Indexed OCR Text
Pages 421-440
i ٢٠٥ الجزء السادس والعشرون ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بقوله:(( إن الله يعلم غيب السموات والأرض ... ، أى: إنه - تعالى - يعلم ماخفى وغاب عن عقول الناس من أحوال السموات والأرض ((واقه بصير تعملون)، - أيها الناس - لا يعزب عنه شىء من أقوالكم أو أفعالكم. وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة , الحجرات))، تلك السورة التى رسمت للناس معالم عالم كريم، تشع فيه الآداب الساميه، والأخلاق العالية ، والقيم الجليلة، وتختفى فيه مايتعارض مع هذه المعانى كالحقد والغيبة والتقاتل والتفاخر بالأحساب والأنساب . نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن ربيع نفوسنا، وأفس قلوبنا. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.؟ کتبه الراجه عفو ربه محمد سيد طنطاوى القاهرة: مدينة نصر - صباح الثلاثاء ١٤٠٦/٤/٣هـ ١٩٨٦/١/١٤ م التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسير سُورَة قي لفضيلة الدكتور محمد السسيد طنطاوى عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية ( الجزء السادس والعشرون) ١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م ﴿ رَبَّنَ تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعِ العَلِيم ﴾﴾ بسْه عبد الرحمن الرحيم مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((ق)) هى السورة الخمسون فى ترتيب المصحف، أما ترتيها. فى النزول فكان بعد سورة «المرسلات)). ويبدو أن نزولها كان فى أوائل العهد المكي، إذ من يراجع ترتيب السور على حسب النزول يرى أنها لم يسبقها سوى اثنتين وثلاثين سورة، ومعظم السور التى سبقتها كانت من الجزء الأخير من القرآن الكريم(*). وهى من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها خمس وأربعون آية، وتسمى - أيضا - بسورة ((الباسقات)). ٢ - وقد ذكر الإمام ابن كثير فى مقدمة تفسيره لها جملة من الأحاديث فى فضلها ، منها مارواه مسلم وأهل السنن، عن أبي واقد الليثى، أن رسول الله - صلى اللّه عليه وسلم - كان يقرأ فى العيد بسورة ((ق)) وبسورة ,اقتربت الساعة ..... وروى الإمام أحمد عن أم هشام بنت حارثة قالت: ما أخذت، ق والقرآن المجيد، إلا على لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، كان يقرؤها كل يوم جمعة إذا خطب الناس» . ثم قال إن كثير : والقصد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقرأ بهذه السورة فى الجامع الكبار، كلعيد والجمع، لاشمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور، ولمهاد والقيام، والحساب، والجنه والنار، والثواب (١) راجع الإنقان فى علوم القرآن ج ١ ص ٢٧ للإمام السيوطى. - ٢١٢ - والعقاب، والترغيب والترهيب ... ,(١). ٣ - والحق، أن المتأمل فى هذه السورة الكريمة براها قد اشتملت على ماذكره الإمام ابن كثير ، بأسلوب بليغ بديع . فهى تبدأ بالثناء على القرآن الكريم، ثم تذكر دعاوى المشركين وترد عليهم يما يخرس ألسنتهم ، ثم توبخهم على عدم تفكرهم فى أحوال هذا الكون الزاخر بالآيات والكائنات الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته. قال تعالى -: (( أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم ، كيف بنيناها وزيناها، ومالها من فروج. والأرض مددناها، وألقينا فيها روامى، وأنبتنا فيها من كل زوج بهيح . قبصرة وذكرى لكل عبد منيب ... )). ٤ - ثم تذكرهم - أيضا - بسوء عاقبة المكذبين من قبلهم، كقوم نوح وعاد وثمود ، وقوم فرعون وإخوان لوط وأصحاب الأيكة ... ثم تتبع ذلك بتذكيرهم بعلم الله - تعالى - الشامل لكل شىء، وبسكرات الموت وما يتبعها من بعث وحساب ، وثواب وعقاب ... قال - تعالى -: وجاءت سكرة الموت بالحق، ذلك ما كنت منه تحيد.ونفخ فى الصور ذلك يوم الوعيد. وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد. لقد كنت فى غفلة من هذا. فكشفنا عنك غطاءك، فبصرك اليوم حديد ... ». ٥ - ثم تختم السورة الكريمة ، بتسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم- عما أصابه من قومه، وترشده إلى العلاج الذى يعينه على مداومة الصبر، كما تحكى له أحو الهم يوم القيامة ليزداد يقينا على يقينه، وتأمره بالمواظبة على تيليغهم بما أمره الله - تعالى - بتبليغه ، لنستمع إلى قوله - تعالى - : قاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل الغروب . ومن الليل فسبحه وأدبار السجود. واستمع (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٧٠ - ٢١٣ - يوم يناد المناد من مكان قريب . يوم يسمعون الصيحة بالحق، ذلك يوم الخروج. إنا نحن نحى ونميت وإلينا المصير. يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير . نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بحبار ، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد». وهكذا تطوف بنا السورة الكريمة فى أعماق هذا الكون، وفى أعماق النفس الإنسانية، منذ ولادتها إلى بعثها، إلى حسابها، إلى جزائها ... وذلك كله بأسلوب مؤثر بديع، يشهد بأن هذا القرآن من عند الله ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيراً . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ د. محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر ١٩٨٦/١/١٧ م ٠١٤٠٦/٥/٦ ٢١٤ سورة ق التفسير قال الله تعالى: ((ق، والقرآنِ المجيدِ (١) بل تَجِيوا أن جاءمُ مُنذِرٌ منهم، فقالُ الكافِرُ ونَ هذَا شَىءٍ مَجِيبٌ (٢) أَئِذَا مِثْذَاَ وكُنَّا تُرابً ذلِكَ رَجْعٌ عِيدٌ (٣) قد علمْاَ ما تَنَقْصُ الْأَرْضُ مِنهم، وعنْدِناَ كتَابٌ حفيظٌ (٤) بلْ كذّبُوا بِالحقُ لَّا جاءَهُ فَهُم فى أَمْرِ مَريج (٥) أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إلى السَّماءِ فَوقَهِم كيفَ بنَيْئَهَاَ وزَيْنَماً وما لها . ◌ِنْ فُروجٍ (٦) والْأرْضَ مِدَدْنَها وأُلقَيْنَاً فيهاَ روَاسِىَ، وأَنْتَناَ فيهاَ مِنْ كُلِّذَوجٍ بيجٍ (٧) تَبَصِيرَةً وَدٍ مْرَى لِكُلِّ عبْدٍ مُنِيبٍ (٨) ونَزَّلْنَ مِنَ السَّاء ماء مُبَارَكاً، فَأَنْبَنا به جنَّاتٍ وحبَّ الْحَصيدِ (٩) والنَّخْلِ بَاسِقِاتٍ لهنَا طَلْعَ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقً الْسِاَدَ وأَحْييناَ بهِ بَلدةً مَيناً كذلِكَ اُروجُ (١١))). سورة «ق، من السور القرآنية، التى افتتحت ببعض حروف التهجى وأقرب الأقوال إلى الصواب فى معنى هذه الحروف ، أنها جىء بها على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن . ف-كأن الله - تعالى - يقول هؤلاء المعارضين فى أن القرآن من عند الله: حاكم القرآن ترونه مؤ لفامن كلام هو من جنس ما تؤ لفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم . فإن کنتم فى شك فی کونه منزلا من عند الله - تعالى - فهاتوا مثله ، أو عشر سور من مثله ، أو سورة واحدة من مثله . 