Indexed OCR Text

Pages 381-400

ـئِ اللَّهِ الشَ التُّ
بي
=
مقدمة و تمهيد
١ - سورة ((الحجرات)) من السور المدنية الخالصة، وعدد آياتها ثمانى
عشرة آية، وكان نزولها بعد سورة , المجادلة)).
٢- والذى يتدبر هذه السورة الكريمة، يراها قد اشتملت على أسمى
الآداب، وأبلغ العظات، وأحكم الهدايات، فهى تبدأ بنداء للمؤمنين ، تعلمهم
فيه ما يجب عليهم نحو خالقهم - سبحانه -، ونحو نبيهم - صلى الله عليه وسلم -
من أدب ...
قال - تعالى ـ ((يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله ورسوله، وانقوا
الله إن الله سميع عليم . يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت
التى ، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض، أن تحبط أعمالكم وأنتم
لا تشعرون .....
٣ - ثم وجهت إليهم نداء ثالثا أمرتهم من خلاله بالتثبت من صحة
الأخبار التى تصلى إلى مسامعهم، وبينت لهم جانبا من مظاهر فضل الله عليهم.
قال - تعالى -: (( يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتينوا، أن
تصيبوا قوما بجهالة، فتصبحوا على مافعلتم نادمين . واعلموا أن فيكم رسول
انه لو يعطيكم فى كثير من الأمر لعنتم، ولكن الله حبب إليكم الإيمان،
وزينه فى قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ، أولتكم
الراشدون . فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم)).
٤ - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عما يجب على المؤمنين
نجو إخوانهم فى العقيدة، إذا مادب بينهم نزاع أو قتال، فأمرت بالإصلاح
بينهم، وبمقالة الفئة الباغية إذا ما أبت الصلح، وأصرت على بغيها ..

- ١٦٦ -
قال - سبحانه -: ((وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما.
فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبغى حتى تفىء إلى أمر الله ، فإن
قامت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، إن الله يحب المقسطين. إنما
المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم، واتقوا الله لعلكم ترحمون)).
٥ - ثم وجهت بعد ذلك إلى المؤمنين نداء رابعا نهتهم فيه عن أن يسخر.
بعضهم من بعض ، أو أن يلمز بعضهم بعضا ..
وفداء خامسا أمرتهم فيه باجتناب الظن السىء بالغير ، دون أن يكون
هناك مبرر لذلك ، ونهتهم عن التجسس وعن الغيبة ..
قال - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا
خيرا منهم، ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن، ولا تلمزوا أنفسكم،
ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان ، ومن لم يتب فأولئك
هم الظالمون . يأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن. إن بعض الظن إثم.
ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضا، أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا
فكرهتموه، واتقوا الله إن الله تواب رحيم)).
٦ - وبعد هذه النداءات المتكررة للمؤمنين، وجهت نداء إلى الناس
جميعا ، بينت لهم فيه أنهم جميعا قد خلقوا من ذكر وأنثى، وأن أكرمهم عند
الله هو أتقاهم وأخشام لله - تعالى -...
ثم ردت على الأعراب الذين قالوا آمنا دون أن يستقر الإيمان فى قلوبهم
ووضحت صفات المؤمنين الصادقين، وأمرت كل مؤمن أن يشكر الله تعالى ..
على نعمة الإيمان.
قال - سبحانه - :«يمنون عليك أن أسلموا، قل لا تمنوا على إسلامكم،
بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين . إن الله يعلم غيب.
السموات والأرض، والقه بصير بما تعملون)).

- ١٦٧ -
٧ - وهكذا نجد السورة الكريمة قد رسمت للمؤمنين طريق الحياة
السعيدة، حيث عرفتهم بما يجب عليهم نحو خالقهم - سبحانه -، وبما يجب
عليهم نحو نبيهم - صلى الله عليه وسلم - وبما يجب عليهم نحو أنفسهم، وبما
يجب عليهم نحو إخوانهم فى العقيدة، وبما يجب عليهم نحو أفراد المجتمع
الإسلامى بصفة عامة ...
وقد وضحت لهم كل ذلك بأسلوب بليغ مؤثر ، من شأنه أن يغرس فى
النفوس الخشوع والطاعة لله رب العالمين .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟
كتبه الراجي عفو ربه
محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر
١٤٠٦/٦/١٩ه
١٩٨٥/١٢/٣١ م

