Indexed OCR Text

Pages 361-380

١٤٥
الجزء السادس والعشرون
وقوله - تعالى -: ((ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعدوم أن
تطئوهم فنصيبكم منهم معرة بغير علم ... ، بيان لحكمة الله - تعالى - فى
منع الحرب بين الفريقين .
وجواب ((لولا، محذوف لدلالة الكلام عليه. والمراد بالرجال المؤمنين
وبالنساء المؤمنات : سبع رجال وامر أنان كانوا بمكة .
قال الآلوسي : وكانوا على ما أخرج أبو نعيم بسند جيد وغيره عن أبى
جمعة جنبذ بن سبع - تسعة نفر: سبعة رجال - وهو منهم - وامر أتين .
وجملة ((لم تعلموم)) صفة رجال ونساء على تغليب المذكر على المؤنث.
وقوله (( أن تطأوهم، بدل اشتمال من رجال ونساء. والوطء الدوس؛
والمراد به هنا : الإهلاك .
وقوله: ((معرة)) أى: مكروه وأذى. يقال، عره يعره عرا، إذا أصابه
بمكروه، وأصله من المر وهو الجرب.
والمراد به هنا : تعبير الكفار للمؤمنين بقولهم: لقد قتلتم من ثم على دينكم.
والمعنى ، ولولا كراهة أن تهلكوا - أيها المؤمنون - أناسا مؤمنين
موجودين فى مكة بين كفارها، وأنتم لا تعرفونهم ، فيصيبكم بسبب إهلاكهم
مكروه، لولا كل ذلك لما كف أيديكم عن كفار مكة، بل لسلطكم عليهم
لكى تقتلوم .
واللام فى قوله - سبحانه -: « ليدخل الله فى رحمته من يشاء، متعلقة بما
يدل عليه جواب لولا المقدر .
أى: لولا ذلك لما كف أبديكم عن كفار مكة ، ولكنه - سبحانه - كف
أيديكم عنهم ، ليدخل فى رحمته بسبب هذا الكف من يشاء من عباده، وعلى
رأس هؤلاء العباد، المؤمنون والمؤمنات الذين كانوا فى مكة ، والذين أقتضت
( ٩ - سورة الفتح )

١٤٦
سورة الفتح
رحمته أن يتمم لهم أجورهم بإخراجهم من بين ظهر اني الكفار ، ويفك أسرهم،
ويرفع ما كان ينزل بهم من العذاب ..
كذلك قد شملت رحمته - تعالى - بعض كفار مكة ، الذين تركوا بعد ذلك
الكفر ودخلوا فى الإسلام، كأبى سفيان وغيره من الذين أسلموا بعد فتح
مكة أو بعد صلح الحديبية .
وقوله - سبحانه -: «لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا ألما، تأكيد
لما دل عليه الكلام السابق، من أن حكمته - تعالى - قد اقتضت كف أبدى
المؤمنين عن الكافرين ، رحمة بالمؤمنين الذين يعيشون فى مكة مع هؤلاء
الكافرين .
وقوله ((تزيلوا)) أى: نميزوا. يقال: زلته زيلا، أى: مزته . وزيله
فتنزيل أى: فرقه فتفرق أى: لو تميز هؤلاء المؤمنون والمؤمنات الذين يعيشون
فى مكة عن كفارما وفارقوم وخرجوا منها ، وانعزلوا عنهم ، لمذبنا الذين
كفروا منهم عذابا أليما، قارة عن طريق إهلاكهم، وتارة عن طريق إذلالهم
وأخذهم أسرى . و((من)) فى قوله (( منهم، البيان لا للتبعيض.
ثم بين - سبحانه - ما كان عليه المشركون من جهالات وحماقات استولت
على نفوسهم فقال: (( إذ جعل الذين كفروا فى قلوبهم الحمية حمية الجاهلية)).
والظرف ((إذ) منصوب بفعل مقدر. والحمية: الأنفة والتكبر والغرور
والتعالى بغير حق . يقال حمى أنفه من الشىء - كرضى - إذا غضب منه،
وأعرض عنه .
أى: واذكر - أيها العاقل - وقت أن تمسك الكافرون وقيدوا أنفسهم
بالحمية الباطلة، التى هى حمية المملة الجاهلية، حيث منعوا المسلمين من دخول
مكة ، ومن الطواف بالمسجد الحرام، وحيث منعوا الهدى من أن يبلغ محله ،

