Indexed OCR Text

Pages 321-340

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسير
سُورَة الفَتْحُ
لفضيلة
الدكتور محمد السيد طنطاوى
معميد كلية الدراسات الإسلامية والعربية
( الجزء السادس والعشرون )
١٤٠٦ هـ - ١٩٨٦ م

﴿ رَبَّنَ تَقْبَلْ مِنَّا إنَّكَ أَنْتَ السَِّيعِ العَلِيم﴾﴾

كبير
مقدمة وتمهيد
١ - سورة الفتح من السور المدنية، وعدد آياتها تسع وعشرون آية،
وكان نزولها فى أعقاب صلح الحديبية .
قال ابن كثير - رحمه الله -: نزلت سورة الفتح، لما رجع رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - فى ذى القعدة سنة ست من الهجرة، حين صده
المشركون عن الوصول إلى المسجد الحرام ، ليقضى عمرته فيه، وحالوا بينه
وبين ذلك، ثم مالوا إلى المصالحة والمهادنة ، وأن يرجع عامه هذا ثم يأتى من
قابل ، فأجابهم إلى ذلك على تكره من جماعة من الصحابة .... (١)
٢ - والمتدبر للقرآن الكريم، يرى كثيرا من آياته وسوره، فى أعقاب
بعض الغزوات ، ليتعلم المسلمون من تلك الآيات والسور ما ينفعهم وما يصلح
من شأنهم ....
فمثلا فى أعقاب غزوة ((بدر، نزلت سورة الأنفال التى سماها ابن عباس
سورة بدر.
وفى أعقاب غزوة «أحد، نزلت عشرات الآيات فى سورة آل عمران .
وفى أعقاب غزوة ((بن النضير)) نزلت آباب من سورة الحشر.
وفى أعقاب غزوة ((الأحزاب)) نزلت آيات من سورة الأحزاب.
وفى أعقات صلح الحديبية نزلت هذه السورة الكريمة، التى تحكى الكثير
من الأحداث التى تتعلق بهذا الصلح .
٣ - وقبل أن نبدأ فى تفسير هذه السورة الكريمة ، نرى من الخير أن
نعطى القارىء فكر واضحة عن صلح الحديبية ، الذى نزلت فى أعقابه هذه
(١) تفسير ابن كثير جـ٧ ص ٣٠٧

- ١١٠ -
السورة .. فنقول - وبالله التوفيق -
رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - فى منامه أنه قد دخل المسجد الحرام هو
وأصحابه، وقد صرحت السورة الكريمة بذلك فى قوله - تعالى -: ((لقد صدق
الله رسوله الرؤيا بالحق، لتدخان المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين
رءوسكم ومقصرين لا تخافون ...... )، فقص - صلى الله عليه وسلم -
هذه الرؤيا على أصحابه، ففرحوا بها، وكان المشركون قد منعوهم من دخول
مكة ، ومن الطواف بالمسجد الحرام .
٤ - وخرج - صلى الله عليه وسلم - ومعه حوالى أربعمائة وألف من
أصحابه، ليس معهم من السلاح سوى السيوف فى أغمادها، وساقوا معهم الهدى
الذی یتقربون بذبحه إلى الله - تعالى - ليكون دليلا على أنهم لا يريدون حرب
قريش، وإنما يريدون الطواف بالبيت الحرام .
وسار - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى مكة، فلما وصل إلى ((عسفان))
وهو مكان بين مكة والمدينة - جاءه بشر بن سفيان الكعبى وكان مكلفا من قبل
النبي - صلى الله عليه وسلم - لمعرفة أخبار قريش فقال يارسول الله، هذه
قريش قد سمعت بمسيرك، خرجوا معهم العود المطافيل - أى: ومعهم الإبل
التى ولدت ، قد لبسوا جلود النمور - أى: قد استعدوا لقتالك وقدنزلوا بذى
طوى - وهو مكان بالقرب من مكة -، أماهدون اللّه لا تدخلها عليهم أبدا ..
فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ياويح قريش !! لقدأً كلتهم الحرب، ماذا
عليهم لو خلوا بينى وبين سائر العرب، فإن هم أصابونى كان ذلك الذى أرادوا،
وإن أظهرفى الله عليهم، دخلوا فى الإسلام، وأفرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا
وبهم قوة. قما تظن قريش ؟ فوالله لا أزال أجاهد على الذى بمثنى الله به ، حتى
يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة - أى أو أن أقل فى سبيل الله.
ثم قال - صلى الله عليه وسلم - من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم
التى هم بهاء؟
فقال رجل من قبيلة أسلم: أنا يارسول الله، فسلك بهم طريقا وعرا،