١٦٨
سورة الحجرات
التفسير
قال الله - تعالى -: ((بأيُّها الذينَ آمنُوا لا تُقَدِّمُوا بينَ بَدِى
اللّه وَرَسُولِه، وَاتَّقُوا اللهَ إنَّ الله سميعٌ عَلِيمٌ (١) بأيُها الذِينَ آمَنُوا
لا تَرْفَعُوا أصواتُكُمْ فَوقَ صوتِ النِّ، ولا تَجْهِرُ وا لَهُ بالقَولِ كجهرٍ
يَضُكُمْ لِبَعَضٍ ، أَنْ تَحَبَطِ أَعْمالِكُمْ وأنتُمْ لا تَشْعُرونَ (٢) إِنَّ الذينَ
يُضُونَ أُمْواتهم عندَ رسُولِ اللهِ، أُولَئِكَ الذينَ امْتَحنَ اللهُ قلوَ م
لِتَّقْوى، لَهُم مَغِفِرةٌ وأَجْرٌ عَظيمٌ (٣) إنّ الذينَ ينَدُونَكَ من ورَاء
الْجُراتِ أكثَرَمٌ لا يَعْقِلُونَ (٤) ولو أنَّهِم سَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إلَيهم
لكانَ خَيراً لَهُم، واللهُ غفورٌ رَحِيمٌ (٥))).
افتتحت سورة ((الحجرات)) بهذا النداء المحبب إلى القلوب، ألا وهو
الوصف بالإيمان، الذى من شأن المتصفين به، أن يمتثلوا لما يأمرهم الله -تعالى-
به، ويحتنبوا ماينهاهم عنه .
أفتحت بقوله - تعالى - ,يأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدى الله
ورسوله ٠٠.،.
وقوله (( تقدموا، مضارع قتّدم اللازم بمعنى تقدم، ومنه مقدمة الجيش
ومقدمة الكتاب - بكر الدال فيهما وهو اسم فاعل فيهما بمعنى تقدم.
ويصح أن يكون مضارع قدّم المتعدى، تقول، قدمت فلانا على فلان ،
إذا جعلته متقدما عليه، وحذف المفعول لقصد التعميم .
وقوله: (( بين يدى الله ورسوله، تشبيه لمن يتعجل فى إصدار حكم من
أحكام الدين بغير استناد إلى حكم الله ورسوله ، بحالة من يتقدم بين

١٦٩
الجزء السادس والعشرون
يدى سبده أو رئيمه، بأن يسير أمامه فى الطريق، أو على يمينه أو شماله ...
وحقيقة الجلوس بين يدى الشخص : أن يجلس بين الجهتين المقابلتين ليمينه
أو شماله قريبا منه أو أمامه ..
قال الجمل: قوله: ((بين يدى الله ورسوله)) جرت هذه العبارة هنا على سنن
من المجاز، وهو الذى يسميه أهل البيان تمثيلا، أى: استعارة تمثيلية ، شبه
تعجل الصحابة فى إقدامهم على قطع الحكم فى أمر من أمور الدين، بغير إذن
الله ورسوله، بحالة من تقدم بين يدى متبوعة، إذا سار فى طريق ، فإنه فى
العادة مستهجن ... والغرض تصوير كمال الهجمة، ونقبيع قطع الحكم بغير إذن
اله ورسوله ..
أو المراد : بين يدى رسول الله، وذكر لفظ الجلالة على سبيل التعظيم
للرسول - صلى الله عليه وسلم - وإشعار بأنه من الله بمكان يوجب
إجلاله .. ،(١)
والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان: احذروا أن تتسرعوا
فى الأحكام ، فتقولوا قولا، أو تفعلوا فعلا يتعلق بأمردينى، دون أن تسفندوا
فى ذلك إلى حكم الله - تعالى - وحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم -
((واتقوا الله)) - تعالى فى كل ما تأتون وتذرون، « إن الله سميع)
لأقوالكم، عليم، بجميع أحوالكم ..
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآبة: هذه آداب أدب الله - تعالى-
بها عباده المؤمنين، فيما يعاملون به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من التوفير
والاحترام والتبجيل والإعظام، فقال: « بأيها الذين آمنوا لا تقدموا بين دى
الله ورسوله .. )).
أى: لا تسرعوا فى الأشياء بين يديه، أى: قبله ، بل كونوا تبعا له فى
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٤ ص ١٧٤

١٧٠
سورة الحجرات
جميع الأمور، حتى يدخل فى عموم هذا الأدب الشرعى ، حديث معاذ، إذ
قال له النبى - صلى الله عليه وسلم - حين بعثه إلى اليمن: ((بم تحكم، ؟
قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد ؟ قال فيسنة رسول الله . قال فإن لم تجد؟
قال : أجتهد رأيي ..
فالغرض منه أنه أخر رأيه ونظره واجتهاده، إلى ما بعد الكتاب والسنة
ولو قدمه قبل البحث عنهما لكان من باب التقديم بين يدى الله ورسوله .. ، (١)
وقال الإمام القرطبى ما ملخصه: قوله: (( لا تقدموا بين يدى اللهورسوله،
أى : لا تقدموا قولا ولا فعلا بين يدى الله . وقول رسوله وفعله ، فيما سبيله
أن تأخذوه عنه من أمر الدين والدنيا .. واختلف فى سبب نزول هذه الآية
على ستة أقوال منها :
• ذكره الواحدى من حديث ابن جريج قال: حدثنى ابن أبي مليكة
أن عبد الله بن الزبير أخبره أنه قدم ركب من بني تميم على رسول الله - فقال:
أبو بكر - يا رسول الله -: أُصِّر عليهم القعقاع بن معبد. وقال عمر .
يا رسول الله - أمر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا
خلافى وقال عمر ما أردت خلافك ، فتماديا حتى ارتفعت أصواتهما فنزات
هذه الآية ..
وقال قتادة: إن ناما كانوا يقولون: لو أنزل فىّ كذا ، فنزلت
هذه الآية ..
٠
وقال الحسن : نزلت فى قوم ذبحوا أضحيتهم قبل أن يصلى النبى - صلى
الله عليه وسلم - فأمرهم أن يعيدوا الذبح .. ، (٢)
وعلى أية حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب ، والمقصود من
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٠٢٤٥
(٢) راجع تفسير القرطبى «١٦ ص ٢٠٠