١٤٧
الجزء السادس والعشرون
وحيث أبوا أن يكتب فى الصحيفة التى عقدت بينهم وبين المسلمين ، بسم الله
الرحمن الرحيم، أو محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... فهذا كله من
حمبتهم الجاهلية التى لا أساس لها من علم أو خلق أو دين ...
وقوله: ((فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم كلمة
التقوى ... ، معطوف على ما قبله، المقابلة بين حال الفريقين ، مقابلة تتجلى
فيها رعايته - سبحانه - للمؤمنين . وغضبه على الكافرين .
أى: هذا هو حال الكافرين، رسخت الجهالات فى قلوبهم حتى صرفتهم
عن سبيل الرشد، أما حال المؤمنين فإنهم قابلوا تصرفات هؤلاء الكافرين
بالاحتقار والازدراء ومبايعة رسولهم - صلى الله عليه وسلم - على الموت
إذا لزم الأمر ذلك .
فأنزل الله - تعالى - طمأنينته وسكينته على قلب رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - وعلى قلوب أصحابه ، حيث لم يجعلهم يقابلون سفامات المشركين
بسفاهات مثلها ...
, وألزمهم كلمة التقوى، أى: وجعلهم ملتزمين بما تقتضيه كلمة التقوى ،
وهى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول المه ، من أفاة وسكون وثبات
ووقار وخلق کريم وإخلاص فى الجهاد من أجل إعلاء كلمة الله .
(( وكانوا أحق بها وأهلها، أى: وكان المؤمنون أحق بهذه الكلمة من
الكفار ، وكانوا أهلالطا دون الكفار، لأن المؤمنين استجابوا للحق.
أما الكافرون فقد أنفوا منه، وتطاولوا عليه، بمقتضى حمينهم الجاهلية ...
(( وكان)) - سبحانه - وما زال ((بكل شيء عليما)) لا يخفى عليه أمر،
ولايغيب عن علمه شيء. والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يرى لوما من المقابلات
التى تدل على مدح الله - تعالى - للمؤمنير ، وعلى احتقاره للتامر بر .
فقد عبر - سبحانه - فى جانب الكافرين بكلمه جيل الى تشعر بأن

١٤٨
سورة الفتح
الكافرين كأنهم قد ألقوا هذه الحمية الجاهلية فى قلوبهم إلنا. بدون تعقل أو
تدير ، بينما عبر فى جانب المؤمنين بكلمة أنزل التى تشعر كأن السكينة كانت فى
خزائنه - تعالى ثم أنزلها بعد ذلك على قلب رسوله - صلى الله عليه.
وسلم - وعلى قلوب المؤمنين ، ازدادوا إيمانا على إيمانهم.
ونرى الفاعل لجعل هو الذين كفروا، بينما الفاعل لأنزل هو . الله
- عزوجل -
وترى المفعول لجعل هو الحمية ؛ وهى كلمة مشتعلة منفرة ، وقد كررها.
- سبحا 4 - ليزداد العقلاء نفورا منها ... ونرى المفعول لأنزل هو السكينة
وهى كلمة فيها ما فيها من الوقار والسكون والثبات والطمأنينة .
ونرى الحمية قد أضيفت إلى الجاهلية، بينما السكينة أضيفت إلى الله - تعالى-
ونرى أن الله - تعالى - قد أضاف كل ذلك مدحا عظما لعباده المؤمنين
حيث ألزمهم كلمة التقوى، وجعلهم أحق بها وأهلا لها دون أعدائهم الذين.
آثروا الغى على الرشد، والباطل على الحق ... وفى ذلك ما فيه من الثناء على
المؤمنين والتحقير للكافرين .
ثم أكد الله تعالى - صدق ما شاهده النبى .. صلى الله عليه وسلم - فى
رؤياه، وبين الحكمة التى من أجلها أرسله إلى الناس كافة فقال - تعالى -:
(((لَقَدْ صَدَقَ اللهُ رَسُولُهُ الرُّؤْيَاَ بالحقِّ لَتدخلُنَّ المسجدَ الحرام.
إنْ شاء الهُ آمنين مُلَّيْنَّ رَمُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَفُونَ، فَعَلَمَ مالم
تَعَلّموا، لَعَلَ من دُونِ ذلِكَ فتحاً قَرِيباً (٢٧) هوَ الَّذِى أَرْسَل
رَسُولِ إِبِالمُدَى ودِينِ الحَقَّ لِظهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلِّهِ، وَكَفَىإِ
بالله شهيداً (٢٨))).