- ١١١ -
انتهى بهم إلى « الحديبية)) وهى قرية على بعد مرحلة من مكة، أو هى بتر
سمی المکان بها .
• - وفى هذا المكان بركت القصواء - وهى الناقة التى كان يركبها النبى
- صلى الله عليه وسلم -، فقال الناس: خلات الناقة - أى: جرنت وأبت
المشى -، فقال - صلى الله عليه وسلم -: ((ماخلات وما هو لها بخلق، ولكن
حبسها حابس الفيل عن مكة. لا تدعونى قريش إلى خطة يسألوننى فيها صلة
الرحم ، إلا أعطيتهم إياها ..
ثم أمر - صلى الله عليه وسلم - الناس بالنزول فى هذا المكان ...
٦ - وعلمت قريش بنزول الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه فى
الحديبية، فبدأوايرسلون رسلهم لمعرفة الأسباب التى حملت المسلمين إلى المجى ء إليهم.
وكان من بين الرسل بديل بن ورقاء الخزاعى ... فلما سأل الرسول
- صلى الله عليه وسلم ـ عن سبب مجيئه إلى مكة ، أخبره أنه لمبات يريد حربا
وإنما جاء زائرا للبيت الحرام ، ومعظما لحرمته .. ،
وعاد بديل إلى مكة ، وأخبر المشركين بما قاله الرسول .. صلى الله عليه وسلم ..
ولكنهم لم يقتنعوا، وقالوا: وإن كان جاء ولا بريد قتالا . والله لا يدخلها
علينا عنوة أبدا ....
٧ - ثم أرسلت قريش رسلا آخرين إلى النبي - بلى الله عليه وسلم ..
كان من بينهم ، عروة بن مسعود الثقفي، . فكان ما قاله للرسول - صلى الله
عليه وسلم ..: يا محمد، أجمعت أو شاب الناس .. أى: أخلاطهم .. ثم جئت بهم
إلى أهلك ... إن قريشا قد تعاهدت أنك لن تدخل عليهم مكة عنوة ...
وكان عروة خلال حديثه مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمد يده
إلى لحيته .. صلى الله عليه وسلم .. فكان المغيرة بن شعبه يقرع يدعروة ويقول
له: اكفف تدك عن وجه رسول الله قبل أن لا تصل إليك ...
وشاهد عروة ما شاهد من احترام المسلمين لرسولهم صلى الله عليه وسلم،

- ١١٢ -
فعاد إلى المشركين وقال لهم: يامعشر قريش، إنى قد جئت كسرى فى ملكه،
والنجاشى فى ملكه، وإني والله مارأيت ملكا فى قوم قط مثل محمد فى أصحابه،
ولقد رأيت قوما لا يسلمونه لشىء أبدا، فروا رأيكم ....
٨ - ثم أرسل النبي صلى الله عليه وسلم - إلى قريش عثمان بن عفان- رضى الله
عنه - لمكى يخبرهم بأن المسلمين ماجاء والحرب، وإنما جاءوا للطواف بالبيت.
وذهب إليهم عثمان وأخبرهم بذلك، ولكنهم صمموا على منع المسلمين من
دخول مكة ، وقالوا لعثمان : إن شئت أنت أن تطوف بالبيت فطف.
فقال لهم : ما كنت لأفعل حتى يطوف رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
وطال مكث عثمان عند قريش، حتى أشيع بين المسلمين أنه قدقتله المشركون.
فقال صلى الله عليه وسلم - حين بلغه أن عثمان قد قتل -: (( لاأبرح حتى
نتاجز القوم)) ودعا المسلمين إلى مبايعته على الموت ، فبايعه المسلمون على
ذلك نحت شجرة الرضوان ...
ثم جاء عثمان بعد ذلك دون أن يصببه أذى ...
٩ - وأخيرا أوفدت قريش إلى النبى - صلى الله عليه وسلم - رجلا منهم
أسمه سهيل بن عمرو، ليعقد صلحا مع المسلمين، وقالوا له: أنت محمد الصالحه،
ولا يكن فى صلحه إلا أن يرجع عنا عامه هذا . فوالله لا تتحدث العرب عنا
أنه دخلها علينا عنوة أبدا ...
وعندما رأى النبى - صلى الله عليه وسلم - سهيلامقبلا نحوه، قال لأصحابه:
لقد سهل الله لكم من أمركم. إن قريشا أرادت الصلح حين بعثت هذا الرجل.
وتم الصلح بين الفريقين على ما يأتى :
أولا : أن يرجع المسلمون دون زيارة البيت هذا العام . فإذا كان العام
التالى: أخلت قريش لهم مكة ثلاثة أيام . ليطوفوا بالبيت . وليس معهم إلا
السيوف فى غمدها ...
ثانيا : أن تضع الحرب أوزارها بين الطرفين عشر سنوات .

