Indexed OCR Text

Pages 141-160

◌َِّاللهِ الرّالِحَـ
مقدمة
١ - سورة ((الدخان) من السور المكية، وعدد آياتها، نسع وخمسون
آية فى المصحف الكوفى، وسبع وخمسون فى البصرى ، وست وخمسون فى
غيرهما . وكان نزولها بعد سورة ((الزخرف)).
٢ - وقد افتتحت بالثناء على القرآن الكريم، وأنه قد أنزله - سبحانه-
فى ليلة مباركة، قال - تعالى -: ((إنا أنزلناه فى ليلة مباركة إنا كنا منذرين.
فيها يفرق كل أمر حكيم .....
٣ - ثم تحدثت عن جانب من العقوبات الدنيوية التى عاقب أنه - تعالى-
بها كفار قريش، وذ کرت ماتضرعوا به إلى اله لکی یکشف عنهم مانزل بهم
من بلاء، فلما كشفه - تعالى - عنهم عادوا إلى كفرهم وعنادم ...
قال - تعالى -: ((بل هم فى شك يلعبون. فارتقب يوم تأتى السماء بدخان
مبين. يغشى الناس هذا عذاب أليم . ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون ...
٤ - ثم ساقت جانبا من قصة فرعون مع موسى - عليهن السلام - ،
فيينت أن موسى دما فرعون وقومه إلى وحدانية الله - تعالى-، ولكنهم
أصروا على كفرهم ، فكانت عاقبتهم الإغراق فى البحر ، دون أن يحزن
لهلاكهم أحد، وأنهم قد تركوا من خلفهم ماتركوا من جنات ونعيم ...
قال - تعالى -: كم تركوا من جنات وعيون. وزروع ومقام كريم.
ونعمة كانوا فيها فاكهين. كذلك وأورثناها قوما آخرين . فما بكت عليهم
السماء والأرض وما كانوا منظرين ...

- ١٤٢ -
٥ - وبعد أن هددت السورة الكريمة مشركى مكة على أقوالهم الباطلة
فى شأن البعث، وردت عليهم بما يدحض حجتهم، أتبعت ذلك ببيان سوء عاقبة
الكافرين، وحسن عاقبه المؤمنين ، وختمت بتسلية الرسول - صلى الله عليه
وسلم - عما أصابه من أذى، ووعدته بالنصر على أعدائه، قال - تعالى -:
((فإنما يسرفاه بلسانك لعلهم يتذكرون. فارتقب إنهم مرتقبون.
٦ - هذا والمتدبر فى هذه السورة الكريمة يراها تمتاز بقصر الآيات،
وبأسلوبها الذى تبرز فيه ألوان متعددة من تهديد المشركين، قارة عن طريق
تذكيرهم بالقحط الذى نزل بهم ، وتارة عن طريق ماحل بالمكذبين من
قبلهم ، وتارة عن طريق ما ينتظرهم من عذاب مهين ، إذا ما استمروا على
كفرم ...
كما يراها تثنى على القرآن بألوان متعددة من الثناء ، وتبشر المتقين ببشارات
متنوعة، وتطوف بالنفس الإنسانية فى عوالم شتى، لتهديها إلى الصراط
المستقيم، ولترشدها إلى طريق الحق واليقين .
وصلى اقه علی سیدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟
محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر - مساء الجمعة جدة
٢٥ من صفر سنة ١٤٠٦ هـ
الموافق ٨ من توفير سنة ١٩٨٥ م

١٤٣
الجزء الخامس والعشرون
التفسير
١
قال تعالى: ((حَم (١) والكتابِ الُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاء فِى لَيلةٍ
مباركةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذرينَ (٣) فيها يُفْرَق كلُّ أمرٍ حكيمٍ (٤) أمراً مِنْ
عندِنَ إِنَّا كُنَّا مُرْسلينَ (٥) رَحَةً مِنْ رَبِّكَ إنَّهُ هو السَّيعُ العليمُ (٦)
ربِّ السَّمواتِ والأرْضِ وما يَينَماَ إنْ كُنتُم مُوقِينَ (٧) لاَ إلهَ
إلاَّ هو يُحِي ويميتَ رَبُكُم وربُّ آبائِكُم الأوَّلِينَ (٨)).
سورة (الدخان)) من السور المبدوءة بالحروف المقطعة، وقد سبق أن قلنا
"إنَّ أقرب الآراء إلى الصواب فى معناها: أن الله - تعالى - جاء بها فى أوائل بعض
السور للتحدى والتعجيز والتنبيه إلى أن هذا القرآن من عند الله - عز وجل -
فكأنه - تعالى - يقول المكذبين: هذا هو القرآن، مؤلف من كلمات
وحروف هى من جنس ما تتخاطبون به ، فإن كنتم فى شك فى كونه من
عنده - تعالى -، فأتوا بسورة من مثله .. فعجزوا وانقلبوا خاسرين، وثبت
أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - .
والواو فى قوله - تعالى -: ((والكتاب المبين، للقسم، وجوابه (( إنا
أنزلناه فى ليلة مباركة ....
والمراد بالليلة المباركة: ليله القدر ..
أى: وحق هذا القرآن الواضح الكلمات، البين الأسلوب ، لقد ابتدأنا
إنزاله فى ليلة كثيرة البركات والخيرات .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف هذه الليلة بأنها مباركة، لزيادة
خيرها وفضلها ، ولما تتابع فيها من نعم دينية ودفيوية ..
=