١٤٩
الجزء السادس والفشرون
قال الآلوسى ما ملخصه: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى
المنام قبل خروجه إلى الحديبية، أنه هو وأصحابه قد دخلوا مكة آمنين، وقد
حلقوا وقصروا، فقص الرؤيا على أصحابه، ففرحوا واستبشروا، وظنوا
أنهم سيدخلونها فى عامهم هذا، وقالوا: إن رؤيا رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - حق. فلما تأخر ذلك قال بعض المنافقين - على سبيل التشكيك
والاعتراض -، واله ما حلقنا ولا قصرنا، ولا رأينا المسجد الحرام ،
قولت هذه الآية .
وقد روى عن عمر - رضى الله عنه - أنه قال نحو ذلك - على سبيل الفهم
والاستكشاف - ليزداد بقيته ..
والصدق يكون بالقول ويكون بالفعل، ومافى الأ بة مدق بالفعل، وهو
التحقیق ، أی حقق - سبحانه - الرسول رؤيته ... ، (١)
وقوله (( بالحق، صفة لمصدر محذوف، أى: صدقا ملتبسا بالحق: أو
بمحذوف على أنه حال من الرؤيا، أى: رؤيا ملتبسة بالحق .
والمعنى: وانه لقد أرينارسولنا محمدا - صلى الله عليه وسلم - الرؤيا الصادقة
التى لا تتخلف ، ولا يحوم حولها ربب أوشك، وحققنا له ما إشتملت عليه
هذه الرؤيا من بشارات سارة. وعطايا كريمة، على حسب ما اقتضته حكمتنا
وار أدتنا .
وقوله: ((لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم
ومقصرين لا تخافون ... جواب لقسم محذوف، وقوله: «آمنين)) وما بعده،
حال من فاعل ((لتدخلن)) ...
أى: والقه لتدخان - أيها المؤمنون - المسجد الجرام فى عامكم المقبل إن
شاء الله، حالة كونكم آمنين من كل فزع، وحالة كونكم بعضكم يحلق شعر
(١) تفسير الآلومى = ٢٦ ص ١٢٠

١٥٠
سورة الفتح
رأسه كله، وبعضكم يكتفي بقص جزء منه، وحالة كونكم لا تخافون أذى
المشركين بعد ذلك .
وقوله: (إن شاء الله ) فيه ما فيه من الإشعار بأن الرؤيا مع صدقها ،
تحقيقها موكول إلى مشيئة الله - تعالى - وإلى قدرته، لا إلى أحد سواه وفيه
ما فيه من تعليم الناس وإرشادهم إلى أنهم يجب عليهم أن يقولواذلك ويعتقدوه
عند إرادتهم لفعل من الأفعال، كما قال - تعالى - (ولا تقوان لشىء إنى
فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله .... )
قال بعض العلماء: إن الله - تعالى - استثنى فيما يعلم، ليستثنى الخلق فيا
لايعلمون .
ويرى بعضهم: أن الاستثناء هنا لتحقيق الخبر وتأكيده.
واستدل بعضهم بهذه الآية على أن الحلق غير متعين فى الفسك ، بل يجزى.
عنه التقصير ، إلا أن الخلق أفضل ، فقد أخرجه الشيخان وغيرهما عن أبى
هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اللهم أغفر للمحلقين،
قالوا: يارسول الله، والمقصرين، قال اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: يارسول
انه، والمقصرين، قال اللهم اغفر للمحلقين ... ثم قال بعد الثالثة:
والمقصرين» .
واستدل بها - أيضا - على أن التقصير للرأس دون اللحية، ودون سائر
شعر البدن ، إذ الظاهر أن المراد : ومقصرين شعر رءوسكم(١) ..
وقوله: (( لاتخافون، تأكيد وتقرير لقوله (( آمنين)) أى: آمنين عند
دخولكم مكة للعمرة، ولا تخافون بعد إتمامها، لأن عناية الله - تعالى -
ورعايته معكم ...
وقوله: (( فعلم مالم تعلموا، نجعل من دون ذلك فتحا قريبا، بيان الحكمة
(١) راجع تفسير الآلومى = ٢٦ ص ٠١٢٢

