Indexed OCR Text
Pages 101-120
١٠١ الجزء الخامس والعشرون فى محل الرفع على الفاعلية . يعنى: ولن ينفعكم كونكم مشتركين فى العذاب، كما ينفع الواقعين فى الأمر الصعب اشتراكهم فيه ، لتعاونهم فى تحمل أعبائه . لأن كل واحد منكم ، به من العذاب ماهو فوق طاقته ... ولك أن تجعل الفعل للتمنى فى قوله: « يا ليت بينى وبينك .. ،، على معنى: ولن ينفعكم اليوم ما أنتم فته من تمنى مباعدة القرين. وقوله: «أنكم فى العذاب مشتركون، تعليل، أى: ولن ينفعكم تمتيكم ، لأن حقكم أن تشتركوا أنتم وقر فاؤكم فى العذاب ... وتقويه قراءة من قرأ(( أنكم، بالكسر ... ١). وبعد هذا التوبيخ الشديد للعرض عن ذكر الله ولشيطانه ، يوجه اله - تعالى - خطابه لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ليزيده تسليته وتثبيتا فيقول : « أفاقت تسمع الصم أو تهدی العمی ومن كان فى ضلال مبين )). والاستفهام للنفى أى: أفأنت - أيها الرسول الكريم - تستطيع أن تسمع الصم صوتك، أو أن تهدى الذين انطمست بصائرهم إلى الطريق الحق . أو أن تخرج من كان فى الضلال الواضح إلى الهدى والرشاد؟ كلا إنك لن تستطيع ذلك، لأن الهداية والإضلال ، من الله - تعالى - وحده . وأنت - أيها الرسول الكريم - عليك البلاغ ونحن علينا الحساب. فالمقصود من الآية الكريمة تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - ونهيه عن أن يضيق صدره بسبب إعراضهم المستمر عن دعوة الحق ، وبيان أن الهداية والاضلال بيد الله - تعالى - وحده . وسماهم - سبحانه - صما وعميا، مع أنهم يسمعون وينصرون، لأنهم بمنز الصم والعمى فى عدم انتفاعهم بالهدى والرشاد الذى جاءهم به - صلى الله (١) تفسير الكشاف - ٤ ص ٢٥٢ ١٠٢ سورة الزخرف عليه وسلم -. وقوله - تعالى -: « ومن كان فى ضلال مبين، معطوف على العمى والصمم باعتبار تغاير الصفات . أى: أنت - أيها الرسول الكريم - لن تستطيع هداية من كان أصم وأعمى، ومن كان مصرا على الضلال البين وما دام الأمر كذلك فسر فى طريقك، دون أن تذهب نفسك عليهم حسرات .. وقوله - سبحانه -: « فإما نذهبن بك فإنا منهم منتقمون. أو زربنك الذى وعدناهم فإنا عليهم مقتدرون، زيادة فى تسليته وتثبيته صلى اقه عليه وسلم - . أى: أن أمرك - أيها الرسول الكريم - مع هؤلاء الظالمين لا يخلو عن حالين: إما أن فتوفينك قبل أن ترى نقمتنا منهم ... وفى هذه الحالة فسنتولى نحن عذابهم والانتقام منهم، حسب إرادتنا ومشيئتنا، وإما أن نبقى حياتك حتى ترى بعينيك العذاب الذى توعدناهم به، فإنا عليهم وعلى غير م مقتدرون على تنفيذ ما فتوعد به دون أن يستطيع أحد الإفلات من قبضتها وقدرتنا . قال ابن كثير: أى : نحن قادون على هذا وعلى هذا. ولم يقبض الله - تعالى - رسوله، حتى أقر عينه من أعدائه، وحكمه فى نواصيهم، ومذکا ما تضمنته صياميهم)،(١) . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «وإما نرينك بعض الذى فعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب)،(٢). والفاء فى قوله - تعالى -: ((فاستمسك بالذى أوحى إليك .. )، واقعة (١) تفسير ابن كثير -ـ ٧ ص ٢١٥ (٢) سورة الرعد : الآية ٤٠ ١٠٣ الجزء الخامس والعشرون جوابا لشرط مقدر . أى: إذا كان الأمر كما ذكرنالك من أن أمرك مع هؤلاء المشركين لا يخلو عن حالين: فاستمسك - أيها الرسول الكريم - بما أوحينا إليك من هدايات وإرشادات « إنك على صراط مستقيم، وطريق قويم الأعوج فيه ولا اضطراب . ((وإنه، أى: هذا القرآن , لذكرلك ولقومك)، فى: لشرف عظيم لك، والشرف عظيم لأهل مكة الذين بعثت فيهم بصفة خاصة، ولغيرهم من آمن بك بصفة عامة كما قال - تعالى -: «لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم .. ، أى: عزكم وشرقكم . وقوله: ((وسوف تسألون، تحذير من مخالفة ما اشتمل عليه هذا القرآن من أحكام وآداب وتشريعات أى: وسوف تسألون يوم القيامة عنه، وعن القيام بحقه، وعن مقدار تمسككم بأوامره ونواهيه، وعن شكركم لله - تعالى - على منحكم لهذه النعمة. ثم أضاف - سبحانه - إلى هذا التثبيت