١٤٤
سورة الدخان
وفقه - تعالى - أن يفضل بعض الأزمنة على بعض، وبعض الأمكنة على
بعض وبعض الرسل على بعض .. لاراد لفضله، ولا معقب لحكمه ..
قال الإمام ابن كثير: يقول الله - تعالى -: «مخبرا عن هذا القرآن
الكريم: أنه أثرله فى ليلة مباركة، وهى ليلة القدر، كما قال - تعالى -: «إنا
أنزلناه فى ليلة القدر ... ، وكان ذلك فى شهر رمضان، كما قال - تعالى - :
(( شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن» ..
وما قال بأنها ۔ أى : اللیلة المبار کة - لیلة النصف من شعبان- کما روىعن
عكرمة - فقد أبعد النجعة، فإن فص القرآن أنها فى رمضان ... (١)
هذا وقد فصل بعضهم أدلة من قال بأن المراد بها ليلة القدر ، وأدلة من
قال بأن المراد بها ليلة النصف من شعبان(١).
والحق أن المراد بها ليلة القدر ، التى أنزل فيها القرآن من شهر رمضان،
كما نصت على ذلك آية سورة البقرة التى تقول : · شهر رمضان الذي أنزل فيه
القرآن ...
والأحاديث التى أوردها بعضهم فى أن المراد بها ليلة النصف من شعبان،
أحاديث مرسلة أو ضعيفة ، أو لا أساس لها .. فثبت أن المراد بها
ليلة القدر .
. وقوله - سبحانه -: ((إنا كنا منذرين، استئناف مبين لمقتضى الإنزال.
والإنذار: إخبار فيه تخويف وترهيب، كما أن التبشير إخبار فيه تأمين
وترغيب .
أى: أنزلنا هذا القرآن فى تلك الليلة المباركة، أو ابتدأنا إنزاله فيها،
(١) تفسير ابن كثير ــ ٠٧ ٢٣٢
(٢) راجع حاشية الجمل على الجلالين -٤ - ٠٩٩ وتفسير الألوسى
٢٥٠ ٧ ٠١١١

١٤٥
الجزء الخامس والعشرون
لأن من شأننا أن نخوف بكتبنا ووحينا، حتى لا يقع الناس فى أمر نهينام
عن الوقوع فيه .
وقوله - تعالى -: (( فيها بفرق كل أمر حكيم، جملة مستأنفة - أيضا-
لبيان وجه تخصيص هذه الليلة بإنزال القرآن فيها .
وقوله ((يفرق، أى: يفصل ويبين ويكتب. و, حكيم، أى: ذو حكمة،
أو مےکم لا تغییر فیه .
أى: فى هذه الليلة المباركة يفصل ويين ويكتب ، كل أمر ذى حكمة
باهرة، وهذا الأمر صادر عن الله - تعالى -، الذى لا راد لقضائه، ولا
مبدل لحكمه .
وقال صاحب الكشاف ما ملخصه: فإن قلت: ((إنا كنا منذرين . فيها
يفرق كل أمر حكيم ، ما موقع هاتين الجملتين ؟
قلت : هما جملتان مستأنفتان، فسر بهما جواب القسم الذى هو قوله
- تعالى -: «إنا أنزلناه فى ليلة مباركة، كان قبل: أنزلناه، لأن من شأننا
الإنذار والتحذير من العقاب، وكان إنزالنا إياه فى هذه الليلة خصوصا، لأن
إنزال القرآن من الأمور الحكيمة، وهذه الليلة مفرق كل أمر حكيم ..
ومعنى (( يفرق) يفصل ويكتب كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم،
وجميع أمورم ... )،(١)
ثم بين - سبحانه - أن مرد هذه الكتابة والتقدير الأشياء إليه وحده
فقال: « أمرا من عندنا ... )
ولفظ ((أمرا ٠٠، يرى بعضهم أنه حال من ((كل امر .. ، أى: يفرق
فى هذه الليلة المباركة كل أمر ذى حكمة ، حالة كون هذا الأمر من عندنا
وحدة لا من عند غيرنا .
(١) تفسير الكشاف جـ ٤ صـ ٢٧٠
(٠١٠- سورة الدخان )

