Indexed OCR Text

Pages 281-300

٦٥
الجزء السادس والعشرن
قُتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أعمالهُم (٤) سَيهدِيهِمْ ويصلِحُ
بالهُم (٥) ويُدخلَهُمُ الْجُتَّةَ عَرَّفها لُهُم (٦)» .
والفاء فى قوله - تعالى -: (( فإذا لقيتم، لترتيب ما بعدها من إرشاد]
المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله عند قتال أعدائهم . على ما قبلها وهو بيان
حال الكفار .
فالمراد باللقاء هنا: القتال لا مجرد اللقاء والرؤية. كما أن المراد بالذين
كفروا هنا المشركون وكل من كان على شاكلتهم ممن ليس بيننا وبينهم عهد
بل بيننا وبينهم حرب وقتال .
وقو - سبحانه -: (( فضرب الرقاب، أمر للمؤمنين بما يجب فعله عند
لقائهم لأعدائهم.
وقوله: « فضرب، منصوب على أنه مصدر لفعل محذوف.
أى: فإذا كان حال الذين كفروا كما ذكرت لكم من إحباط أعمالهم
بسبب اتباعهم الباطل وإعراضهم عن الحق ... فإذا لقيمتموهم للقتال،
فلا تأخذ كم بهم رأفة ، بل أضربوا رقابهم ضربا شديدا، .
والتعبير عن القتل بقوله: « فضرب الرقاب،، لتصويره فى أفظع صوره،
ولتهويل أمر هذا القتال. ولإرشاد المؤمنين إلى ما يجب عليهم فعله ...
قال صاحب الكشاف: قوله: (( لقيتم)) من اللقاء وهو الحرب «فضرب
الرقاب، أصله: فاضربوا الرقاب ضربا، فذف الفعل وقدم المصدر، فأنيب
منابه مضافا إلى المفعول. وفيه اختصار مع إعطاءمهنى التوكيد، لأنك تذكر
المصدر ، وتدل على الفعل بالنصبة التى فيه .
وضرب الرقاب : عبارة عن القتل ... وذلك أن قتل الإنسان أكثر
(٥ - سورة محمد )

٦٦
سورة محمد
ما يكون بضرب رقبته، فوقع عبارة عن القتل، وإن ضرب بغير رقبته
من المقاتل ..
على أن فى هذه العبارة من الغلظة والشدة ، ماليس فى لفظ القتل ، لما فيها
من تصوير القتل بأشنع صورة، وهو حز العنق، وإطارة العضو الذى هو
رأس البدن .. (١) ،
وقوله - سبحانه -: «حتى إذا أتختموم قصدوا الوثاق ..: ، بيان
لما يكون من المؤمنين بعد مثل حركة أعدائهم ، وإنزال الهزيمة بهم.
وقوله (( أتختتموهم ، من الإفخان بمعنى كثرة الجراح، مأخوذ من الشىء
التخين، أى: الغليظ. يقال: أنخن الجيش فى عدوه، إذا بالغ فى إنزال
الجراحة الشديدة به ، حتى أضعفه وأزال قوتة ...
والوناق - بفتح الواد وكسرها -: اسم للشىء الذى يوثق به الأسير
كالرباط أى: عند لقائكم ـ أيها المؤمنون - لأعدائكم، فاضربوا أعناقهم،
فإذا ما تغليتم عليهم وقهر نموهم، وأنزاتم بهم الجراح التى تجعلهم عاجزين عن
مقادعتكم، فأحكموا قيد من أسر تموه منهم، حتى لا يستطيع التفلت
او الهرب منكم . .
وقوله - سبحانه - (فأما منا بعد وإما فداء، إرشاد لما يفعلون بعد ذلك.
والمن: الإطلاق بغير عوض قال: من فلان على فلان إذا أنعم عليه
بدون مقابل .
والغداء: ما يقدمه الأسير من أموال أو غيرها لكى يفتدى بها نفسه
من الأسر .
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٣١٦°

٦٧
الجزء السادس والعشرون
وقوله: (« منا وفداء، منصوبان على المصدرية بفعل محذوف: أى : فإما
تمنون عليهم بعد الأمر منا بأن قطلقوا سراحهم بدون مقابل، وإما أن تفدوا
فداء بأن تأخذوا منهم فدية فى مقابل إطلاق سراحهم ...
وقوله - سبحانه: (( حتى تضع الحرب أوزارها) غابة لهذه الأوامر
والإرشادات وأوزار الحرب: آلاتهاوأثقالها التى لا تقوم إلا بها، كالسلاح
وما يشبهه .
قال الشاعر:
وأعددت الحرب أوزارها وماحا طوالا وخيلا ذكرورا
أى : افعلوا بهم ما أمر فاكم بفعله؛ واستمروا على ذلك حتى تنتهى الحرب
التى بينكم وبين أعدائكم بهزيمتهم وانتصاركم عليهم.
وسميت آلات الحرب وأحمالها بالأوزار، لأن الحرب لما كانت لا تقوم
إلا بها، فكأنها تحملها وتستقل بها، فإذا انقضت الحرب فكأنها وضعت
احمالها وانفصلت عنها .
ثم بين - سبحانة - الحكمة من مشروعية قتال الأعداء، مع أنه - سبحانه
- قادر على إهلاك هؤلاء الأعداء فقال: ( ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم،
ولكن ليبلو بعضكم ببعض. )
واسم الإشارة: خبر لمبتدأ محذوف، أى: الأمر ذلك . أو فى محل نصب
على المفعولية بفعل محذوف ، أى : افعلوا ذلك الذى أمرفاكم به وأرشدناكم
إليه واعلموا أنه - سبحانه - لو يشاء الانتصار من هؤلاء الكافرين والانتقام
منهم لفعل، أى: لو يشاء إهلاكهم لأهلكهم، ولكنه - سبحانه - لم يفعل
ذلك بل أمركم بمحاربتهم ليختبر بعضكم ببعض، فيتميز عن طريق هذا
الاختبار والامتحان، قونى الإيمان من ضعيفة، كما قال - تعالى -: (ولنبلون}
حتى تعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم)).