١٧١
الجزء السادس والعشرون
الآية الكريمة نهى المؤمنين فى كل زمان ومكان عن أن يقولوا قولا أو يفعلوا
فعلا يتعلق بأمر شرعى ، دون أن يعودوا فيه إلى حكم الله ورسوله .
ثم وجه - سبحانه - بداء ثانيا إلى المؤمنين، أكد فيه وجوب إحترامهم
الرسول - صلى الله عليه وسلم - فقال: « يأيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم
فوق صوت النبى ، ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض ....
قال الآلوسي : هذه الآية شروع فى النهى عن التجاوز فى كيفية القول.
عند النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد النهى عن التجاوز فى نفس القول
والفعل . وإعادة النداء مع قرب العهد به ، للمبالغة فى الإيقاظ والتنبيه،
والإشعار باستقلال كل من الكلامين باستدعاء الإعتناء بشأنه ... (١).
أى: يامن آمنتم بالله واليوم الآخر ... واظبوا على توقيركم واحترامكم
الرسولكم - صلى الله عليه وسلم -، ولا ترفعوا أصواتكم فوق صوته عند
مخاطبتكم له، ولا تجعلوا أصواتكم مساوية لصوته - صلى الله عليه وسلم -
حين الكلام معه، ولا تنادوه باسمه مجردا بأن تقولوا له يا محمد، ولكن قولوا له:
یارسول الله . أو یافی الله.
والمكاف فى قوله: «كجهر بعضكم لبعض، فى محل نصب على أنها نعت.
لمصدر محذوف: أى: ولا تجهروا له بالقول جهرا مثل جهر بعضكم لبعض.
قال القرطبى : وفى هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقا، حتى
لايسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص
مقيد بصفته ، أعنى الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو
الخلو من مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرقب وإن.
جلت عن رتبتها ، (٢).
(١) تفسير الآلومى = ٢٦ ص ٠١٣٤
(٢) تفسير القرطبى = ١٦ ص ٣٠٦

١٧٢
سورة الحجرات
وقوله - سبحانه -: (( أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون)) بيان لما
يترقب على رفع الصوت عند مخاطبته - صلى الله عليه وسلم - من خسران.
والجملة تعليل لما قبلها، وهى فى محل على أنها مفعول لأجله. أى: نهاكم
القه - تعبالى - عن رفع أصواتكمفوق صوت الذى وعن أن تجهروا له
بالقول كجهر بعضكم لبعض، كراهة أو خشية أن يبطل نواب أعمالكم
بسبب ذلك ، وأنتم لا تشعرون بهذا البطلان.
قال ابن كثير: وقوله: (( أن تحبط أعمالكم وأنتم لانشعرون، أى: إنما
فهيتاكم عن رفع الصوت عنده - صلى الله عليه وسلم - خشية أن يغضب من
ذلك، فيغضب الله لغضبه، فيحبط اللّه عمل من أغضبه وهو لا يدرى ...
وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره ، كما كان يكره فىحياته ، لأنه
محترم خیا وفی قبره ،(١) .
ولقد امتثل الصحابة لهذه الإرشادات إمتثالا تاما ، فهذا أبو بكر يروى
عنه أنه لما نزلت هذه الآية قال: يارسول الله، واقه لا أكلك إلا كاخى
السرار - كالذى يتكلم هما ..
وهذا ثابت بن قيس، كان رفيع الصوت , فلمانزلت هذه الآية قال: أنا
الذى كنت أرفع صوتى على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا من أهل
النار. حبط عملى، وجلس فى أهل بيته حزينا ... فلما بلغ النبى - صلى الله
عليه وسلم - ما قاله ثابت، قال لأصحابه: ((لا. بل هو من أهل الجنة)(٢).
قال بعض العلماء: وما تضمنته هذه الآية من أزوم أو قير النبى - صلى الله
عليه وسلم - جاء مبينا فى آيات أخرى، منها قوله تعالى -: (لا تجعلوا دماء
الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا ..
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٣٤٨
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ص ٣٤٧ والقرطى = ١٦ ص ٣٠٤