١٤٦
ويصح أن يكون منصوبا على الاختصاص، وتفكيره التفخيم ، أى:
أعنى بهذا الأمر الحكيم، أمرا عظما كائنا من عندنا وحدنا. وقد اقتضاء
علينا وتدبيرنا ..
=
وقوله: ((إنا كنا مرسلين. رحمة من ربك .. )) بدل من قوله: «إنا
كنا منذربن ».
1
أى: أنزلنا هذا القرآن، فى تلك الليلة المباركة لأن من شأننا إرسال
المرسلين إلى الناس، لأجل الرحمة بهم ، والهداية لهم، والرعاية لمصالحهم.
وقوله: «إنه هو السميع العليم، تعليل لما قبله . أى: فعل ما فعل من
إنزال القرآن، ومن إرسال الرسل، لأنه - سبحانه - هو السميع لمن تفرع
إليه ، العليم بجميع أحوال خلقه .
ثم وصف - سبحانه - ذاته بما يدل على كال قدرته، ونفاذ إرادته فقال:
« رب السموات والأرض وما بينهما ... )) من هو أه، ومن مخلوقات لا يعلمها
إلا الله - تعالى -.
((إن كنتم موقنين، أى: إن كنتم على يقين فى إقراركم حين تسألون عمن
خلق السموات والأرض وما بينهما .
وجواب الشرط محذوف، أى: إن كنتم من أهل الإيقان ، علمتم بأن الله
- تعالى- وحده، هو رب السموات والأرض وما بينهما.
(( لا إله إلاهو، - سبحانه - «يحى)، من يريد إحياءه، ((ويميت، من يريد
إمانته ، هو - تعالى - ((ربكم ورب آبائكم الأولين)).
أى: هو - سبحانه - الذى تعهدكم بالرعاية وللتربية والخلق، كما فعل ذلك
مع آبائكم الأولين ، الذين أنتم من نسلهم ...
ثم بين - سبحانه - أحوال الكافرين، وكيف أنهم عندما ينزل بهم العذاب،
يجأرون إلى الله - تعالى - أن يكشفه عنهم .. فقال - تعالى -:

١٤٧
الجزء الخامس والعشرون
(((بلْ مُ فِى شكّ يلعبونَ (٩) فارتَقِبْ يومَ تأتى السماءِ بِدُخانٍ
مبينٍ (١٠) يغشَى النّاسَ هذَا عذَابٌ أليمٌ (١١) ربًّا إكثِفِ عنَّا
المذابَ إنَّا مؤمنُونَ (١٢) أني لَهُمُ اللَّكَرَى وقد جاءهمُ رسُولٌ
مُبِينٌ (١٣) ثمْ تولَّوْا مِنْهُ وقَالُوا مُعَلٌَّ مُجُنُونٌ (١٤) إنَّا كاشِفُو العذابِ
قليلاً إنكُم عَئِدُون (١٥) يومَ نَبْطُِ البطشَةَ الكُبرَى إِنَّا
مُنْتَقِمُونَ (١٦))).
و(دبل، فى قوله - تعالى -: «بل هم فى شك يلعبون، للإضراب الإيطالى،
لأن المقصود من الاية الكريمة ، ففى إبقائهم بأن خالق السموات والأرض
هو الله، لعدم جريهم على ما يقتضيه هذا الإیقان، لأنهم لو كانوا موقنين حقا
بذلك، لأخلصوالله - تعالى - العبادة والطاعة.
فيكون المعنى: إن هؤلاء الكفار لم يكونوا موقنين بأن رب السموات
والأرض وما بينهما هو الله، بل قالوا ما قالوا فى ذلك على سبيل
الشك والعب :
قال الآلوسي: قوله: « بل هم فى شك ... )، إضراب إبطالى، أبطل به
إيقانهم لعدم جريهم على موجبه. وتنوين ,شك، للتعظيم. أى: فى شك
عظيم . (( يلعبون)) أى: لا يقولون ما يقولون عن جد وإذعان، بل يقولونه
مخلوطا بهزء ولعب. وهذه الجملة خبر بعد خبر لهم ... والالتفات عن خطابهم
لفرط عنادهم، وإهمال أمرم ... ،(١).
والفداء فى قوله - تعالى -: ((فار تقب يوم تأتى السماء بد خان مبين، لتر قيب
ما بعدها على ما قبلها، ولقسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأمره بالصبر
حتى يحكم الله بينه وبينهم
(١) تفسير الألوسى - ٢٥ ص ١١٦

١٤٨
سورة الدخان
والارتقاب: الانتظار، وأكثر ما يستعمل الارتقاب فى الأمر المكروه.
والمراد باليوم مطلق الوقت، وهو مفعول به لارتقب .
قال الألوسى ما ملخصه: ((والمراد بالسماء جهة العلو. وإسناد الإتيان
بذلك إليها، من قبيل الإسناد إلى السبب، لأنه يحصل بعدم إمطار .. )).
أى: فارتقب يوم تأتى السماء بجدب ومجاعة، فإن الجائع جدا يرى بينه
وبين السماء كهيئة الدخان، وهى ظلمة تعرض للبصر لضعفه ... وإرادة الجدب
والجماعة منه مجاز، من باب ذكر المسبب وإرادة السبب ... وبعض العرب
يسمى الشر القالب دخانا، ووجه ذلك أن الدخان مما يتأذى به فأطلق
على كل مؤذ يشيه، وأريد به هنا الجدب، وممناه الحقيقى معروف))(1).
والمفسرين فى معنى هذه الآية إتجاهات أولها: ماورد فى الحديث الصحيح
من أن مشركي مكة ؛ لما أصروا على كفرهم وعلى إعراضهم عن الحق ، دعاعليهم
الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقوله: «اللهم أعنى عليهم بسبع كسبع
يوسف ... ، فأصابهم القحط والبلاء والجموع ...
وكنى عن ذلك بالدخان ، لأن العرب يسمون الشر الغالب بالدخان ،
فيقولون: كان بيننا أمر ارتفع له دخان ،.
والسبب فيه أن الإنسان إذا اشتد ضعفه، أظلمت عيناه ، فيرى الدنيا
كالمملوءة بالدخان .
روى البخارى وغيره عن ابن مسعود قال: إن قريشا لما أبطأت عن
الإسلام، واستعصت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا عليهم
بستين كسنى يوسف، فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة،
وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان ...
(١) تفسير الآلومى = ٢٠ ص١١٧

