسلم - من قرآن، إذ لم يسبقها فى النزول سوى ثنتين وعشرين سورة، أما ترتيبها فى المصحف ، فهى السورة الثالثة والخمسون . ٢ - ويبدو أنها سميت بهذا الاسم منذ عهد النبوة ... قال الآلوسي: سورة ((والنجم)). وتسمى - أيضا -سورة النجم - بدون واو -. وهى مكية على الاطلاق. وفى الاتقان: أستثنى منها: «الذين يحتذبون كبائر الاثم .... إلى آخر الآية .... وهی۔ کما أخرج ابن مردويه - عن ابن مسعود قال: أول سورة أعان النبى - صلى الله عليه وسلم - بقراءتها، فقرأها فى الحرم والمشركون يسمعون . وأخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود ، والنسائى، عنه قال: أول سورة أنزلت فيها سجدة سورة ((والنجم))، فسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وسجد الناس كلهم إلا رجلا رأيته يأخذ كفا من تراب فسجد عليه، فرأيتة بعد ذلك قتل كافرا، وهو أمية بن خلف ... وذكر أبو حيان أن سبب نزولها ، قول المشركين: إن محمدا - صلى اللّه عليه وسلم - يختلق القرآن ... ))(١). (١) راجع تفسير الآلوسي ٢٧ ص ٤٤ (٥ - سورة النجم ) - ٦٦ - ٣ - وقد افتتحت السورة الكريمة بقسم منه - سبحانه - بالنجم، على، صدق النبى - صلى الله عليه وسلم- فيما يبلغه عن ربه، ثم وصف - سبحانه - جبريل - عليه السلام - وهو أمين الوحى، بصفات تدل على قوتهوشدته، وعلى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد رآه على هيئته التى خلقه الله عليها. قال - تعالى -: والنجم إذا هوى . ماضل صاحبكم وماغوى. وما يتطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى. علمه شديد القوى. ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى . ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدنى .... ٤. ثم أنتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى الحديث عن الآلهة المزعومة فبينت أن هذه الآلهة إنما هى أسماء أطلقها الجاهلون عليها ، دون أن يكون لها أدنى صيب من الصحة، وأن العبادة إنما تكون قه - تعالى .. وحده. قال - سبحانه ..: «أفر أيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الأخرى. ألكم الذكر وله الأشى. تلك إذا قسمة ضيزى. إن هى إلا أسماء سميتموها أتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان ... • ثم أرشد الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم .. إلى الطريق الحكيم الذى يجب عليه أن يسلكه فى دعوته، وسلاء عما لحقه من المشركين من أذى، فقال .. سبحانه ..: (( فأعرض عمن تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا، ذلك مبلغهم من العلم. إن ربك هو أعلم بمن عضل عن سبيله وهو أعلم بمن أهتدي .... ٦ - وبعد أن ساق ــ سبحانه ـ جانبا من مظاهر رحمته بعباده (الذين يحتذبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم، أتبع ذلك يبيان مظاهر عدله فى خلقه، وقدرته على كل شىء، وساق ما يشهد لذلك من أخبار الغابرين المكذبين الذين لا يخفى حالهم على المشركين المعاصرين النبى - صلى الله عليه وسلم-، وأنذر هؤلاء المشركين بسوء المصير، إذا لم يعودوا إلى الحق، ويكفوا عن جحودهم وعقادم .... - ٦٧ - قال - تعالى -: هذا نذير من النذر الأولى. أزفت الآزفة. ليس لها من دون الله كاشفة. أفن هذا الحديث تعجبون. وتضحكون ولا تبكون. وأنتم سامدون. فاسجدوا لله واعبدوا . ٧ - هذا، والمتأمل فى هذه السورة الكريمة يراها بجانب إقامتها الأدلة الساطعة على وحدانية الله - تعالى -، وعلى صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه - يراها بجانب ذلك قد ساقت ما ساقت من براهين واضحة. ومن قوجيهات حكيمة .... بأسلوب بليغ أخاذ، له لفظه المنتقى ، ومعناه السديد، وتراكيبه الموزونة وزنا بديعا ... م) يشهد بأن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع حياتنا، وأن نفوسنا، وصلى الله على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم ؟ دولة قطر - الدوحة د. محمد سيد طنطاوى عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية مساء السبت ٠١٤٠٦/٦/٢٠ جامعة الأزهر ١٩٨٦/٣/١م ٦٨ سورة النجم التفسير قال الله - تعالى - والنّجم إِذَا هَوى (١) ما مَثَلَّ صاحِبِكُم ما غَوَى (٢) وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى (٣) إنْ هُو إلاَّ وَحىّ يوحَى (٤) هِلَّهُ شدِيد القُوَى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وهُو بالأفُقِ الأعْلى (٧) ثمَّ دنَ فَتَدَلَى (٨) فكانَ قابَ قَوْسَيْن أَو أَدْنَى (٩) فَأَوْحى إلى عبدِهٍ ما أَوْحَى (١٠) ما كذَبَ الفؤَادُ ما رَأَى (١١) أَفَمَارُونَه عَلَى ما يرَى (١٢) ولقَدْ رَآء نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنِدَ سِدْرَة المنتهى (١٤) مِنْدَهَاَ جَنَّهُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السُّدِرَةِ ما يَغْثَى (١٦) ما زَاغَ البَصرُ » . ' افتتح الله - تعالى - هذه السورة بهذا القسم العظيم ، للدلالة على صدق رسوله - صلى الله عليه، سلم -، والرد على أولئك المشركين الجاهلين، الذين زعموا أن النبى - صلى الله عليه وسلم - قد اختلق القرآن الكريم. والنجم: هو الكوكب الذى يبدو للناظرين، لامعا فى جو السماء ليلا. والمراد به هنا: جنه، أى: ما يشمل كل نجم بازغ فى السماء ، فأل فيه. للجنس . وقيل أل فيه للعهد والمراد به نجم مخصوص هو: الشعرى ، وهو نجم كان معروفا عند العرب، وقد جاء الحديث عنه فى آخر السورة، فى قوله-تعالى -: ((وأنه هو رب الشغرى)). قالوا : وكانت قبيلة خزاعة تعبده. وقيل المراد به : الثريا، فإنه من النجوم المشهورة عند العرب ... . ٦٩ الجزء السابع والعشرون وقيل : المراد به هنا: المقدار النازل من القرآن على النبى - صلى الله عليه وسلم -، وجمعه نجوم، وقد فسره بعضهم بذلك فى قوله - تعالى -: «فلا أقسم بمواقع النجوم ... ،. ومعنى («هوى)»: سقط وغرب . يقال هوى الشىء هوى -بكسر الواو- - هويا - بضم الهاء وفتحها - إذا سقط من أعلى إلى أسفل .. قال الآلومى: وأظهر الأقوال، القول بأن المراد بالنجم ، جنس النجم المعروف، فإن أصله اسم جنس لكل كوكب . وعلى القول بالتعيين، فالأظهر القول بأنه الثريا. ووراء هذين القولين، القول بأن المراد به: المقدار "النازل من القرآن ... »(١) .. وقوله - سبحانه -: ((ماضل صاحبكم وماغوى. وما ينطق عن الهوى)). جواب القسم . و((ما، فافية. و«ضل)) من الضلال، والمراد به هنا: عدم الاهتداء إلى الحق ، وإلى الطريق المستقيم . و ((غوى)) من الغى، وهو الجهل الناشىء عن اعتقاد فاسد، وهو ضد الرشد . و ((الهوى)) الميل مع شهوات النفس، دون التقيد بما يقتضيه الحق، أو العقل السليم . والمعنى: وحق النجم الذى ترونه بأعينكم - أيها المشركون - عند غروبه وأفوله، وعند رجمنا به للشياطين ... إن محمدا - صلى الله عليه وسلم - الذى أرسلناه إليكم ,شاهدا ومبشرا ونذيرا))، ماضل عن طريق الحق فى أقواله وأفعاله، وما كان رأيه مجانبا للصواب فى أمر من الأمور ، (١) تفسير الآلومى جـ ٢٧ ص ٠٤٠ ٧٠ سورة النجم وما ينطق بنطق صادر عن هوى نفسه ورأيه ، وإنما ينطق بما نوحيه إليه من قرآن كريم، ومن قول حكيم ، ومن توجيه سدید . وقد أقسم - سبحانه - بالنجم عند غروبه، الإشعار بأن هذا المخلوق العظيم مسخر لإرادة الله - تعالى - وقدر ته،فهو مع لمعانه وظهوره فى السماء - لا يتأمی عن الغروب والأفوال، إذا ما أراد الله - تعالى - له ذلك، ولايصلح أن يكون إلها، لأنه خاضع لإرادة خالقه . ولقد حكى - سبحانه - عن نبيه إبراهيم أنه حين « جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربى، فلما أفل قال لا أحب الآفلين ». قال بعض العلماء: والوجه أن يكون قوله: ((إذا هوى ، بدل اشتمال من النجم ، لأن المراد من النجم أحواله الدالة على قدرة خالقه ومصرفه ، ومن أعظم أحواله، حال هويه وسقوطه، ويكون (( إذا) اسم زمان مجردا عن معنى الظرفية، فى محل جر بحرف القسم ... )،(١). وقال - سبحانه - ((صاحبكم)) للإشارة إلى ملازمته - صلى الله عليه وسلم- لهم، طوال أربعين سنة قبل البعثة ، وأنهم فى تلك المدة الطويلة لم يشاهدوا منه إلا الصدق، والأمانة، والعقل الراجح، والقول السديد ... وأنهم لم يخف عليهم حاله، بل كانوا مصاحبين له، ومطلعين على سلوكه بينهم، فقولهم بعد بعثته - صلى الله عليه وسلم - إنه ساحر أو مجنون ... هو نوع من كذبهم البين، وجهلهم المطبق .... وقوله: ((إن هو إلا وحى يوحى)، استئناف بيانى مؤكد لما قبله. والضمير (هو) يعود إلى المنطوق به، المفهوم من قوله - تعالى - ( وما ينطق عن الهوى). (١) تفسير التحرير والتنوير جـ ٢٧ ص٩٠ للشيخ محمد الطاهر بن عاشور. ٧١ الجزء السابع والعشرون أى: إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لايصدر نطقه فيما يأتيكم به عن هوى نفسه ورأيه، وإنما الذى ينطق به، هو وحى من الله - تعالى - أوحاه إليه على سبيل الحقيقة التى لا يحوم حولها شك أو ريب . ومتعلق (( يوحى)) محذوف للعلم به. أى: ما هذا الذى ينطق به إلا وحى أوحاه - سبحانه - إلى نبيكم - صلى الله عليه وسلم -. قال الإمام ابن كثير: قوله«إن هو إلا وحى يوحى، أى: إنما يقول ما أمر بتبليغه إلى الناس، كاملا موفورا من غير زيادة ولانقصان .... فعن عبد الله بن عمر قال: كنت أكتب كل شىء أسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أريد حفظه، فنهتنى قريش فقالوا: إنك تكتب كل شىء تسمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم- بشر يتكلم فى الغضب، فأمسكت عن الكتابة، فذكرت ذلك له فقال : (( اكتب فو الذى نفسى بيده، ماخرج منى إلا الحق)). وعن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا أقول إلا حقا، . فقال بعض أصحابه: فإنك تداعبنا يارسول الله؟ قال: (( إنى لاأقول إلا حقا ، !! ) . وقال صاحب الكشاف: ويحتح بهذه الآية من لايرى الاجتهاد الأنبياء ويجاب بأن الله - تعالى - إذا سوغ لهم الاجتهاد، كان الاجتهاد وما يستند إليه كله وحيا لا نطقا عن الهوى،(٢). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من صفات جبريل - عليه السلام - الذى ينزل بالقرآن على النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: «علمه شديد القوى)). (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٤٧ (٢) تفسیر الکشاف ج ٤ ص ٢٨ ٧٢ سورة النجم أى: علم النبى - صلى الله عليه وسلم - القرآن، ملك من ملائكتنا الكرام، وهو جبريل - عليه السلام -الذى أعطيناه قوة شديدة، استطاع بها أن ينفذ ما كلفناه بتنفيذه . والضمير