- ١١٣ -
ثالثا : من أتى الرسول - صلى الله عليه وسلم - من قريش مسلما بغير
إذن وليه رده إليهم . ومن أتى قريشا من المسلمين لم يردوه.
رابعا : من أحب أن يدخل فى عقد مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -
فله ما أراد . ومن أحب أن يدخل فى عهد قريش فله ذلك
ولقد عز على بعض المسلمين قبول الرسول - صلى الله عليه وسلم -
لهذه الشروط ، التى ظاهرها الظلم للمسلمين، حتى قال عمر - رضى الله عنه -
للرسول - صلى الله عليه وسلم -: يا رسول الله، ألسنا على الحق وعدونا
على الباطل ؟ فقال : - صلى الله عليه وسلم -: بلى . فقال عمر: فعلام نعطى
الدنية فى ديننا؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: «إنى رسول الله ولست
أعصیه وهو ناصری ،
ثم أشار - صلى الله عليه وسلم - إلى المسلمين أن يتحللوا من عمرتهم،
بأن ينحروا مديهم، وأن يحلقوارءوسهم او يقصروا .. ولكنهم لم يسارعوا
بالإمتثال، فدحل - صلى الله عليه وسلم - على زوجه أم سلمة - رضى الله
عنها -، وقد ظهر الغضب على وجهه .
فقالت له يارسول الله: أعذرهم، وأبدأ بما تأمرهم به دون أن تكام
منهم أحدا .
فقام - صلى الله عليه وسلم - فنحر هديه، ودما حالقه خلق له، فلما رأى
المدون ذلك من فيهم، قاموا فنحروا هديهم ، وجعل بعضهم يحلق بعضا.
ثم أقام المسلمون بعد ذلك عدة أيام بالحديبية، ثم قفلوا راجعين إلى
المدينة ، وعندما سمع - صلى الله عليه وسلم - بعضهم يقول: لقد رجعنا ولم
تصنع شيئا ....
قال - صلى الله عليه وسلم -: ، بل فتحتم أعظم الفتح))
وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم فى قوله هذا، فقد كن صلح
الحديبية فتحا عظيما ، كما نبين ذلك عند تفسيرنا للسورة الكريمة.
(٨ - سورة الفتح)

- ١١٤ ٠-
٢
وبهذا العرض المجمل لأحداث صلح الحديبية، نكون قد أعطينا القارى.
فكرة مركزة عن هذا الصلح ، وعن الجو العام الذى نزات فى أعقابه رسوة
الفتح ، ومن أراد المزيد لمعرفة أحداث صلح الحديبية فليرجع إلى كتب
السيرة ... (١)
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
د. محمد سيد طنطاوى
١٩٨٥/١٢/٢١ م
٠١٤٠٦/٤/٩
(١) راجع سيرة ابن هشام = ٣ من ص ٣٠٠ إلى ص ٣٧٨ وتفسير
ابن كثير - ٧ ص ٠٣٢٧