١٧٣
الجزء السادس والمشرون
وقد دلت آيات من كتاب الله على أن الله - تعالى - لم يخاطبه فى كتابه
بإسمه، وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم كقوله - سبحانه -: ((يأيها النبى.
يأيها الرسول . يأيها المدير ...
مع أنه - سبحانه - قد نادى غيره من الأنبياء بأسمائهم، كقوله - تعالى -:
, وقلنا يا آدم ... ،.
وقوله - عز وجل -: « وناديناء أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا ... »
أما النبى - صلى الله عليه وسلم - فلم يذكر اسمه فى القرآن فى خطاب،
وإنما ذكر فى غير ذلك، كقوله - تعالى - , وما محمد إلا رسول قد خلت من
من قبله الرسل ... ،(١)
ثم مدح - سبحانه - الذين يغضون أصواتهم فى حضرة الرسول - صلى الله
عليه وسلم - فقال: (( إن الذين ينعضون أصواتهم عند رسول الله، أولئك
الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ....
وقوله: )، يغضون)) بمعنى يخفضون. يقال : غض فلان من صوته ومن
طرفه إذا خفضه . وكل شىء كففته عن غيره فقد غضضته.
وقوله: ((امتحن)، أى: اختبر وأخاص، وأصله من امتحان الذهب وإذا بته
ليخلص جيده من خبيثه . والمرادبه هنا: إخلاص القلوب لمراقبة اله وتقواه .
أى: إن الذين يخفضون أصواتهم فى حضرة رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - وعند مخاطبتهم له. أولئك الذين يفعلون ذلك، هم الذين أخلص الله
- تعالى - فلوبهم التقواه وطاعته، وجعلها خالصة من أى شىء سوى هذه الخشية
والطاعة .
قال صاحب الكشاف: ((امتحن الله قلوبهم للتقوى)، من قولك: امتحن
فلان لأمر كذا وجرب له ، ودوب للنهوض به ، فهو مضطلع به غير وان عنه
والمعنى: أنهم صبروا على التقوى، أقوياء على احتمال مشاقها .
(١) تفسير أضواء البيان =٧ ص ٦١٦ للشيخ الشنقيطى

١٧٤
سورة الحجرات
أو وضع الإمتحان موضع المعرفة، لأن تحقق الشيء باختباره، كما يوضع
الخبر موضعها، فمكانه قيل: عرف الله قلوبهم للتقوى ... ،(١)
وقوله: ((لهم مغفرة وأجر عظيم، بشارة عظيمة من الله - تعالى -
لهم . أى: لهؤلاء الغاضين أصواتهم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
مغفرة الذنوبهم، وأجر كبير لا يعرف مقداره أحد سوى الله - تعالى -
ولقد التزم المسلمون بهذا الأدب فى حياة التى - صلى الله عليه وسلم -
وبعد مماته، بقد سمع عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - رجلا يرفع صوته
فى المسجد النبوى ، فقال له: من أين أنت - أيها الرجل -؟ فقال من الطائف
فقال له لو كنت من أهل المدينة لأوجعتك ضربا.
ثم أشار - سبحانه - إلى ما فعله بعض الناس من رفع أصواتهم عند ندائهم
للنبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: (( إن الذين ينادونك من وراء الحجرات،
أكثرهم لايعقلون . ولو أنهم صبروا حتى تخرج اليهم لكان خيرالهم، والله
غفور رحيم ،
وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين أن جماعة من بني تميم أتوا إلى
المدينة فى عام الوفود فى السنة التاسعة ، فوقفوا بالقرب من منزل النبى - صلى
الله عليه وسلم - فى ساعة القيلولة وأخذوا يقولون: يا محمد أخرج الينا ...
فكره النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم ذلك.
والمراد بالحجرات: حجرات نسائه - صلى الله عليه وسلم -، جمع حجرة
وهى القطعة من الأرض المحجورة، أى: المحددة بحدود لا يجوز تخطيها، ويمنع
الدخول فيها إلا بإذن .
أى: إن الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - «من وراء الحجرات))
(١) تفسير الكتاف ج ٤ ص ٢٥٥

١٧٥
الجزء السادس والعشرون
أى: خلف حجرات أزواجك وخارجها , أكثرهم لا يجرون على ما تقتضيه
العقول السليمة، والآداب القويمة. من مراعاة الاحترام والتوقير لمن يخاطبونه
من الناس ، فضلا عن أفضلهم . وأشرفهم، وذلك لأنهم من الأعراب الذين
لم يحسنوا مخاطبة الناس، لجفاتهم وغلظ طباعهم.
وقال - سبحانه - ((أكثرهم، للإشعار بأن قلة منهم لم تشارك هذه الكثرة
فى هذا النداء الخارح عن حدود الأدب واللياقة .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: وورود الآيه على النمط الذى وردت
عليه، فيه مالا يخفى على الناظر من إكبار للغبى - صلى الله عليه وسلم -
وإجلال لمقامه .
ومن ذلك مجيئها على النظم المسجل على الصائحين به السفه والجهل بسبب
ما أقدموا عليه .
ومن ذلك التعبير بلفظ الحجرات وإيقاعها كناية عن موضع خلوته ومقيله
مع بعض نسائه، والمرور على لفظها بالإنتصار على القدر الذى يظهر به موضع
الاستنكار عليهم .
ومن ذلك: شفع ذمهم باستجفائهم وإستر كاك مقولهم، وقلة ضبطهم
لمواضع التميز فى المخاطبات، تهوبنا للخطب، وتسلية له - صلى الله عليه
ومسلم .. .. (١)
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى السلوك الأفضل فقال - تعالى -: ((ولو أنهم
صبروا حتى تخرج اليهم لكان خيرا لهم ... ))
أى: ولو أن هؤلاء الذين ينادونك - أيها الرسول الكريم - من وراء
الحجرات)، صبروا عليك حتى تخرج اليهم. ولم يتعجلوا بندائك بتلك الصورة
(١) تفسیر الکشاف = ٤ ص ٣٥٨