لنبيه - صلى الله عليه وسلم - تثبيتا آخر فقال: واسأل من أرسلنا ، من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يعبدون ». والمقصود من الآية الكريمة بيان أن الرسل جميعا، قد دعوا أقوامهم إلى عبادة الله - تعالى - وحده، كما قال - سبحانه -: ((ولقد بعثنا فى كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واحتنبوا الطاغوت، فمنهم من حدى الله، ومنهم من حقت عليه الضلالة»(١). وكما قال - تعالى -: ((وما أرسنا من قبلك من رسول إلا نوحى إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون،(٢). (١) سورة النحل الآية ٢٦ (٢) سورة الأنبياء الآية ٢٥ ١٠٤ سورة الزخرف قال صاحب الكشاف ما ملخصه : ليس المراد بسؤال الرسل حقيقة السؤال لاستحالته، ولكنه بجاز عن النظر فى أدبانهم ، وأنهم ما جاءوا قط بعبادة الأوثان، وإنما جاؤا بالأمر بعبادة الله - تعالى - وحده ... وقيل: إن النبى - صلى الله عليه وسلم - جمع الله له الأنبياء، فى ليلة الإسراء . فى بيت المقدس ، فصلى بهم إماما ، وقيل له سلهم : فلم يتشكك ولم يسأل . وقيل معناه، سل أمم من أرسلنا من قبلك ، وهم أهل الكتابين : التوراة والإنجيل فإذا سألهم فكانما سأل - رسلهم - فالكلام على حذف مضاف ... ،(١) . فالآية الكريمة تقرر على كل الوجوه بأبلغ أسلوب، أن جميع الرسل قد جاءوا بعقيدة، واحدة، وبدين واحد، هو عبادة الله - تعالى، ونبذ كل معبود سواه . ٠٠٠ ثم تمضى السورة الكريمة فى تسليتها لرسول - صلى الله عليه وسلم -أوفى تشبيتها للمؤمنين ، فتذكر جانبا من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون، وكيف أن فرعون سخر من دعوة موسى - عليه السلام ، وتباهى على قومه بذلك، وكيف أنه استخف بهم فأطاعوه، فكانت عاقبته وعاقبتهم أن أغرقهم اللّه جمیعا ، قال - تعالى -: (( ولقَدْ أرْسَلْنَ موسَى بآياتِناَ إلَى فِرِعَونَ ومَلَئِهِ فقالَ إلَ رسولُ ربِّ العالمينَ (٤٦) فلمَّا جاءهمُ بآياتنا إذَا مُ منها يَضْحُكُونَ (٤٧) وما نرِيهِم مِنْ آيَةِ الأَهِىَ أكبرُ من أُخّاً، وأخَذْنَم بالعذابِ لعلّهم (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٢٥٤ ١٠٥ الجزء الخامس والعشرون يُرْجِعُونَ (٤٨) وقالُوا يا أيُها السَّاحر أدعَ لناَ ربَّكَ بما عَهِد عِندَكَ إنَّاَ المتّدونَ (٤٩) فلمَّا كشفنا عنهم العذابَ إذَا ثُمُ ينكَثُونَ (٥٠) إِونادى فِرْعُونُ فى قومهِ ، قالَ يا قومٍ ألبْسَ لَى مُلكُ مِصْرَ، وهذهِ الأنهارُ تَجرِى من تحتٍ أفلاَ تُبْصِرُونَ (٥١) أم أنا خيرٌ من هذا الذى هو مَهِينٌ ولا يكادُ يُبِينَ (٥٢) فلولاً أُلقِىَ عليهِ أَسْورَةٌ من ذهَبٍ أو جاء معَهُ الملائكةُ مُقْتَّرِنِينَ (٥٣) فَأَستَخِفَّ قومَه فَأَطَاءُوه، إنهم كانوا قوماً فاسِقِينَ (٥٤) فلمَّاً آسفونا انتقَمْناَ مِنهم فأغْرَ فَنَمَ أَجمينَ (٥٥) فجعلناهُ سلفاً ومثلاً للآخِرِينَ (٥٦))» . وقصة موسى - عليه السلام - مع فرعون ومع بنى إسرائيل، على رأس القصص التى تكرر الحديث عنها فى القرآن الكريم، فى سور متعددة . وذلك لما فيها من مساجلات ومحاورات بين أهل الحق وأهل الباطل، ولما فيها من عبر وعظات لقوم يعقلون. لقد وردت هذه القصة فى سور : البقرة ، والأعراف ويونس وهود، والإسراء، وطه، والقصص، والصافات، وغافر .. ولكن بأساليب متنوعة يكمل بعضها بعضا .. وهنا تبدأ هذه القصة بقوله - تعالى -: (ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئة، فقال إني رسول رب العالمين . أى: والله لقد أرسلنا نبينا موسى - عليه السلام-«بآياتنا، الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا، والتى على رأسها اليد والعصا ... وأرسلناه بهذه الآيات ((إلى فرعون وملئه، أى - اشراف قومه , فقال لهم، ناصرا ومرشدا إنى رسول رب العالمين إليكم، الأمركم بعبادة الله - تعالى - وحده. وأنها كم عن -عبادة غيره . . : ١٠٦ سورة الزخرف («فلما جاءهم بآياتنا إذا هم منها يضحكون، أى : حين جاء موسى - عليه السلام - إلى فرعون وملئه بآياتنا