Indexed OCR Text
Pages 441-460
٢٢٠ الجزء السادس والعشرون فقوله - تعالى -: ((بل هم لبس من خلق جديد، أى: بل إن هؤلاء الكافرين فى خلط وشك وحيرة من أن يكون هناك خلق جديد أى خلق مستأنف لهم بعد موتهم . مع أنهم - لو كانوا يعقلون - اعلموا أن القادر على الخلق من العدم ، قادر على إعادة هذا المخلوق من باب أولى ، كما قال - سبحانه: . ((وهو الذى يبدأ الخلق ثم يعيده، وهو أهون عليه ... )) ٠ قال الآلوسي: وقوله: بل هم ليس من خلق جديد، عطف على مقدربدل عليه ما قبله، كأن قيل: إنهم معترفون بالأول غير مفكرين قدر تنا عليه ، فلا وجه لإنكارم الثانى، بلى هم فى خلط وشبهة فى خلق مستأنف .. ،(٢). وقال بعض العلماء ماملخصه فى الآية أسئلة ثلاثة : لم عرف الخلق الأول؟ ولم فكر اللبس ؟ ولم فكر الخلق الجديد ؟ وللاجابة على ذلك تقول: عرف الخلق الأول للتعميم والتهويل والتفخيم ومنه تعريف الذكور فى قوله ويهب لمن بهاء إذانا ويهب لمن يشاء الذكور » . وأما التفكير فأمره منقسم ، فأحيانا يقصد به التفخيم ، من حيث ما فيه من الإبهام ... وهو المقصود هنا من تنكير لفظ« ليس،، كأنه قيل : بل م فى ليس أى لبس . وأحيانا يقصد به التقليل والتهوين لأمره ، وهو المقصود هنا بقوله من ( خلق جديد))، أى أن هذا الخلق الجديدشىء هين بالنسبة إلى الخلق الأول .. وإن كان كل شىء هين بالنسبة إلى قدرة الله - تعالى -)،(٢). (١) سورة الروم. الآية ٢٧: (٢) تفسير الآلوسى = ٢٦ ص ١٧٨ ٠ (٣) راجع حاشية تفسير الكثاف ج ٤ ص ٠٢٨٢ ( ١٥ - سورة ق ) ٢٢٦ سورة ق ثم صورت السورة الكريمة بعد ذلك علم المه - تعالى - الشامل لكل شىء تصويرا يأخذ بالألباب، وبينت سكرات الموت وغمراته، وأحوال الإنسان عند البعث ... بيانا رهيبا مؤثرا، قال - تعالى - : ٠ ((وَلَقَدَ خَلَقْاَ الإنْسَانَ ونَعَلَم ماتُوسوسُ به نَفْسُه، ونحنُ أقرَبُ إليهٍ مِنْ حبلِ الوَرِيدِ (١٦) إذْ بِتَلَقْى المتلقَّنِ عن البِينِ وعَنِ الشِّالِ. قصيدٌ (١٧) ما يلفظُ مِنْ قولٍ إلاَّ لديهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وجاءتْ سكْرَةُ الموتِ بالحقِّ ذلكَ مَا كَنتَ مِنْهُ تحيدُ (١٩) وتُقِخ فى الصُّورٍ ذلكَ يومُ الوعيدِ (٢٠) وجاءتْ كُلُّ نَفْسِ مِعَها سائِقٌ وشهِيدٌ" (٢١) لقَدْ كُنتَ فِى غَفَلةٍ من هذا، فكتَفْاْ عنكَ غِطَاءَكَ فبصَرُكَ اليومَ حَدِيدٌ (٢٢))). والمراد بالإنسان فى قوله - تعالى -: (ولقد خلقنا الإنسان وتعلم ماتوسوس به نفسه ٠٠٠، جنسه . وقوله: ((توسوس)) من الوسوسة وهو الصوت الخفى. والمرادبه حديث الإنسان مع نفسه ، قال الشاعر : وأكدب النفس إذا حدثتها إن صدق النفس يزرى بالأمل (( وما، موصولة، والضمير عائد عليها والباء صلة. أى: ونعلم الأمر الذى تحدثه نفسه به . ويصح أن تكون مصدرية، والضمير للإنسان والباء للتعدية ، أى ونعلم وسوسة نفسه إياه . والمتدبر فى هذه الآية يرى أن افتتاحها يشير إلى مضمونها ، لأن التعبير بخلقنا ، يشعر بالعلم التاء بأحوال المخلوق، إذ خالق الشىء وصافعه أدرى بتركيب حزئياته . ٢٢٧ الجزء السادس والعشرون أى : والله لقد خلقنا بقدرتنا هذا الإنسان، ونعلم علما تاما شاملا ماتحدثه به نفسه من أفكار وخواطر ... وقوله: (( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد)، تقرير وتوكيد لما قبله. وحبل الوريد: عرق فى باطن العنق يسرى فيه الدم، والإضافة بيانية . أى : حبل هو الوريد. أى: ونحن بسبب علمنا التام بأحواله كلها ، أقرب إليه من أقرب شى. لديه، وهو عرق الوريد الذى فى باطن عنقه، أو أقرب إليه من دمائه التى تسرى فى عروقه . فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن علم الله - تعالى - بأحوال الإنسان، أقرب إلى هذا الإنسان، من أعضائه ومن دمائه التى تسرى فى تلك الأعضاء . والمقصود من القرب: القرب عن طريق العلم ، لا القرب فى المكان لاستحالة ذلك عليه - تعالى - . قال القرطبى: قوله: ((ولقد خلقنا الإنسان، يعنى الناس ... ونعلم ما توسوس به نفسه، أى: ما يختلح فى سره وقلبه وضميره، وفى هذا زجر عن المعاصى الی استخفى بها .... (( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد«هو حبل العائق، وهو ممتد من ناحية حلقه إلى عاتقه ، وهما وربدان عن يمين وشمال ... والحبل هو الوريد فأضيف إلى نفسه لاختلاف اللفظين ... وهذا تمثيل لشدة القرب. أى: ونحن أقرب إليه من حبل وريده الذى هو من نفسه ... وهذا القرب، هو قرب العلم والقدرة، وأبعاض الإنسان يحجب البعض" البعضَ، ولا يحجب علم الله - تعالى - شىء، (١). وقال القشيرى، فى هذه الآيه هيبه وفزع وخوف لقوم، وروح (١) تفسير القرطبى حـ١٧ ص ٩ ٢٢٨ سورة ق وأفس وسكون قلب لقوم،(١). وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه، وسار عليه من قبلنا جمهور المفسرين، يكون الضمير ((نحن)، يعود إلى الله - تعالى -، وجىء بهذا الضمير بلفظ ((نحن) على سبيل التعظيم . ويرى الإمام ابن كثير أن الضمير هنا يعود إلى الملائكة ، فقد قال - رحمه أنه -؛ وقوله: (( ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، يعنى ملائكته - تعالى- أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه. ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو إتحاد، وهما منفيان بالإجماع - تعالى أقه وتقدس - ولكن الافظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد وإنماقال: «ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، كما قال فى المحتضر، ونحن أقرب إليه منكم، يعنى ملائكته . وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه ، بإقدار الله لهم على ذلك ،(٢) . وهذا الذى ذهب إليه ابن كثير وإن كان مقبولا - لأن قرب الملائكة من العبد بإقدار الله لهم على ذلك - إلا أن ماذهب إليه الجمهور من أن الضمير (نحن ) لله - تعالى - ، أدل على قرب اه - سبحانه - لأحو ال عباده، وأظهر فى معنى الآية ، وأزجر للإنسان عن ارتكاب المعاصى .... و((إذء فى قوله - تعالى -: «إذا يتلقى المتلقيان ... ، ظرف منصوب بقوله (( أقرب)). أى: ونحن أقرب إليه من حبل الوريد، فى الوقت الذى يتلقى فيه. , المتلقيان، وهما الملكان جميع مايصدر عن هذا الإنسان. وهو - سبحانه - وإن كان فى غير حاجة إلى كتابة هذير الملكين لما يصدر عن الإنسان، إلا أنه - تعالى - قضى بذلك لحكم متعددة، منها إقامة الحجة على العبد يوم القيامة ، كما أشار - سبحانه - إلى ذلك فى قوله: «وتخرج له يوم. القيامة كتابا يلقاه منشورا . إقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا،، (١) حاشية الجمل = ٤ ص ١٠٣ (٢) تفسير ابن كثير <٧ ص ٣٧٦ ٢٢٩ الجزء السادس والعشرون ومفعول التلقى فى الفعل الذى هو يتلقى، وفى الوصف الذى هو المتلقيان، محذوف ، والتقدير إذيتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان فيكتبانه عليه. وقوله : ((عن اليمين وعن الشمال قعيد، بيان اليقظة الملكين وحرصهما على تسجيل كل ما يصدر عن الإنسان . و«قعيد، معنى المقاعد، أى الملازم للانسان، كالجليس بمعنى المجالس. والمعنى: عن يمين الإنسان ملك ملازم له لكتابة الحسنات، وعن الشمال كذلك ملك آخر ملازم له لكتابة السيئات وحذف لفظ قعيد من الأول دلالة الثانى عليه ، كما فى قول الشاعر : نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض والرأى مختلف أى : نحن راضون بما عندنا وأنت راض بما عندك ... ثم أكد - سبحانه - كل هذه المعانى بقوله:( ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، أى: ما يتكلم هذا الإنسان من كلام، وما يفعل من فعل ، إلا ولديه ملك «رقيب، أى: حفيظ. يكتب أقواله ((عتيد)) أى: مهيأ لذلك، حاضر عنده لا يفارقه . يقال: معتُد الشىء - ككرم - معتادة وعتادا، أى: حضر، فهو عند وعتيد. ويتعدى بالهمزة وبالتضعيف، فيقال: أعتده صاحبه وعنده ، إذا حياه وأعده . والمراد أن الملكين اللذين أحدهما عن يمينه والثانى عن شماله ، كلاهما مراقب لاعمال الإنسان، حاضر لكتابتها. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -.. وإن عليكم لحافظين. كراما كاتبين يعلمون ما تفعلون وقوله - سبحانه -. « أم يحسبون أنا لا نسمع سرم ونجوام على ورسلنا لديهم يكتبون)، وقوله - عز وجل -«هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق، إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون). ٢٣٠ سورة ق قال بعض العلماء ما ملخصه: وبعض العلماء يرى أن الملکین یکتبان كل شىء حتى الآنين فى المرض ... لأن قوله - تعالى - ((من قول، فكرة فى سياق النفى فتعم كل قول ... وبعضهم يرى أن الملكين لا يكتبان من الأعمال إلا مافيه ثواب أو عقاب. وقالوا: إن فى الآية نعتا محذوفا، سوغ حذفه العلم به، لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لاثواب فيه ولا عقاب ، وتقدير النعت المحذوف : ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء إلا ولديه رقيب عتيد ... )(١) ثم بين - سبحانه - حالة الإنسان عند الاحتضار فقال: ((وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما کنت منه تحید ، أى: وجاءت لكل إنسان سكرة الموت وشدته وغمرته وكربته، ملتبسة بالحق الذى لاشك فيه ولا باطل معه , ذلك، أى: الموت الذى هو نهاية كل حى ما كنت منه تحيد، أى: تميل وتهرب وتفر منه فى حياتك . يقال . حاد فلان عن الشىء يحيد حيدة ... إذا تنحى عنه وإبتعد . أخرج: الإمام أحمد وابن جرير عن عبد الله مولى الزبير بن العوام قال: لما حضر أبو بكر الموت، مكت إبنته عائشة، وتمثلت بقول الشاعر: لعمرك ما يغنى الحذار عن الفتى إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر فقال لها أبو بكر - رضى الله عنه -، لا تقولى ذلك يا ابنتى؛ ولكن قول: (( وجاءت سكرة الموت بالحق، ذلك ما كنت منه تجيد)). ثم بين - سبحانه - نهاية هذه الدنيا فقال: (( ونفخ فى الصور)، أى: النفخة الأخيرة ... «ذلك , يوم الوعيد، أى: ذلك الوقت الذى يكون فيه النفخ الأخير ف) (١) راجع أضواء البيان للشيخ الشنقيطى = ٧ ص ٦٥١ ٢٣١ الجزء السادس والعشرون الصور، هو الوقت الذى توعد الله - تعالى - فيه كل كافر بسوء المصير کما وعد کل مؤمن بحسن الجزاء. وخص الوعيد بالذكر، لتهوبل هذا اليوم، وتحذير العصاة مماسيكون فيه « وجاءت كل نفس، من النفوس المؤمنة والكافرة والمطيعة والعاصية ((( معها سائق شهيد)، أى: معها ملك يسوقها إلى المحشر، ومعها ملك آخر يشهد عليها .. ثم يقال للكافر فى هذا اليوم العصيب: «لقد كنت فى غفلة قامة من هذا الذى تعانيه اليوم وتشاهده, فكشفنا عنك غطاءك، أى: فأنزلنا عنك فى هذا اليوم تلك الغفلة التى كانت تحجبك عن الاستعداد لهذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح . « فبصرك اليوم حديد، أى: فبصرك ونظرك فى هذا اليوم نافذ قوى، تستطيع أن تبصر به ما كنت تذكره فى الدنيا ، من البعث والحساب والثواب والعقاب . يقال: فلان حديد مصر، إذا كان شديد الإبصار بحيث يرى أكثر مما براه غيره . وهكذا نرى أن هذه الآيات الكريمة ، قد بينت بأسلوب بليغ مؤثر، شمول على الله - تعالى لكل شىء، كما بينت حالة الإنسان يوم القيامة، يوم تأنى كل نفس ومعها سائق وشهيد .. ٠٠٠ ٥ ثم يحكى - سبحانه - بعد ذلك ما يقوله قرين الإنسان يوم القيامة فيقول: ((وقالَ قَرِينُه هذا ما لدَىَّ عتيدٌ (٢٣) ألقياً فى جَهنّ كلّ كفَّارٍ عَنيدٍ (٢٤) منَّاعِ الخيرِ مُعتدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الذِى جَعلَ معَ اللهِ إلها ٢٣٢ . سورة ق آخرَ ، فألقِياهُ فى العذَّابِ الشَّديدِ (٢٦) قالَ قرينُه ربّنا ما أَطِفِيُّهُ ولكِنْ كانَ فى ضلالٍ أْ بَعيدٍ (٢٧) قالَ لا تَخْصِمُوا لدَىِّ وَقَدْ قدَّمتُ . إليكم بالوَ عيدٍ (٢٨) ما يُبْدَّلُ القولُ لدَىَّ وما أناَ بظلام للعبيدِ (٢٩) يومَ تقولُ لجهّ هلِ امتلأتٍ وتَقُول هلْ مِنْ مَزِيدِ (٣٠) وأُزْ لِقَتٍ الْجَنَّهُ المتَّقِينَ غيرَ بَعيدٍ (٣١) هذا ما توعَدونَ لكلِّ أُوَّابٍ خيظٍ (٣٢) من خَشِىَ الرحمن بالغَيْبِ وجاء بقلب مُنِيبٍ (٣٣) ادخلوها بسلامٍ ذلكَ يومُ الْخُلود (٣٤) لهم ما يشاءونَ فيها ولدَيْناً مزيد (٣٥))). والمراد بقريته فى قوله - تعالى -: (وقال قرينة .... الملك الموكل بكتابة ما يصدر عن الإنسان فى حياته ، وجاء به مفردا مع أن لكل إنسان قرينين لأن المراد به الجنس . ويصح أن يكون المراد بقريفه هنا، شيطانه الذى أضله وأغواه ... قال الألوسى ما ملخصه: وقوله: ((وقالٍ قريته ... ، أى: شيطانه المقيض له فى الدنيا ، ففى الحديث : « ما من أحد إلا وقد و کل به قرينه من الجن. قالوا: ولا أنت يارسول الله؟ قال: ولا أنا، إلا أن الله - تعالى - أعاننى عليه. فأسلم فلا يأمرفى إلا بخير ، وقوله :هذا ما لدى عتيد « إشارة الشخص الكافر نفسه. أى: هذا ما عندى قد هيأته لجهنم .... وقال قتادة : قرينة : الملك الموكل بسوقه وبكتابة سيئاته، يقول مشيرا إلى ما فى صحيفته ومافيها من سيئات : هذا الذى فى صحيفته من سيئات مكتوب عندى، وحاضر للعرض ... و«ما، ذكرة موصوفة بالظرف وبعتيد، ٢٣٣ الجزء السادس والعشرون أو موصولة والظرف صلتها، و((عتيد)) خبر بعد خبر لإسم الإشارة، أو خبر لمبتدأ محذوف ... ))(١) ثم يقال بعد ذلك الملكين الموكلين به. أو للسائق والشهيد: ((ألقيا فى جهنم كل كفار عنيد)) أى: أقذفا فى جهنم بإحتقار وغضب كل كفار أى : كل مبالغ فى الجحود والكفر ((عند) أى: مطاند للحق مع علمه بأنه حق ... يقال : عند فلان عن الحق - باب من باب فعد - فهو عاند وعنيد وعنود إذا ركب الخلاف والعصيان وأبى أن ينقاد للحق. مع علمه بأنه حق مأخوذ عن العقد وهو عظم يعرض فى الحلق فيحول بين الطعام وبين دخوله إلى الجسم وقوله (( مناع الخير معشد مريب، صفات أخرى لذلك الكافر الملقى فى جهنم . أى: مبالغ فى المنع لكل خير يجب فعله . وهو بعد ذلك كثير الإعتداء کثیر الشك فیما هو حق وبر . (( الذى جعل مع الله إلها آخر، فى العبادة والطاعة ,فألقياه، أيها الملكان , فى العذاب الشديد، الذى يذله ويهينه. والاسم الموصول مبتدأ يشبه الشرط فى العموم، ولذا دخلت الفاء فى خبره وهو قوله: «فألقياه .. )). ● قال قريته، أى: شيطانه الذى كان يزين له السوء فى الدنيا. والجملة مستأنفة ، لأنها جواب عما يزعمه الكافر يوم القيامة من أن قرينه هو الذى أغراه وحمله على الكفر . أى: قال الشيطان فى رده على الكافر: ياربنا إننى ما أدغيته، ولا أجبرته على الكفر والعصيان( ولكن)، هو الذى , كان فى ضلال مبين)) دون أن أكرهه أنا على هذا الضلال أو الكفر . (١) تفسير الآلومى = ٢٦ ص ٢٨٥ / ٢٣٤ سورة ق وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: (وقال الشيطان لما قضى الأمر، إن أقه وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم، وما كان لى عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لى ، فلا تلوموني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم وما أتم بمصرخى،(١). ,قال، أى - الخالق - عز وجل -ـ (( لا تختصموا لدى، أى: لا تتنازعوا عندى فى هذا الموقف ، فإن التنازع لا فائدة فيه . ((وقد قدمت إليكم بالوعيد، أى: والحال أنى قد حذرتكم على ألسنة رسلى من سوء عاقبة الكفر، والآن لا مجال لهذا الاعتذار أو التخاصم. ((ما يبدل القول لدى)، أى: لا خلف الوعدى، ولا معقب لحكمى، بل هو كائن لا محالة، وهو أنى: ((لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)). , وما أنا بظلام للعبيد، أى: وما أنا من شأنى أن أعذب أحدا بدون ذنب جناه. وإنما أنا من شأنى أن أجازى الذين أساؤا بما عملوا، وأجازى الذين أحسنوا بالحسنى، وأعفو عن كثير من ذنوب عبادى سوى الشرك بى. « يوم نقول جهنم هل امتلأت و تقول هل من مزيد ، أی : اذ کر - أبها العاقل - لتتعظ وتعتبر - يوم نقول لجهنم هل امتلأت من كل كفار عنيد مناع للخير معتد مربب، واكتفيت من كل من جعل معى إلها آخر .. ؟ فترد جهنم و تقول يا إلهى : « هل من مزيد ، أمی: يا إلهى هل ق شىء منى لم يمتلىء من هؤلاء الكافرين؟ أنت تعلم يا خالقى أنى قد امتلأت، ولم يق منى موضع لقدم . قال أبن كثير عند تفسيره لهذه الآية: بخبر الله - تعالى - أنه يقول لجهنم يوم القيامة : هل امتلأت؟ وذلك أنه وعدها أنه سيملؤها من الجنة والناس (١) سورة إبراهيم الآية ٢٢. ٢٣٠ الجزء السادس والعشرون أجمعين، فهو - سبحانه - يأمر بمن يأمر به إليها، ويلقى فيها وهى تقول: ((هل من مزيد، أى: هل بقى شىء تزيدونى ؟ هذا هو الظاهر من سياق الآية، وعليه تدل الأحاديث، فقد أخرج البخارى عن أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يلقى فى النار - الكفرة - وتقول: هل من مزيد، حتى يضع - سبحانه - فيها قدمه فتقول: قط قط - أى: حصى حسي ٠٠). وعن ابن عباس قوله : « و تقول هل من مزید ، أی : وهل فى من مكان یزاد فى . وعن عكرمة قوله: ((وتقول: هل من مزيد)). وهل فى مدخل واحد؟ قد امتلأت ،(١). وقال الشوكانى : وهذا الكلام على طريقة التخييل والتمثيل ولا سؤال. ولا جواب. كذا قيل. والأولى أنه على طريقة التحقيق، ولا يمنع من ذلك. عقل ولا شرع . قال الواحدى: أراها !قه تصديق قوله: « لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين،، فلما امتلأت قال لها: ((هل امتلأت وتقول هل من مزيد، أى: قد امتلأت ولم يبق فى موضع لم يمتلى .. وقيل : إن هذا الاستفهام بمعنى الاستزادة. أى: إنها تطلب الزيادة على من قد صار فيها .. والمزيد: إما مصدر كالمحيد، أو اسم مفعول كالمنيع. فالأول بمعنى هل من زيادة. والثانى: بمعنى هل من شىء تزبدونيه .. »(٢). (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٨١. (٢) تفسير فتح القدير للشوكانى = ٥ ص ٧٧. ٢٣٦ سورة ق وكعادة القرآن فى المقارنة بين عاقبة الأشرار والأخيار، جاء بعد ذلك الحديث عن المتقين وحسن عاقبتهم فقال - تعالى -: وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد » . وقوله: « وأزلفت)) من الإزلاف بمعنى القرب، يقال: أزلفه إذا قربه، ومنه الزلفة والزافى بمعنى القربة والمنزلة .. وهو معطوف على قوله -سبحانه. (( ونفخ فى الصور». ٠ وقوله: « غير بعيد، صفة لموصوف مذكر محذوف، ولذا قال غير بعيد ولم يقل غير بعيدة . أى: وأدنيت وقربت الجنة للمتقين فى مكان غير بعيد منهم ، فصاروا بروتها ويشاهدون مافيها من خيرات لا يحيط بها الوصف. وفائدة قوله (( غير بعيد، بعد قوله ((وأزلفت، التأكيد والتقرير ، کقولك: فلان قريب غير بعيد ، وعزيز غير ذليل .. قال الجمل ماءلخصه: فإن قيل: ماوجه التقريب مع أن الجنة مكان، والأمكنة يقرب منها وهى لا تقرب ؟ فالجواب: أن الجنة لاتنقل ... لكن الله - تعالى - يطوى المسافة التى بين المؤمن والجنة - حتى لكأنها حاضرة أمامه - وذلك من باب التكريم والتشريف للمؤمن(١) ... . واسم الإشارة فى قوله: ( هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ» يعود إلى الجنة التى قربت لهم ... والجملة على تقدير القول ، أى: قربت الجنة ممن هم أهلها، ويقال لهم عند دخولها : هذا الذى ترونه من نعيم ، هو ماسبق أن وعد الله - تعالى - به (١) راجع حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ٠١٩٧ ١٢٧ الجزء السادس والعشرون كل « أواب، أى: رجاع إليه بالتوبة ((حفيظ)) أى: حافظ لحدوده وأوامره ونواهيه بحيث لا يتجاوزها، وإنما ينفذها ، ويقف عندها . ((من خشى الرحمن بالغيب .. )، أى: من خاف مقام ربه دون أن يراه أو يطلع عليه، والجملة بدل أو عطف بيان من قوله: (( لكل أواب حفيظ، وقوله: ((بالغيب، متعلق بمحذوف حال من الرحمن، أى : خشيه وهو غائب عنه لايراه ولا يشاهده . ((وجاء بقلب منيب، أى: وجاء ربه يوم القيامة بقلب راجع إليه ، مخلص فى