١٧٦
سورة البرب
الخالية من الأدب، لمكان صبرهم خير الهم ((واقه، - تعالى - ((غفوررحيم)،
أي: واسع المغفرة والرحمة .
قال صاحب الكشاف: يحكى عن أبى عبيد - العالم الزاهد الثقة - أنه قال:
ما دققت باب عالم قط ، حتى يخرج فى وقت خروجه ،
وقوله: « أنهم صبرواء فى موضع رفع على الفاعلية ، لأن المعنى: ولو
ثبت مبرهم ...
فإن قلت: هل من فرق بين قوله: حتى تخرج ، وإلى أن تخرج؟
قلت: إن ((حتى) مختصة بالغاية المضروبة. تقول: أكلت السمكة حتى
رأسها، ولو قلت: حتى نصفها، أو صدرها، لم يجز، و((إلى)، عامة فى كل
غاية، فقد أفادت (( حتى، بوضعها: أن خروج رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - اليهم غاية قد ضربت الصبرهم ، فمما كان لهم أن يقطعوا أمرا دون
الإنتهاء اليه .
فإن قلت: فأى فائدة فى قوله (( إليهم))؟ قلت: فيه أنه لوخرج ولم يكن
خروجه إليهم ولا جلهم ، الزمهم أن يصبروا إلى أن يعلموا أن خروجه
إليهم ... ، (١)
هذا والمتدبر فى هذه الآيات الكريمة، يراها قمد رسمت للمؤمنين أسمى
ألوان الأدب فى مخاطبتهم لرسول الله .. صلى الله عليه وسلم -، وفى إلزامهم
بألا يقولوا قولا أو يفعلوا فعلا، يتعلق بشأن من شئون دينهم إلا بعد
معرفتهم بأن هذا القول أو الفعل يستند إلى حكم شرعى، شرعه الله .. تعالى ..
ورسوله - صلى الله عليه وسلم -
كما أنه يراها قد مدحت الذين يغضون أصواتهم عند رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -، وذمت الذين لا يلتزمون هذا الأدب عند مخاطبته أو نداته.
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٣٥٩

١٧٧
الجزء السادس والعشرون
ثم وجهت السورة نداء ثالثا إلى المؤمنين أمرتهم فيه بالتثبت من صحة
الأخبار التى تصل إليهم . وأرشدتهم إلى مظاهر فضل الله - تعالى - عليهم
لكى يواظبوا على شكره، فقال - تعالى -.
((يأيُّها الذينَ آمنُوا إنْ جاءَكُمْ فَاسِقٌ بِغٍَ فَتَبيَّنُوا، أنْ تُصِيبُوا
قوماً بجهالةٍ، فَتَصبِحُوا على ما فَتُمْ نَدِمِينَ (٦) واعلَمُوا أنَّ فِيِكُم
رَسُولَ الهِ لو يُطِعُكُم فى كَثِيرٍ مِن الأمْرِ لَنْم، ولكنَّ اللّهَ حَبَّبَ
إليكُ الإيمانَ، وزَيْتُهُ فى قُلُوبُكُم، وَكَرَّهَ إليكُم السُكُفْرَ وَالْفُسوقَ
والمِصْيَانَ، أولئِكَ هُ الرَّاشِدُوزَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللهِ ونِمةً، واللهُ
عليمٌ حَكيمٌ (٨))).
ذكر المفسرون فی سبب نزول هذه الآيات روايات منها ماروى عن ابن
عباس قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم - قد بعث الوليد بن عقبة
إلى بني المصطلق ليأخذ منهم الصدقات، وإنهم لما أقام الخبر، فرحواوخرجوا
يتلقون رسول -سول الله صلى الله عليه وسلم ....
فرجع الوليد - ظنا منه أنهم يريدون قتله - فقال يارسول: إن بنى
المصطلق قد منعوا الصدقة. فغضب رسول الله - صلى الله عليه وسلم من ذلك
غضبا شديدا، فبينما هو يحدث نفسه أن يغزوم إذ أتاه الوفد فقالوا: يارسول
الله، إذا بلغنا أن رسولك رجع من نصف الطريق، وإنا خشينا أن مارده
كتاب جاء منك لغضب غضبته علينا، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب
رسوله .... فأنزل الله - تعالى - الآية»(١) .
(١) راجع تفسير ابن كثير - ٧ ص ٢٠٠
(١٢ - سورة الحجرات)