٦٨
سورة عمد
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ما أعده للمجاهدين من ثواب عظيم فقال:
((والذين قتلوا فى سبيل الله ... ، أى: والذين استشهدوا وهم يقاتلون من.
أجل إعلاء كلمة أقه .
((فلن يضل أعمالهم، أى: فلن يضيع أعمالهم ولن يبطلها ..
بل (( سيهديهم)) أى: بل سيوصلهم إلى طريق السعادة والفلاح.
((ويصلح بالهم، أى: ويصلح أحوالهم وشئونهم وقلوبهم ...
(( ويدخلهم الجنة عرفا لهم، أى: ويدخلهم بعد كل ذلك الجنة يوم القيامة
ويهديهم إلى بيوتهم ومساكنهم فيها، بحيث لا يخطئونها حتى لكأنهم يقيمون
فيها منذ خلقوا، وذلك كله بإلهام من الله - تعالى - لهم.
قال الألوسى ما ملخصه: «عرفها لهم، هذا التعريف فى الآخرة، قال
مجاهد: (( يهدى أهل الجنة إلى بيوتهم ومساكنهم، وحيث قسم الله - تعالى -
لهم منها، لا يخطئون كأنهم ساكنوها منذ خلقوا ... )) وذلك بإلهام منه
- عز وجل - ..
وورد فى بعض الآثار أن حسناته تكون دليلا له على منزله فيها . وقيل:
إنه - تعالى - رسم على كل منزل اسم صاحبه وهو نوع من التعريف ..
وقيل : معنى عرفها لهم: طيبها لهم من العرف وهو الرائحة الطيبه ، ومنه
طعام معرف ، أى مطيب ..
وعن الجبائى أن التعريف فى الدنيا، وهو بذكر أوصافها . والمراد أنه
- سبحانه - لم يزى يمدحها لهم، حتى عشقوها، فاجتهدوا فى فعل ما يوصلهم.
إليها ... ))
هذا ومن الأحكام التى أخذها العلماء من هذه الايات ما يأتى:
١ - وجوب قنال الكافرين بكل شدة وقوة، حتى تضعف شوكتهم ،
وتدول دولتهم ، ويخضعوا لحكم شريعة الإسلام فيهم ..
(١) تفسير الألوسى = ٢٥ ص ٠٤٣

٦٩
الجزء السادس والعشرون
وفى هذه المعنى وردت آيات كثيرة، منها قوله - تعالى -: « يأبها النبى.
جاهد الكفار والمنافقين وأغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير ..
٢ - أخذ بعض العلماء من قوله - تعالى -: «فإمامنا بعد وإما فداء حتى
تضع الحرب أوزارها، أن الأسير من الأعداء يدور أمره بين هاتين الحالتين
إما أن نطلق سراحه بدون مقابل، وإما أن نطلق سراحه فى مقابل فدية معينة
تأخذها منه، وقد تكون هذه الفدية مالا، أو عملا، أو غير ذلك مما فيه
منفعة للمسلمين .
٠
ويرى بعض العلماء أن هذه الآية منسوخة بقوله - تعالى -: (فإذا انسلخ
الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموم، وخذوهم واحصروم
وأقعدوا لهم كل مرصد ... »(٢)
ويرى المحققون من العلماء أن هذه الآية، وهى قوله - تعالى -: « فإمامنا
بعد وإما فداء ،.
تحكى حالات معينة يكون أمر الأسرى فيها دائرا بين المن والفداء ،
لأنهما من مصلحة المسلمين ، وهناك حالات أخرى يكون الأصلح فيها قتل
الأعداء ، أو استرقاقهم ..
فسألة الأسرى من الأعداء ، يكون الحكم فيها على حسب ما تقتضيه
مصلحة المسلمين ، ومرجع الحكم فيها إلى البصرا. بالحرب وبوضع خططها ،
لأنهم أعرف الناس بكيفية معاملة الأسرى ..
وهذا الرأى الأخير هو الذى تطمئن إليه النفس ، لأنه الثابت من فعل
برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن أفعال أصحابه، ولأن ذكر المن والفداء
لا ينافى جواز غيره كافتل - مثلا -، لأن هذا الغير مفهوم من آيات أخرى
ذكرت هذا الحكم فى أوقات وحالات معينة .
(١) سورة التوبة الآية ..