١٤٩
الجزء الخامس والمشرون
فقيل: يارسول لقه، اسقسق الله لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى لهم
فسقوا، فأنزل الله: ((إنا كاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون)).
قال ابن كثير= وهذا الحديث مخرج فى الصحيحين، ورواه الإمام أحمد
فى مسنده، وهو عند الترمذى والنسائى فى تفسيرهما، وعند ابن جرير وابن
أبى حاتم من طرق متعددة(١) .
وعلى هذا الرأى يكون الدخان قد وقع فعلا ، بمعنى أن المشركين قد
أصابهم بلاء شديد فى عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -.
أما الإتجاه الثانى غيرى أصحابه ، أن المراد بالدخان ، ما يكون قبل يوم
القيامة من دخان يسبق ذلك ، كعلامة من علامات البعث والنشور ..
واستدل أصحاب هذا الاتجاه. بأحاديث ذكرها المفسرون .
قال ابن كثير: وقال آخرون: لم يمض الدخان بعد، بل هو من أمارات
الساعة، كما تقدم من حديث حذيفة بن أسيد الغفارى، قال: أشرف علينا
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غرفته ونجن نتذاكر الساعة، فقال:
لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات : طلوع الشمس من مغربها، والدخان،
والدابة، وخروج يأجوج ومأجوج، وخروج عيسى ابن مريم، والدجال
وثلاثة حسوف : خسوف بالمشرق وخسوف بالمغرب ، وخسوف بجزيرة
العرب ، ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس - أو تحشر الناس - تبيت
معهم حيث باقوا ، وتقيل معهم حيث قالوا، .
ثم ساق ابن كثير بعد ذلك أحاديث أخرى ... وقال فى نهايتها: والظاهر
أن ذلك يوم القيامه (٢).
(١) راجع تفسير ابن کثیر ح٧ ص ٢٣٣
(٢) راجع تفسير ابن كثير <٧ ص ٢٣٣

١٥٠
سورة الدخان
ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى سياق الآيات التى ذكرها الله
- تعالى - فى هذه السورة، ولا يتعارض ذلك مع كون ظهور الدخان علامة
من علامات قرب يوم القيامة، كما جاء فى حديث حذيفة بن أسيد الغفارى ،
الذى ذكره ابن كثير - رحمه الله - وقال فى شأنه: تفرد بإخراجه مسلم.
فى صحيحه.
ومن المفسرين الذين رجحوا الإتجاه الأول الإمام الطبرى؛ فقد قال بعد
أن ساق هذين القولين: وأولى القولين بالصواب فى ذلك قول ابن مسعود،
من أن الدخان الذى أمر الله - تعالى - نبيه أن يرتقبه، هو ما أصاب قومه من
الجهد بدعائه عليهم ...
وإنمنا قلت القول الذي قاله ابن مسعود - رضى الله عنه - هو أولى بتأويل
الآية، لأن الله - تعالى - توعد بالدخان مشركي قريش ... ولأن الأخبار
قد تظاهرت بأن ذلك كائن ..
والمعنى : فانتظر يا محمد لمشركى قومك، يوم تأتيهم السماء من البلاء الذى
يحل بهم، بمثل الدخان المبين،(١).
=
ومنهم - أيضا - الإمام الآلوسي، فقد قال - رحمه الله -: هذا، والأظهر
حمل الدخان على ما روى عن ابن مسعود ، لأنه أنسب بالسياق ، لما أنه فى
5
كفار قريش ، وبيان سوء حالهم،(٢).
وقوله - سبحانه -: (( يغشى الناس، صفة ثانية للدخان. والمراد بهم
کفار مکه وأمثاهم عن أصابه الجوع والبلاء.
أى: ارتقب - أيها الرسول الكريم - يوم تأتى السماء لهؤلاء المشركين
(١) راجع تفسير ابن جرير <٢٥ ص ٦٨
(٢) راجع تفسير الآلوسى = ٢٥ ص ١١٨