طاعته ، مقبل على عبادته ... هؤلاء الذين يفعلون ذلك فى دنياهم ، يقال لهم يوم الحساب على سبيل التبشير والتكريم : ((أدخلوها بسلام، أى: ادخلوا الجنة التى وعدكم الله إياها بسلام وأمان واطمئنان . ((وذلك، اليوم وهو يوم الثواب والعطاء الجزيل من اله - تعالى - (« يوم الخلود، الذى لا انتهاء له، ولا موت بعده ... «لهم ما يشاءون فيها، أى: لهؤلاء المتقين ما يشاءون ويشتهون .. فى الجنة. (« ولدينا مزيد، أى: وعندنا - فضلا عن كل هذا النعيم الذى يرفلون فيه- المزيد منه، مما لم يخطر لهم على بال، ولم تره أعينهم قبل ذلك . قال ابن كثير: وقوله: ((ولدينا مزيد، كقوله - تعالى -: ((الذين أحسنوا الحسنى وزيادة))، وقد تقدم فى صحيح مسلم عن صهيب بن سنان، أنها النظر إلى وجه الله الكريم، (١). ثم تحدثت السورة الكريمة فى أواخرها عن مصارع المكذبين السابقين، (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٨٤. ١٣٨ سورة ق وعن مظاهر قدرة الله - تعالى -، وعن الدواء الذى يزيل عن القلوب همومها، وعن أهوال يوم القيامة ، فقال - تعالى -: ((وَكَمْ أهْلَكْنَا قَبلهُمُ مِنْ قَرنٍ م أَشَدُّ مِنهم بطشً فتقْبُوا فى البلادِ هلْ مِنْ محِيصٍ (٣٦) إنّ فى ذلكَ لِكْرى لمنْ كانَ لهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّعَ وهو شهيدٌ (٢٧) ولقّدْ خَلَقْتَ السَّمواتِ والْأرْضِ وما بينَهُما فى سنَّةٍ أيَّامٍ وما مسَّئاً مِنْ لُغُوبِ (٣٨) فاصْبِرْ عَلَى ما يقولُونَ وسَبّح بحَمدٍ ربِّكَ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ وقبلَ الْغُروبِ (٣٩) ومن الّيل فسبْحُهُ وأَذبارَ السُّجودِ (٤٠) واسْتمِعْ يومَ ينَدِى المنَادِ من مكانٍ قَرِيب (٤١) يومَ يسعُونَ الصَّيحةَ بالحقِ ذلكَ يومُ الخروجِ (٤٢) إِذَا نحنُ نحي وُميتُ وإليناَ المصيرُ (٤٣) يومَ تشقَّقُ الأرضُ عنهم سِراعاً، ذلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسيرٌ (٤٤) نحنُ أعلم بما يُقُولُونَ وما أنتَ عَلَيهِم يحبّارِ فذكر بالقرآنِ من يخاف وعيد (٤٥))). و((كم، فى قوله - تعالى -: ((وكم أملكنا قبلهم من قرن ٠٠، خبرية بمعنى كثير، وهى منصوبة بما بعدها، والقرن : يطلق على جماعة من الناس تعبش فى زمن واحد، ومقداره مائة سنة - على الراجح -. وقوله: (( من قرن، تمييز لتكتم". وجملة ,هم أشد منهم بطها، صفة. والبعاش: السطوة والأخذ بشدة . أى: واعلم - أيها الرسول الكريم - أننا أهلكنا كثيرا من القرون الماضية. التى كدبت رسلها، كقوم نوح وعاد وثمود، وقد كانوا أشد من قومك قوة وأكثر جمعا، ومادام الأمر كما ذكرنا لك، فلا تحزن ولا تبتئس لما يصيبك من الكافرين المعاصرين لك، فنحن فى قدرتنا أن قدمرم تدميرا . ٢٣٩ الجزء السادس والعشرون والضمير فى قوله - تعالى -: ((فنقبوا فى البلاد، يعود إلى أهل تلك القرون المهلكة الماضية . والتنقيب: السير فى الأرض، والطواف فيها، والبحث بين أرجائها . يقال: نقب فلان فى الأرض، إذا ذهب فيها. وأصل الشّقب: الخرق والدخول فى الشىء، ومنه قولهم: نقب فلان الجدار ، إذا أحدث فيه خرقا. والمراد به هنا: السير فى الأرض، والتفتيش فيها ... قال الآلوسي: ((فنقبوا فى البلاد، أى: ساروا فى الأرض وطوفوا فيها حدَر الموت ... قال الشاعر : وجالوا فى الأرض كل مجال نقبوا فى البلاد من حذر الموت وشاع التنقيب فى العرف بمعنى التنقير عن الشىء والبحث عن أحواله .. والفاء على تفسير التنقيب بالسير ونحوه . مجرد التعقيب، وعلى تفسيره - بالتصرف للسببية ، لأن تصرفهم فى البلاد مسبب عن اشتداد بطشهم، وهى على الوجهين عاطفة على معنى ما قبلها ، كأنه قبل : اشتد بطشهم فنقبوا فى البلاد .... ،(١). والاستفهام فى قوله - سبحانه -: ((هل من محيص)) الإنكار والنفى. والمحيص: المعدل والمهرب، يقال: حاص فلان عن الشىء يحيص حبصاً . ومحبصا، إذا عدل وحاد عنه ، وحاول الهروب منه. أى: أن هؤلاء المكذبين السابقين ، كانوا أشد من مشر كي قريش قوة وأكثر جميعا، وكانوا أكثر ضربا فى الأرض وسيرا فيها ... فلما نزل بهم بأسنا حاولوا الهرب والفرار، فلم يجدوا مکانا چربون فیه،بل نزل بهم عذابنا فدمرتم تدميرا . (١) تفسير الألوسى = ٢٩ ص ١٩١ ٢٤٠ سورة ق فعليكم به أيها المشركون - أن تعتبروا بهم، حتى لايصيبكم ما أصابهم . . فالمقصود بالآية الكريمة، تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم-، وتحذير أعدائه من سوء عاقبة الكفر والعناد . ((إن فى ذلك، الإهلاك للأمم المكذبة السابقة (( لذكرى، أى: لتذكرة وعبرة، لمن كان له قلب)، أى: لمن كان له قلب يعى ما يسمع ، ويعقل ما يوجه إليه. ويعمل بمقتضى هذا التوجيه الحكيم. ((أو ألقى السمع وهو شهيد، أى. فيما مقناء عبرة وعظة لمن كانله قلب يعنى الحقائق، ولمن أصغى إلى مايلقى إليه من إرشادات، وهو حاضر الذهن. صادق العزم لتنفيذ ماجاءه من الحق ... قال صاحب الكشاف: ((لمن كان له قلب، أى: قلب واع، لأن من لا يعى قليه فكأنه لاغلب له. وإلقاء السمع: الإصغاء . .وهو شهيد، أى: حاضر بفطنته، لأن من لا يحضر ذهنه فكأنه غائب ... أو هو مؤمن شاهد على صحته، وأنه وحى الله ... .(١). ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته ووحد أنبته فقال: ولقد خلقا السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام، وما مسنا من لغوب)). واللغوب: التعب والنصب والإعياء، مصدر لغتَب - كدخل - يقال: لغب فلان لغوبا ، إذا اشتد تعبه وضعفه . أى: والله لقد خلقنا بقدرتنا السموات والأرض وما بينهما من كائنات لا يعلمها إلا الله، فى ستة أوقات. وما مسنا بسبب هذا الخلق العظيم نصب أو تعب أو إعياء . فالمراد بالأيام مطلق الأوقات التى لا يعلم مقدارها إلا الله - تعالى -. وقيل هذه الأيام من أيام الدنيا ، وقيل من أيام الآخرة ... وقال سعيد بن جبير. الله - تعالى - قادر على أن يخلق السموات (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص٣٩٢ : الجزء السادس والعشرون ٢٤١ والأرض وما بينهما فى لحة ولحظة، ولكنه - سبحانه - خلقهن فى ستة أيام ليعلم عباده التثبت فى الأمور والتأنى فيها . ٠ والمقصود بالآية الكريمة بيان كمال قدرة الله - تعالى -. والرد على من أفكر البعث والنشور. وعلى اليهود الذين زعموا أن الله - تعالى - خلق العالم فى ستة أيام ثم استراج فى اليوم السابع وهو يوم السبت . والفاء فى قوله: ((فاصبر على ما يقولون، فصيحة. أى: إذا كان الحال كما بينا لك يا محمد، فاصبر على ما يقوله هؤلاء الضالون المكذبون من أقوال لا يؤيدها عقل أو نقل ... وقوله: («وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ٠٠٠٠ ، إرشاد له - صلى الله عليه وسلم - إلى ما يعينه على الصبر. أى: اصبر - أيها الرسول الكريم - على أقوال هؤلاء الكافرين، ونزه ربك - تعالى - عن كل مالا يليق به، وتقرب إليه بالعبادات والطاعات , قبل طلوع الشمس وقبل الغروب ، وهما وقتا الفجر والعصر . وخصهما - سبحانه - بالذكر لفضلهما وشرفهما. (((ومن الليل فسبحه، - أيضا - ونزهه عن كل مالا يليق به، ((وأدبار السجود، أى: وفى أدبار وأعقاب الصلوات فأكثر من تسبيحه عز وجل - وتقديسه . ومن الأحاديث التى وردت فى فضل التسبيح بعد الصلوات المكتوبة ، ماثبت فى الصحيين عن أبى هريرة أنه قال: ((قال: ((جاء فقراء المهاجرين فقالوا: يارسول الله، ذهب أهل الدثور بالدرجات العلى والنعيم المقيم . فقال وماذاك؟ قالوا: يصلون كما فصلى. ويصومون كما نصوم. ويتصدقون ولا نتصدق . فقال - صلى الله عليه وسلم -: أفلا أعلمكم شيئا إذا فعلتموه سبقتم من (١٦ - سورة ق ) ٢٤٢ سورة ق بعدكم، ولا يكون أحد أفضل منكم إلا من فعل مثل ما فعلتم ؟ نسبحون وتحمدون و تکیرون الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين. قال : فقالوا: يارسول الله، سمع إخواننا أهل الأموال بما فعلنا ففعلوا مثله فقال - صلى الله عليه وسلم - : (( ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء) (١) وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : فاصبر على ما يقولون، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لعلك ترضى، (٢) ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يلقى سمعه لما يخبره به - تعالى - من أهوال يوم القيامة فقال: ((وأستمع .... والمستمع اليه محذوف للتهويل والتعظيم .. أى: واستمع - أيها الرسول الكريم - أو - أيها العاقل - لما سأخبرك به من أهوال يوم القيامة . ثم بين - سبحانه - ذلك فقال: ((يوم يناد المناد من مكان قريب» أى: إستمع إستماع تنبه وتيقظ يوم يناد المناد وهو إسرافيل - عليه السلام - من مكان قريب بحيث يسمع نداءه الناس جميعا ... قال ابن كثير: قال قتاده: قال كعب الأحبار: يأمر الله ملكًا أن ينادى على صخرة بيت المقدس: أيتها العظام البالية ، والأوصال المتقطعة ، إن الله بأمركن أن تجتمعن لفصل القضاء، (٣) (١) صحيح البخارى: ((كتاب الآذان، باب ((الذكر بعد الصلاة)) ج١ ص ٢١٣ (٢) سورة طه الآية ١٣٠ (٣) تفسير ابن كثير جـ٧ ص ٣٨٨ ٠ ٢٤٣ الجزء السادس والعشرون وفى ورود الأمر بالاستماع مطلقا، ثم توضيحه بما بعده، تهويل وتعظيم للمخبر به، لما فى الإبهام، ثم التفسير، من التهويل والتفخيم لشأن المحدث عنه . وقوله: (( يوم يسمعون الصيحة بالحق)) بدل من قوله: «ينادى». أى: يوم يسمعون صيحة البعث من القبور، والحشر للجزاء، سماعا ملتبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل . والمراد هذه الصيحة : النفخة الثانية ( ذلك، اليوم هو ( يوم الخروج)) من الأجداث كأنهم جراد منقشر. . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «ونفخ فى الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا، هذا ماوعد الرحمن وصدق المرسلون» ثم بين - سبحانه - مايدل على كمال قدرته فقال: ((إنا نحن نحى ونميت وإلينا المصير)) . أى : إنا بقدرتنا وإرادتنا نحی ونميت من نشاء إحياءه أو إمانته ، والينا وحدفا مرجع العباد ومصيرهم ، لا يشاركنا فى ذلك مشارك. أذكر - أيضا - أيها العاقل: « يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ... ، أى يوم تتشقق الأرض عن من فى باطنها من مخلوقات ، فيخرجون الينا سراعا . كما قال - تعالى -: «يوم يدعوكم فتستجيبون محمده، وتظنون إن لبثتم إلا قليلا ، (١) وقوله: (( ذلك حشر علينا يسير، أى: ذلك التشقق للأرض، وما يتر تب عليه من بعث وجمع وحشر ، يسير وهين علينا، لأن قدرتنا لا يعحزها شىء. ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية التى فيها من التسلية للرسول (١) سورة الإسراء ٠٢ ٢٤٤ سورة ق - صلى الله عليه وسلم - ومن التحديد الدقيق لوظيفته، فقال - تعالى -: «نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد». أى: نحن - أيها الرسول الكريم - أعلم بما يقوله هؤلاء المشركون فى شأنك وفى شأن دعوتك، وسنجازيهم على ذلك بما يستحقونه من عقاب، فاصبر على أقوالهم ، وبلغ رسالة ربك دون أن تخشى أحدا سواه. وأنت لنبت بمسلط عليهم لتجبرهم على أتباعك، وتقهرهم على الدخول فى الإسلام، وإنما وظيفتك التذكير بهذا القرآن لمنيخشى عنابی،ويخاف وعيدى كما قال - سبحانه -: فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم بمسيطر» وكما قال - تعالى -: ((وإنما ترينك بعض الذى تعدهم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ، وعلينا الحساب ، وبعد: فهذا تفسير محرو لسورة ((ق)) التى حفظها بعض الصحابة من فم النبى - صلى الله عليه وسلم - خلال تكراره لها فى خطب الجمعة . نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع قلوبنا، وأنس نفوسنا. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ كتبه الراجه عفو ربه محمد سيد طنطاوى القاهرة: مدينة نصر - مساء الثلاثاء ٠١٤٠٦/٦/١٦ ١٩٨٦/١/٢٧ م