٧٠
سورة محمد
وقد رجح هذا الرأى كثير من العلماء، منهم الإمام ابن جرير ، فقد قال
ما ملخصه - بعد أن ساق جملة من الأقوال -: « والصواب من القول عندبه.
فى ذلك ، أن هذه الآية محكمة غير منسوخة ..
لأنه غير مستنكر أن يكونن جعل الخيار فى المن والقتل والفداء إلى
الرسول - صلى الله عليه وسلم - وإلى القائمين بعده بأمر الأمة، وإن لم يكن
القتل مذ كورا فى هذه الآية، لأنه قد أذن - سبحانه - بقتلهم فى آيات أخرى
منها , فاقتلوا المشركين حيث وجد تموم .. ))
وقد فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - کل ذلك، مع الأمری فی بدر
قتل عقبة بن أبي معيط ...
وأخذ الفداء من غيره ... ومن على ثمامة بن أثال الحنفى وهو أسير
فی یدہ (١) .
وقال القرطبى - بعد أن ذكر أربعة أقوال : الخامس : أن الآية
محكمة . والإمام مخير فى كل حال .
وبهذا قال كثير من العلماء منهم: ابن عمر، والحسن وعطاء، وهو مذهب.
مالك والشافعى والثورى والأوزاعى .. وغيرهم. وهو الاختيار، لأن النبى
- صلى الله عليه وسلم - والخلفاء الراشدين فعلوكل ذلك. فقد قتل النبى-
صلى الله عليه وسلم - فى بدر النضر بن الحارث. وأخذ الفداء من أسارى
بدر ... وقد من على سبى هو أزن. وهذا كله ثابت فى الصحيح ... (٢).
وقال بعص العلماء ما ملخصه: وما نحسبنا مخطئين إذا قلنا إن الذى كان
من النبى - صلى الله عليه وسلم من الأعمال المختلفة، كان نزولا على مقتضى
المصلحة ، ولذلك نراه كان يجتهد فى تعرف وجوه المصلحة . فيستشير أصحابه .
(١) راجع تفسير ابن جرير جـ ٢٩ ص ١٧.
(٢) تفسير القرطى = ١٦ ص ٠٢٢٨

٠٠
٧١
الجزء السادس والعشرون
ولو كان الأمر أمر خطة مرسومه، وحدا لا يتخطى. ما كان هناك معنى
للاستشارة، ولا للنزول على رأى بعض أصحابه، ولما خالف فى الحرب
الواحدة بين أسير وأسير. فقتل هذا، وأخذ الفداء من هذا ، ومن
على هذا .
وإذا فالمصلحة العامة وحدهاهى المحكمة، وهى الخطة التى تتبع فى الحروب
خصوصا والحرب مكر وخديمة، وما دامت مكرا وخديعة فليترك الماكرين
وضع خفط المكر والخديعة ولا يرسم لهم كيف يمكرون ، وإلا ما كانوا
ماكرين ،(١) .
٣ - بشارة الشهداء بالثواب الجزيل ، وبالأجر العظيم ، ويكفى لذلك
"قوله - تعالى - :
((والذين قتلوا فى سبيل الله فلن يضل أعمالهم، سيهديهم ويصلح بالهم.
ويدخلهم الجنة عرفها لهم ..
وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات جملة من الأحاديث
منها : ما أخرجه الإمام أحمد عن قيس الجذامی قال : قال رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يعطى الشهيد ست خصال: عند أول قطرة من دمه يكفر عنه
كل خطيئة ، ويرى مقعدة من الجنة، ويزوج من الحور العين ، بريؤمن من
الفزع الأكبر، ومن عذاب القبر. ويحلى حلة الإيمان)،(٢).
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين بشرهم فيه بنصره مى نصروا
دينه، وتوعد الكافرين بالخيبة والخسران ، ووبخهم على عدم تدبرهم فى
١
(١) راجع تفسير آيات الأحكام ج٤ ص ٧٦ لفضيلة الشيخ محمد على السايس.
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٩٢ ٠٠

٧٢
سورة محمد
مصير الذين من قبلهم، وسلى النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من
أعدائه ، فقال - تعالى - :
(( يَأيُّها الذِينَ آمَنُوا إنْ تَنصُرُوا اللهَ يَنْصُرُكُم ويثَبَتْ أقدامكُم (٧)
والذينَ كَفَرُوا فَتَعساً لهم وأَضْلَّ أَعْمَلهم (٨) ذلكَ بأنَّهم كَرِموا
مَا أَنْزَلَ اللهُ فَأَحَبَطَ أعمالهم (٩) أَفَمِ يَسِيروا فى الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ
كانَ عَقبةُ الذينُ مِنْ قَبَلهِمْ دمَّرَ اللهُ عَلَيهِمْ وللكاَ فِرِينَ أمثالها (١٠)
ذلِكَ بَأَنَّ الهَ مَوَلَى الذِينَ آمَنُوا وأنَّ الكافِينَ لا مَوْلَى لهم (١١)
إنّ الله يُدخِلُ الذِينَ آمَنُوا وعمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرى مِنْ تَخِما
الأنهارُ، والذينَ كَفَرُوا يتمتّعُونَ ويَأْكُلُونَ كما تأكلُ الأنعامَ
والنّار متوَى لَهَم (١٢) وَكَأَى مِنْ قَرةٍ هَ أَشَدُ قوةً مِنْ قَرْيَتِكَ التى
أَخرَ جتكَ أَهلِكْنَامَ فلا ناصِرَ لهم (١٣) » ..
والمراد بنصر المؤمنين لله - تعالى- نصرهم لدينه، بأن يستقيموا على أمره
ويقبعوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى كل ما أمرهم به أو نهاهم عنه.
والمعنى: يا من آمنتم بالله - تعالى - حق الإيمان، إن تنصروا دين الله
- عز وجل - وتتبعوأ رسوله، «ينصركم، - سبحانه - على أعدائكم ,وثيت
أقدامكم عند قناكم إياهم و يوفقكم بعد ذلك الثبات على دينه، وللشكر على نعمه.
وفى معنى هذه الآية، وردت آيات كثيرة، منها قوله -تعالى -: ((ولينصرن
الله من ينصره إن الله لقوی عزیز)،(١) ،
وقوله - سبحانه -: ((وكان حقا علينا نصر المؤمنين)،(٢).
(١) سورة الحج الآية ٤٠.
(٢) سورة الروم الآية ٤٧.