١٥١
الجزء السادس والعشرون
فى تأخير دخولهم مكة عام الحديبية، وتمكينهم من دخولها فى العام الذى يليه.
والجملة الكريمة معطوفة على قوله: « لقد صدق الله رسوله ... ، أى:
وانه لقد حقق اقه - تعالى - ثر سو له رؤياه فى دخول مكة ، ولکن فىالوقت
الذى إشاؤه ويختاره وتقتضيه حكمته لأنه - تعالى - علم مالم تعلموه أنتم
من أن المصلحة فى عدم دخولكم مكة فى عام صلح الحديبية ، وأن هذا الصلح
هو خير لكم من دخولها ، لما يترتب عليه من منافع كثيرة لكم ، وقد جعل
- سبحانه - بفضله وإحسانه ,من دون ذلك، أى: من قبل دخولكم مكة ،
وطوافكم بالمسجد الحرام . فتحا قريبا، هو فتح خيبر الذى خرجتم منه
بالغنائم الوفيرة، أو هو فتح خيبر ومعه صلح الحديبية ، الذى قال فيه الزهرى
لا فتح فى الإسلام كان أعظم من صلح الحديبية ...
هذا، وقد بسط الإمام ابن كثير ما أصابه المسلمون بعد صلح الحديبية
من خيرات فقال ماملخصه: ورجع الرسول - صلى الله عليه وسلم - من الحديبية
فى ذى القعدة من السنة السادسة .. ثم خرج فى المحرم من السنة السابعة إلى
خيبر، ففتحها الله - تعالى - عليه ...
فذا كان فى ذى القعدة من السنة السابعة ، خرج إلى مكة معتمرا، هو
وأهل الحديثية ، فأحرم من ذى الخليفة ، وساق معه الهدى ... وسار إلى
مكة بالسيوف مغمدة فى قربها ... فدخلها وبين يديه أصحابه يلبون، وعبدالله
ابن رواحه آخذ بزمام فاقة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وينشد ويقول:
خلوا بنى الكفار عن سبيله أنى شهيد أنه رسوله
وخرج المشركون من مكة لكى لايروا الرسول - صلى الله عليه وسلم-
وأصحابه ، أما النساء والأطفال فقد جلسوا على الطرق ينظرون إلى الرسول
- صلى الله عليه وسلم - وإلى المؤمنين ..
ومكث الرسول وأصحابه بمكة ثلاثة أيام ، اعتمر خلالها هو وأصحابه، ثم