1 فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت أن هذا القرآن من عند الله- سبحانه ... ٢١٥ الجزء السادس والعشرون وهذا الرأى وهو كون ((ق، من الحروف الهجائية، هو الذى نطمئن إليه، وهناك أقوال أخرى فى معنى هذا الحرف ، تركناها لضعفها كقول بعضهم إن ق، اسم جيل محيط بجميع الأرض ... وهى أقوال لم يقم دليل نقلى أو عقلى على صحتها . قال ابن كثير: وقد روى عن بعض السلف، أنهم قالوا (« ق ، جبل محيط بالأرض، يقال له جبل(( ق)، وكأن هذا - والله أعلم - من خرافات بنى إسرائيل التى أخذها عنهم بعض الناس ... » (١) . والولو فى قوله - تعالى -: ((والقرآن المجيد) للقسم، والمقسم به القرآن الكريم، وجواب القسم محذوف لدلالة ما بعده عليه، وهو استبعادهم لبعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم -. وتكذيبهم البعث والحساب ... وقوله: « المجيد، صفة للقرآن. أى: ذى المجد والشرف وكثرة الخير. ولفظ الجيد مأخوذ من المجد، بمعنى السعة والكرم، وأصله من مجدت الإبل وأمجدت ، إذا وقعت فى مرعى مخصب ، واسع ، الجنبات، كثير الأعشاب . والمعنى: أقسم بالقرآن ذى المجد والشرف ، وذى الخير الوفير الذى يجد فيه كل طالب مقصوده إنك - أيها الرسول الكريم - لصادق فيما تبلغه عن ربك من أن البعث حق ، والحساب حق ، والجزاء حق .. ، ولكن الجاحدين لم يؤمنوا بذلك ، . (( بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم، وهو أنت يا محمد ، فلم يؤمنوا بك ، بل قابلوا دعوتك بالإذكار والتعجب . (( فقال الكافرون هذا شىء عجيب)) أى: هذا البحث الذى تخبرنا عنه يا محمد شىء يتعجب منه ، وتقف دونه أفهامنا حائرة . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٠٣٧٢ ٢١٦ ۔ سورة ق قال الألوسى ماملخصه: قوله - تعالى - : (( بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ... ، بل للإضراب عما ينىء عنه جواب القسم المحذوف ، فكأنه قيل إنا أنزلنا هذا القرآن لتنذر به الناس، فلم يؤمنوا به، بل جعلوا كلا من المنذر به عرضة للتكهر والتعجب، مع كونهما أوفق شىء لقضية العقول ، وأقربه إلى التلقي بالقبول .... وقوله: (( أن جاءهم، بتقدير لأن جاءهم. ومعنى ((منهم)، أى: من جنسهم وضمير الجمع يعود إلى الكفار ... وقوله: (( فقال الكافرون هذا شىء عجيب، تفسير لتعجبهم .... وإضمارهم أولا، للاشعار بتعينهم بما أسند إليهم، وإظهارهم ثانياً، التسجيل الكفر عليهم .... ،(١). وقوله - سبحانه -: ((أئذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد، تقرير للتعجب، وتأكيد للافكار الصادر عنهم، والعامل فى (إذا ) مضمر لدلالة ما بعده عليه .. أى: أحين نموت ونصير ترابا وعظاما نرجع إلى الحياة مرة أخرى، كما يقول محمد - صلى الله عليه وسلم -، وكما يقول القرآن الذى نزل عليه. لا، إننا لن نبعث ولن نعود إلى الحياة مرة أخرى، وما يخبرنا به محمد - صلى الله عليه وسلم - من أن الرجوع إلى الحياة مرة أخرى حق ، كلام بعيد عن عقولنا وأفهامنا . فاسم الإشارة (ذلك) يعود إلى محل النزاع وهو الرجوع إلى الحياة مرة أخری، والبعث بعدالموت. والرجوع. يقال:رجعته أرجعه رجعا ورجوعا بمعنى أعدته .. ومنه قوله - تعالى -: (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم). أى: ذلك الرجوع إلى الحياة مرة أخرى بعيد عن الأفهام، وعن العادة، وعن الإمكان . (١) تفسير الآلومى = ٢٦ ص ١٧٢ ٢١٧ الجزء السادس والعشرون وبعد هذا التصوير الأمين لحججهم وأقوالهم، .اق - سبحانه - الرد الذى يدفع تلك الحجج والأقوال فقال: ، قد علمنا ماتنقص الأرض منهم». أى: قد علمنا علما تاما دقيقا ماتأ كله الأرض من أجسادهم بعد موتهم، ومن علم ذلك لا يعجزه أن يعيدهم إلى الحياة مرة أخرى. وقوله - سبحانه -: (( وعندنا كتاب حفيظ، تأكيد وتقرير !! قبله . أى: وعندنا بجانب علمنا الشامل الدقيق. كتاب حافظ لجميع أحوال العباد، ومسجلة فيه أقوالهم وأفعالهم والمراد بهذا الكتاب: الموح المحفوظ. ثم كشف - سبحانه - عن حقيقة أحوالهم، وعن الأسباب التى دفعتهم إلى إبشار الحق على الباطل فقال: «بل كذبوا بالحق لما جاءهم، فهم فى أمر مرچ». أى: إن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بإنكارهم للبعث ... بل جاءوا بما هو أشفع وأفظع منه ، وهو تكذيهم لنبونك - أيها الرسول الكريم - تلك النبوة الثابتة بالمعجزات الناصعة، ومن مظاهر هذا التكذيب أنهم قارة يقولون عنك ساحر، وتارة يقولون عنك كاهن وتارة يصفونك بالجنون. فهم فى أمر مريج، أى: مضطرب مختلط ، بحيث لا يستقرون على حال. يقال: مرج الأمر - بزفة طرب - إذا اختلط وتزعزع، وفقد الثبات والاستقرار والصلاح .. ومنه قولهم: مرجت أمانات الناس، إذا فدت وعمتهم الخيانة ، ومرج الخاتم فى إصبع فلان، إذا تخلخل واضطرب لشدة هزال صاحبه . وفى هذا الرد عليهم تصوير بديع معجز ، حيث بين - سبحانه - بأنه علم بما تأكله الأرض من أجسادهم المغيبة فيها، وبتناقص هذه الأجساد رويدا رويدا، وأن كل أحوالهم مسجلة فى كتاب حفيظ، وأنهم عندما فارقوا ٢١٨ سورة ق الحق الثابت وكذبوه، مادت الأرض من تحتهم واضطر بت ،واختلطت عليهم. الأمور والتبست ، فصاروا يلقون التهم جزافا دون أن يستقروا على رأى، أو يجتمعوا على كلمة ... ثم شرعت السورة الكريمة فى بيان الأدلة على قدرة الله - تعالى - ، وعلى أن البعث حق، وعلى أن استبعادهم له إنما هو لون من جهالاتهم وأنطاس بصائرهم ، فقال - تعالى : « أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج،. والاستفهام للافكار والتعجيب من جهلهم، والهمزة متعلقة بمحذوف ؛ والفاء عاطفة عليه أى : أأعرضوا عن آيات الله فى هذا الكون، فلم ينظروا إلى السماء فوقهم. كيف بنيناها هذا البناء العجيب، بأن رفعناها بدون عمد، وزيناها بالكوكب، وحفظناها من أى تصدع أو تشفق أو تفتق .. فقوله: «فروج، جمع فرج، وهو الشق بين الشيئين. والمراد: سلامتها. من كل عيب وخلل . ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ((الذى خلق سبع سماوات طباقا، مادى فى خلق الرحمن من تفاوت . فارجع البصر هل ترى. من فطور ثم أرجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر خاسئا وهو حسير (١) . ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته فى بسط الأرض ، بعد بيان مظاهر قدرته فى رفع السماء فقال ((والأرض مددناها، أى: والأرض بسطناها ومددفاها بقدرتنا ، وجعلناها مترامية الأطراف والمناكب ، كما تشاهدون ذلك بأعينكم. قالوا: وامتدادها واتساعها لاينافى كرويتها ، لأن عظم سطحها يجعل الناظر إليها يراها كأنه مسطحة ممدودة . (١) سورة تبارك الآية ٣، ٤. ٢١٩ الجزء السادس والعشرون . وألقينا فيها رواسى، أى: وألفينا فيها جبالا ثوابت تمنعها من الاضطراب ... فقوله: «رواسى، جمع رأسية بمعنى ثابتة وهو صفة لموصوف محذوف. ((وأنبتنا فيها، أى: فى الأرض, من كل زوج بهيج، أى: وأنبتنا فيها من كل صنف حسن يبهج ويسر الناظرين إليه مأخوذ من البهجة بمعنى الحسن. يقال: بهج الشىء - كظرف - فهو بهيج أى: حسن جميل. وقوله: ((تبصرة وذكرى ... )) علمتان لما تقدم من الكلام، وهما. منصوبتان بفعل مقدر. أى: فعلنا مافعلنا من مد الأرض، ومن تثبيتها بالجبال ، ومن إنبات كل صنف حسن من النبات فيها، لأجل أن قبصر عبادنا بدلائل وحدافيتنا وقدرتنا ، ونذكر هم بما يجب عليهم نحو خالقهم من شكر وطاعة . وقوله: ( لكل عبد منيب، متعلق بكل من المصدرين السابقين وهما : التبصرة والذكرى . أى: هذه التبصرة والذكرى كائنة لكل عبد منيب، أى: كثير الرجوع إلى ربه بالتدبر فى بدائع صنعته، ودلائل قدرته . ثم انتقلت الآيات إلى بيان مظاهر قدرته فى إنزال المطر، بعد بيان مظاهر قدرته فى خلق السموات والأرض وما اشتملتا عليه من كائنات فقال - تعالى -: ((ونزلنا من السماء ماء مباركا، أى: ماء كثير المنافع والخيرات الناس والدواب والزروع. ((فأنبتنا به، أى: بذلك الماء ((جنات، أى: بساتين كثيرة زاخرة بالثمار ... ((وحب الحصيد)) أى: وحب النبات الذى من شأنه أن يحصد عند استوائه كالقمح والشعير وما يشبههما من الزروع . ٢٢٠ سورة ق فالحصيد بمعنى المحصود، وهو صفة لموصوف محذوف أى ، وحب الزرع الحصيد. فهذا التركيب من باب حذف الموصوف وإقامة الصفة مقامه للعلم به . وخص الحب بالذكر، لاحتياج الناس إليه أكثر من غيره ، فصار كأنه المقصود بالبيان . وقوله: ((والنخل ... ، معطوف على ((جنات)، و(باسقات , حال من النخل. ومعنى «باسقات)) مرتفعات، من البسوق بمعنى الارتفاع والعلو. يقال بسق فلان على أصحابه - من باب دخل، إذا فاقهم وزاد عليهم فى الفضل ... والنخل: اسم جنس يذكر ويؤنث ويجمع. وخص بالذكر مع أنه من جملة ما اشتملت عليه الجنات ، لمزيد فضله وكثرة منافعه. وجملة (( لها طلع نضيد، فى محل نصب على الحال من النخل. والطلع: أول ما يخرج من ثمر النخل . ويسمى الكُفُرّى . يقال: طلع الطلع طلوعا ، إذا كان فى أول ظهوره . والنضيد بمعنى المنضود. أى: المتراكب بعضه فوق بعض مأخوذ من نضد فلان المتاع ينضده، إذا رتبه ترتيبا حسناً . أى: وأنبتنا - أيضا - فى الأرض بعد إنزالنا الماء عليها من السحاب، النخل الطوال، الزاخر بالثمار الكثيرة، التى ترقب بعضها على بعض، بطريقة جميلة ... وقوله: « رزقًا للعباد)) بيان للحكمة من إنزال المطر وإنبات الزرع ... أى: أنبتنا ما أنبتنا من الجنات ومن النخل الباسقات ... ليكون ذلك وزقا نافعا للعباد ... « وأحيينا به بلدة ميتا، أى: وأحيهنا بذلك الماء الذى أنزلناه، بلدة كانت ٢٢١ الجزء السادس والعشرون مجدبة ، وأرضا كانت خالية من النبات والزروع، وتذكير («ميتا، لكون