٧٣
الجزء السادس والعشرون
وقوله - عز وجل -: ((إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا
ويوم يقوم الأشهاد .(١).
وبعد هذا النداء الذى يحمل أكرم البشارات للمؤمنين، ذم ـ سبحانه ـ
الكافرين ذما شديدا، فقال: ((والذين كفروا، فتعسا لهم ((وأضل أعمالهم)).
والاسم الموصول مبتدأ، وخبره محذوف، و«تعساء منصوب على المصدر
بفعل مضمر من لفظه، واللام فى قوله « لهم، لتبيين المخاطب، كما فى قولهما:
سقيا له. أى: أعنى له. يقال: تعس فلان - من باب منع وسمع -
بمعنى ملك .
قال القرطبى ما ملخصه: وقوله: تعسا لهم)) نصب على المصدر بسبيل
الدعاء، مثل سقيا له ... وفيه عشرة أقوال: الأول: بعد الهم. الثانى : حزنا
لهم ... الخامس: هلا كا لهم ... يقال: تعسا لفلان. أى ألزمه الله هلا كا .
ومنه الحديث الشريف : تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة، إن أعطى
رضى ، وإن لم يعط لم يرض .. ،
وفى رواية: تعس وافتكس، وإذا شيك -. أى أصابته شوكة - ,فلا
انتقش، أى : فلا شفى من مرضه، (١).
١
والمعنى: والذين كفروا فتعسوا تعا شديدا، وهلكوا هلا كا مبيرا،
وأضل الله - تعالى - أعمالهم، بإن أحبطها ولم يقبلها منهم، لأنها صدرت عن
نفوس أشر كت مع خالقها ورازقها آلهة أخرى فى العبادة .
فقوله: ((وأضل أعمالهم، معطوف على الفعل المقدر الذى نصب به
لفظ ((تعسا، ودخلت الفاء على هذه اللفظ، تشبيها للاسم الموصول بالشرط.
(١) سورة غافر ٠٠١
(١) راجع تفسير القرطى ح ١٦ ص ٢٣٢

٧٤
سورةمحمد
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى الخسران والضلال فقال.
, ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله «أحبط أعمالهم».
أى : ذلك الذى حل بهم من التعاسة والإضلال بسبب أنهم كرموا
ما أنزله الله - تعالی ۔۔ على رسوله - صلى الله عليه وسلم - من قرآن يهدى إلى
الرشد، فكانت نتيجة هذه الكراهية، أن أحبط الله أعمالهم الحسنة التى
عملوها فى الدنيا كإطعام الطعام، وصلة الأرحام .. لأن هذه الأعمال لم تصدر
عن قلب سليم. يؤمن باقه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر.
ثم وبخهم ـ سبحانه ـ على عدم اعتبارهم بما فى هذا الكون من عبر
وعظات فقال: « أفلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين
من قبلهم ... ،
والهمزة للاستفهام التقريعى، والفاء معطوفة على مقدر، أى: أفيعوا
فى مساكنهم فلم يسيروا فى جنبات الأرض ، فيشاهدوا كيف كانت عاقبة
المکدبین من قبلهم کقوم عاد وثمود ولوط ... وغيرهم.
وقوله: «دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها، جملة مستأنفة، كأنه قيل:
كيف كاتهم عاقبة الذين من قبلهم ؟ فكان الجواب : دمر الله - تعالى - عليهم
مساكنهم وأموالهم: فالمفعول محذوف للتهويل والمبالغة فى الإهلاك. يقال:
دمر الله - تعالى - الأعداء تدميرا، إذا أهلكهم إهلا كاشديدا. ودمر عليهم،
أى: أهلك ما يختص بهم، وجاء هنا بكلمة «عليهم، لتضمين التدمير معنى
الإيقاع أو الهجوم ...
وقوله: «وللكافرين أمثالها، وعيد وتهديد لهؤلاء الكافرين المعاصرين.
للنی - صلى الله عيه وسلم - ،
أى: هكذا كانت عاقبة المجرمين السابقين، والكافر ين المعاصرين لك
- أيها الرسول الكريم - السائرين على درب سابقيهم فى الكفر والضلاله
والطغيان : أمثال تلك العاقية السيئة .