١٥١
الجزء الخامس والعشرون
بعذاب من صفاته أنه عذاب واضح «يحسونه بحواسهم، ويشعرون به شعورا
جليا . ومن صفاته كذلك أنه يحيط بهم من كل جوانبهم ، ويجعلهم يتضرعون
إلينا ويقولون: «هذا عذاب أليم، أى : شطيد ألمه، وعظيم هوله.
ثم يقولون - أيضا -: «ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون)
أى: ياربنا أزل عنا هذا العذاب المتمثل فى الجوع والمرض وغيرهما، فإنك
إن رفعت عنا ذلك آمنا برسولك - صلى الله عليه وسلم -، واتبعنا دعوته،
ولكنهم بعد أن كشف الله - تعالى - عنهم هذا العذاب، نقضوا عمودهم،
وأصروا على كفرهم.
ولذا عقب الله - تعالى - على تضرعهم هذا بقوله: «أنى لهم الذكرى ...
أى: كيف يتأتى لهم التذكر والاعتبار والاتعاظ ...
٠
والحال أنهم ((قد جاءهم رسول مبين، هو محمد - صلى الله عليه وسلم - ،
الذى لم يترك بابا من أبواب الخير إلا وأرشدهم إليه، ولم يترك وسيلة من
وسائل الهداية إلا وسلكها معهم ...
ولكنهم استحبوا العمى على الهدى، ولذا أكد القرآن ذلك فقال: ( ثم
قولوا عند وقالوا معلم مجنون».
أى: كيف يتعظون والحال أنه قد جاءهم رسول عظيم الشأن ، موضح
للحق أكمل توضيح، فما كان منهم بعد أن استمعوا إليه، إلا الإعراض عن
دعوته، ولم يكتفوا بهذا الإعراض والصدود، ل قالوا فى شأنه بجهالة وسوء
أدب: (( معلم، أى: إنسان يعلمه غيره من البشر، وقالوا فى شأنه - أيضا-
((مجنون)) أى: مختلط فى عقله.
ثم - بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله عليهم، ورحمته بهم، فقال:
((إنا وكاشفوا العذاب قليلا إنكم عائدون)).

١٥٢
سورة الدخان
أى: إنا بفضلنا ورحمتنا كاشفوا العذاب عنكم كهفا قليلا - أيها
المشركون -، ولكنكم لم تقابلوا فضلنا عليكم، ورحمتنا بكم، بالشكر والطاعة
بل قابلتم ذلك بالإصرار على الكفر، والثبات على الجحود.
فالمراد بقوله - تعالى.« إنكم عائدون،: عزمهم وإصرارهم على الاستمرار
على الكفر، لأنهم لم يوجد منهم إيمان، حتى يتركوه وبعودوا إلى الكفر ،
وإنما الذى وجد منهم هو الوعد بالإيمان إذا الكشف عنهم العذاب ، فلما
الكشف عنهم، نقضوا عهودهم ، واستمروا على كفرهم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «وقالوا يا أيها الساحر أدع لنا ربك
بما عمد عندك إننا لميهتدون . فلما كثفنا عنهم العذاب إذا م
بنكتون ،(١).
، هددهم - سبحانه - تهديدا ترتعد له القلوب فقال: «يوم نبطش البطشة
الكبرى إنا منتقمون» .
رقوله : يوم، منصوب بفعل مقدر. وقوله (( نبطش، من البطش بمعنى
الأخذ بقوة وعنف . يقال بطش فلان بفلان بيطش به ، إذا نكل به تشكيلا
شديدا .
أى: أذكر - أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ يوم أن نأخذ هؤلاء الكافرين
أخذ عزيز مقتدر ، حيث ننتقم افتقاما بذهم ويخزيهم .
وهذا البطش الشديد منالهم سيكون جزءا منه فى الدنيا ، كانتقامنا منهم
يوم بدر وسيكون أشده وأعظمه وأدومه عليهم ... يوم القيامة،
(١) سورة الزخرف الآية ٤٩ و ٠٥٠

١٠٣
الجزء الخامس والعشرون
وبذلك نرى السورة الكريمة بعد أن مدحت القرآن الكريم مدحا عظماء
وبينت جانبا من مظاهر فضل الله - تعالى - على عباده، أخذت فى تسلية
الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من أعدائه، وهددت هؤلاء الأعداء
بسوء المصير فى الدنيا ، وفى الآخرة .
٥٫٥٥
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن جانب من قصة موسى - عليه
السلام - مع فرعون وملئه، وكيف أن اته - تعالى - أجاب دعاء نبيه
موسى ، فأهلك فرعون وقومه ، ونجى موسى وبنى إسرائيل من شرورهم فقال
- تعالى - :
((ولقّدْ فَنَّا قبلَهم قومَ فرعون وجاءهُ رَسُولٌ كريمٌ (١٧) أنْ
أَذُوا إِلىَّ عبادَ الُهِ إنى لكُم رسُولٌ أمينٌ (١٨) وأنْ لاَ تعلُو عَلَى
القُرِ إنى آتَيْكُم بِسُلطانٍ مبينٍ (٩) وإنى عذْت بربى وربِّكُمْ أَنْ
تَرَجُونَ (٢٠) وإنْ لم تؤمِنُوالى فاعتزلُونِ (٢١) فدعاَ ربَّهُ أنَّ هؤلاء
قومٌ مجرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بعبَدِى لَيْلاَ إِنكُمْ مُتَبعونَ (٢٣) واتْرُكِ
البحرَ رَهْواً إنهم جندٌ مغرَقُونَ (٢٤) كم تركُوا من جنَّاتٍ وعُيُونٍ (٢٥)
وزُرُوعٍ ومقاَمٍ كَريمِ (٢٦) ونَعمةٍ كانوا فيهاَ فاكِينَ (٢٧) كذلكَ
وأَورَثْنَهَا قَوماً آخرِينَ (٢٨) فما بكتْ عليهِمُ السماءِ والأرْضُ وما كانوا
مِنْظَرِينَ (٢٩) والقَّدْ نَينَ بنى إِسْرائيلَ من المذَابِ الْمِينِ (٣٠) من
فِرْعَونَ إِنَّه كانَ عَالِياً من المسرفين (٣١) ولقد اخْتَرْنَمُ عَلَى عَلْمٍ عَلَى
العالمينَ (٣٢) وآتيناَمُ من الآياتِ ما فيهِ بلاءٍ مُبِينٌ (٣٣))).