١١٥
الجزء السادس والعشرون
التفسير
قال الله - تعالى -: ((إِذَّا فَتَحْتَلِكَ فَتْحَا مُبِينَ (١) لِغْفِرَ لكَ الله
ما تقدَّمَ مِنْ ذَتْبِكَ وما تأخّر، ويتمَّ نِعَتَهُ عليكَ ويهدِيكَ مِرَاطًاً
مُستَقِيماً (٢) ويَنْصُركَ اللهُ نَصْراً عزيزاً (٣) هوَ الذِى أَنْزَلَ السَّكِينَةَ
فِى قُلُوبِ الْمُؤمِنِينَ لِزْدَادُوا إيماناً معَ إِيمانِهِم، وقُّهِ جنودُ السَّواتِ
والأرضِ، وكانَ الله عليماً حكِيماً (٤) ليُدخِلِ المؤمنينَ والمؤمِنَتِ
بحثَّاتٍ تَجَرى مِنْ تَمتهاَ الْأنهاَرُ خالدين فيها، ويُكَفْرَ عَنهم سّئاتِهِم،
وكانَ ذلِكٍ عندَ اللهِ فَوْزًا عِظِيماً (٥) ويُعذِّبَ المنافِقِينَ والمنَفِقَتِ،
والمُتْرِكِينَ والمشركاتِ، الْطَانِّينِ باللّهِ ظنّ السّوْءِ، عَلَيهِمْ دَائِرةُ السُّوه
وَضِبَ اللهُ عَيهِم ولعَنْهُم، وأعدْ لَهُمْ جَّمَ وساءتْ مصِيراً (٦)
وللهِ جُنُود السَّمواتِ والأرضِ وكان الله عَزِيزاً حكِيماً (٧))).
افتتحت سورة ((الفتح)) بهذه البشارات السامية، والمدائح العالية للنبى
بـ صلى أقه عليه وسلم - افتتحت بقوله - تعالى -: «إنا فتحنا لك فتحا
مبينا ..... ،
٠
والفتح فى الأصل : إزالة الأغلاق عن الشىء. وفتح البلد: المقصود به
الظفر به، ووقوعه تحت سيطر. الفاتح .
والذى عليه المحققون من العلماء أن المراد بالفتح هنا: صلح الحديبية
وما ترتب عليه من خيرات كثيرة، ومنافع حمة للسلمين.
ويشهد لذلك أحاديث متعددة منبها: ما أخرجه البخارى وأبو داود
والنسائى عن ابن مسعود قال: أقبلنا من الحديبية مع رسول الله - صلى الله

١١٦
سورة الفتح
عليه وسلم -، وكان قد خرج اليها - صلى الله عليه وسلم - يوم الإثنين هلال
ذى القعدة، فأقام بها بضعة عشر يوما، ثم قفل راجعا إلى المدينة ،فبينما نحن
فسير إلى المدينة إذ أتاه الوحى - وكان إذا أناه اشتد عليه - فسرى عند ربه
من السرور ما شاء الله، فأخبرنا أنه أنزل عليه:« إنا فتحنا لك فتحامبينا).
وروى الإمام أحمد وأبو داود عن مجمع بن جارية الأوسى قال : شهدنا
الحديبية، فلما انصرفنا منها وجدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم - واقفا
عند كراع الغميم، - موضع بين مكة والمدينة . وقد جمع الناس وقرأ عليهم:
((إنا فتحنا لك فتحامبينا ... الآيات))
فقال رجل: يارسول ، أو فتح هو ؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: أى
والذى بنفسى بيده إنه لفتح (١)
ويرى بعضهم: أن المراد بالفتح هنا: فتح مكة، والتعمير عند بالماضى
فى قوله (( إنا فتحنا لك فتحا مبينا، لتحقق الوقوع، فهو من قبيل قوله - تعالى-
. أتى أمر الله فلا تستعجلوه ... ، ويبدوالنا أن المراد بالفتح هنا صلح
الحديبية، لوجود الآثار الصحيحة التى تشهد لذلك، ولأن هذا الصلح قد
ترقب عليه من المنافع للدعوة الإسلامية ما يجعله من أعظم الفتوح، إن لم
يكن أعظمها .
لقد ترقب عليه أن انتشر الأمان بين المسلمين والمشركين ، فاستطاع
المسلمون أن ينشروا دعوة الحق فى مكة وفى غيرها، كما استطاعوا أن ينتقلوا
من مكان إلى آخر للتبشير بدينهم ، فترتب على ذلك أن دخل فى الإسلام عده
کبیر من الناس .
قال الزهرى : لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية، وذلك أن المشركين
اختلطوا بالمسلمين، فسمعوا كلامهم، وتمكن الإسلام من قلوبهم، وأسهم
خاق کثیر ، و کثر بهم سواد الإسلام ،
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ٧ س ٢٠٧ وتفسير الألوسى = ٢٦ ص٨٣
٠