٧٥
الجزء السادس والعشرون
فالضمير فى قوله - تعالى - , أمثالها، يعود إلى العاقبة المتقدمة. وجمع
- سبحانه - لفظ الأمثال باعتبار تعدد المذاب الذى نزل بالأمم المكذبة السابقة.
واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - «ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا، وأن
الكافرين لا مولى لهم،.
أى: ذلك التدمير والإهلاك الذى حل بالمكذبين، بسبب أن الله - تعالى -
هو ولى المؤمنين وناصرهم ومؤيدهم ... أما الكافرون فلا مولى لهم بنصرهم
أو يدفع عنهم ماحل بهم من دمار وخسران .
فالمراد بالمولى هنا: الناصر والمعين، وأن نصرته - تعالى - هى للمؤمنين
خاصة. ولا يناقض هذا قوله - تعالى - فى آية أخرى: « ثم ردوا إلى الله
مولاهم الحق .. ، لأن المراد بقوله: ((مولاهم الحق)): إلههم الحق، ومالكهم.
الحق ، وخالقهم وخالق كل شىء .
ثم بين - سبحانه - ما أعده للمؤمنين من ثواب عظيم، وما أعده للمكافرين
من عذاب أليم، قال: (( إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات
تجرى من تحتها الأنهار. والذين كفروا يتمتعون .. ، أى يتمتعون وينتفعون
بملاذ الدنيا أياما قليلة ...
(((ويأكلون، مآ كلهم بدون تفكر أو تحر الحلال أو شكر ته (، كما تأكل
الأنعام ، طعامها الذى يلقيه إليها صاحبها ..
فالمقصود بالجملة الكريمة ذم هؤلاء الكافرين، لشبههم بالأنعام التى
لا تعقل، فى كونهم يأكلون طعامهم دون أن يشكرروا الله - تعالى - عليه،
ودون أن يفرقوا بين الحلال والحرام ، ودون أن يرتفعوا بإنسانيتهم عن
مرتبة الحيوان الأعجم ...
قال الآلوسى: والمعنى أن أكلهم مجرد عن الفكر والنظر، كما تقول
الجاهل: تعيش كما تعيش البوممة فأنت لا تريد التشبيه فى مطلق العش، ولكن

٧٦
سورة محمد
فى خواصه ولوازمه. وحاصله أنهم يأكلون غافلين عن عواقبهم ومنتى
أموره(١).
وقوله: (والنار مثوى لهم بيان لسوء عاقيتم فى الآخرة، بعد بيان
صورتهم القبيحة فى الدنيا. والمشوى: اسم مكان لمحل إقامة الإنسان .
أى: والنار هى المكان المعد لنزولهم فيه يوم القامة.
ثم سلى - سبحانه - نبيه عما أصابه منهم من أذى فقال: وكأين من قرية هى
أشد قوة من قريتك التى أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم».
وكلمة « كاين، مركبة من كاف التشبيه وأى الاستفهامية المدونة، ثم هجر
معنى جز أبها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية الدالة على التكثير ، ويكنى
عن عدد مبهم فتحتاج إلى تميز بعدها. وهى مبتدأ ... وقوله: (( أهلكنام))
خبرها. و((من قرية، تميز لها .. والمراد بالقرية أهلها، وهم مشركوقريش.
أى : وكم من أهل قرية هم أشد قوة من أهل قريتك التى أخرجوك منها
- أيها الرسول الكريم -، فترتب على فعلهم هذا أن أهلكناهم دون أن ينصرهم
من عقابنا ناصر، أو أن يجيرهم من عذابنا مجير.
مے
قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه : وهذا تهديد شديد ووعيد
أكيد لأهل مكة، فى تكذيبهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو سيد
المرسلين ، وخاتم النبيين ....
روى ابن أبى حاتم ، بسنده - عن ابن عباس أن النبى - صلى الله عليه وسلم -
لما خرج من مكة إلى الغار، التفت إليها وقال: يا مكه: أنت أحب بلاد الله إلى
الله وأنت أحب بلاد الله إلى، ولو أن المشركين لم يخر جونى لم أخرحمنك ...
فأنزل الله هذه الآية (٢).
(١) تفسير الألوسى ح ٢٦ ص ٤٦
(٢) راجع تفسير ابن كثير ح ٧ ص ٢٩٤

٧٧
الجزء السادس والعشرون
ثم واصلت السورة الكريمة حديثها فى الموازنة والمقارنة بين حال المؤمنين
وحال الكافرين ، فقال - تعالى -:
(( أَفَمَنْ كانَ على بيِّةٍ من ربِّهِ كَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءٍ عملِهِ وَاتَّبُوا
أهْواءم (١٤) مثل الْجَّة التى وُعدَ المتقونَ فيها أَنهارٌ مِنْ ماء غيرٍ آسِن
وأنهارٌ من لبنٍ لم يَتَغَيرْ طَعْمِه، وأنهارٌ من خمرٍ لذّةِ الشَّارِبينَ، وأنهارٌ
من عَسَل مُصفى، ولهم فيها من كلٌّ الثَّراتِ ومنفِرَةٌ من ربهم،
كنْ موَ خالِدٌ فى النَّارِ وسقُوا ماءٍ حِيماً فقطَّعَ أمعاءهمُ (١٥))).
والاستفهام فى قوله - تعالى -: «أفن كان على بينة من ربه، للإنكار
والنفى والغاء للعطف على مقدر يقتضيه السياق، و((من) مبتدأ، والخبر
قوله (كمن زين سوء عمله ... )
والبينة : ما يقبين به الحق من كل شىء، كالنصوص الصحيحة فى النقليات
والبراهين السليمة فى العقليات .
والمراد بمن كان على بينة من ربه: الرسول - صلى الله عليه وسلم -
وأتباعه. والمراد بمن زين له سوء عمله، واتبعوا أهوائهم: المشركون
الذين استحبوا العمى على الهدى .
والمعنى : أهن كان على بينة من أمر ربه ، وعلى طريقة سليمة من هديه
يستوى مع من كان على ضلالة من أمره، بأن ارتكب الموبقات مع توهمه.
بأنها حسنات، واتبع هواه دون أن يفرق بين القبيح والحن؟ لاشك أنهما
لا يستویان فى عقل أی عاقل ، فإن الفر یق الآول مهند فى منهجه وسلو که ،
والفريق الثانى فى الثقيض منه.
ثم أكد - سبحانه - هذا المعنى بأن بين مصير الفريقين فقال: ((مثل
الجنة التى وعد المتقون .... »