١٥٢
سورة الفتح
عادوا إلى المدينة(١).
وهكذا تحققت رؤيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى الوقت الذى
أراده - سبحانه -، ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله لنبيه محمد - صلى أنه
عليه وسلم - فقال: «هو الذى أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ، ليظهره على
الدين كله ، ...
أى: هو - عز وجل - وحده، الذى أرسل رسوله محمد - صلى الله عليه
وسلم - إرسالا ملتبسا بالهدى، أى: بالدليل الواضح والبرهان الساطع الذى
يهدى للطريق التى هى أقوم ..
وأرسله - أيضا - بالدين الحق وهو دين الإسلام، الذى هو خاتم الأديان
وأكملها، « ليظهره على الدين كله، أى: من أجل أن يظهره ويعليه على جميع
الأديان ، لما فيه من هدايات ، وعبادات، وآداب ، وأحكام ، وتشريعات ..
قد جمعت محاسن الأديان السابقة التى جاءبها الأنبياء، وأضافت إليها جديدا
اقتضته حكمه اه - تعالى - ورحمته بهذه الأمة التى أرسل رسوله محمدا إليها ..
وقد بين - سبحانه - أن هذا الدين هو المقبول عنده دون سواه، فقال:
(( ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو فى الآخرة من الخاسرين).
ولقد ظهر هذا الدين فعم المشارق والمغارب، وسيبقى - بإذن الله - ظاهر!
على الأديان كلها بقوة حجته، ونصاعة براهينه، إلى أن يرث الله الأرض
ومن عليها .
والباء فى قوله: «وكفى بالله شهيداً، مزيدة لتأكيد هذا الإظهار.
أى: وكفى بشهادة الله - تعالى - شهادة على حقية هذا الدين، وعلى هذا
الإظهار الذى تكفل الله - تعالى - به لدين الإسلام.
(١) راجع تفسير ابن كثير =٧ ص ٠٣٣٧

١٥٣
الجزء السادس والعشرون
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية، الى فيها ما فيها من الثناء على
الرسول -صلى الله عليه وسلم- وعلى أصحابه، الذين رضى عنهم وأرضاهم فقال:
(« مُحمدٌ رَسُولُ اله، والذينَ معَةُ أَشِدَّاء عَلَى السُفَّارِ رحماءِ بينَهم،
قَامُ رَكَمَا سَجَّدَاً، يبتغُونَ فَضْلا من الله ورِضْواناً، سِماهُ فى
وُجُوههم من أَثْرِ السُّجودِ، ذلِكَ مثلُهم فى الثَّورَاءِ، ومثلَهمْ فى
الإنجيل كزَرْعٍ أُخْرَجِ شَطَأَهُ، فَآزَرَه فاسْتَغلظَ فاسْتَوى على سُوقِهِ،
يُجِبُ الزَّرَّاعَ لَيَغِيظَ بِهِمُ الَكْفَارَ، وَعَد اللهُ الذينَ آمَنُوا وَعَمِلِوا
الصالحاتِ مِنِهِم مَغْفِرةً وأجراً عِظِيماً (٢٩))).
وقوله - تعالى -: «محمد رسول الله، مبتدأ وخبر، أو (( محمد ) خبر لمبتدأ
محذوف، و«رسول الله، بدل أو عطف بيان من الاسم الشريف.
أى: هذا الرسول الذى أرسله الله - تعالى - بالهدى ودين الحق ، هو
محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
((والذين معه، وهم أصحابه - وعلى رأسهم من شهد معه صلح الحديبية،
وبايعه تحت الشجرة - من صفاتهم أنهم ((أشداء على الكفار) أى: غلاظ
عليهم، وأنهم , رحماء بينهم)).
أى: أنهم مع إخوانهم المؤمنين بتوادون ويتعاطفون ويتعاونون على
البر والتقوى ...
وقوله - تعالى -,محمد رسول الله) فيه أسمى التسكريم للرسول - صلى الله
عليه وسلم -، حيث شهد له -سبحانه - هذه الصفة، وكفى بشهادته -عزوجل-
شهادة، وحيث قدم الحديث عنه بأنه أرسله بالهدى ودين الحق ، ثم أخر اسمه
الشريف على سبيل التنويه بفضله ، والتشويق إلى أسمه .