١٠٤
سورة الدخان
واللام فى قوله - تعالى -: ((ولقد فتنا قبلهم قوم فرعون .. ، موطئة
للقسم. و قوله , فتنا، من الفتن بمعنى الاختبار والامتحان. يقال: فتفت
الذهب بالنار، إذا أدخلته فيها لتعرف جودته من رداءته .
والمراد به هنا: إحتبارهم وامتحانهم، بإرسال موسى - عليه السلام -
وبالتوسعة عليهم تارة ، وبالتضييق عليهم تارة أخرى .
والمعنى: والله لقد اختبرنا فرعون وقومه من قبل أن ترسلك - أيها الرسول
الكريم - إلى هؤلاء المشركين، وكان اختبارنا وامتحاننا لهم عن طريق إرسال
نبينا موسى إليهم، وعن طريق إبتلائهم بالسراء والضراء لعلهم يرجعون
إلى طاعتنا ، ولكنهم لم يرجعوا فأهلكناهم.
فالآية الكريمة المقصود بها تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم عما أصابه
من قومه ، بيان أن تكذيب الأقوام لرسلهم، حاصل من قبله ، فعليه أن
يتأسى بالرسل السابقين فى صبرهم .
والمراد بالرسول الكريم فى قوله تعالى -: ((وجاءهم رسول كريم،:
موسى - عليه السلام -، فقد أرسله - سبحانه - إلى فرعون وقومه، فبلغهم.
رسالة ربه ، ولكنهم كذبوه وعصوه ...
ووصف - سبحانه - نبيه موسى بالكرم، على سبيل التشريف له، والإعلاء.
من قدره، فقد كان - عليه السلام - كليمالربه، ومطيعا لأمره، ومتحليا
بأسمى الأخلاق وأفضلها .
و((أن، فى قوله - تعالى - : (( أن أدوا إلى عباد الله ... ، مفسرة ، لأن
مجىء الرسول إليهم يتضمن معنى القول. وقوله: ((أدوا إلى، بمعنى سلموا
إلى ، أو ضموا إلى ...
وقوله: «عباد الله، مفعول به. والمراد بهم بنو إسرائيل.
والمعنى : جاء إلى فرعون وقومه رسول كريم، هو موسى - عليه السلام -،.

١٥٥
الجزء الخامس والعشرون
فقال لهم : سلموا إلى بنى إسرائيل، وأطلقوهم من الذل والهوان، واتركوم
يعيشون أحراراً فى هذه الدنيا ...
ويؤيدهذا المعنى قوله - تعالى - فى موضع آخر: « فأنياه فقولا إنا رسولا
ربك، فأرسل معنا بنى إسرائيل ولا تعذبهم ... ، (١)
ويصح أن يكون المراد بقوله (( أن أدوا إلى ... )، بمعنى: أن استحيوا
لدعوتى، والمراد بالعباد: ما يشمل بنى إسرائيل وغيرهم. ويكون لفظ
((عباد الله، منصوب بحرف نداء محذوف.
وعليه يكون المعنى: أرسلنا إلى فرعون وقومه رسولا كريما، فجاء إليهم
وقال لهم على سبيل النصح والإرشاد: باعباد الله، إنى رسول الله إليكم،
فاستمعوا إلى قولى، واتبعوا ما ادعوكم إليه من عبادة الله - تعالى - وحده.
وترك عبادة غيره .
قال الآلوسى: قوله: (( أن أدوا إلى عبادالله ... ، أى: أطلقوم وسلموم
إلى . والمراد بهم بنو إسرائيل الذين كان فرعون يستعبدهم . والتعبير عنهم
بعباد الله، الإشارة إلى أن استعباده إياهم ظلم منه لهم ...
أو أدوا إلى حق الله - تعالى - من الإيمان وقبول الدعوة باعبادالله، على
أن مفعول (( أدوا)) محذوف، وعباد منادى، وهو عام لبنى إسرائيل والقبط،
والأداء بمعنى الفعل للطاعة، وقبول الدعوة .. ،(٢)
وقوله - سبحانه -: ((إنى لكم رسول أمين، تعليل لما تقدم. أى:
استجيبوا لدعونى، وأطيعو أمرى، فإنى مرسل من الله - تعالى - إليكم ،
و أمین علی الرسالة ، لأنى لا ابدل شيئا ما كلفنى به ربى.
وقوله - سبحانه -: ((وأن لا تعلو على الله .. )) معطوف على قوله: ((أن
أدوا .. ، وداخل فى حيز القول .
(٢) تفسير الآلوسي - ٢٥ ص ١٢١
(١) سورة طه الآية ٤٧

