Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ الجزء الرابع والعشرون ((فإن أعرضوا، عن دعوتك، ولجوا فى طغيانهم، وإستمروا فى كفرم وعنادهم. ((فقل، لهم على سبيل التحذير: لقد,أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد و نمود» . وخص - سبحانه - عاد وثمود بالذكر. لأن مشركي قريش يعرفون ماجرى لهؤلاء الظالمين. إذ قوم عاد كانوا بالأحقاف- أى بالمكان المرتفع الكثير الرمال - فى جنوب الجزيرة العربية ورسولهم هو هود-عليه السلام- وأما ثمود فهم قوم صالح - عليه السلام -، ومساكنهم كانت بشمال الجزيرة العربية، وما زالت آثارثم باقية وأهل مكة كانوا يمرون عليها فى طريقهم إلى بلاد الشام للتجارة. والضمير فى قوله - تعالى -: « إذا جاءتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم، ألا تعبدوا إلا الله ... ، يعود إلى قوم عاد وثمود. والمراد بالرسل: هود وصالح - عليهما السلام - من باب إطلاق الجمع على الإثنين ، أو من باب إدخال من آمن بهما معهما فى المجىء إلى هؤلاء الأقوام لدعوتهم إلى عبادة الله وحده . وقوله: (( إذا جاءتهم الرسل ... ، حال من قوله ((صاعقة عاد وثمود، وقوله ((من بين أيديهم ومن خلفهم، متعلق بحامتهم. والمراد بالجملة الكريمة: أن الرسل بذلوا كل جهدهم فى إرشاد قوم عاد ونمود إلى الحق. ولم يتركوا وسيلة إلا إنبعوها معهم، وبينوالهم بأساليب متعددة حسن عاقبة المؤمنين وسوء عاقبة الكافرين. وقوله: (( أن لا تعبدوا إلا الله، بيان لما نصح به الرسل أقوامهم. و((أن) يصح أن تكون مصدرية أى: بأن لا تعبدوا إلا الله: ويصح أن تكون مخففة ٤٤٢ سورة فصلت من الثقيلة، واسمها ضمير شأن محذرف أو تفسيرية لأن مجى. الرسل يتضمن قولا. أى جاء الرسل إلى قوم عاد وثمود بكل دليل واضح على وجوب إخلاص العبادة لله، ولم يتركوا وسيلة إلا إنبعوها معهم، وقال لهم : إجعلوا عبادتكم لله - تعالى وحده . قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ((قوله: إذجامتهم الرسل من بين أيديهم ومن خلفهم . .. أى: أقوم من كل جانب، وإجتهدوا بهم، وأعملوا فيهم كل حيلة، فلم يروا منهم إلا العقو والإعراض. كما حكى الله - تعالى - عن الشيطان أنه قال: « ثم لآتبتهم من بين أيديهم ومن خلفهم ٠ ٢٠٠ يونى لآتيتهم من كل جهة، ولأعملن فيهم كل حيلة . وعن الحسن : أنذروم بعذاب الله الدنيوي والأخروى. وقيل معناه: إذا جاءتهم الرسل من قبلهم ومن بعدهم، بمعنى أن هودا وصالحا قد أمروهم بالإيمان بهما وبجميع الرسل الذين من قبلهم والذين من بعدهم ، فكان الرسل جميعا قد جاءوم ، (١). وقوله - تعالى -: ((قالوا لو شاء ربنا لأنزلنا ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون، حكاية للرد السىء الذی رد به قوم عادوثمود على رسلهم. ومفعول المشيئة محذوف أى : قال هؤلاء الكافرون أرسلهم على سبيل التكذيب لهم، والتهكم بهم: أنتم لستم رسلا، ولو شاء الله - تعالى-أن يرسل إلينا رسلا لأرسل ملائكة، وما دام الأمر كذلك فإنا بما أرسلتم به - أيها الرسل - كافرون، وإلى ما تدعونا إليه مكذبون. والسبب الذى حمل هؤلاء الجاهلين على هذا القول: زعمهم أن الرسل لا يكونون من البشر، مع أن كل عقل