٧٨
سورة محمد
والمراد بالمثل هنا: الصفة. وهو مبتدأ، والكلام على تقدير الإستفهام
الإنكارى ، وتقدير مضاف محذوف ، والخبر قوله - تعالى -: «كمن هو
خالد فى النار .. ،
أى : أمثل أهل الجنة كمثل من هو خالد فى الغار، أو : أمثل الجنة كمثل
جزاء من هو خالد فى النار، وقدر الاستفهام فى المبتدأ لأنه مرتب على الإفكار
السابق فى قوله: « أفمن كان على بينة من ربة ... )).
ورحم الله - تعالى -- صاحب الكشاف، فقد قال: فإن قلت ما معنى
قوله تعالى -: ((مثل الجنة التى وعد المتقون فيها أنهار، كمن هو خالد
فى النار ؟
قلت هو كلام فى صورة الاثبات ، ومعنه النفى والافكار ، لانطوائه
تحت حكم كلام مصدر بحروف الإنكار ، ودخوله فى حيزة ، وانخراطه فى
سلكه ، وهو قوله - تعالى - : أفن كان على بينة من ر به کمن زین له سوء
عمله .... ؟ فكأنه قيل : أمثل الجنة كمن هو خالد فى النار، أى كمثل جزاء
من هو خالد فى النار ؟
فإن قلت: فلم عرى فى حرف الإنكار ؟ وما فائدة التعرية ؟
قلت : تعريته من حرف الإنكار فيها زياده تصوير المكابرة من يسوى
بين المتمسك بالبينة والتابع هواه، وأنه بمنزلة من يثبت القسوية بين الجنة
التى تجرى فيها الأنهار . وبين النار التى يسقى أهلها الجحيم .. ، (١)
وقوله - سبحانه -: ((فيها أنهار من ماء غير آمن)) تفسير مسوق الشرح
محاسن الجنه أى: صفة الجنة التى وعد الله - تعالى - بها عباده المتقين، أنها
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ ص ٣٢١

٧٩
الجزء السادس والعشرون
فيها أنهار من ما. ليس متغيرا فى طعمه أو رائحته ، وإنما هو ما. طيب لذيذ
تشتهيه النفوس . .
والماء الآسن: هو الماء الذى تغير طعمه وريحه، لطول مكثه فى مكان
معين . يقال أسن الماء يأسن - كضرب - يضرب , إذا تغير
((وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، أى: وفيها أيضا - أنهار من لبن لم
يتغير طعمه لا بالحموضة ولا بغيرها بما يجرى على الألبان التى تشرب فى
الدنيا .
(((وأهار من خمر لذة للشاربين، أى: وفيها كذلك أنهار من خمر هى فى
غاية اللذة لمن يشربها ، إذ لا يعقبها ذهاب عقل، ولا صداع ...
وقال - سبحانه - .. لذة للشاربين: الإشعار بأنها لذيذة لجميع من يشربونها
- بخلاف خمر الدنيا فإن من الناس من ينفر منها ويعافها حتى ولو كان على
غير دين الإسلام . . وأنهار من عسل مصفى ، أى: وفيها - أيضا - أنهار من
مسل لا يخالطه ما يخالط عسل الدنيا من الشمع أو غيره .
((ولهم، أى: للمؤمنين (( فيها، أى: فى الجنة فضلا عن كل ذلك , من
كل الثمرات ((التى يشتهوتها، وأهم من كل ذلك أنهم لهم فيها: ((مغفرة من
ربهم، أى: لهم ثواب عظيم وفضل كبير من ربهم ، حيث ستر لهم ذنوبهم
وأزالها عنهم، وحولها إلى حسنات بكرمه وإحسانه .
وقوله - سبحانه -: «كمن هو خالد فى الناروسقوا ما. حميما فقطع أمعام
أى: أمثل جزاء المؤمنين الذى هو الجنة التى فيها ما فيها من أنهار الماء واللبن
والخمر والعسل ... كمثل عقاب الكافرين والمتمثل فى فارم خالدين فيها أبدا
وفى ماء فى أشد درجات الحرارة ، يشربونه فيقطع أمعاءهم ؟
: لاشك أن كل غاقل يرى ونا شاسعا، بين حسن عاقبة المؤمنين، وسوء
عاقبة الكافرين .