١٥٦
سورة الدخان
أى: قال لهم: أرسلوا معى بنى إسرائيل، واستجيبوا لدعوتى، واحذروا
أن تتجبروا أو تكبروا على الله - تعالى -، بأن تستخفوا بوحيه أو تعرضوا
عن رسوله ...
((إنى آنيكم بسلطان مبين، أى: إني آتيكم من عنده - تعالى - بحجة
واضحة لا سبيل إلى إنكارها ،وببرهان ساطع يشهد بصدقى وأمانى ..
(وإنى عذت ربي وربكم أن ترجمون، أى: وإنى اعتصمت واستجرت
بربي وربكـ من أن ترجمونى بالحجارة، أو من أن تاجقوا بى ما يؤذينى، وهذا
الاعتصام بالله - تعالى - يجعلنى لا أبالى بكم، ولا أتراجع عن تبليغ دهوته
- سبحانه - بحال من الأحوال.
((وإن لم تؤمنوا لى فاعتزلون، أى: وقال لهم - أيضا - فى ختام نصحه
لهم: إنى لن أتراجع عن دهوتكم إلى الحق مهما وضعتم فى طريقى من عقبات،
وعليكم أن تؤمنوا بى، فإن لم تؤمنوا بى، فكونوا بمعزل عنى؛ بحيث تتركونى
وشأتى حتى أبلغ رسالة ربى، فإنه لا موالاة ولا صلة بينى وبينكم، ما دمتم
١
مصرين على كفركم ....
فأنت ترى أن موسى - عليه السلام - قدطلب من فرعون وقومه الاستجابة
لدعوته , ونهاهم عن التكبر والغرور، وبين لهم أنه رسول أمين على وحى الله
- تع الى -، وأنه معتصم بربه من كيدهم، وأن عليهم إذا لم يؤمنوا به أن
يتركوه وشأنه ، لكى يبلغ رسالة وبه، ومن شاء بعد ذلك فليؤ من، ومن
شاء فليكفر .
ولكن الإرشادات الحكيمة من موسى لفرعون وقومه ، لم تجد أذنا
صاغية ، فإن الطغيان فى كل زمان ومكان ، لا يعجبه منطق الحق والعدل
والمسالمة ... ولكن الذى يعجبه هو التكبر فى الأرض بغير الحق ، وإيثار
الغى عن الرشد .

١٥٧
الجزء الخامس والعشرون
ولذا نجد موسى - عليه السلام - يلجأ إلى ربه يطلب منه العون والنصرة
فيقول - كما حكى القرآن عنه -: ((فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون)).
والآية الكريمة معطوفة على كلام محذوف، بفهم من السياق، والتقدير:
وبعد أن أمر موسى فرعون وقومه بإخلاص العبادة لله - تعالى - ونهاهم عن
الإشراك به ... بعدكل ذلك أصروا على تكذيبه، وأعرضوا عن دعوته ،
وآذوه بشتى ألوان الأذى، فدعا ربه دعاء حارا قال فيه: يارب إن هؤلاء القوم
- وهم فرعون وشيعته - قوم راسخون فى الكفر والإجرام، فأنزل بهم عقابك
الذى يستحقونه .
ثم حكت السورة الكريمة بعد ذلك ما يدل عن أن الله - تعالى - قد أجاب
دعاء موسى - عليه السلام -، وأنه - سبحانه - قد أرشده إلى ما يفعله فقال:
((فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون)).
قال الجمل: قوله: ((فأسر، قرأ الجمهور بقطع الهمزة وقرأ نافع وابن كثير
يوصلها . وهما لغتان جيدتان: الأولى من أسريت والثانية من سريت. قال
- تعالى -: ((سبحان الذي أسرى بعبده، وقال: "والليل إذا يسر)).
والإسراء السير ليلا، فذكر الليل - هنا - تأكيد له بغير اللفظ - إذ الإسراء
والسرى: السير ايلاء(!).
والكلام على تقدير القول ، أى: فقال الله - تعالى - له على سبيل التعليم
والإرشاد : سر ياموسى ببنى إسرائيل وبمن آمن معك من القبط من مصر،
بقطع من الليل (( إنكم متبعون، من جهة فرعون وملئه، متى علموا بخروجكم.
((واترك البحر - رهوا ... )) أى: ومتى وصلت إلى البحر - أى: البحر
الأحمر - فاضربه بعصاك، ينغلق - بإذن الله - فسر فيه أنت ومن معك،
واتركه ساكنا مفتوحا على حاله ، فإذا ما سار خلفك فرعون وجنوده
أغرقناهم فيه .
(١) حاشية الجمل على الجلالين حـ ٤ ص ١٠٤