الدالة على قدرتنا، سارعوا إلى الضحك منها ، والسخرية بها ، بدون تأمل أو تدبر شأن المغرورين الجهلاء. فقوله - تعالى - ((إذا هم منها يضحكون، جواب (( لما)). والتعبير يشير إلى مسارعتهم إلى السخرية والاستخفاف بالآيات التى جاء بها موسى - عليه السلام -، مع أن هذه الآيات كانت تقتضى منهم التدبر والتفكر لو كانوا يعقلون . وقوله - سبحانه -: (وما نريهم من آية إلا هى أكبر من أختها .. ، بيان لقسوة قلوبهم، وعدم تأثرها بالآيات والمعجزات . أى : وما نربهم من آية دالة على صدق فبينا موسى، إلاوتكون هذه الآية أكبر من أختها السابقة عليها، فى الدلالة على ذلك ، مع كون الآية السابقة عظيمة و کیرة فى ذاتها . والمقصود بالجملة الكريمة، بيان أن هؤلاء القوم لم يأنهم موسى - عليه السلام- بآية واحده تشهد بصدقه فيما جاءهم به من عندربه، وإنما أنام بمعجزات متعددة ، وكل معجزة أدل على صدقه بما قبلها . ويصح أن يكون المراد وصف الجميع بالكبر، على معنى أن كل واحدة لكالها في ذاتها، إذا نظر اليها الناظر، ظنها أكبرمن البواقى لاستقلالها بإنادة الغرض الذى جاءت من أجله . وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: والغرض بهذا الكلام، أنهى موصوفات بالكبر، لا يكدن يتفاوتن فيه، وكذلك العاده فى الأشياء التى تتلاقى فى الفضل، وتتفات منازلها فيه التفاوت اليسير ، أن تختلف آراء الناس فى تفضيلها ، فيفضل بعضهم هذا، وبعضهم ذلك ، فعلى ذلك بن الناس ١٠٧ الجزء الخامس والعشرون كلامهم فقالوا: رأيت رجالا بعضهم أفضل من بعض، وربما إختلفت آراء الرجل الواحد فيها ، فتارة يفضل هذا وتاره بفضل ذلك ، ومنه بيت الحماسة : من تلق منهم تقل لافيت سيدهم مثل النجوم التى يسرى بها السارى(١) وقوله - تعالى -,وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون) بيان المصير الدى. الذی آ لوا اليه . أى: وأخذناهم بسبب إصرارهم على الكفر والمعاصى، بالعذاب الدنيوى الشديد ، لكى يرجعوا عماهم عليه من كفر وفسوق ، ولكنهم لم يرجعوا. فالمراد بالعذاب هنا العذاب الدنيوى، الذى أشار اليه - سبحانه - بقوله: ((فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم، آيات مفصلات، فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ... »(٢) ثم حكى - سبحانه - ما قالوه بعد أن نزل بهم العذاب، فقال: «وقالوا يا أيها الساحر أدع لنا ربك بما عمد عندك إننا لمبتدون، وجمهور المفسرين على أن قولهم هذا ؛ كان على سبيل التعظيم لموسى - عليه السلام - لأنهم كانوا يوقرون السحره، ويعتبرونهم العلماء. قال ابن كثير: قوله (( يأيها الساحر، أى: العالم ... وكان علماء زمانهم هم السحره، ولم يكن السحر عندهم فى زماتهم مذموما، فليس هذا منهم على سبيل الإنتقاص، لأن الحال حال ضروره منهم اليه ، فهى تقتضى تعظيمهم لموسى - عليه السلام .... ،(٣) (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٢٥٥ (٢) سورة الأعراف الآية ١٣٣ (٣) تفسير ابن کثیر جـ ٧ ص ٢٠٧ ١٠٨ سورة الزخرف و((ما)، فى قوله: « بما عهد عندك، مصدرية: أى: بعهده عندك والمراد بهذا العهد: النبوة. وسميت عهدا، لأن الله - تعالى - عاهد نبيه أن يكرمه بها، أو لأن لها حقوقا تحفظ كما يحفظ العهد . وقوله: « إننا لمتدون)) مرتب على كلام محذوف. أى: وحين أخذنا فرعون وقومه بالعذاب، قالو الموسى - على سبيل التذلل والتعظيم من شأنه - يأيها الساحر الذى غلبنا بسحره وعليه ، أدع لنا ربك بحق عهده انيك بالغبوة، لئن كشف عنا ربك هذا العذاب الذى نزل بنا ((إننا لمهتدون، أى إفتالمؤمنون ثابتون على ذلك، متبعون لك كل ما تأمرنا به أو تنهانا عنه . فدعا موسى - عليه السلام - ربه أن يكشف عنهم العذاب، فأجاب الله دعوته بأن كشفه عنهم، فماذا كانت النتيجة ؟ كانت النتيجة أنهم تقضوا عهودهم، وإستمروا على كفرهم، كما قال - تعالى -: (فلما كشفنا عنهم العذاب، أى: فين كشفنا عنهم العذاب الذى حل بهم. إذا هم ينكثون) أى : هم ينقضون عهدهم بالإيمان فلا يؤمنون ، يقال: فكك فلان عهده ونقضه إذا لم يف به . ومن سوء أدبہم أنهم قالوا: ادع لنار بك ، فکان الله - تعالى - ربموسی وحده ، وليس ربالهم . وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى - : ولمما وقع عليهم الرجز قالوا ياموسى أدع لنا ربك بما معهد عندك، لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ، ولنر سلن معك بنى إسرائيل. فلما كشفنا عنهم العذاب إلى أجل م بالغوه إذا م يتكئون ، (١) ثم حكى - سبحانه - جانبا من طغيان فرعون وجوره، وإستخفافه (١) سورة الأعراف الآيتان ١٣٤، ١٣٠ ١٠٩ الجزء الخامس والعشرون بعقول قومه فقال: ((ونادى فرعون فى قومه ... ، أى: أن فرعون جمع زعماء قومه، وأخبرهم بما يريد أن يقول لهم. أو أنه أمر مناديا ينادى فى قومه جميعا، ليعلمهم بما يريد إعلامهم به، وأسند - سبحانه - النداء إلى فرعون ، لأنه هو الآمر به. والتعبير بقوله: (( فى قومه، يشعر بأن النداء قد وصل اليهم جميعا، ودخل فى قلوبهم . وقوله - تعالى -: «قال يا قوم أليس لى ملك مصر وهذه الأنهار تجرى من تحتى أفلا تبصرون ... ، حكاية لما قاله فرعون لقومه . أى: أن فرعون جمع عظماء قومه، وقال لهم - بعد أن خشى إيمانهم بموسى -: يا قوم أليس لى ملك مصر، بحيث لا بنازعنى فى ذلك منازع، ولا يخالفنى فى ذلك مخالف . فالاستفهام للتقرير. وفضلا عن ذلك فإن هذه الأنهار التى ترونها متفرعة عن النيل تجرى من تحت قدمى ، أو من تحت قصرى . (((أفلا تبصرون)) ذلك، وتستدلون به على قوة أمرى، وسعة ملكى، وعظم شأنى فمفعول ((قبصرون، محذوف. أى أفلا تبصرون عظمتى. و((أم)) فى قوله: (( أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد يبين)) هى المنقطعة المقدرة بمعنى بل التى هى الاضراب. والإشارة بهذا تعود لموسى - عليه السلام - . أى: بل أنا خير من هذا الذى هو فقير وليس صاحب ملك أو سطوة أو مال ... وفى الوقت نفسه («لا يكاد يبين) أى: لا يكاد يظهر كلامه لعقدة فی لسانه . ١١٠ سورة الزخرف ثم أضاف إلى ذلك قوله - كما حكى القرآن عنه -: فلولا ألقى عليه أسورة من ذهب أوجاء معه الملائكة مقتر نين » والأسورة: جمع سوار. وهو كتابة عن تمليكه، وكانوا إذا ملكوا رجلا عليهم ، جعلوا فى يديه سوارين ، وطوقوه بطوق من ذهب، علامة على أنه ملكهم . اى : : فهلا لو كان موسى ملكا أو رسولا، أن يحلى نفسه بأساور من ذهب، أو جاء إلينا ومعه الملائكة محيطين :ه، ومتقار نين معه، لكى يعينوه ويشهدوا له بالنبوة . ولا شك أن هذه الأقوال التى تفوه بها فرعون ، تدل على شدة طغيانه ، وعلى عظم غروره، وعلى استغلاله الضخم الغفلة قومه وسفاعتهم وضعفهم. ورحم الله الإمام ابن كثير فقد قال ما ملخصه : وهذا الذى قاله فرعون - لعنه الله - كذب وإختلاق، وإنما جمله على هذا الكفر والعناد، وهو ينظر إلى موسى - عليه السلام - بعين كافرة شقية، وقد كان موسى من الجلالة والعظمة والبهاء فى صورة يبهر أبصار ذوي الألباب . وقوله: ((ولا يكاد يبين)) إفتراء - أيضا-، فإنه وإن كان قد أصاب لسانه فى حال صغره شىء من جهه تلك الحجرة، فقد سأل ربه أن يحل عقدة من لسانه، فاستجاب الله - تعالى - له ... وفرعون إنما أراد بهذا الكلام، أن روج على رعيته، لأنهم كانوا جملة أغبياء ... ، (١) وقوله - تعالى -: ((فاستخف قومه فأطاعوه، إنهم كانوا قوما فاسقين» بيان لما كان عليه فرعون من لوم وخداع، ولما كان عليه قومه من جبن وخروج عن طاعة الله - تعالى- أى: وبعد أن قال فرعون نقومه ما قال من تطاول على موسى - عليه (١) تفسير ابن کھیر ج ٨ ص ٢١٨ ١١١ الجزء الخامس والعشرون السلام ... طلب منهم الثقة والسرعة والمبادرة إلى الاستجابة لما قاله لهم، فأجابوه إلى ما طلبه منهم ، لأنهم كانوا قوما خارجين عن طاعتنا، مؤثرين الغى على الرشد ، والضلالة على الهداية ... 