١٧٨
سورة الحجرات
والفاسق : هو الخارج عن الحدود الشرعية التى يجب التزامها ، مأخوذ
من قولهم . فسقت الرطبة, إذا خرجت عن قشرتها، وسمى بذلك لانسلاحه
عن الخير والرشد .
وقرأ الجمهور: ((فتبينوا)، وقرأ حمزة والكسائى، فتثبتوا، ومعناهما
واحد، إذهما بمعنى التأنى وعدم التعجل فى الأمورحتى تظهر الحقيقة فيما أخبر
به الفاسق .
أى: يا من آمنتم بالله حق الإيمان، إن جاءكم فاسق بخبر من الأخبار،
ولا سما الأخبار الهامة ، فلا تقبلوه بدون تبين أو تثبت ، بل تأكدواوتيقنوا
من صحته قبل قبوله منه ...
والتعبير, إن، المفيدة للشك، للإشعار بأن الغالب فى المؤمن أن يكون
يقظا، يعرف مداخل الأمور ، وما يترتب عليها من نتائج ، ويحكم عقله فيما
يسمع من أنباء، فلا يصدق خبر الفاسق إلا بعد التثبت من صحته .
قال صاحب الكشاف : وفى تفكير الفاسق والنبأ : شياع فى الفساق
والأنباء، كأنه قال : أى فاسق جاءكم بأى نبأ فتوقفوا فيه ، وتطلبوا بيان
الأمر ، وانكشاف الحقيقة ولا تعتمدوا على قول الفاسق، لأن من لا يتحامى
جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذى هو نوع منه ... ، (١).
وقال القرطبى: وفى الآية دليل على قبول خبر الواحد إذا كان عدلا ،
لأنه إنما أمر فيها بالتثبت عند نقل خبر الفاسق. ومن ثبت فقه بطل
قوله فى الأخبار إجماعا، لأن الخبر أمانة والفسق قرينة يبطلها ... ،(٢) . .
وقوله: ((أن تصيبوا قوما بجهالة ... )، تعليل للأمر بالتبين، بتقدير لام
(١) تفسير الكفاف ج ٤ ص ٣٦٠
(٢) راجع تفسير القرطبي ج ٦. ص ٣١٢

١٧٩
الجزء السادس والعشرون
التعليل ، أو بتقدير ماهو بمعنى المفعول لأجله. والجهالة بمعنى الجهل
بحقيقة الشىء .
أى تثبتوا - أيها المؤمنون - من صحبة خبر للفاسق، لئلا تصيبوا قوما
بما يؤذيهم، والحال أنكم تجهلون حقيقة أمرهم ، أو خشية أن تصيبوا قوما
بجهالة، لظنكم أن النبأ الذى جاء به الفاسق حقا .
وقوله: فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ، بيان للنتائج السيئة التى تترتب على
تصديق خبر الفاسق. و((تصبحوا)، بمعنى تصيروا. والندم: غم يلحق
الإنسان لأمور وقعت منه ، ثم صار يتمنى بعد فوات الأوان عدم
وقوعها .
أى: فتصيروا على مافعلتم مع هؤلاء القوم نادمين ندما شديدا، بسبب
تصديقكم لخبر الفاسق بدون تبين أو تثبت .
فالآية الكريمة ترشد المؤمنين فى زمان ومكان إلى كيفية استقبال الأخبار
فالآية الكريمة ترشد المؤمنين فى كل زمان ومكان إلى كيفية استقبال الأخبار
استقبالا سليما، وإلى كيفية التصرف معها تصرفا حكيما ، فتأمرهم بضرورة
التثبت من صحة مصدرها، حتى لا يصاب قوم بما يؤذيهم بسبب تصديق الفاسق
فى خبره، بدون تأكد أو تحقق من صحة ما قاله ..
وبهذا التحقق من صحة الأخبار، يعيش المجتمع الإسلامى فى أمان
واطمئنان، وفى بعد عن الندم والتحسر على ماصدر منه من أحكام .
ثم أرشد - سبحانه - المؤمنين إلى جانب من نعمه عليهم، ورحمته بهم
فقال: واعلموا أن فيكم رسول الله، لو يطيعكم فى كثير من الأمر لمنتم»
والعقت: الوقوع فى الأمر الشاق المؤلم. يقال: عنت فلان - بزة فرح -
إذا وقع فى أمر يؤدى إلى ملاكه او تعبه أو إيذائه ...
ويفهم من الآية الكريمة أو بعض المدين مدقوا الوليد بن عقبة،