١٥٤
سورة الفتح
وفى وصف أصحابه بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم، مدح عظيم حم،
وجمع بين الوصفين على سبيل الاحتراس ، فهم ليسوا أشداء مطلقا، ولارحماء
مطلقا، وإنما شدتهم على أعدائهم، ورحمتهم لإخوانهم فى العقيدة، وشبيه
بهذه الآية قوله- تعالى -: «بأيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه، فسوف.
يأتى الله بقوم بحبهم ويحبونه، أذلة على المؤمنين، أعزة على الكافرين،
يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ... ، (١) .
قال صاحب الكشاف: وعن الحسن أنه قال . . بلغ من تشددهم على الكفار
أنهم كانوا يتحرزون من ثيابهم أن تلزق بقيابهم، ومن أبدانهم أن تمس
أبدانهم . وبلغ من تراحمهم فيما بينهم، أنه كان لايرى مؤمن مؤمنا إلا
صافحه .... (٢).
وأسمى من هذا كله فى بيان تراحمهم قوله - تعالى -: ((ويؤثرون على أنفسهم
ولو كان بهم خصاصة ... ،.
ثم وصفهم بوصف آخر فقال: « تراهم ر كما سجدا يبتغون فضلا من الله
ورضوانا )).
أى: تراهم وتشاهده - أيها العاقل - راكعين ساجدين محافظين على الصلاة
ولا يريدون من وراء ذلك إلا التقرب إلى الله - تعالى - والظفر برضاء
وثوابه .
ثم وصفهم بوصف ثالث فقال: «سيماهم فى وجوههم من أثر السجود ...
أی : علامتهم وهو فور مجعله الله - تعالى - فى وجوههم يوم القيامة، وحسن
سمت يعلو وجوههم وجباههم فى الدنيا، من أثر كثرة سجودهم وطاعتهم.
لله رب العالمين .
(١) سورة المائدة الآية ٥٤.
(٢) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٠٣٤٦

١٥٥
الجزء السادس والعشرون
فالمقصود بهذه الجملة بيان أن الوضاءة والإشراق والصفاء .. يعلو وجوههم
من كثرة الصلاة والعبادة لله، وليس المقصود أن هناك علامة معينة - كالنكتة
التى تكون فى الوجه . كما قد يتبادر إلى بعض الأذهان .
واختار - سبحانه - لفظ السجود ، لأنه يمثل أعلى درجات العبودية
والإخلاص لله - تعالى -.
قال الألوسى: أخرج ابن مردوبة بسند حسن عن أبي بن كعب قال :
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى قوله - تعالى -: « سيماهم فى وجوههم
من أثر السجود)) النوريوم القيامة .
ثم قال الآلومى : ولا يبعد أن يكون النور علامة على وجوههم فى الدنيا
والآخرة - للآثار السابقة -، لكنه لما كان فى الآخرة أظهر وأتم خصه
النبى - صلى الله عليه وسلم - بالذكر ... ،(١).
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((ذلك مثلهم فى التوراة، يعود إلى جميع
أوصافهم الجليلة السابقة .
والمثل هو الصفة العجيبة والقصة ذات الشأن أى: ذلك الذى ذكرناه
عن هؤلاء المؤمنين الصادقين من صفات كريمة تجرى مجرى الأمثال ، صفتهم
فى التوراة التى أنزلها الله - تعالى - على نبيه موسى - عليه السلام -.
ثم بين. سبحانه - صفتهم فى الإيجيل فقال: ( ومثلهم فى الإنجيل:
كزرع أخرج شطأه فآزره ، فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ...
وقوله: (( ومثلهم فى الإنجيل، معطوف على ما قبله وهو مثلهم فى التوراة
والإنجيل. هو الكتاب الذى أنزله الله - تعالى - على نبيه عيسى - عليه السلام-
(١) راجع تفسيره الألوسى - ٢٦ ص ٠١٢٥