1 ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال: «فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقنام أجمعين . جعلناهم سلفا ومثلا الآخرين)). وقوله:« آسفونا)، أى: أغضبونا أشد الغضب، من أسف فلان أسفا، إذا اشتد غضبه و«سلفا، أى: قدوة لمن بعدهم من الكفار فى استحقاق مثل عقوبتهم. وهو مصدر وصف به على سبيل المبالغة، ولذا يطلق على القليل والكثير. يقال سلفه الشىء سلفا، إذا تقدم ومضى. وفلان سلف له عمل صالح، أى: تقدم له عمل صالح. ومنه: الأسلاف ، أى : المتقدمون على غيرم. أى: فلما أغضبنا فرعون وقومه أشد الغضب، بسبب إصرارهم على الكفر والفسوق والعصيان، انتقمنا منهم انتقاما شديداً ، حيث أغرقنام أجمعين فى اليم . « جلناهم سلفا، أى قدوة لمن بعدهم فى الكفر فى استحقاق مثل عقوبتهم كما جعلناهم («مثلا)، أى: عبرة وموعظة ((للآخرين)) الذين يعملون مثل أعمالهم ... وبذلك ترى فى هذه الآيات الكريمة، جانبا من قصة موسى - عليه السلام- مع فرعون وملئه . ويتجلى فى هذا الجانب من القصة طغيان فرعون ، واستخفافه بعقول قومه ، ومجاهرته بالكذب والفجور .. فكانت عاقبتهم جميعا الدمار والبوار. ٠٥٠١٥٠ ثم انتقلت السورة الكريمة من الحديث عن جانب من قصة موسى، إلى الحديث عن جانب من قصة عيسى - عليهما السلام - فقال تعالى -: ١١٢ سورة الزخرف (« ولّا ضُرِبَ ابن مريمَ مثلاً، إذَا قومُكَ منه يَصِدُّونَ (٥٧) وقالوا آ آلمتُنَّاَ خيرٌ أم هو، ماضَرِبُوه لكَ إلَّ جَدلاً بلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هو إلاَّ عبدٌ أنْعَمناَ عليهِ وجَعلنَهُ مَثَلاً لَبَنِي إِسْرائيلَ (٥٩) ولو نشاء لجَعَّنَ مِنْكُم ملائكةً فى الأرْضِ يُخْلُقُونَ (٦٠) وإنّه لِمِلْمٌّ للسَّاعةِ فلا عَتَرُنَّ بها، واتبعُونِ هذا صِرِاطٌ مُستقيمٌ (٦١) ولا يَصُدَّفْكُم الشّيطانُ إنَّه لكُم عَدُوٌّ مبينٌ (٦٢) ولمَّا جاء عيسَى بِالبَيْنَتِ قَالَ قَدْ جِئْتَكُم بالحكْمَةِ، وِلِأُبيّّ لكُم بعضَ الذى تَختلِفُونَ فيهِ، فانقُوا اللهَ وأطِيُعُونَ (٦٣) إن اللهَ هو ربِّ ورَبْكُمْ فَعبدوهُ، هذا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فاختَلَفَ الأحزابُ من بَيْهِمْ فَويلٌ للذينَ ظلموا من عَذَابٍ يومٍ أليمِ (٦٥) هلْ يَنْظرونَ إلاَّ السَّاعَةَ أنْ تَأْتِيَّهُمْ يَنْشَةً ومُ لَا يَشْعِرُونَ (٦٦))). ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: ((ولما ضرب ابن مريم مثلا ... ، روايات منها: أنه لما نزل قوله - تعالى -: واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا ... )، تعلق المشركون بأمر عيسى وقالوا : ما يريد محمد -صلى الله عليه وسلم- إلا أن نتخذه إلهاً، كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم فأنزل الله - تعالى -: ((ولما ضرب ابن مريم مثلا ... )). وقال الواحدى : أكثر المفسرين على أن هذه الآية، نزلت فى مجادلة ابن الزبعرى - قبل أن يسلم - مع النبى - صلى الله عليه وسلم - فإنه لما نزل قوله - تعالى -: ((إنمكم وما تعبدون من ذون الله حصب جهنم ... )). قال ابن الزبعرى أخصمتك - يا محمد - ورب الكعبة. أليست النصارى يعبدون المسيح، واليهود يعبدون عزيرا، وبغو مليح يمبدون الملائكة ؟ فإن كان هؤلاء فى الغار ، فقد رضينا أن تكون نحن وآلهتنا فى النار ؟ ١١٣ الجزء الخامس والعشرون فقال له النبى - صلى الله عليه وسلم -: ((ما أجهلك بلغة قومك؟ أما فهمت أن (( ما، لما لا يعقل)؟. وفى رواية أنه - صلى الله عليه وسلم- قال له: ((إنهم بعبدون الشيطان))، وأنزل الله - تعالى -: «ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون(١) ... )) . • كلمة: ((يصدون)) قرأها الجمهور بكسر الصاد. وقر أما ابن عامر والكسائى يضم الصاد. وهما بمعنى واحد. ومعناهما: يضجون ويصيحون فرحا: يقال: صد يصد .. بكسر الصاد وضمها - بمعنى ضج. كعكف - بضم الگاف و کسرها - . ويرى بعضهم أن ((يصدون)) - بكسر الصاد- بمعنى: يضجون ويصيحون ويضحكون ... وأن « يصدون) - بضم الصاد بمعنى بعرضون. من الصد بمعنى الإعراض عن الحق .. والمعنى: وحين ضرب ابن الزبعرى ، عيسى ابن مريم مثلا، وحاجك بعبادة النصارى له، فاجأك قومك - كفار قريش - بسبب هذه المحاجة ، بالصياح والضجيج