١٠٨
سورة الدخان
يقال: رها البحريرهو، إذا سكن. وجاءت الخيل رهوا، أى :ساكنة.
ويقال - أيضا -: رها الرجل رهوا، إذا فتح بين رجليه وفرق بينهما ، وهو
حال من البحر .
قال الإمام الرازى: وفى لفظ «رهوا، فولان :
أحدهما: أنه الساكن، يقال: عيش راه، إذا كان خافضا وادها
ساكنا ..
والثاني: أن الرهو هو الفرجة الواسعة، أى: ذارهو، أى: ذا فرجة ..
حتى يدخل فيها فرعون وقومه فيغرقوا ... وإنما أخبره - سبحانه - بذلك
حتى يبقى فارغ القلب من شرهم وإيذائهم،(١).
وقوله: ((إنهم جند مغرقون، تعليل للأمر بتركه وهوا. أى : أترك
البحر على حاله ، فإن أعداءك سيغرقون فيه إغراقا يدمرم ويهلكهم.
ثم بين - سبحانه - سوء مآلهم فقال: (( کم تر کوا من جنات وعيون))
و«كم، هنا خبرية للتكثير والتهويل. أى: ما أكثر ما ترك هؤلاء المغرقون
خلفهم من بساتين ناضرة، وعيون يخرج منها الماء النمير ...
(((وزروع)) كثيرة متنوعة، ومقام كريم)، أى: ومحافل ومنازل كانت
مزينة بألوان من الزينة والزخرفة ...
,ونعمة كانوا فيها فا کهین ، أُی: و تنعم و ترفه کانوا فيه يتلذذون ، بما
بين أيديهم من رغد العيش. وكثرة الفاكهة ...
والنعمة - بفتح النون - بمعنى التنعم والتلذذ. والنعمة - بالكسر - المنة
والإنعام بالشىء وتطلق على الجنس الصادق بالقليل والكثير.
وقوله: (( كذلك، فى محل رفع خبر لمبتدأ محذوف، أى : الأمر
كذلك .
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٠٤٥٣

١٥٩
الجزء الخامس والعشرون
قال الجمل ما ملخصه: قوله: ( كذلك ... ، خبر مبتدأ محذوف. أى:
الأمر كذلك . فالوقف يكون على هذا اللفظ ، وتكون الجملة اعتراضية
لتقرير وتو كيد ما قبلها ... ويبتدأ بقوله: ((وأورثناها قوما آخرين)، وهو
معطوف على ( كم تركوا ... ، أى: تركوا أمورا كثيرة وأورثناها قوما
آخرين ، وهم بنو إسرائيل .
وقال:ارمخشرى. الكاف فى محل نصب، على معنى: مثل ذلك الإخراج
أحر جناهم منها ((وأورثناها قوما آخرين)) ليسوا منهم ..
فعلى هذا يكون قوله، وأورثناها، معطوفاعلى تلك الجملة الناصبة للكاف،
فلا يجوز الوقف على ((كذلك، حينئذ(١).
وقال الآلوسى: والمراد بالقوم الآخرين : بنو إسرائيل، وهم مغايرون
للقبط جنسا ودينا . ويفسر ذلك قوله - تعالى - فى سورة الشعراء: (كذلك
وأورثناها بنى إسرائيل، وهو ظاهر فى أن بنى إسرائيل رجعوا إلى مصر،
بعد هلاك فرعون وملكوها .
وقيل: المراد بالقوم الآخرين غير بنى إسرائيل من ملك مصر بعدهلاك
فرعون ، لأنه لم يرد فى شهور التواريخ أن بنى إسرائيل رجعوا إلى مصر،
ولا أنهم ملكوها قط .
وما فى سورة الشعراء من باب قوله - تعالى -: ((وما يعمر من دهمر ولا
ينقص من عمره إلا فى كتاب ، أو من باب : عندى درهم ونصفه . فليس المراد
خصوص ما تركوه، بل فوعه وما يشبهه .
وقيل: المراد من إبرانها إياهم ؛ تمكينهم من التصرف فيها ، ولا يتوقف
ذلك على رجوعهم إلى مصر ، كما كانوا فيها أولا .....
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٤ ص ١٠٥.
. (٢) تفسير الآلوسى = ٢٥ ص ٠١٢٣

١٦٠
سورة الدخان
والذى نراه - كما سبق أن قلنا عند تفسير سورة الشعر !. (١) - أن الآية
صريحة فى توريث بنى إسرائيل للجنات والعيون ... التى خلفها فرعون وقومه
بعد غرقهم ، بمعنى أنهم عادوا إلى مصر بعد غرق فرعون ومن معه، ولكن
عودتهم كانت لفترة معينة، خرجوا بعدها إلى الأرض المقدسة التى دعام
موسى - عليه السلام - لدخولها كماجاء فى قوله - تعالى -: «يا قوم ادخلوا
الأرض المقدسة التى كتب الله لكم . ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا
خاسرين ٠٤٠٠٠
ثم بين - سبحانه - أن فرعون وقومه بعد أن غرقوا، لم يحزن الهلاكهم
أحد، فقال: , فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين ..
أى: أن هؤلاء المغرقين، الذين كانوا ملء السمع والبصر، وكانوا
يذلون غيرهم، وكانوا يملكون الجنات والعيون ... هؤلاء الطفاة. المحزن
لهلاكهم أحد من أهل السموات أو أهل الأرض، ولم يؤخر عذابهم لوقت
آخر فى الدنيا أو فى الاخرة ، بل نزل بهم الغرق والدمار بدون تأخير أو
تسويف ...
فالمقصود من الآية الكريمة بيان هو ان منزلة هؤلاء المغرقين، وتفاهة
شأنهم ، وعدم أسف أحد على غرقهم ، لأنهم كانوا بعمقوقين من كل "
عاقل ...
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: كان العرب إذا مات فيهم رجل خطير
قالوا فى تعظيم مهلسكة: بكت عليه السماء والأرض وبكته الريح، وأظلمت له
له الشمس ...
قال جرير فى رثاء عمر بن العزيز :
فعى الفعاة أمير المؤمنين لنا باخير من حج بيت الله واعتمرا
(١) راجع تفسير نالسورة الشعراء < ٢٣.