سليم يؤيد أن الرسول لا يكون (١) تقصير الكشاف ج ٤ ص٠١٩١ ٤٤٣ الجزء الرابع والعشرون إلا من البشر كما قال - تعالى -: ((وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم ..... ثم فصل - سبحانه - بعذ ذلك حال كل فريق منهم ، وبين ما نزل به من عذاب مهين فقال:« فأما عاد فاستكبروا فى الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة .... أى: هذا هو قولهم على سبيل الإجمال لرسلهم، وإليك جانبا من حال قوم عاد، ومن أقوالهم الباطلة . إنهم قد إستكبروا فى الأرض بغير الحق، وإغتروا بما بين أيديهم من نعم، وقالوا على سبيل التباهى والتفاخر والتكبر: من أشد منا قوة. وقيد إستكبارهم فى الأرض بأنه بغير الحق. لبيان واقعهم ، حيث كانوا كما وصفهم الله - تعالى - فى آيات أخرى متجبر ين متعالين على غيرهم، ومن ذلك قوله - تعالى -: «أقبنون بكل ربع آية تعبثون ، وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون ، وإذا بطشتم بطشتم جبارين». والاستفهام فى قوله - تعالى - الذى حكاه عنهم (من أشد منا قوة)) للإنكار والنفى أى: لا أحد أقوى منا ، فنحن فى إستطاعتنا أن ندفع كل عذاب ينزل بنا، وهذا هو الشعور الكاذب الذى يشعر به الطغاة الجاهلون فى كل زمان ومكان . وقد رد الله - تعالى- عليهم وعلى أمثالهم ردا منطقيا حكيما يخرس ألسنتهم فقال: (( أو لم يروا أن الله الذى خلقهم هو أشد منهم قوة، وكانوا بآياتنا مجمدونت). أى: أعموا وصموا عن الحق، ولم يعلموا أن الله - تعالى - الذى أوجدهم من العدم، هو - سبحانه - أشد منهم قوة وبأسا . ٤٤٤ سورة فصلت إنهم لغرورهم وجهالانهم نسواكل ذلك ، وكانوا بآياتنا الدالة على قدر تنا ووحدانيتنا يجحدون ، ويساندون ويفكرون الحق الذى جامتهم به رسلهم. ثم حكى - سبحانه - ما نزل بهم من عذاب بسبب إصرارهم على كفرهم، وبسبب غرورهم وبطر هم فقال:« فأرسلنا عليهم ومحاصر صرا فى أيام نحسات، لنذيقهم عذاب الخزى فى الحياة الدنيا.)). ولفظ («صرصرا)) من الصر - بفتح الصاد - وهو شدة الحر، أو من الصر - بكسر الصاد - وهو شدة البرد الذى يقبض البدن ، أو من الصرة التى هى الصيحة المزعجة ، ومنه قوله - تعالى - ((((أقبلت امرأته فى صرة ... ، أى : فى صيحة . ولا مانع من أن تكون هذه الريح التى أرسلها الله - تعالى - عليهم، قد اجتمع فيها الصوت الشديد المزعج، والبرد الشديد القاتل . وقوله: (( نحسات)) جمع خمسة - بفتح النون وكسر الحاء- صفة مشبهة من نحس۔۔ کفرح و کرم ۔۔ عند سعد، أى : فأرسلنا على قوم عاد ريحا شديدة الحبوب والصوت، وشديدة البرودة أو الحرارة فى أيام نحسات أو مشتومات نكدات عليهم بسبب إصرارهم على كفرهم وفعلنا ذلك معهم لنذيقهم العذاب المخزى لهم فى الحياة الدنيا. ((ولعذاب الآخرة أخرى، أى: أشدخزبا وإهانة لهم من عذاب الدنيا. (وهم لا ينصرون)) أى: وهم لا يجدون أحدا يدفع عنهم هذا المذاب بحال من الأحوال . ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، حال ثمود وما نزل بهم من عذاب فقال: « وأما تمود فهدينام .... أى: وأما قوم ثمود الذين أرسلنا إليهم نبيناصالحا، فبينالهم عن طريقه ٤٤٥ الجزء الرابع والعشرون سبيل الرشاد وسبيل الغى. فالمراد بالهداية هنا: البيان والإرشاد والدلالة على الخير . «واستحبوا العمى على الهدى، أى: فاختاروا الكفر على الإيمان، وآثروا الغى على الرشد . فالمراد بالعمى هنا الكفر والضلال، والمراد بالهداية الإيمان والطاعة. «فأخذتهم صاعقة العذاب الهون بما كانوا يكسبون، أى: فكانت نتيجة إيثارهم الكفر على الإيمان، وتصميمهم على ذلك .. أن أنزلنا عليهم الصاعقة التى أهلكتهم، والعذاب المبين الذى أبادهم، بسبب مااكتسبوه من ذنوب وقبائح. وقد حكى - سبحانه - ما أنزله بعاد وثمود من غذاب فى آيات كثيرة ، منها قوله - تعالى -: (( كذبت نمود وعاد بالقارعة. فأما ثمود فأهلكوا بالطاغية . وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عائية، سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما، فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية)). وقد ذكر بعضهم أن الأيام النحسات التى نزل فيها العذاب على قوم عاد، كانت فى أواخر شهر شوال، وأن أولها كان فى يوم الأربعاء، وآخرها - أيضا - كان فى يوم الأربعاء، ولذا صار بعض الناس يتشاءم من هذا اليوم. والحق أن ما ذكروه فى هذا الشأن لا دليل عليه ، ولا يلتفت إليه، وأن ما أصاب هؤلاء إنما كان بشؤم كفرهم ومعاصيهم. قال بعض العلماء بعد أن ذكر بعض الآثار التى ذكروما فى أن يوم الأربعاء يوم نحس : « فهذه الروايات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر بالله ولم يعصه، لأن أغلبها ضعيف، وماصح معناه منها فالمرادينحسه شؤمه على أولئك الكفرة العصاة الذين أهلكهم الله فيه بسبب كفرهم ومعاصيهم))(١). (١) تفسير أضواء البيان جـ ٧ ص ١٢٤ الشيخ الشنقيطى. ٤٤٦ سورة فصلت ثم بين - سبحانه - فضله على المؤمنين، ورحمته بهم فقال: ((ونجينا الذين آمنوا ... )، أى ونجينا الذين آمنوا من عذاب الدنيا ومن عذاب الآخرة. (( وكانوا يتقون)) أى: يتقون الله - تعالى-؛ ويصونون أنفسهم عن كل عالا يرضيه. ثم بين - سبحانه - بعد ذلك جانبا من أحوال الظالمين يوم القيامة، يوم تشهد عليهم أسماعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون، يوم يعلمون أن ما با هم به رسلهم حق لاريب فيه ، فقال - تعالى -: ((ويومَ يُحْشَرُ أعداءِ اللهِ إِلى النَّار فَهُم يوزّعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا ما جَاءُوهَا شهِدٌ عليهِمْ سْعُهم وأبصارُمُ وجلودُم بما كانوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَلُوا لِجُلُودِمٍ لِمَ شهِدْ تَمَ عَلَيْنَا، قَالُوا أَنْطَقَنا اللهُ الذى أَنْطَقَ كلَّ شَىْءٍ وَهُو خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وإليه تُرْجَعُونَ (٢١) وما كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يشهدَ عَلَيْكُم سمعكُ ولا أَبْصَارُم ولا خُلودُثُم، ولِكِنْ ظَنْتُم أنّ اللهَ لا يَعْلَمُ كثيراً مما تَعَتُلُونَ (٢٢) وذلِكُمْ ظنكُم الذى ظَنُم بِرَبَكُمْ أَرْدا ◌ُم فأصبَخْتُم من الخاسرينَ (٢٣) فإنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوَى لَهُمْ وإن يستَعْتِبُوا فَاهُ من المُعتِينَ (٢٤)». والظرف فى قوله: ((ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون)) متعلق بمحذوف تقديره : اذكر . وقوله: ((يوزعون)) من الوزع وأصله الكف، تقول: وزع فلان فلانا عن الشىء، أى : کفه ومنعه عنه . ومنه قول الشاعر : ولن زع النفس اللجوج عن الهوى من الناس، إلا وافر العقل كامله والمراد هنا: أن يكف أولهم ويمنع عن التحرك حتى يرد آخرهم فيلحق بأولهم، بحيث يجتمعون جميعا للحساب ثم يدعون إلى نارجهنم . ٤٤٧ الجزء الرابع والعشرون والمعنى: واذكر - أيها العاقل - يوم بحشر أعداء أنه جميعا إلى النار، بعد أن حوسبوا على أعمالهم السيئة: «فهم يوزعون، أى: فهم يحبسون فى هذا اليوم العصيب حتى يلحق آخرهم بأولهم، ويكفون جميعا عن الحركة حتى يقضى أقه - تعالى - بقضائه العادل فيهم . والتعبير بقوله: ((أعداء الله، يدل على ذمهم، وعلى أن ما أبهم من عذاب مهين ، إنما هو بسبب عداو ئهم لله - تعالى - ولو سله - صلوات الله عليهم.، حيث أعرضوا عن الحق الذى جاءهم به الرسل من عندربهم. والتعبير بقوله ((يوزعون)) يشعر بأنهم يحبسون ويمنعوذ عن الحركة بغلظة و زجر . ثم بين - سبحانه - أحوالهم عندما يعرضون على النار فقال: «حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون)). والمراد بشهادة هذه الأعضاء عليهم: أنها تنطق - بإذن الله - تعالى - وتخبر بما اجترحوه من سيئات، وبما فعلوه من قبائح. قال صاحب الكشاف ما ملخصه:« فإن قلت ((ما، فى قوله: ((حتى إذا ما جاءوها ، ما هى؟ قلت: مزيدة للتأكيد، ومعنى التأكيد فيها: أن وقت بجيشهم النار لا محالة أن يكون وقت الشهادة عليهم ، ولا وجه لأن يخلو منها ... فإن قلت : كيف تشهد عليهم أعضاؤهم وكيف تنطق ؟ قلت: الله - عز وجل - ينطقها ... بأن يخلق فيها كلاما. وشهادة الجلود بالملامسة للحرام، وما أشبه ذلك مما يفضى إليها من المحرمات. وقيل: المراد بالجلود الجوارح - وقيل: هو كناية عن . )، (١) . الفروج (١) تفسير الكشاف ج٤ ص ٠١٩٥ ٤٤٨ سورة فصلت تم حكى - سبحانه - ما يقوله هؤلاء الكافرون لجوارحهم على سبيل التوبيخ والتعجيب فقال: ((وقالوا لجلودهم لم شهد تم علينا .. )). أى: وقال هؤلاء الكافرون لجلودهم التى تشمل جميع جوارحهم بتعجب وذهول : لماذا شهدتم علينا مع أننا ما دافعنا إلا عنكم . لكى نتقذكم من النار ؟ وهنا ترد عليهم جوارحهم بقولها - كما حكى سبحانه عنها -، قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شى . .. )). أى: قالوا فى الرد عليهم: أنطقنا الله - تعالى - الذى أنطق كل شى. بقدرته التى لا يعجزها شى. ((وهو، - سبحانه - الذى ((خلفكم أول مرة)) ولم تكونوا شيئا مذكورا. ( وإليه)) وحده, ترجعون، فيحاسبكم على أعمالكم، ويحكم فيكم بحكمه العادل. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية عددا من الأحاديث ، منها ماجاء عن أنس بن مالك - رضى الله عنه - قال: ضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم - ذات يوم وقبسم فقال: ((ألا تسألون عن أى شىء ضحكت))؟ قالوا: يارسول الله، من أى شىء ضحكت؟ قال: عجبت من مجادلة العبد ربه يوم القيامة ؟ يقول : أى ربى، أليس قد وعدتنى أن لا تظلمنى؟ قال: بلى . فيقول: فإنى لا أقيل على شاهدا إلا من نفسى. فيقول الله - تعالى - أو ليس كفى بى شهيدا، وبالملائكة الكرام المكاتبين ؟ قال : فيردد هذا الكلام مرارا قال : فيختم على فيه، وتتكلم أركانه بما كان يعمل. فيقول: بعدا لكن وسحقا، فىتكن كنت أجادل، (١). (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٠١٥٩ ٤٤٩ الجزء الرابع والعشرون وشبيهه بهذه الآية قوله - تعالى -: «اليوم فختم على أفواههم، وتكامنا أيديهم، وتشهد أرجلهم، بما كانوا يكسبون)،(١). ثم حكى - سبحانه - ماسيقال لهؤلاء الكافرين يوم القيامةمن حهته -تعالى- أو من جهة جوارحهم التى شهدت عليهم فقال - تعالى -: وما كنتم تستغرون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم، ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا ما تعملون)». وقوله: ((تستترون) من الاستثمار بمعنى الاستخفاء،"وما، نافية. وقوله: (( أن يشهد عليكم .. ، فى موضع نصب على نزع الخافضر أبى: من أن يشهد عليكم .. أو مفعول لأجله . أى : مخافة أو خشية أن يشهد عليكم سمعكم. والمعنى: أن جوارحهم تقول لهم يوم القيامة على سبيل التبكيت: أنتم - أيها الكافرون - لم تكونوا فى الدنيا تخفون أعمالكم السيئة، خوفا من أن تشهد عليكم ولكنكم كنتم تخفونها لاعتقادكم أن الله - تعالى - لا يعلم ما تخفونه من أعمالكم، ولکنه يعلم ما تظهر ونه منها . وما حملكم على هذا الاعتقاد الباطل إلا جهلكم بصفات الله - تعالى - وكفركم باليوم الآخر وما فيه من حساب وجزاء ، واستبعادكم أننا سنشهد عليكم . قال القرطبى:( قوله - تعالى -: ((وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ... ، بجوز أن يكون هذا من قول الجوارح لهم. ويجوز أن يكونمن قرله الله - تعالى - لهم، أو الملائكه . وفى صحيح مسلم عن ابن مسعود قال اجتمع عند البيت ثلاثة نفر ، (١) -وره بس الآية ٦٥ (٢٩ - فصلت ) ٤٥٠ سورة فصلت قرشيان وثقفى، - أى شخص من قبيلة ثقيف - أو ثقفيان وقرشى، قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم. فقال أحدهم: أترون أنه - تعالى - يسمع مانقول: فقال الآخر، يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا. فأنزل الله - عز وجل -: ( وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم .. الآية .. فالآية الكريمة تنعى على المشركين جوالاتهم الفاضحة ، حيث ظنوا أن الله - تعالى - لا يعلم الكثير من أعمالهم، وتنبه المؤمنين إلى أن من الواجب عليهم أن يعلموا أن الله - تعالى - معهم، ولا يخفى عليه شيء من أقوالهم أو أفعالهم، وأنه - سبحانه - يعلم السر . رأخفی ورحم الله من قال: خلوت . ولكن قل : على وقيب إذا ما خلوت الدهر يوما فلا تقل ولا أن ما يخفى عليك، يغيب ولا تحسبن الله بعقل ساعة ثم بين - سبحانه- سوء عاقبة ان هؤلاء الكافرين الجاهلين فقال:« وذلكم ظنكم الذى ظننتم بربكم أرداكم .... . و«ذلكم، اسم إشارة يعود إلى ظنهم السابق، وهو مبتدأ، وقوله: , أرادكم)) خبره . أى: وذلكم الظن ظننتموه ربكم، وهو أنه - سبحانه - لا يعلم كثيرا مما نعملونه سرا، هذا الظن ((أرداكم، أى: أهلكم، يقال ردى فلان - كصدى - إذا هلك («فأصبحتم، أيها الكافرون ((من الخاسرين، لكل شىء فی دنیا کم. («فإن تصبروا، عن العذاب ,فالنار مثوى لهم، أى: فالنار هى المكان المعد نشوائهم فيه، ولبقائهم به بقاء أبديا. يقال: نوى فلان بالمكان إذا أنام به إقامة دائمة . ((وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (( أى: وإن يطلبوا الرضا عنهم، قام ـ ٤٥١ الجزء الرابع والعشرون من المرضى عنهم، وإنماهم من المغضوب عليهم ، أو وإن يطلبوا منا الرجوع إلى ما يرضينا بأن فعيدهم إلى الدنيا، فما هم من المجابين إلى ذلك. قال القرطبى: وأصل الكلمة من العنب - بفتح العين وسكون التاء وهى الموجدة، يقال: عتب عليه يعتب - كضرب يضرب - إذا وجد عليه. فإذا فاوضه فيما عقب عليه فيه، قيل: عاتبه، فإذا رجع إلى مسرتك فقد أعتب. والاسم العتبى، وهو رجوع المعتوب عليه إلى ما يرضى العاقب . قال الشاعر: فإن كنت مظلوما فعبدا ظلمته. وإن كنت ذا عقبى فتلك يعتب (١) وبذلك ترى هذه الآيات الكريمة، قد بينت الأحوال السيئة التى يكون عليها الكافرون يوم القيامة، والمجادلات التى تدور بينهم وبين جوارحهم فى هذا اليوم العسير عليهم . ثم بين - سبحانه - جانبا من الأسباب التى أوقعتهم فى هذا المصير الأليم، ومن الأقوال السيئة التى كانوا يتواصون بها فيما بينهم، وعن عاقبة هذا التواصى الأثيم فقال - تعالى -: ((وَقَيِّضْنَاَ لَهُم قرناء فَزَيَّنُوا لهم ما بيْنَ أَيديهم وما خَلْفَهم، وحقّ عَلَيْهِمُ القَوْلُ فى أُمَمٍقَدْ غَلَتْ مِنْ قَبَلهم من الجِنِّ والإنْسِ إنهم كانوا خَاسِرِينَ (٢٥) وقالَ الذينَ كَفَرُوا لا تستَعُوا لهذَا القرآنِ وَألفَوْا فيه لَمَلِكُمْ تَْلِبُونَ (٢٦) فَلنذيقَنَّ الذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيداً ، وَلَنْجِزِيْنَّهُمْ أَسْوَأَ الذى كانوا يْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزاء أعدَّاء الهِ النارُ، لَهُمْ فيها دارُ أُخْلِهِ، جزاء بما كانوا بآياتنا يجحدُونَ (٢٨) وقالَ الذينَ كَفَرُوا رَبَّ أَرِنَا الَّذَينِ أَضَّلانا من الْجِنِّ والإنْسِ تَجِعْلُهُما تحت أقدَامِنا ليكُونا من الأسفَلِينَ (٢٩))). (١) تفسير القرطي ج ١ ص ٠١٦٢ ٤٥٢ سورة فصلت قال الجمل ماملخصه:«قوله: ((وقبضنا .. ، أى: سبينا وهبأنا وبتنا لهم قرناء يلازمونهم ويستولون عليهم استيلاء القبض على البيض. والقيض قشر البيض ... والتقبيض - أيضا - التيسير والتهيئة، تقول قيضت لفلان الشىء، أى: هيأته ويسرته له ... (١). والقرناء: جمع قرين ((وهو الصديق الملازم للشخص الذى لا يكاد يفارقه ، وله تأثير عليه والمراد بما بين أيديهم: شهوات الدنيا وسيئاتها. والمراد بما خلفهم : ما يتعلق بالآخرة من بعث وحساب وثواب وعقاب. والمعنى: إن حكمتنا قد اقتضت أن نهىء ونسبب لهؤلاء المشركين قرنا. سوء، هؤلاء القر ناء يزينون لهم القبيح من أعمال الدنيا التى يعيشون فيها ، كما يزينون لهم إنكار ما يتعلق بما خلفهم من أمور الآخرة، كتكذيبهم بالبعث والحساب والجزاء . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين . وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون ، (٢) . وقوله - تعالى -: «وحق عليهم الفول فى أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس .. )) بيان لمما ترتب على استجابتهم لقرناء السوء، وانقيادهم لهم انقياد التابع للمتبوع . أى: وثبت عليهم القول الذى قاله - سبحانه - لإبليس، وتحقق مقتضاه وهو قوله - تعالى -: («لأملأن جهنم منك ومن تبعك منهم أجمعين))(٢). (١) حاشية الجمل على الجلاليز =؛ ص ٣٩ (٢) سورة الزحرف . الآيتان ٣٧،٣٦ (٣) سورة (ص) آية ٨٥ ٤٥٣ الجزء الرابع والعشرون وقوله: « فى أمم)) فى محل نصب على الحال من الضمير فى «عليهم، أى: وثبت عليهم العذاب . حالة كونهم داخلين فى جملة أمم كافرة جاحدة ، قد مضت من تبلهم، وهذه الأمم منها ما هو من الجن ، ومنها ماهو من الإفس. وجملة (« إنهم كانوا خاسرين، تمليل لاستحقاقهم العذاب. والضمير لكفار قريش ولغيرهم من الأمم السابقة التى هلكت على الكفر ثم حكى - سبحانه - ما قواصى به المشركون فيما بينهم فقال: (وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن وألغوا فيه لعلكم تغلبون، وقوله: « وألغوا فيه، من اللغو، وهو الكلام الساقط الذى لا فائدة فية يقال: لنا فلان فى كلامه بلغو ، إذا نطق بكلام ساقط لا خير فيه . ويبدو أن هذا الكلام قد قاله الزعماء من كفار مكـ لأتباعهم فقد وردعن أن عباس أنه قال: قال أبو جهل - لأتباعه -: إذا قرأ محمد فصيحوا فى وجهه ، حتى لا بدرى ما يقول . أى: وقال زعماء الكفر لأتماعهم: لا تسمعوا لهذا القرآن الذى يقرأه محمد - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، ولا تنصتوا إليه، بل ابتعدواعن قارئيه ((وألغوا فيه، أى: وأظهروا عند قراءته أصواتكم باللغو من القول، كالتشويش على القارىء، والتخليط عليه فى قراءته بالتصفيق وبرفع الصوت بالخرافات والهذيان ... (( لعلكم تغليون، أى: لطكم بعملكم هذا تتغلبون على المسلمين، وتجعلونهم ينصرفون عن قراءة القرآن . ولا شك أن قولهم هذا دليل واضح على خوفهم من تأثير القرآن فى القلوب ، هذا التأثير الذى حمل كثيراً منهم عند سماعه على الدخول فى الإسلام وفبذ الكفر والكافرين. كما يدل على أنهم لعجزهم عن معارضته، وعن الإثوان بسورة من مثله . ٤٥٤ سورة فصلت لجأوا إلى تلك الأساليب السخيفة، لصرف الناس عن سماع القرآن الكريم. وقد رد - سبحانه - على فعلهم هذا بما يناسبه من تهديد فقال: ((فلنذيقن الذن كفروا عذابا شديداً، ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون)). أى: فوالله لنجعلن الذين كفروا بهذا القرآن والذين شوشوا على قارئيه بالصياح والاستهزاء، لنجعلتهم بذوقون العذاب الذى يهينهم، ويحسون به إحساساً أليما. ولنجزينهم فى الآخرة الجزاء المناسب لقبح أعمالهم التى عملوها فى الدنيا . قال الآلوسي: (قوله - تعالى -: ((ولنجزينهم أسوأ الذى كانوا يعملون)» أى: جزا سيئات أعمالهم التى هى فى أنفسها أسوأ، فأفعل للزيادة المطلقة وقيل : إنه - سبحانه - لا يجازيهم بمحاسن أعمالهم كإغاثة المهوف، وصلة الأرحام . وإكرام الضيف ... لأن هذه الأعمال قد حبطت بسبب كفرم .. ،(١) . وقال الجل فى حاشيته: «وفى هذا تعريض بمن لا يكون عند سماعه لكلام الله خاضعا خاشعا متفكراً متدبراً. وتهديد ووعيد شديد لمن يصدر عنه عند سماعه ما يشوش على القارىء ويخلط عليه القراءة، فانظر إلى عظمة" القرآن المجيد، وتأمل