والضحك، فرحا منهم بما قاله ابن الزبعرى، وظنا منهم أنه قد انتصر عليك فى الخصومة والمجادلة . فمن فى قوله «منه، الظاهر أنها للسببية، كما فى قوله - تعالى -: دما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا نار ! ..... والجراد بالمثل هنا : الحجة والبرهان قال الألوسى: والحجة لما كانت قدير مسير الأمثال شهرة، قبل لها مثل. أو المثل بمعنى المثال . أى : جعله مقياسا وشاهدا على إبطال قوله - صلى الله عليه وسلم -: إن آلهتهم من حصب جهنم، وجعل عيسى - عليه السلام - نفسه مثلا من باب: الحج عرفة(٢). (١) راجع تفسير ابن كثير = ٧ ص ٢٢٠ ، والشوكاني ج ٤ ص ٠٥٦١ (٢) تفسير الآلومى جـ ٢٥ ص ٩٢ والآلوسي = ٢٥ ص ٠٩٤ ( ٨ - سورة الزخرف) ١١٤ سورة الزخرف ثم بين - سبحانه - أقوالهم التى بغرا عليها باطلهم فقال: « وقالوا آلهتنا خير أم هو .. ،؟ والضمير (( هو) يعود إلى عيسى - عليه السلام - . ومرادهم بالاستفهام تفضيل عيسى - عليه السلام - على آلهتهم، مجاراة النبى - صلى الله عليه وسلم - . فكانهم يقولون: لقد أخبرتنا بأن عيسى ابن مريم رسول من رسل الله - تعالى - وأنه خير من آلهتنا .. فإن كان فى النار يوم القيامة لأن الله - تعالى .. يقول: « إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم)) - فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا فى النار . . وقد أبطل القه زعمهم هذا بقوله: ((ماضربوه لك إلا جدلا)). أى: لا تهتم - أيها الرسول الكريم - بما قالوه، فإنهم ماضربوا لك هذا المثل بعيسى إلا من أجل مجادلتك بالباطل ، وليس من أجل الوصول إلى الحق . وقوله: بل هم قوم خصمون ، مؤكدلما قبله من كونهم قالوا ذلك لأجل الجدل بالباطل ، لا لطلب الحق ، وإضراب عن مزاعمهم وعن مجاراتهم فى خصومتهم . أى: ذرهم - أيها الرسول الكريم - فى باطلهم يعمهون، فإنهم قوم مجبولون على الخصومة ، وعلى اللجاج فى الباطل . فقوله: (( خصمون، جمع خصم - بفتح فكسر -، وهو الإنسان المبالغ فى الجدل والخصومة، دون أن يكون هدفه الوصول إلى الحق . وجاء التعبير فى قوله: (( ماضربوه لك إلا جدلا، بصيغة الجمع ، مع أن ضارب المثل واحد ، وهو ابن الزبعرى ، لأن إسناد فعل الواحد إلى الجماعة: من الأساليب المعروفة فى اللغة العربية ، ومنه قول الشاعر : فیا بیدی ورقاء عن رأس خالد فسیف بنی عیسی وقد ضربوا به. ١١٥ الجزء الخامس والعشرون فإنه قد نسب الضرب إلى جميع بنى عبس، مع تصريحه بأن الضارب واحد، وهو ورقاء ... ولأنهم لما أيدوا ابن الزبعرى فى قوله، فكأنهم جميعا قد قالوه .. ثم بين - سبحانه - حقيقة عيسى - عليه السلام - فقال: «إن هو إلا عبد أنعمنا عليه، وجعلناه مثلا لبنى إسرائيل». أى: ليس هو - أى: عيسى - عليه السلام - إلا عبد من عبادنا الذين أنعمنا عليهم بنعمة النبوة (( وجعلناه مثلا، أى: أمرا عجيبا، جديرا بأن يسير ذكره كالأمثال «لبنى إسرائيل، الذين أرسلناه إليهم، حيث خلفناه من غير أب، وأعطيناه المعجزات الباهرات التى منها: إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ... وهذا كله دليل على وحدانيتنا، وكال قدرتنا، ونفاذ إرادتنا . فالآية الكريمة ترفع من شأن عيسى - عليه السلام - ، وتحدد منزلته، وتنفى عنه غلو المغالين فى شأنه ، وإنقاص المنقصين من قدره. ثم أ کد - سبحانه - كمال قدرته فقال: «ولو نشاء لجعلنا منكم ملائكة فى الأرض يخلفون » . وَمن قوله - تعالى - ((منكم، يصح أن تكون للبدلية، فيكون المعنى: ولو نشاء إهلاككم أيها الكافرون لفعلنا ولجعلنا بدلا منكم ملائكة يخلفونكم بعد هوتكم ، ولكنا لم نشأ ذلك لحكم نحن فعلها . ويصح أن تكون للتبعيض فيكون المعنى: ولو نشاء لجعلنا منكم بارجال قريش ملائكة ، بطريق التوليد منكم ، من غير واسطة نساء، فهذا أمر سهل علينا ، مع أنه أعجب من حال عيسى الذى تستغربونه، لأنه جاء من غير أب، مع أن الآم من طبيعتها الولادة . فالمقصود بالآية الكريمة بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شى. ، ١١٦ سورة الزخرف وأن ما