١٨٠
سورة الحجرات
وأشاروا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يعجل بعقاب بنى المصطلق.
والمراد بطاعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - لهم: أخذه برأيهم،
وتنفيذه لما إيريدونه منه .
والمراد بالكثير من الأمر: الكثير من الأخبار والأحكام التى يريدون
تنفيذها حتى ولو كانت على غير ما تقتضيه المصلحة والحكمة .
أى: واعلموا - أيها المؤمنون - أن فیکم رسول الله - صلی اذ علیه وسلم -.
الذى أرسله - سبحانه - لكى يهديكم إلى الحق وإلى الطريق القويم ... وهو
- عليه الصلاة والسلام - لو يطيعكم فى كثير من الأخبار التى يسمعها منكم،
وفى الأحكام التى تحبون تطبيقها عليكم أو على غيركم ... لو يطيعكم فى كل
ذلك لأصابكم العنت والمشقة، ولنزل بكم ماقد يؤدى إلى هلاككم
وإتلاف أموركم .
قال الألوسى ماملخصه: وقوله: ((واعلموا أن فيكم رسول الله ...
عطف على ماقبله، و((أن، بما فى حيزها ساد مسد مفعولى ((اعلموا، باعتبار
ماقيد به من الحال، وهو قوله: ((لو بطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم)) ..
وتقديم خبر ((أن) للحصر المستقبع زيادة التوبيخ . وصيغة المضارع
للاستمرار .
,فلو، لامتناع استمرار طاعته - عليه الصلاة والسلام - لهم فى كثير
مما يعن لهم من الأمور ..
وفى الكلام إشعار بأنهم زينوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - الإيقاع
بين المصطلق ...
وفى هذا التعبير مبالغات منها: إيثار «لو، ليدل على الفرض والتقدير.
ومنها : مافى العدول إلى المضارع من تصوير ما كانوا عليه، وتهجيته ..
ومنها : مافى التعبير بالعنت من الدلالة على أشد المحذور، فإنه الكسر بعد
الجبر، والرمز الخفى على أنه ليس بأول بادرة منهم ... »(١).
(٠) راجع تفسير الآلوسي = ٢٦ ص ١٤٨.

١٨١
الجزء السادس والعشرون
وقوله - سبحانه - : ((ولكن اقه حبب إليكم الإيمان وزينه فى قلوبكم
وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان .... ، استدراك على ما يقتضيه
الكلام السابق ، وبيان لمظاهر فضله عليهم، ورحمته - سبحانه - بهم.
أى: ولكنه - صلى الله عليه وسلم - لا يطيعكم فى كل ما يعن لكم،
وإنما يقبين الأمور والأخبار ويثبت من صحتها ثم بحكم، وقد حبب الله
- تعالى - إلى كثير منكم الإيمان المصحوب بالعمل الصالح والقول الطيب
وزينه وحسنه فى قلوبكم ، وكره وبغض إليكم الكفر والفسوق والعصيان
لکل ما أمر به أو نهى عنه :
ورحم الله صاحب الكشاف فقد أجاد عند تفسير هذه الآية، فقال
ما ملخصة: قوله : . لو يطيعكم فى كثير من الأمر لعنتم ... ، أى: لوقعتم
فى المنت والهلاك ... وهذا يدل على أن بعض المؤمنين زينوا الرسول
- صلى الله عليه وسلم - الإيقاع ببني المصطلق ... وأن بعضهم كانوا
يتصوفون ويزعهم جدهم فى التقوى عن الجسارة على ذلك ، وهم الذين استثنام
- سبحانه - بقوله: «ولكن الله حيب إليكم الإيمان، أى إلى بعضكم،
ولكنه أغنت عن ذكر البعض : صفتهم المفارقة لصفة غيرهم . وهذا من
إنجازات القرآن، ولمحاته اللطيفة ، الى لا يفطن لها إلا الخواصر ..
فإن قلت: كيف موقع ((ولكن)، وشريطتها مفقودة من مخالفة ما بعدها
لما قبلها نفيا وإثباتا؟
قلت: هى مفقودة من حيث اللفظ، حاصلة من حيث المعنى، لأن الذين
حبب إليهم الإيمان قد غابرت صفتهم صفة المتقدم ذكرهم ، فوقعت لكن فى
موقعها من الاستدرالا ... (١)
(١) راجع تفسير الكشاف = ٤ ص ٣٦٢

١٨٢
سورة الحجرات
وإسم الإشارة فى قوله: (( أولئك هم الراشدون)) يعود إلى المؤمنين
الصادقين، الذين حبب الله مالى - إليهم الإيمان وزينه فى قلوبهم.
أى : أولئك المتصفون بتلك الصفات الجليلة، هم الثابتون على دينهم،
المهتدون إلى طريق الرشد والصواب، إذ الرشد هو الاستقامة على طريق
الحق، مع الثبات عليه، والتصلب فيه، والتمسك به فى كل الأحوال.
وقوله - سبحانه -: ((((فضلا من الله ونعمة ... )، تعليل لما منَّ به
- سبحابه - عليهم من تزيين الإيمان فى قلوبهم.
أى: فعل ما فعل من تحبيب الايمان اليكم، ومن تبغيض الكفر إلى
قلوبكم ، لأجل فضله عليكم، ورحمته بكم ، وإنعامه عليكم بالنعم الى
لا غمى ...
((والله)، - تعالى-,عليم، بكل شىء, حكيم، فى كل أفعاله وأقواله
و تصرفاته .
وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد رسمت للمؤمنين أحكم الطرق فى تلقى
الأخبار ، وأرشعتهم إلى مظاهر فضله عليهم، لكى يستمروا على شكريم له
وطاعتهم لرسوله .
ثم انتقلت السورة إلى دائرة أوسع وأرحب فدعت المؤمنين إلى التدخل
بين الطوائف المتنازعة لعقد المصالحة بينها، وإلى قتال الفئة الباغية حتى ترجع
إِلی حکم الله - تعالی۔۔ فقال - سبحانه -:
(وإِنْ طِفِتَنِ مِنَ المؤمنينَ اقْتَتُلُوا فأصلِحُوا بَيْنَهُما، فإنْ بَغَتْ
إحداهما على الأخرى فقاَتِلُوا التى تَبْنِى حتى تفِىءَ إلى أمْرِ اللهِ. فإنْ
فليتْ فَأَصلِحُوا يَنّهما بالعَدْلِ وَأَفْسِطُوا، إنَّ اللهُ يُحِبُّ الْغَسِطِينَ (٩)