١١٧
الجزء السادس والعشرون
قال ابن هشام: والدليل على صحة قول الزهرى، أن رسول الله - صلى
عليه وسلم - خرج إ الحديبية فى ألف وأربعمائة من أصحابه ثم خرج إلى مكة
فى عام الفتح - بعد ذلك بسنتين - فى عشرة آلاف من أصحابه .
وقد أكد - سبحانه - هذا الفتح بثلاثة أنواع من المؤكدات، وهى
((إن)، والمصدر ( فتحا، والوصف, مبينا،، وذلك المسارعة إلى تبشير
المؤمنين بتحقق هذا الفتح، ولإدخال السرور على قلوبهم ، بعد تلك الشروط
التى اشتمل عليها الصلح، والتى ظنها بعضهم أن فيها إجحافا بالمسلمين.
وأسند - سبحانه - الفعل إلى فون العظمة، فتحنا، لتفخيم شأن المخبر
- عز وجل - وعلو شأن المخبر عنه وهو الفتح.
وقدم - سبحانه - الجار والمجرور(( لك، على المفعول المطلق ((فتحا))
للاهتمام والإشمار بأن ذلك الفتح كان من أجله - صلى الله عليه وسلم - وفى
ذلك ما فيه من تعظيم أمره - صلى الله عليه وسلم - ومن وجوب طاعته،
والامتثال لأمره .
ثم ذكر .. سبحانه .. بعدذلك مظاهر فضله على رسوله .. صلى الله عليه وسلم ..
فقال:(( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، ويتم نعمته عليك،
ويهديك صراطا مستقيما. وينصرك الله نصرا عزيزا ،
واللام فى قوله (( ليغفر، متعلقة بقوله:، فتحنا، وهى للتعليل. والمراد
بما تقدم من ذنبه - صلى الله عليه وسلم - ما كان قبل النبوة، وبما تأخر
عنه ما کان بعدها ،
والمراد بالذنب منا بالنسبة له - صلى الله عليه وسلم -: ما كان خلاف
الأولى، فهو باب حسنات الأبرار سيئات المقربين . أو المراد بالغفران:
الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها ، فلا يصدر منه - صلى الله عليه وسلم - ذنب،
لأن غفر ان الذنوب معناه: سترها وتغطيتها وإزالتها .
ـر.
٠٠٫٠
i

١١٨
سورة الفتح
قال الشوكانى: وقوله - تعالى -: (ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك
وما تأخر)، اللاء: متعلقة بفتحنا وهى لام العلمّة. قال المبرد: هى لام كى
ومعناها: إنا فتحنا لك فتحامبينا - أى ظاهر واضحا مكشوفا - لكى يجتمع
لك مع المغفرة تمام النعمة فى الفتح، فلما انضم إلى المغفرة شىء حادث واقع
حسن معنى کی .
وقال ابن عطية: المراد أن الله فتح الك لكى يجعل الفتح علامة لغفرانه
لك، فكأنها لام الصيرورة ... ، (١)
وقال بعض العلماء: وقوله: ليحفر لك أث ما تقدم من ذنبك وما تأخر))
هو كناية عن عدم المؤاخذة. أو المراد بالذنب ما فرط منه - صلى الله عليه
وسلم - من خلاف الأولى بالنسبة لمقامه - صلى الله عليه وسلم - أو المراد
بالغفران: الحيلولة بينه وبين الذنوب كلها ، فلا يصدرمنه ذنب، لأن الغفر
هو الستر، والستر إما بين العبد والذنب، وهو اللائق بمقام النبوة. أو بين
الذنب وعقوبته ، وهو اللائق بغيره .
واللام فى « ليغفر) للعلة الغائية. أى: أن مجموع المتعاطفات الأربعة غاية
الفتح المبين ، وسبب عنه لا كل واحد منها .
والمعنى: يسرنا لك هذا الفتح لإتمام النعمة عليك، وهدايتك إلى الصراط
المستقيم ، ولنصرك نصرا عزيرا .
ولما أمتن الله عليه بهذه النعم، صدرها بما هو أعظم، وهو المغفرة الشاملة
ليجمع له بين عزى الدنيا والآخرة. فليست المغفرة مسية عن الفتح، (٢)
ولقد كان - صلى الله عليه وسلم - مع هذه المغفرة من اقه - تعالى - له،
أعبد الناس لربه ، وأشدهم خوفا منه، وأكثرهم ملة به .
(١) تفسير فتح القدير جـ ٥ ص ٤٤ للشوكانى.
(٢) تفسير صفوة البيان ــ ٢ ص ٣٣٣-لفضيلة الشيخ حسنين مخلوف