تعجبوا منه، الله - تعالى - قادر على أن يأتى بما هو أعجب منه. قال صاحب الكشاف: قوله ((ولو نشاء، لقدرتها على خلق عجائب الأمور، وبدائع الفطر، «لجعلنا منكم، أى: لولدما منكم يا رجال ,ملائكة. يخلفونكم فى الأرض ، كمابخدمكم أولادكم، كما ولدنا عيسى من أنثى من غير خل، لتعرفوا تميزنا بالقدرة الباهرة، ولتعلموا أن الملائكة أجسام ... وذات اله - تعالى - متعالية عن ذلك،(١). ثم بين - سبحانه - بعض مايتعلق بعيسى عليه السلام فقال: «وإنه ، لعلم للساعة .. ). فالضمير فى ((إنه، يعود إلى عيسى لأن السياق فى شأنه، وقيل يعود إلى القرآن أو إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وضعف ذلك لأن الكلام فى شأن عيسى . والمراد بالعلم: العلامة، وثلام فى قوله , للساعة)، بمعنى على، والكلام على حذف مضاف . والمعنى . وإن عيسى - عليه السلام - عند نزوله من السماء فيه آخر الزمان حيا ، ليكون علامة على قرب قيام الساعة، ودليلا على أن نهاية الدنيا توشك أن تقع .. قال الألوسى: ((وإنه، أى: عيسى - عليه السلام -,لعلم للساعة، أى: أنه بنزوله شرط من أشراطها. وقد نطقت الأخبار بنزوله - عليه السلام - فى آخر الزمان -، فقد أخرج البخارى ومسلم والترمذى وأبو داود وابن ماجه، عن أبى هريرة قال: قال. رسول اله - صلى الله عليه وسلم - : ينزلن ابن مريم، حكما عدلا، فليكن الصليب، وليقتان الخنزير، ولينعن الجزية، وليذهبن الشحناء والتباغض (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٢٦١ ١١٧ الجزء الخامس والعشرون والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد)،(!). وقال ابن كثير ما ملخصه: وقوله: « إنه لعلم الساعة، الصحيح أن الضمير يعود على عيسىٍ، فإن السياق فى ذكره، ثم المراد بذلك نزوله قبل يوم القيامة كما قال - تعالى -،وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته٠٠، أى: قبل موت عيسى . وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه أخبر بنزول عيسى قبل يوم القيامة ، إماما عادلا، وحكما مقسطا)،(٢). ((وقوله: ((فلا نمترن بها، أى: فلا تشكن فى وقوعها فى الوقت الذى يشاؤه الله - تعالى -، فقوله: تمترن)) من المرية بمعنى الشك والريب . وقوله: ((واتبعون هذا صراط مستقيم، أى: واتبعوا - أيها الناس. ما جئتكم به من عبد ربى، فإن هذا الذى جئتكم به، هو الطريق المستقيم الذى يوصلكم إلى السعادة فى الدنيا والآخرة. ((ولا يصدفكم الشيطان، أى: ولا يمنعنكم الشيطان بسبب وسوسته لكم، عن طاعتى واتباعى (( إنه لكم عهو مبين)) أى: إن الشيطان عداوته لكم ظاهره، وكيده لكم واضح ، كما قال - تعالى -: ((إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا. إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير». ثم حكى - سبحانه - ما قاله عيسى - عليه السلام - لقرمه, عندما بعثه الله / إليهم فقال: ((ولما جاء عيسى بالبينات، قال قد جئتكم بالحكمة)). والبينات: جمع بينة. وهى صفة لموصوف محمدوف، والمراد بها: المعجزات التى أيداقه - تعالى - بها عيسى - عليه السلام -. والمراد بالحكمة : التشريعات والتكاليف والمواعظ التى أرشدهم إليها ، عن طريق الكتاب الذى أنزله الله تعالى إليه، وهو الإنجيل. (١) تفسير الآلوسي = ٢٥ ٩٥ (٢) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٢٢٣ ١١٨ سورة الزخرف أى: وحين جاء عيسى - عليه السلام - إلى قومه، قال لهم على سبيل النصح والإرشاد -: يا قوم لقد جئتكم بالمعجزات البينات الواضحة التى تشهد بصدقى وجئتكم بالإنجيل المشتمل على ما تقتضيه الحكمة الإلهية من آداب وتشريعات ومواعظ .. وقوله: (( ولأ بين لكم بعض الذى تختلفون فيه ، متعلق بمحذوف. والتقدير : قد جئتكم بالحكمة لأعلمكم إياها، وجنتكم .. أيضا - لا بين لكم ولاصح: لكم بعض الأمور التى تختلفون فيها. وقال - سبحانه - (( ولأ بين لكم بعض الذى تختلفون فيه)، ولم يقل كل الذى تختلفون فيه، الإشعار بالرحمة بهم ، وبالستر عليهم، حيث بين البعض وترك البعض الآخر ، لأنه لاضرورة تدعو إلى بيانه . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: هلابين لهم كل الذى يختلفون فيه.؟ قلت : كانوا يختلفون فى الديانات، وما يتعلق بالتكليف، وفيما سوى ذلك مما لم يتعبدوا بمعرفته والسؤال عنه، وإنما بعث ليبين لهم ما إختلفوا فيه مما يعنيهم من أمر دينهم .. ، (1) وقوله- تعالى -: ( فاتقوا الله وأطيعون. إن الله هو ربی وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ، أى: إذا كان الأمر كما ذكرت لكم، فاتقوا الله - تعالى - بأن قصونوا أنفسكم عن كل ما يغضبه ، وبأن تطيعونى فى كل ما آمركم به أو أنها كم عنه. وإن الله - تعالى - هو ربي وربكم فأخلصوا له العبادة والطاعة، وهذا الذى آمركم به أو أنها كم عنه، هو الطريق القويم، الذى يوصلكم إلى السعادة (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ١٦٢ ٠٫ ١١٩ الجزء الخامس والعشرون الدنيوية والأخروية . ثم بينَ - سبحانه - موقف أهل الكتاب من دعوة عيسى - عليه السلام- فقال : «فاختلف الأحزاب من بينهم ... » والأحزاب: جمع حزب. والمراد بهم الفرق التى تحزيت وتجمعت على الباطلفى من بعد عيسى .. وضمير الجمع فى قوله ((من بينهم، يعود إلى من بعث اليهم عيسى - عليه السلام - من اليهود والنصارى . وقيل : يعود إلى النصارى خاصة ، لأنهم هم الذين إختلفوا فى شأنه ، فمنهم من قال: هو الله. ومنهم من قال: هو ابن الله. ومنهم من قال: ثالث ثلاثة . قال الآلوسي: قوله: «فاختلف الأحزاب، أى: الفرق المتحزبة ((من بينهم ، أى: من بين من بعث إليهم، وخاطبهم بما خاطبهم من اليهود والنصارى وهم أمة دعوته - عليه السلام - وقيل : المراد النصارى ، وهم أمة إجابته، وقد إختلفوا فرقا: ملكانية، ونسطورية ، ويعقوبية ... (١) وقوله - تعالى -: ((فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم)، بيان للعقاب الشديد الذى أعده الله - تعالى بلهم، بسبب اختلافهم وبغيهم، ونسبتهم إلى عيسى ما هو برى. منه . أى: فهلاك وعذاب شديد الذين ظلوا أنفسهم بالكفر، وبافتراتهم على عيسى - عليه السلام -، وما أشد حسرتهم فى هذا اليوم العصيب. والاستفهام فى قوله: هل ينظرون الا الساعة أن تأتيهم بغتة وم لايشعرون للنفى . (١) تفسير الآلوسي = ٢٥ ص ٩٧ ١٢٠ سورة الزخرف وينظرون بمعنى: ينتظرون. والخطاب لكفار مكة الذين أعرضوا عن دعوة الحق . أى: ما ينتظر هؤلاء المشر كون إلا قيام الساعة، وهذا القيام سياتهيم بفجأة ، وبدون ، شعور منهم بها، وحينئذ يندمون ولن ينفعهم الندم، ولو كانوا عقلاء لاتبعوا الحق الذى جاءهم به رسولنا - صلى الله عليه وسلم-، قبل فوات الايمان . ٠ فالآية الكريمة دعوة لهؤلاء المشركين، إلى الاستجابة للرسول - صلى الله عليه وسلم - إذا دعاهم لما يصلحهم، من قبل أن يأتى لا بيع فيه ولا خلال . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: « فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة فقد جاء أشراعها فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم، وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد وبخت المشركين على جدالهم بالباطل وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم وبينت الحق فى شأن عيسى - عليه السلام- وتوعدت المختلفين فى أمره إختلافا يتنافى من ما جاءهم به ، بالعذاب الشديد. ٠٠٫٠ وبعد هذا الحديث عن جانب من قصة موسى , وعن جانب من قصة عيسى - عليهما السلام -، وعن موقف أقوامهما منهما ... بعد كل ذلك وسمت السورة الكريمة صورة واضحة لحسن عاقبة المؤمنين، ولسوء عاقبة المكذبين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حى عن بينة. فقال - تعالى -: لبعضٍ عَدُوٌّ إلا المتقينَ (٦٧) يا عبادِ ((الأخلاء يومئذٍ بعضهم لاخوفٌ عليكُم اليومَ ولا أنتُم تحزّونَ (٦٨) الذينَ آمَنُوا بِآيَاتِاً وكانوا مسلمينَ (٦٩) ادخلوا الجنةَ أنثُم وأزوَاجِكُمْ تَحَبَرُونَ (٧٠) يطافُ عَلَيهِم بصِحَفٍ من ذهَبٍ، وأكوابٍ وفيها ماتَشْتَهِيهِ الأنفُسُ وتَلَذُ