١٨٣
الجزء السادس والعشرون
إِنَّا المُؤْمِنُونَ إِخْوةٌ فَأَصْلِعُوا بِينَ أَخَوِيُّكُمْ وَاتَّقُوا الهَ لَمَلِكُمْ
تُرَّحَمونَ (١٠))).
وقد ذكروا فى سبب نزول هاتين الآيتين روايات منها : ما رواه الامام
أحمد عن أنس قال: قيل للنبى - صلى الله عليه وسلم -: لو أتيت عبد الله بن
ابى؟ فانطلق اليه النبى - صلى الله عليه وسلم- ور كب حمارا، وإنطلق المسلمون
بشئون، وهى أرض سبخة، فلما إنطلق اليه - عليه الصلاة والسلام - قال :
إليكم عنى، فو الله لقد آذانى ريح حمارك . فقال رجل من الأنصار: واقه
لحمار رسول الله أطيب ريحا منك .
قال: فغضب لعبد الله رجال من قومه ,وغضب للأنصارى أصحابه.
قال: فكان بينهم ضرب بالجريد والأيدى ... فبلغنا أنه أنزلت فيهم . وإن
وائفتان المؤمنين ... ألخ الآية، (١)
والخطاب فى الآية لأولى الأمر من المسلمين، والأمر فى قوله: ((فأصلحوا.»
الوجوب ، والطائفة : الجماعة من الناس ..
أى: وإن حدث قتال بين طائفتين من المؤمنين ، فعليكم يا أولى الأمر
من المؤمنين أن تتدخلوا بينهما بالاصلاح ، عن طريق بذل النصح ، وإزالة
أسباب الخلاف .
والتعبير ((إن، الإشعار بأنه لا يصح أن يقع قتال بين المؤمنين، فإن
وقع على سبيل الندرة ، فعلى المسلمين أن يعملوا بكل وسيلة على إزالته .
وجاء (( إقتتلوا، بلفظ الجمع، لأن لفظ الطائفة وأن كان مفردا فى اللفظ
إلا أنه جمع فى المعنى، فروعى فيه المعنى هنا. وروعى فيه اللفظ فى قوله, بينهما،
قالوا. والنكتة فى ذلك أنهم فى حال القتال يكونون مختلطين فلذا جاء
الأسلوب بصيغة الجمع، وفى حال الصلح يكونون متميزين متفرقين فإذا جاء
الأسلوب بصيغة التثنية .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٥٤

١٨٤
سورة الحجرات
ثم بين - سبحانه - حكمه فى حال اعتداء إحداهما على الأخرى فقال:
((فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التى تبعى حتى تنى. الى أمرالله،
والبغى: التعدى وتجاوز الحد والامتناع عن قبول الصلح المؤدى إلى
الصواب .
أى: فإن بغت إحدى الطائفتين على الأخرى ، وتجاوزت حدود العدل
والحق. فقاتلوا - أيها المؤمنون - الفئة الباغية، حتى تفى وترجع إلى حكم
القه - تعالى - وأمره، وحتى تقبل الصلح الذى أمر فاكم بأن تقيموه بينهم.
وقوله: ( فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا، بيان لما يجب على
المؤمنين أن يفعلوه مع الفئة الباغية، إذا ماقبات الصلح ورجعت إلى حكم
الله - تعالى - .
أى: فإن رجعت الفئة الباغية عن بغيها، وقبلت الصلح، وأقلعت عن
القتال، فأصلحوا بين الطائفتين إصلاحا منسما بالعدل التام، وبالقسط الكامل.
وقيد - سبحانه - الإصلاح بالعدل. ثم أكد ذلك بالأمر بالقسط ، حتى
يلتزم الذين يقومون بالصلح بينهما العدالة التى لا يشوبها أى حيف أو جور
على إحدى الطائفتين ...
وقوله: ((إن الله يحب المقسطين، قدييل المقصود به حض المؤمنين على
التقيد بالعدل فى أحكامهم ، لأن الله - تعالى - يحب من يفعل ذلك .
وقوله: (( إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ... ، استئناف
مقرر لمضمون ماقبله من الأمر بوجوب الإصلاح بين المتخاصمين ...
أى: إنما المؤمنون إخوة فى الدين والعقيدة ، فهم يجمعهم أصل واحد
وهو الإيمان، كما يجمع الإخوة أصل واحد وهو النسب، وكما أن أخوة النسب
داعية إلى التواصل والتراحم والتناصر فى جلب الخير، ودفع الشر، فكذلك
الآخرة فى الدين تدعوكم إلى التعاطف والتصالح، وإلى تقوى الله وخشيته،
ومتى تصالحتم واتقيتم الله - تعالى - كنتم أهلالرحمته ومثوبته .