المنصوب فى ((علمه، هو المفعول الأول، والثانى محذوف أى: القرآن ، لأن علم تتعدى إلى مفعولين . وقوله: ((شديد القوى)): صفة لموصوف محذوف. أى: ملك شديد القوى . قالوا : وقد بلغ من شدة قوته ، أنه اقتلع قرى قوم لوط - عليه السلام - ثم رفعها إلى السماء، ثم قلبها ، بأن جعل أعلاها أسفلها .... وقوله - تعالى -: ((ذو مرة فاستوى، صفة أخرى من صفات جبريل - عليه السلام - . والمرة - بكسر الميم - تطلق على قوة الذات، وحصافة العقل ورجاحته، مأخوذ من أمررت الحبل، إذا أحكمت فتله ... وشبيه بهاتين الآيتين قوله تعالى -: « إنه لقول رسول كريم. ذى قوة عند ذى العرش مكين . مطاع ثم أمين ... ، وقوله: ((فاستوى، أى: فاستقام على صورة ذاته الحقيقية ، دون الصورة الآدمية التى كان ينزل بها على الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ((وهو بالأفق العليا، أى: وهو - أى جبريل - بالجهة العليا من السماء المقابلة للناظر إليها (( ثم دنا فتدلى، أى: ثم قرب جبريل - عليه السلام - من النبى - صلى الله عليه وسلم -، فتدلى، أى: فانخفض من أعلى إلى أسفل ... وأصل التدلى : أن ينزل الشىء من طبقته إلى ما تحتها ، حتى لكأنه معلق فى الهواء، ومنه قولهم : تدلت الثمرة إذا صارت معلقة فى الهواء من أعلى إلى أسفل . ٧٣ الجزء السابع والعشرون ثم صور - سبحانه شدة - قرب جبريل من النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((فكان قاب قوسين أو أدنى)) والقاب: المقدار المعين. وقيل: هو .. ما بين وتر القوس ومقبضها ... والقوس : آلة معروفة عند العرب ، يشد بها وتر من جلد، وتستعمل فى الرمى بالسهام . وكان من عادة العرب فى الجاهلية، أنهم إذا تحالفوا، يخرجون قوسين، ويلصقون إحداهما بالأخرى ، فيكون قاب إحداهما ملاصقا للاخر ، حتى لكافهما قاب واحد، ثم ينزعونهما معا ويرمون بهما سهما واحداً، فيكون ذلك، دليلا على التحالف التام ، والرضا الكامل ... والمعنى: أن جبريل - عليه السلام - بعد أن كان بالجهة العليا من السماء، . ثم قرب من النبى - صلى الله عليه - وسلم -، ثم زاد فى الغرب، حتى كان على مقدار مسافة قوسين منه - صلى الله عليه وسلم -، أو أقرب من ذلك . قال صاحب الكشاف : قوله: ((قاب قوسين ، مقدار قوسين، مقدار قوسين عربيتين ، والقاب والقيب، والقاد والقيد ، المقدار ... وقد جاء التقدير بالفوس، والرمح، والسوط ، والذراع ، والباع ، والخطوة، والشبر .... ومنه الحديث الشريف: لقاب قوس أحدكم من الجنة، وموضع قده ، خير من الدنيا وما فيها، والقد : السوط ... فإن قلت: كيف تقدير قوله ((فكان قاب قوسين))"؟ قلت : تقديره فكان مقدار مسافة قربه مثل قاب قوسين ، خذفت هذه المضافات ... )(١) و((أو، فى قوله (( أو أدنى) للشك، ولكن هذا الشك من جهة العباد، أى: أن الرائى إذا رأى هذا الوضع قال: هو قاب قوسين أو أقرب من ذلك . ويصح أن تمکون بمعنى ( بل). (١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٠٢٩ ٧٤ سورة النجم قال الجمل: قوله: ( أو أدنى) هذه الآية كقوله: « وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون)). لأن المعنى: فكان - جبريل - بأحد هذين المقدارين فى رأى الرائى . أى : لتقارب ما بينهما يشك الرائى فى ذلك . وأدنى: أفعل تفضيل . والمفضل عليه حذوف. أى: أو أدنى من. قاب قوسين . ويصح أن تكون بمعنى بل، أى: بل هو أدنى ... ))(١) . وقوله: « فأوحى إلى عبده ما أوحى، أى: فأوحى جبريل - عليه السلام-، إلى عبد الله رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - ما أوحى من قرآن كريم، ومن ھدی حكيم . فالضمير فى قوله : ((فأرجى ، يعود إلى جهربل، لأن الحديث فى شأنه ، وإيحاؤه إنما هو بأمر الله - تعالى - ومشيئته ويرى بعضهم أنه يعود إلى الله - تعالى - . قال الآلوسي: قوله: ((فأوحى، أى: جبريل - إلى عبده، أى: عبداله، وهو النبى - صلى الله عليه وسلم-، والإضمار - ولم يجر له - تعالى - ذكر- لكونه فى غاية الظهور، ومثله کثیر فی الكلام، ومنه: ((ولو يؤاخذ الله الناس بما كبوا ما ترك على ظهرها من دابة ... » (((ما أوحى)، أى: الذى أوحاه)) والضمير المستتر لجبريل - أيضا.)) .. وقيل: الضمير المستقر لله - تعالى .. أى: أوحى جبريل إلى عبد الله، ما أوحاه الله إلى جبر يل . والأول مروى عن الحسن ، وهو الأحسن . وقيل: ضمير أوحى الأول والثانى لله - تعالى - والمراد بالعبد جبريل - عليه السلام - وهو كما ترى،(٢). (١) حاشية الجمل على الجلالين - ٤ ص ٢٢٥ (٢) تفسير الآلوسي - ٢٧ ص ٤٩ ٧٥ الجزء السابع والعشرون وأبهم - سبحانه - ما أوحاه، لتفخيم شأنه، وإعلاء قدره، حتى لكأنه لا تحيط به عبارة، ولا يحده الوصف ، وشبيه بهذا التعبير قوله - تعالى -: ((فأتبعهم فرعون بجنوده، فنشيهم من اليم ما غشيهم، .. ))(١) وعبر - سبحانه - عن رسوله - صلى الله عليه وسلم - بعيده، وأضافه إليه، للتشريف والتكريم ، ولبيان أنه عبد من عباده - تعالى - الذين اصطفاهم لحمل رسالته ، وتبليغ ما أوحاه إليه . وقوله: (( ما كذب الفؤاد مارأى، رد على المشركين ، وتمكديب لهم، فيما زعموه من أن الرسول - صلى الله عليه وسلم لم يتلق الوحى عن جبريل، ولم يشاهده . واللام فى قوله (( الفؤاد، عوض عن المضاف إليه، والفؤاد: العقل أو القلب ، ومنه قوله - تعالى - ((وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدى وقراءة الجمهور ((كذب)) بفتح الذال مع التخفيف. وقرأ ابن عامر بفتحها مع التشديد . و((ما)، موصولة، والعائد محذوف. أى: ما كذب فؤاد النبى - صلى الله عليه وسلم - وما أنكر، الذى رآه يبصره من صورة جبريل - عليه السلام - لأنه لم يكن يجهله، بل كان معروفا لديه، وصاحب الوحى إليه، فهو - صلى الله عليه وسلم - عرفه بقلبه، وتأكدت هذه المعرفة برؤيته له بعينيه . فالكذب هنا: بمعنى الإنكار والتردد والشك فى صحة مايراه. قال صاحب الكشاف: قوله: ((ما كدب الفؤاد مارأى)) أى: ما كذب فؤادالنبي - صلى الله عليه وسلم - مارآه يبصره من صورة جبريل - عليه السلام -. (١) سورة طه. الآية ٧٨ (٢) سورة القصص الآية ١٠ ٧٦ سورة النجم أى: ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، ولو قال ذلك - على سبيل الفرض - لكان کاذبا لأنه عرفه . يعنى أنه رآهبعينه ، وعر فه بقلبه، ولميشك فىآن مارآه حق وقرىء ((ما كذب، - بالتشديد - ، أى: صدقه ولم يشك أنه جبريل بصور ته ، (١) . ثم وبخ - سبحانه - المشركين على تكذيبهم للنى - صلى الله عليه وسلم . فيما يخبرهم عنه من شئون الوحى، فقال: ((أفتماروته على مايرى)). والمماراة: المجادلة والملاحاة بالباطل. يقال: مارَى فلان فلانا مماراة ومرّاء، إذا جادله، مأخوذ من مركى الناقة بمريها، إذا مسح ضرعها ليستدر لبنها، ويأخذه كاملا فشبه الجدال بذلك ، لأن كل واحد من المتجادلين يمرى ماعند صاحبه، أى: يسعى لاستخراج كل ما عنده، حتى يقيم الحجة عليه. وعدى الفعل بعلى لتضمنه معنى المغالبه . أى: أفتجادلون نبينا محمداً - صلى الله عليه وسلم - فمارآه بعينيه، وتجادلونه فى شىء هو تحقق منه بعقله وبصره وهو ملاقاته ورؤبته لأمين وحينا جبريل - عليه السلامـ؟ إن مجادلتكم له فى ذلك، هى من قبيل التعنت الواضح ، والجهل الفاضح، لأنكم كذبتموه وجادلتوه فى شىء هو قد رآه وتحقق منه. وأنتم تعلمون أنه صادق أمين . فالمقصود بالاستفهام تبكيتهم وتجهيلهم على جدالهم بالباطل . هذا، وقد ذكر العلماء ، أن هذه الآبات، تشير إلى رؤية النبى - صلى الله عليه وسلم - لجبريل، على الهيئة التى خلقه الله - تعالى - عليها، فقد كان جبريل یأتی النبى - صلى الله عليه وسلم - فى صورة آدمى ، فسأله أن يريه نفسه على صورته التى خلق عليها، فأراه نفسه مرتين . مرة فى الأرض وهى التى تشير إليها هذه الآيات ، ومرة فى السماء، وهى التى تشير إليها الآيات التالية . (١) تفسير الكفاف حـ ٤ ص ٢٩ ٧٧ الجزء السابع والعشرون وقد توسع الإمام ابن كثير فى ذكر الأحاديث التى وردت فى ذلك. فقال "ما ملخصه : عن عبدالله بن مسعود، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمير جبريل فی صور ته إلا مرتین، أما واحدة فإنه ساله أن يراه فى صورته ، فسدالأفق، "وأما الثانية فإنه كان بعه حيث صعد .... ))(١) . وقوله - سبحانه -: « ولقد رآه نزلة أخرى .. ) إشارة إلى المرة الثانية التى رأى فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - جبريل على هيئته التى خلقه الله - تعالى - عليها، وكان ذلك فى ليلة الإسراء والمعراج. أى: والله لقد رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - جبريل فى صورته التى خلق عليها ، حالة كونه نازلا من السماء نزلة أخرى . وقد جاء الإخبار عن هذه الرؤية بصيغة مؤكدة الام القسم وبقد ... للرد على المشركين الذين أنكروا ذلك ، فكأنه - سبحانه - يقول لهم: لئن كنتم قد أفكر تم هذه الرؤية فى الأرض، فإنه - صلى الله عليه وسلم - لميره فى الأرض فقط ، بل رآه رؤية أعظم من ذلك ، وهى رؤيته له فى السماء ، حين كان مصاحبا له فى رحلته ليلة الإسراء والمعراج. قال الآلوسي: ((ولقد رآه نزلة أخرى، أى: رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - جبريل فى صورته التى خلقه الله عليه . نزلة أخرى)) أى: مرة أخرى وهى فعلة من النزول ، أقيمت مقام المدة ، ونصبت نصبها على الظرفية ، لأن أصل المرة مصدر مرّ يمر، ولشدة اتصال الفعل بالزمان يعبر به عنه . ولم يقل مرة بدل نزلة ليفيد أن الرؤية فى هذه المرة، كانت بنزول ودنو ، كالرؤيه فى المرة الأولى، الدال عليها مامن ..... (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٤٧ ٧٨ سورة النجم والمراد من الجملة القسمية ، ففى الريبة والشك عن المرة الأخيرة، وكانت ليلة الإسراء(١) . وقوله: ((عند سدرة المنتهى، بيان المكان الذى تمت عنده الرؤية · الثانية . والدرة فى الأصل: تطلق على شجرة النبق . وهو ثمر معروف فى بلاد العرب . والمنتهى: اسم مكان ، أو مصدر ميمى بمعنى الانتهاء. وإضافة السدرة إليه من باب إضافة الشىء إلى مكانه، كما فى قولهم: أشجار البستان . أو من إضافة المحل إلى الحال ، كما فى قولك : كتاب الفقه أو النحو ... وسمى هذا المكان بسدرة المنتهى ، لانتهاء علوم الخلائنى عنده، وماوراءه لا يعلمه إلا الله - تعالی : أخرج الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسرى برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهى فى السماء السابعة وإليها ينتهى ما يعرج من الأرض فيقيض منها . وإليها ينتهى ما يهبط من فوقها فیقبض منها ،(٣) . ثم بين - سبحانه - ما