١١٩
الجزء السادس والعشرون
قال ابن كثير: قال الإمام أحمد : حدثنا عبد الرحمن ، حدثنا سفيان عن
زياد بن علاقة قال : سمعت المغيرة بن شعبة يقول: كان النبى - صلى الله عليه
وسلم - يصلى حتى ترم قدماه أى: تتورم - فقيل له: أليس قد غفر الله لك
ما تقدم من ذنبك وما تأخر ؟ فقال: أفلا أكون عبدا شكور!،
وعن عروة بن الزبير عن عائشة قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - إذا صلى قام حتى تتفطر رجلاه .. أى: تتشقق .. فقالت له عائشة:
يا رسول الله، أقصنع هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟
فقال: ياعائشة، أفلا أكون عبدا شكورا)، (١)
وقوله - تعالى - ,ويتم نعمته عليك، معطوف على ما قبله . أى: ويتم
- سبحانه - نعمه عليك .. أيها الرسول الكريم، بأن يظهر دعوتك، ويكتب
لها النصر، والخلود، ويعطيك من الخصائص والمناقب ما لم يعطه لأحد من
الأنبياء ، فضلا عن غيرهم .
«ويهديك صراط مستقيماء أى ويهديك ويرشدك .. سبحانه .. بفضله وكرمه
إلى الطريق القويم، والدين الحق، والأقوال الطيبة. والأعمال الصالحة
((وينصرك الله)) - تعالى .. نصرا عزيزا، أى: نصراً قويا منيما لا يغلبه
غالب ، ولا يدفعه دافع ، لأنه من خالقك الذى لاراد لقضائه ، ولا معقب
.X1
هذا، والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة ، يرى أن الله - تعالى - قد أكرم
نبيه - صلى الله عليه وسلم - إكراما لا يدانيه إكرام، ومنحه من الخير
والفضل ما لم يمنحه لأحد سواء .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من مظاهر فضله على المؤمنين فقال:
«هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين، ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم ...
(١) راجع تفسير ابن كثير - ٧ ص ٣٠٩

١٢٠
سورة الفتح
والسكينة: من السكون، والمراد بها الثبات والطمأنينة التى أودعها
- سبحانه - فى قلوب المؤمنين، فترتب على ذلك أن أطاعوا الله ورسوله،
بسد أن ظنوا أن فى شروط صلح الحديبية ظلالهم، وأن بايعوا النبى - صلى الله
عليه وسلم - على الموت بعد أن بلغهم أن عثمان - رضى الله عنه ــ قد قتله
المشركون . وفى التعبير عن ذلك بالإنزال ، إشعار بعلو شأنها، حتى لكأنها
كانت مودعته فى خزائن رحمته الله - تعالى -، ثم أنزلها بفضله فى قلوبهم
بعد ذلك .
أى: هو - سبحانه - بفضله ورحمته، الذى أنزل السكينة والطمأنينة
والثبات فى قلوب المؤمنين ، فانشرحت صدورهم لهذا الصلح بعد أن ضاقت
فى أول الأمر .
وقوله: ((ازدادوا إيمانا مع إيمانهم، تعليل لهذا الإنزال للسكينة.
أى : أوجد السكينة وخلقها فى قلوبهم ، ليزدادوا يقينا على يقينهم،
وتصديقا إلى تصديقهم، وثباتا على ثباتهم ..
وشبيه بهذا الآية قوله - تعالى -: ((إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا،
وقوله - سبحانه -: ((وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه
إيمانا، فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون)).
وقد أخذ العلماء من هذه الآية وأمثالها، أن الإيمان يزيد وينقص .
قال الآلوسى ما ملخصه: قال البخارى: لقيت أكثر من ألف رجل من
العلماء بالأمصار، فما رأيت أحدا منهم يختلف فى أن الإيمان قول وعمل،
ويزيد وبنقص .
واحتجوا على ذلك بالعقل والنقل. أما العقل فلأنه لو لم تتفاوت حقيقة
الإيمان لكان إيمان آحاد الأمة المنهمكين فى الفسوق والمعاصى ، مساويا
لإيمان الأنبياء، واللازم باطل، فكذا الملزوم ...