٨٠
سورة حمد
وبذلك نرى أن هاتين الآيتين قد فرقت بين الأخيار والأشرار فى المنريج
والسلوك ، وفى المصير الذى يصير اليه كل فريق.
٠٠٥
وبعد هذا الحديث المفصل عن حال المؤمنين وحال الكافرين، وعن مصير
كل فريق . انتقلت السورة إلى الحديث عن المنافقين، وعن موقفهم من النبى
- صلى الله عليه وسلم - ومن القرآن الكريم الذى أنزله الله - تعالى - عليه،.
فقال - سبحانه -:
(( ومِنْهُم من يَسْتَمِعُ إليكَ حتَّى إذَا خرجُوا مِنْ عِنْدِكِ قَالُوالَّذِينَ
أُوتُوا العِلْمِ ماذَا قَالَ آنِفً، أولئكَ الذينَ طَبَعَ اللهُ عَلَى قلوبِهِم، واتَُّوا
أُهْواءمُ (١٦) والذينَ اهْتَدُوْا زادَهمُ هُدَى وَآتَمُ تَقْوَامٍ (١٧) فَلْ
يَنْظُرُونَ إلَّ السَّاعَةَ أنْ تَأْتِيَهِم بَغْتَةً فقَد باء أشْرَاطُها ، فأنى لهم إذًا
باءتَهُمْ ذَكْرامُ (١٨) فاعْلَمْ أَنْه لا إنَّهَ إلاَّ الله، واسْتَغْفِرْ لذْكَ
والمؤمِنِينَ والمُؤْمِنَتِ، وَاللهُ يعلَمُ مُتَقَلْبَكم ومَثْوا ثُم (١٩)» .
وضمير الجمع فى قوله : - تعالى -: «ومنهم من يستمع البك ... ، بعود
إلى هؤلاء لكافرين الذين يأكلون كما تأكل الآنعام، وذلك باعتبار أن
المنافقين فرقة من الكافرين ، إلا أنها تخفى هذا الكفر وقبطنه .
كما يحتمل أن يعود إلى كل من أظهر الإسلام، باعتبار أن من بينهم قوما
قالواكلمة الإسلام بأفواههم دون أن تصدقها قلوبهم .
وعلى كل حال فإن النفاق قد ظهر بالمدينة، بعد أن قويت شوكة المسلمين
بها؛ وصاروا قوة يخشاها أعداؤهم . هذه القوة جعلت بعض الناس يتظاهرون
بالإسلام على كره وهم يضمرون له ولأتباعه العداوة والبغضاء ... ويؤيدهم
فى ذلك اليهود وغيرهم من الضالين .

٨١
الجزء السادس والعشرون .
أى: ومن هؤلاء الذين يناصبونك العداوة والبغضاء - أيها الرسول
الكريم - قوم يستمعون إليك بآذانهم لا بقلوبهم.
, حتى إذا خرجوا من عندك، أى: من مجلسك الذى كانوا يستمعون
إليك فيه. ((قالوا)) على سبيل الإستهزاء والتهكم (( الذين أوتوا العلم، من
أصحابك، الذين فقهوا كلامك وحفظوه .
(((ماذا قال آنفا، أى: ماذا كان يقول محمد - صلى الله عليه وسلم - قبل
أن تفارق مجلسه .
فقوله: ٢٠ نفا، إسم فاعل، ولم يسمع له فصل ثلاثى ، بل سمع انتنف
يأتنف واستأنف يستأنف بمعنى ابتداء .
قال القرطبى: قوله: ((ماذا قال آنفا، أى: ماذا قال الآن ... فآنفا
يراد به الساعه التى هى أقرب الأوقات إليك من قولك استأنفت الشيء إذا
ابتدأت به. ومنه قولهم: أمر أنف، وروضة أنف، أى: لم يرعها أحد،(١).
. وقال الآلوسي ما ملخصه . قولة: « ومنهم من يستمع البك ... م
المنافقون، وإفراد الضمير باعتبار اللفظ ، كما أن جمعه بإعتبار المعنى.
قال ابن جريج . كانوا يحضرون مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم -
فيسمعون كلامه ولا يعو نه ولا يراعونه حق رعايته تهاونا منهم .
ومقصودهم بقولهم: ماذا قال آنفا، الاستهزاء وإن كان بصورة
الاستسلام ...
. و«آنفا، اسم فاعل على غير القياس أو بتجريد فعله من الزوائد لأنه لم
يسمع له ثلاثى، بل المسموع: استأنف وأتنف .... (٢).
ثم بين - سبحانه - حالهم فقال: ((أولئك الذين طبع الله على قلوبهم
واتبعوا أهواءهم » ..
(١) راجع تفسير القرطبى = ١٦ ص ٢٣٨
(٢) راجع تفسير الألوسى = ٢٦ ص ٠٫٥٠
نا ( ٦ - سورة محمد )