يدل على شرف هذا المكان فقال: ((عندما جنة المأوى » . أى: عند سدرة المنتهى، جنة المأوى. أى: الجنة التى تأوى وتسكن إليها أرواح المؤمنين الصادقين ، الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه . ثم نوه - سبحانه - بما يحيط بذلك المسكان من جلال وجمال لا تحيط (١) تفسير الآلوسي = ٢٧ ص ٠٥٠ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٥٢. ٧٩ الجزء السابع والعشرون العبارة بوصفه فقال: (( إذا يغشى السدرة ما يغشى)». والظرف ((إذ)) فى موضع الحال من ((سدرة المنتهى))، لقصد الإشادة بما أحاط بذلك المكان من شرف وبها .... أو هو متعلق بقوله: «رآ،، أى: ((ولقد رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - جبريل - عليه السلام -على هيئته التى خلقه الله عليها مرة أخرى ، عند ذلك المكان الجليل المسمى بسدرة المنتهى ، حالة كون هذا المكان ينزل به ما ينزل ، وبغشاه ما يقشاه من الفيوضات الربانية ، والأفوار القدسية ، والخيرات التى لا يحيط بها الوصف ... فهذا الإبهام فى قوله ((ما يغشى، المقصود به التهويل والتعظيم والتكثير، لما يقشى هذا المكان من خيرات وبر كات ... وقوله - تعالى -: (( ما زاغ البصر وما طفى (بيان لماكن عليه التى - صلى الله عليه وسلم - من ثبات واطمئنان عند رؤيته لما أذن الله - تعالى- له فى رؤيته . والزيغ : هو الميل عن حدود الاستقامة . والطغيان: تجاوز الحدود المشروعة . أى: ما مال بصر النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أذن الله - تعالى - له فى رؤيته . وما تجاوزه إلى مالم يؤذن له فى رؤيته، بل كان بصره - صلى الله عليه وسلم - منصبا على ما أبيح له النظر إليه . فالمقصود من الآية الكريمة، الثناء على النبى - صلى الله عليه وسلم -، ووصفه بما هو أهله من أدب وطاعة لخالقه - عز وجل -. قال ابن كثير: قوله: « ما زاغ البصر وماطفى، قال ابن عباس: ماذهب ٨٠ سورة النجم يمينا ولا شمالا، وما جاوز ما أمر به ، وهذه صفة عظيمة فى الثبات والطاعة، فإنه ما فعل إلا ما أمر به. ولا سأل فوق ما أعطى، وما أحسن قول القائل : رأى جنة المأوى وما فوقها ولو رأى غيره ما قد رآه لتاها (١) ثم عظم - سبحانه - من شأن ما أراه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((لقد رأى من آيات ربه الكبرى)). والمكلام جواب لقسم محذوف، والآيات جمع آية، والمراد بهاالعجائب التى أطلع الله - تعالى - عليها نبيه - صلى الله عليه وسلم - فى تلك الليلة، وهى ليلة الإسراء والمعراج. والكبرى: صفة لهذه الآيات، وحذف المرئى: لتفخيم أمره وتعظيمه. أى: والله لقد رأى محمد - صلى الله عليه وسلم - فى تلك الليلة أمورا عظاما: لا يحيط بها الوصف، وقد أكرمناه برؤيتها ليزداد يقينا على يقينه ، وثباتا على ثباتة ، وقوة على قوته فى تبليغ رسالتنا ، وحمل أمانتنا . هذا ، وقد جرينا فى تفسيرنا لهذه الايات على الرأى الذى سار عليه المحققون من العلماء وهو أن هذه الآيات تحكى رؤيه النبى - صلى الله عليه وسلم- لجبريل مرتين ، كما سبق أن بينا وأن الضمائر فى تلك الآيات منها ما يرجع إلى جبريل، ومنها ما يرجع إلى الله - عز وجل -. وقد أعدنا كل ضمير إلى مرجعه الذى نراه مناسبا للمقام ... فمثلا: الضمير المنصوب فى قوله - تعالى .: (ولقد رآه نزلة أخرى)) قلنا : إنه يعود إلى جبريل . أى: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - رأى جبريل على هيئته التى (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٢٥٢