١٢١
الجزء السادس والعشرون
وأما الثاني: فلكثرة النصوص فى هذا المعنى ، ومنها الآية التى معنا
وأمثالها. ومنها ماروى عن ابن عمر قال: قلنا: يارسول الله، إن الإيمان يزيد
ويفقص، قال: نعم يزيد حتى يدخل صاحبه الجنة ، وينقص حتى يدخله النار.
وقال الإمام النووى وعيره: إن الإيمان بمعنى التصديق القلى ، يزيد
وينقص - أيضا- بكثرة النظر، ووضوح الأدلة، ولهذا كان إيمان الصديقين
أقوى من إيمان غيرم ... ،(١)
ثم بين سبحانه - شمول ملكة وقدرته فقال: «ولقه جنود السموات
والأرض وكان الله عليما حكيما».
أى: والله - تعالى - وحده جنود السموات والأرض من ملائكة وجن
وإنس .. إذا لكل تحت قهره وسلطانه، فهو . سبحانه. الذى يدير أمرم
كيف شاء. ويدفع بعضهم ببعض كما تقتضى حكمته وإرادته. وهو . تعالى.
العليم بكل شى .. الحكيم فى جميع أفعاله ...
واللام فى قوله . سبحانه .: (( ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجرى
من تحتها الأنهار ... )، متعلقة بمحذوف، أو بقوله: (( فتحنا)) ...
أى: فعل - سبحانه - ما فعل من جعل جنود السموات والأرض تحت
سيطرته وملكه، ومن دفع الناس بعضهم ببعض ، ليدخل المؤمنين والمؤمنات
جنات تجرى من تحت الأنهار. ,خالد: فيها، خلودا أبديا ((ويكفر عنهم
سيئاتهم، التى فعلوها فى دنياهم ، بأن يغفرها لهم ، ويزيلها عنهم ، بل وبحولها
لمن شاء منهم بفضله وكرمه إلى حسنات .
((وكان ذلك، الإدخال للمؤمنين الجنة، وتمكغير سيئاتهم ...
((عند الله)) - تعالى - ((فوزا عظيما، لا يقادر قدره، لأنه نهاية آمال
المؤمنين، وأقصى ما يتمناه العقلاء المخلصون.
(١) راجع تفسير الألوسى = ٢٦ ص ٩٢

١٢٢
سورة الفتح
((ويعذب)) - سبحانه - بعد له, المنافقين والمنافقات، والمشركين
والمشركات. الظانين باللّه ظن السوء . .،
أى: الظالمين بالله - تعالى - وبرسوله وبالمؤمنين الظن السىء بأن توهموا
أن الدائرة ستدور على المؤمنين وأنهم هم الذين سينتصرون . أو أنهم هم على
الحق. وأن الرسوله - صلى الله عليه وسلم - واتباعه على الباطل
فقوله: (( السوء، صفة الموصوف محذوف. أى: الظافين بالله عان
الأمر السوء .
وقوله - تعالى -,عليهم دائرة السوء، دعاء عليهم بأن ينزل بهم ما توقعوه
للمؤمنين من سوء .
أى: عليهم وحدهم ينزل ما يتمنونه للمؤمنين من شر وسوء.
والدائرة فى الأصل: تطلق على الخط المحيط بالشىء. ثم استعملت فى
النازلة المحيطة بمن نزلت به. وتستعمل أكثر ما تستعمل فى المصائب والمكاره.
قال صاحب الكشاف: قوله، علهم دائرة السوء، أى: ما يظنونه
ويتوقعونه بالمؤمنين فهو حائق بهم، ودائر عليهم. والسوء: الهلاك والدمار.
فإن قلت: هل من فرق بين السوء والسوء ؟ قلت: هما كالكره والكرم
والضعف والضعف : من ساء ، إلا أن المفتوح غلب فى أن يضاف إليه مايراد
ذمه من كل شىء وأما السوء بالضم، جار مجرى الشر الذى هو نقيض الخير.، (!)
ثم قال - تعالى -: ((وغضب الله عليهم ولعنهم، وأعدلهم جهنم
وساءت مصيرا ».
أى: ليس عليهم دائرة السوء فقط، بل وفضلا عن ذلك فقد غضب الله
- تعالى - عليهم، وطردهم من رحمته، وأعدلهم فى الآخرة نار جهنم، وسامته
هذه النار مصير الهم .
(١) تفسير الكثاف جـ ٤ ص ٣٣٤