٨٢
سورة محمد
أى: أولئك المنافقون الذين قالوا هذا القول الضبيح ، هم الذين طبع الله
- تعالى - على قلوبهم، بأن جعلها بسبب استحبابهم الضلالة على الهداية
لا ينتفعون بنصح، ولا يستجيبون لخير، وهم الذين اتبعوا أهواءهم وشهواتهم
فصاروا لا يعفلون حقا ، ولا يفقهون حديثا .
فالآية الكريمة تصور تصويرا بليغا ما كان عليه هؤلاء المنافقون من.
مكر وخداع، ومن خبث وسوء طوية، وترد عليهم بهذا الذم الشديد الذى
يناسب جرمهم .
ثم يعقب - سبحانه - على ذلك ببيان حال المؤمنين الصادقين فيقول:
(( والذين اهتدوا زادهم حدى وأقام تقوام ،
أى: هذا هو حال المنافقين، وهذا هو الحكم الذى يناسبهم ، أما الذين
اهتدوا إلى الحق، واستجابوا له، وخالطت بشاشته قلوبهم، فهم الذين زادم
القه - تعالى - هداية على هدايتهم. وزادهم علما وبصيرة وفقها فى الدين ،
ومنحهم بفضله وإحسانه خلق التقوى والخشية منه، والطاعة لأمره،
وكافأهم على ذلك بما يستحقون من ثواب جزيل .
ثم تعود السورة الكريمة إلى توبيخ هؤلاء المنافقين على غفلتهم وانطاي:
بصائرهم، فتقول: «فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة، فقد جاء أشراطها
فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم ، ؟
فالإستفهام للافكار والتعجب من حالهم، وقوله ، أن تأتيهم ) بدل اشمال
من الساعة ، والأشراط جمع شرط - بالتحريك مع الفتح - وهو العلامة،
وأصله الإعلام عن الشىء .
يقال: أشرط فلان نفسه لكذا ، إذا أعلها له وأعدها ، ومنه الشرطى -
كتركى - والجمسع شرط ـ بضم ففتح - سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم.
بعلامات يعرفون بها ، وتميزهم عن غيرهم.

٨٣
الجزء السادس والعشرون
وقوله: (( فأنى لهم، خبر مقدم و((ذكراهم، مبتدأ مؤخر، والضمير
فى قوله ((جامتهم)) يعود إلى الساعة، والكلام على حذف مضاف قبل قوله
« ذكراهم أى: فأنى لهم تفع ذكراهم؟
والمعنى: ما ينتظر هؤلاء الجاهلون إلا الساعة، التى سيفاجئهم مجيؤها
مفاجأة بدون مقدمات ، والحق أن علاماتها قد ظهرت دون أن يرفعوا لها
وأسا ، ودون أن يعتبروا بها أو يتعظوالإستيلاء الأهواء عليهم.
ولكنهم عند ما تداهمهم الساعة بأهوالها، ويقفون للحساب. يتذكرون
ویؤ،نون با لله ورسله ... ولکن إيمانهم فى ذلك الوقت لن بنفعهم، لأنه جا.
فى غير محله الذى يقبل فيه، وتذكرهم واتعاظهم - أيضا - لن يفيدهم لأنه
جاء بعد فوات الأوان .
ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: ((فلم يك ينفعهم
إيمانهم لما رأوا بأسنا ، (١)
وقوله - تعالى - : ((وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد، (٧)
وقوله - عز وجل -: ((يومئذ يتذكر لإ انسان وأنى له الذكرى)) (٢)
قال الآلوسي: والظاهر أن المراد بأشراط الساعة هنا: علاماتها التى
كانت واقعة إذ ذاك، وأخبروا أنها علامات لها، كبمئة نبينا - صلى الله عليه
وسلم - فقد أخرج أحمد والبخارى ومسلم والترمذى عن أنس قال: قال رسول
- الله صلى الله عليه وسلم -: بعثت أنا والساعة كهاتين. وأشار بالسبابة
والوسطى .
(١) سورة غافر الآية ٨٥
(٢) سورة سبأ الآية ٥٢
(٣) سورة الفجر الآية ٢٣

٨٤
سورة محمد
وأراد - صلى الله عليه وسلم - مزيد القرب بين مبعثه والساعة، فإن
السبابة تقرب من الوسطى
٠
وأخرج أحمد عن بريدة قبل : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم
يقول: بعثت أنا والساعة جميعا، وإن كادت لتسبقنى، وهذا أبلغ فى إفادة القرب
وعدوا منها انشقاق القمر الذى وقع له - صلى الله عليه وسلم - والدخان
الذى وقع لأهل مكة ، أما أشراطها مطلقا فكثيرة، ومنها كلمكون الحفاة العراة
رعاء الشاة يتطاولون فى البنيان ... ))(١) .
ثم أمراقه - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يداوم على استغفاره
وطاعته قه - تعالى - وأن بأمر أتباعه بالاقتداء به فى ذلك فقال: ((ناطم
أنه لا إله إلا الله .....
والفاء فى قوله: «فاعلم ... ، للإفصاح عن جواب شرط معلوم مما من
من آيات ..
والتقدير : إذا تبين لك ما سقناه عن حال السعداء والأشقياء ، فاعلم أنه
لا إله إلا أنه، وأثبت على هذا العلم، وأعمل بمقتضاه، واستمر على هذا
العمل (( واستغفر لذنبك، أى: واستغفر الله - تعالى - من أن يقع منكذب.
واعتصم بحبله لكى مصمك من كل مالا يرضيه.
واستغفر - أيضا - المؤمنين والمؤمنات، بأن تدعو لهم بالرحمة والمغفرة
((والله)) - تعالى - بعد كل ذلك , يعلم منقلبكم ومثواكم، أى يعلم كل متقلب
وكل إقامة لكم سواء أكانت فى بر أم فى بحر أم فى غيرهما .
والمقصود: أنه - تعالى - يعلم جميع أحوالكم ولا يخفى عليه شيء منها.
والمتقلب: المتصرف. من التقلب وهو التصرف والانتقال من مكان إلى
آخر . والمثوى: المسكن الذى يأى اليه الإنسان ، ویقيم به.
(١) راجع تفسير الآلوسى = ٢٦ ص ٥٢