١٥٦
سورة الفتح
والشط . : فروع الزرع، وهو ما خرج منه وتفرع على شاطئيه.
أى : جانبيه .
وجمعه: أشطاء، وشطوه، يقال: شطا الزرع وأشطا، إذا أخرج فروعه
التى تتولد عن الأصل
وقوله , فآزره)) أى: فقوت تلك الفروع أصولها وآزرتها، وجعلتها
مكينة ثابتة فى الأرض .
وأصله من شد الإزار. تقول: أزرت فلانا، إذا شدت إزاره عليه.
وتقول آزر البناء - بالمد والقصر - إذا قويت أساسه وقواعده.
ومنه قوله - تعالى - حكاية عن موسى - عليه السلام -: «واجعل لى وزيرا
من أهلى . هارون أخى . أشدد به أزرى)).
وقوله: « فاستغلظ، أى: فصار الزرع غليظا بعد أن كان رقيقا.
وقوله: ((فاستوى على سوقه، أى: فاستقام وتكامل على سيقانه التى
يعلو عليها .
وقوله: «يعجب الزراع، أى: يعجب الخبراء بالزراعة لقوته وحسن هيئته.
والمعنى: أن صفة المؤمنين فى الإنجيل، أنهم كالزرع « يظهر فى أول
أمره رقيقا ضعيفا متفرقا، ثم ينبت بعضه حول بعض ، ويغلظ ويتكامل حتى
يقوى ويشتد ، وتعجب جودته أصحاب الزراعة ، المارفين بها ..
فكذلك النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، كانوا فى أول الأمر فى
قلة وضعف ، ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون قوة ، حتى بلغوا فى ذلك .
: وصدق الله إذ يقول: واذكروا إذا أنتم قابل مستضعفون فى الأرض،
تخافون أن يتخطفكم الناس، فآواكم وأيدكم بنصره، ورزقكم من الطيبات ،
لعلكم تشكرون،(١).
(١) سورة الأنفال الآية ٢٦.

١٠٧
الجزء السادس والعشرون
قال صاحب الكشاف: وهذا مثل ضربه الله - تعالى - لبد. أمر الإسلام
وترقيه فى الزيارة إلى أن قوى واستحكم ، لأن النبى - صلى الله عليه وسلم -
قام وحده، ثم قواه الله - تعالى - بمن معه، كما يقوى الطاقة الأولى من الزرع
ما يحتف بها مما يتولد منها؛ حتى يعجب الزراع))(١).
وعلى هذا التفسير الذى سرنا عليه يكون وصفهم فى التوراة، هو المعبرعنه
بقوله - تعالى -: «أشداء على الكفار رحماء بينهم ... ))، ويكون وصفهم فى
الإنجيل هو المعبر عنه بقوله - سبحانه -: كزرع أخرجه شطأه .. ،
ولا شك أن هذه الأوصاف كانت موجودة فى الكتابين قبل أن يحرنا
ویبدلا ، بل بعض هذه الأوصاف موجود فی الکتابین ، حتى بعد نحر یفهما.
فقد أخرج ابن جرير وعبد بن حميد عن قتادة قال: «مكتوب فى الإنجيل
سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع، بأمرون بالمعروف وينهون عن
المنكر ... (٧).
ويرى بعض المفسرين أن المذكور فى التوراة والانجيل شىء واحد ،
وهو الوصف المذكور إلى نهاية قوله: ((ومثلهم فى الإنجيل، وعلى هذا
الرأى يكون الوقف تاما على هذه الجملة، وما بعدها وهو قوله: « كزرع
أخرج شطاء .. ، كلام مستأنف .
قال القرطبى: قوله - تعالى -: «ذلك مثلهم فى التوراة ومثلهم فى
الإنجيل .. ، قال الفراء : فيه وجهان: إن شئت قلت: المعنى ذلك مثلهم فى
التوراة وفى الإنجيل أيضا، كمثلهم فى القرآن، فيكون الوقف على (( الإنجيل))
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص ٠٣٤٨
(٢) راجع تفسير سورة الفتح ص ١٦٠ لفضيلة أستاذنا الشيخ
أحمد الكومى .