البلدة بمعنى المكان . وقوله: « كذلك الخروج، جملة مستأنفة لبيان أن الخروج من القبور عند البعث، مثله كمثل هذا الإحياء للأرض التى كانت جدباء ميتة، بأن أنيقت من كل زوج بهيج بعد أن كانت خالية من ذلك ، فوجه الشبه بين إحياء الأرض بالنبات بعد جدبها ، وبين إحياء الإنسان بالبعث بعد موته : استواء الجميع فى أنه جاء بعد عدم . قال ابن كثير: قوله: ((وأحيينا به بلدة ميتا ... ، وهى الأرض التى كانت هامدة، فلما نزل عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوجبهيج .. وذلك بعد أن كانت لا نبات فيها، فهذا مثال للبعث بعد الموت والهلاك)، كذلك يحيى الله الموتى ، وهذا المشاهد من عظيم قدرته بالحس، أعظم ما أذكره الجاحدون للبعث ... كقوله - تعالى -: ((لخلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس .. » وقوله: (( أو لم يروا أن الله الذى خلق السموات والأرض ولم يعى بخلقين بقادر على أن يحيى الموتى ، بلى إنه على كل شىء قدير، وقوله - تعالى -: ، ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت، إن الذى أحياها لمحي الموتى، إنه على كل شىء قدير (١). وبذلك زى الآيات الكريمة قد أقامت ألوانا من الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته وعلى أن البعث حق، وأنه آت لا ريب فيه . ٠٠٠ وبعد هذا العرض البديع لمظاهر قدرة الله - تعالى - فى هذا الكون ، (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٧٥. ٢٢٢ سورة ق ولمظاهر نعمه على خلقه، ساقت السورة الكريمة جانبا من أحوال المكذبين الرسل السابقين، تسلية للرسول - صلى الله عليه وسلم. عما أصابه من قومه، فقال - تعالى - : ((كذَّبتْ قبلَهُمْ قوم نوحٍ وَأَصماَبُ الرَّسِّ وثمودُ (١٢) وعادٌ وَفِرْعَونُ وإنْوانُ لوطٍ (١٣) وأصحابُ الْأَيَكَةِ وقَومُ تُبْعِ كُلِّ كَذَّبَ الرُّسَلَ فْقَّ وَعيدٍ (١٤) أَفْعَيِينَ بالْخَلقِ الأوّلِ، بِلْ مُ فِى لَبْسٍ من خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥))). أى: لاتحزن - أيها الرسول الكريم - لما أصابك من أذى من هؤلاء المشركين الجاحدين المكذبين. فقد سبقهم إلى هذا التكذيب والكفر والجحود ((قوم أو ح)) - عليه السلام -، فإنهم قد قالوا فى حقه إنه مجنون ، كما حكىعنهم ذلك فى قوله - تعالى -: « كذبت قبلهم قوم نوح، فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر،. وقوله: ((وأصحاب الرس، معطوف على ماقبله . والرس فى لغة العرب: البتر التى لم قبن يعد بالحجارة، وقيل: هى البتر مطلقا. والمفسبرين فى حقيقة أصحاب الرس أقوال : فمنهم من قال إنهم من بقايا قبيلة ثمود، بعث الله إليهم واحدا من أنبيائه، فكذبوه ورسوه فى تلك البرّ، أى: ألقوا به فيها فأهلكهم - سبحانه - بسبب ذلك. وقيل: هم الذين قتلوا حبيبا النجار عندما جاءهم بدءوهم إلى الدين الحق، وكانت تلك البئر بأنطاكية، وبعد قتلهم له ألقوه فيها. وقيل: هم قوم شعيب - عليه السلام - ... واختار ابن جرير - رحمه الله - أن أصحاب الرس هم أصحاب الأخدود، الذين جاء الحديث عنهم فى سورة البروج . والمراد بعمود: قوم صالح - عليه السلام - الذين كدبود فأهلكهم الله تعالى. ٢٢٣ الجزء السادس والعشرون والمراد بعاد: قوم هود - عليه السلام - الذين اغتروا بقوتهم، وكذبوا غبيهم، فأخذهم - سبحانه - أخذ عزيز مقتدر . ((وفرعون)، هو الذى أرسل الله إليه موسى -عليه السلام -، فكذ به وقال لقومه « أنا ربكم الأعلى فأخذه الله نكال الآخرة والأولى). (( وإخوان لوط، هم قومه الذين أتوا بفاحشة لم يسبقوا إليها . قالوا: ووصفهم الله - تعالى - بأنهم إخوانه ، لأنه كانت تربطه بهم رابطة المصاهرة حيث إن أمرأقه - عليه السلام - كانت منهم . (( وأصحاب الأيكة، هم قوم شعيب - عليه السلام -، كما قال - تعالى -: ( كذب أصحاب الأيكة المرسلين. إذ قال لهم شعيب ألا تتقون ... )(١). والأيكة: اسم لمنطقة كانت مليئة بالأشجار، ومكانها - فى الغالب - بين الحجاز وفلسطين حول خليج العقبة : ولعلها المنطقة التى تسمى بمعان . وكان قوم شعيب يعبدون الأوثان، ويطففون فى المكيال، فنهاهم شعيب عن ذلك ، ولكنهم كذبوه فأهلكهم الله - تعالى -. ، وقوم تبع)) وهو تقبع الحميرى اليمانى، وكان مؤمنا وقومه كفار، قالوا: وكان أسمه سعد أبو كرب. وقد أشار القرآن إلى قصتهم فى آيات أخرى منها قوله - تعالى -: ((أهم خير أم قوم تبع ... )) (٢). والتنوين فى قوله - تعالى - ((كل كذب الرسل ٠٠٠)) عوض عن المضاف إليه. أى: كل قوم من هؤلاء الأقوام السابقين كذبوا رسولهم الذى جاءهدا يتهم. وقوله: (( حق وعيد، بيان لما حل بهم بسبب تكذيهم لرسلهم. أى: كل واحد من هؤلاء الأقوام كذبوا رسولهم ، فكانت نتيجة ذلك أن وجب ونزل بهم وعيدى، وهو العذاب الدی توعدتهم به، كما قال - سبحانه -: فكلا (١) سورة الشعراء الآية ١٧٦ وما بعاها. (٢) سورة الدخان الآية ٣٧ ٢٢٤ سورة ب أخذنا بذنبه، فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا، ومنهم من أخذته الصيحة، ومنهم من خفنا به الأرض، ومنهم من أغرقنا ، وما كان الله ليظلهم، ولكن کانوا أنفسهم يظلون» . . قال إن كثير: قوله: ((كل كذب الرسل ... ، أى: كل من هذه الأمم، وهؤلاء القرون كذب رسوله ، ومن كذب رسولا فكأ بما كذب جميع الرسل . . لحق وعيد، أى: حنى عليهم ما أو عدهم الله - تعالى - على التكذيب من . المذاء والنكال، فليحذر المخاطبون أن يصيبهم ما أصابهم، فإنهم قد كذبوا رسولهم كما كدب أولئك،(١). وبعد هذا العرض لمصارع المكذبين، عادت السورة إلىتقرير الحقيقة التى كفر بها الجاهلون والجاحدون، وهى أن البعث حق، فقال -تعالى -: « أفعيينا بالخلق الأول بل هم فى لبس من خلق جديد) والاستفهام للافكار والنفى، وقوله (عيدنا) من العى بمعنى العجز. يقال: تحيى فلان بهذا الشىء، إذا عجز عنه، وانقطعت حيلته فيه. ولم يهتد إلى طريقة توصله إلى مقصوده منه. واللبس: الخلط يقال: ليس على فلان الأمر - من باب ضرب - إذا اشتبه واختلط عليه، ولم يستطع التمييز بين ماهو صواب وماهو خطأ. : أى: أفعجزت قدرتنا عن خلق هؤلاء الكافرين وإيجادهم من العدم، حتى يتوهموا أننا عاجزون عن إعادتهم إلى الحياة بعد موتهم؟ كلا إننا لم نعجز عن شىء من ذلك، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء، ولكن هؤلاء الكافرين لا نطماس بصائرهم، واستيلاء الشيطان عليهم، قد صاروا. فى لبس وخلط من أمرهم ، بدليل أنهم يقرون بأننا نحن الذين خلقناهم ولم يكونوا شيئا مذكورا، ومع ذلك فهم ينكرون قدرتنا على ( الخلق الجديد) أى : على إعادتهم إلى الحياة الدنيا مرة أخرى بعد موتهم. (١) تفسير ابن كثير - ٧ ص ٢٧٥