١٢٣
الجزء السادس والعشرون
ثم أكد - سبحانه - ملكيته لكل شىء فقال:« ولله جنود السموات
والأرض وكان الله عزيزا حكيما،.
أى: ولله - تعالى - وحده جنود السموات والأرض، وكان -سبحانه-
ومازال غالب على كل شىء، حكيما فى كل أوامره ونواهيه، وفى كل
تصرفاته وأفعاله .
ولما كان المقصود من ذكر الجنود هنا: تهديد المنافقين والمشركين ،
وأنهم فى قبضته - تعالى -، ناسب أن تديل الآية هنا بقوله: ((وكان الله.
عزيزا حكيما،، لأن العزة تقتضى الغلبة للغير .
ولما كان المقصود من ذكر الجنود فى الآية الرابعة ، بيان أن المدير
لهذا الكون هو الله - تعالى-، ناسب أن تذبل الآية هناك بقوله - سبحانه -:
, وكان الله عليم حكيماء.
٠٠ ٥
ثم حدد الله - تعالى - الوظيفة التى كلف بها رسوله - صلى الله عليه وسلم-،
وبشر المؤمنين الذين وفوا بعهودهم بالأجر العظيم فقال :
(( إِنَّا أَرْسَلْنَكَ شَاهِداً ومُبشّراً ونَذِيراً (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولُه
وتُعزِّرُوهُ وتُوقِّرُوهُ ونُسبّحوهُ بُكرةَ وأَصيلاً (٩) إنَّ الذينّ
يُبَيِعونَك إنّما يُبايعُونَ الله، يدُ الله فوقَ أَيدِيهِم، فَنْ نَكَتَ فإنَّا
يَتَكُثُ على نفسِهِ، ومن أَوْقى بما مَهَدَ عَلَيْهُ الله، فسَيؤْتِيه
أَجْراً عظيماً (١٠).
وقوله: (( مبشرا، من التبشير، وهو الإخبار بالأمر السار أن لا علم
له بهذا الأمر .
وقوله: (( ونذيرا، من الإنذار، وهو الإخبار بالأمر المخيف، لمكى
يجتنب ويحذر .

١٢٤
سورة الفتح
أى: « إنا أرسلناك، - أيها الرسول الكريم - إلى الناس، لتكون
(( شاهداً، لمن آمن منهم بالإيمان، ولمن كفر منهم بالكفر، بعد أن بلغتهم
رسالة ربك تبليغا قاما كاملا .
ولتكون (( مبشرا، للمؤمنين منهم برضا الله عنهم ومغفرته لهم,ونذيرا،
للكافرين والعصاة بسوء المصير إذا ما استمرار على كفرهم وعصيانهم.
والحكمة فى جعله -- صلى الله عليه وسلم - شاهدا مع أن الله - تعالى -
لا يخفى عليه شيء: إظهار العدل الإلهى للناس فى صورة جلية واضحة ، وتمكريم
النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذه الشهادة.
وجمع. سبحانه . بين كونه صلى الله عليه وسلم ((مبشرا ونذيرا، لأن من
الناس من ينفعه الترغيب فى الثواب، ومنهم من لا يزجره إلى التخويف من العقاب.
وانتصاب ((شاهداً ومبشرا ونذيرا، على الحال المقدرة.
وفى معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى -: «وكذلك
جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس، ويكون الرسول عليكم شهيدا)).
وقوله - سبحانه -: « ويوم فبعث من كل أمة شهيدا عليهم من أنفسهم
و جئنابك شهيدا على هؤلاء ... ،
وقوله - عز وجل -: ((يأيها النى إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا ..
ثم بين - سبحانه - الحكمة من إرساله - صلى الله عليه وسلم - فقال:
((لتؤمنوا باقه ورسوله، وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا)).
وقوله: ((وتعزروه)) من التعزير بمعنى النصرة مع التعظيم والتفخيم.
وقوله : «وتوقروة، أى: تعظموه وتقدروه .
وقوله: ((وتسبحوه، من التسبيح بمعنى التنزيه. تقول: سبحت الله
- تعالى -، أى: نزهته عما لا يليق به. و((البسكرة)) أول النهار و«الأصيل،
آخره. والمراد ظاهرهما، أو جميع أوقات النهار، كما يقال: شرقا وغربا
جميع الجهات.