١٠٨
سورة الفتح
وإن شئت قلت: تمام المكلام: ذلك مثلهم فى التوراة، ثم ابتدأ فقال :
ومثلهم فى الإنجيل .
وكذا قال ابن عباس وغيره : هما مثلان، أحدهما فى التوراة ، والآخر
فى الإنجيل .. ، (١).
والذى نراه أن ماذهب إليه ابن عباس من كونهما مثلين ، أحدهمامذ كور
فى التوراة والآخر فى الإنجيل ، هو الرأى الراجح ، لأن ظاهر الآية
يشهد له .
وفى هذه الصفات ما فيها من رسم صورة مشرقة مضيئة لهؤلاء المؤمنين
الصادقين .
وقوله - تعالى ـ(( ليغيظ بهم الكفار، تعليل لما يعرب عنه الكلام، من
إيجاده - تعالى - لهم على هذه الصفات الكريمة.
أى: جعلهم - سبحانه - كذلك بأن وفقهم لأن يكونوا أشداء على الكفار
ولأن يكونوا رحماء فيما بينهم. ولأن يكونوا مواظبين على أداء الطاعات ...
لكى يغيظ بهم الكفار، فيعيشوا وفى قلوبهم حسرة ما يرونه من صفات
سامية للمؤمنين .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذا الوعد الجميل، فقال: «وعد الله
الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما)).
و((من)) فى قوله ((منهم، الراجح أنها البيان والتفسير، كما فى قوله- تعالى-
((فاجتنبوا الرجس من الأوثان ... )).
أى: وعد الله - تعالى - بفضله وإحسانه، الذين آمنوا وعملوا الصالحات.
(١) تفسير القرطبي ج ١٦ ص ١٩٤.

١٥٩
الجزء السادس والعشرون
وهم أهل بيعة الرضوان ، ومن كان على شاكلتهم فى قوة الإيمان ... وعدم
جميعا مغفرة الذنوبهم، وأجرا عظيما لا يعلم مقداره إلا هو - سبحانه - .
ويجوز أن تكون من هنا للتبعيض، لكى يخرج من هؤلاء الموعودين
بالمغفرة والأجر العظيم أولئك الذين أظهروا الإسلام وأخفوا الكفر ، وهم
المنافقون الذين أبوا مبايعة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وابوا الخروج
معه للجهاد . والذين من صفاتهم أنهم كانوا إذا لقوا المؤمنين قالوا آمنا،
« وإذا خلوا إلى شياء ينهم قالوا إنا معكم إنما بحن مستهزئون .. )).
هذا، وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها: وجوب احترام الصحابة
وتوقيرهم، والثناء عليهم، لأن الله - تع الى - قد مدحهم ووعدهم بالمغفرة
وبالأجر العظيم
قال القرطى: روى أبو عدوة الزبيرى من ولد الزبير أنه قال: كنا عند
مالك بن أنس ، فذكروا رجلا ينتقص أصحاب رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -، فقرأ مالك هذه الآية:« محمد رسول الله والذين معه أشداء على
الكفار رحماء بينهم .....
فقال مالك : من أصبح من الناس فى قلبه غيظ على أحد من أصحاب
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد أصابته هذه الآية.
ثم قال الإمام القرطى - رحمه الله -: قلت: لقد أحسن مالك فى مقالته
وأصاب فى تأويله، فمن نقص واحدا منهم أو طعن عليه فى روايته ، فقد
رد على ألله رب العالمين، وأبطل شرائح المسلمين ... »(١).
وبعد: فهذا تفسير لسورة ((الفتح)، تلك السورة التى بشرت الرسول
- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه بألوان من الإشارات العالية، وأدبتهم بأنواع
(١) تفسير القرطى = ١٦ ص ٢٩٦.

١٦٠
سورة الفتح
من الآداب السامية، وعرفتهم بأعدائهم من المنافقين والكافرين، وحكت
الكثير من مظاهر فضل الله - تعالى - ورجمته بعباده المؤمنين ..
نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
كتبه الراجى عفو ربه
القاهرة - مدينة نصر
د . محمد سيد طنطاوى
مساء السبت ٠١٤٠٦/٤/١٦
عميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
١٩٨٥/١٢/٢٨ م

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسير
سُوَة الأَ جْرَابُ
لفضيلة
الدكتور محمد السيد طنطاوى
معميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
( الجزء السادس والعشرون)
١٤٠٦هـ - ١٩٨٦ م

مطبعة السعادة
ميدان احمد ماهر - شارع محمداوى رقم١٩
٠ ٩٠٧٧٩ س تج ١١٩٩٧٠

﴿ رَبَّ تَقْبَلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيم﴾