فى هذا التغليظ والتشديد، واشهد لمن عظمه وأجل قدره، وألقى إليه السمع وهو شهيد، بالفوز العظيم (٢). واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((ذلك جزاء أعداء الله .. )) يعود إلى ما تقدم من العذاب الشديد المعد لهؤلاء الكافرين، وهو مبتدأ، وجملة («جراء أعداء اله ، خبره . وقوله ((النار)) بدل أو عطف بيان. (١) تفسير الآلوسى = ٢٤ ص٠١١٩ (٢) حافية الجل ج ٤ ص ٠٤١ ٤٥٥ الجزء الرابع والعشرون أى : ذلك العذاب الشديد الذى فذيقه الكافرين جزاء عادل لأعداء الله، وهذا العذاب الشديد يتمثل فى النار التى أعدها - سبحانه - لهم . وجملة: (( لهم فيها دار الخلد)، مؤكدة لما قبلها. أى: لهم فى تلك النار الاقامة الدائمة الباقية المستمرة ، فهى بمثابة الدار المهيأة السكنهم الدائم. وقوله - سبحانه -: ((جزاء بما كانوا بآياتنا بمحدون)) بيان لحكم الله العادل فیهم . أى: نجازيهم جزاء أليما بسبب جحودهم لآ باتنا الدالة على وحدا بتنا وعلى صدق رسلنا . ثم صور - سبحانه - أحوالهم وهم يتقلبون فى النار، وحكى بعض أقوالهم التى يقولونها وهم فى ذلك العذاب الأليم فقال:، وقال الذين كفروا، على سبيل الحسرة والغضب على من أضلوم .. , ربنا أرنا الذين أضلانا من الجن والإنس .. ، أى: قالوا ياربنا أطلعنا على الفريقين اللذين زينوا لنا الكفر والفسوق والعصيان من أفراد الجن الاف . فجعلهما تحت أقدامنا ليكونا من الأسفلين، أى: أرنا إياءٍ لننتقم منهم ، بأن ندوسهما بأقدامنا إحتقاراً لهم، وغضبا عليهم، أيكونا بذلك فى أسفل مكان من النار، وفى أحقره وأكثرهم سعيراً. وهكذا تتحول الصداقة التى كانت بين الزعماء والأتباع فى الدنيا، إلى عداوة تجعل كل فريق بحتقر صاحبه ، ويتمنى له أسوأ العذاب . ٠ ٠ ٠ وكعادة القرآن فى المقارنة بين عاقبة الأشرار وعاقبة الأخيار ، جاء الحديث عن حسن عاقبة المؤمنين ، بعد الحديث عن سوء مصير الكافرين، فقال - تعالى - : ٤٥٦ سورة فصلت ((إِنَّ الذِينَ قَلُوا رَبُّنَ الله ثم اسْتَقَامُوا، تَتَنْزِلُ عليهمُ الملائكةُ، ألاَّ تخافُوا ولا تحزَنُوا وَأَبْشِرُوا بالْتَّة التى كُنْتُم ◌ُوعَدون (٣٠) نحنُ أَوْلياؤَ ثُم فى الحياةِ الدُّنيا وفى الآخرةِ، ولُ فيها ما نَشْتعى أَنْفُسُكم ولكُ فيها ما تَدّعونَ (٣١) نُزُلاً من غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قولاً ممّنْ دها إلى اللهِ وعمل صالحاً وقالَ إنّنى منَ المسلمينَ (٣٣) ولا تستَوِى الْحسنةُ ولا السيئةُ ادْفَعْ بالتى هِىَ أَحْسنُ فَإِذَا الذى بَيْنَكَ وَبَيْهُ مَدَّاوَةٌ كَأنَّهُ وَلِيٌّ حِيمٌ (٣٤) وما يُلَفَاهَا إلاَّ الذِينَ صَرُوا ، وما يَقَّهَا إِلَّ ذُو حَظّ عِظِيمٍ (٣٥) وإمَّا يَنْزَغِنَّكَ الشيطانِ نَزْغٌ فاستعِذْ بالقُّهِ، إِنَّه هُوَ السميعُ العَليمُ (٣٦))). والمعنى: إن الذين قالوا بكل صدق وإخلاص ربنا الله - تعالى - وحده، لا شريك له لا فى ذاته ولا فى صفاته . ((ثم استقاموا، أى: ثم ثبتوا على هذا القول، وعملوا بما يقتضيه هذا القول من طاعة لله - تعالى - فى المنشط والمكره، وفى العصر والبسر، ومن اقتداء برسوله - صلى الله عليه وسلم - فى كل أحو اله قال صاحب الكشاف: ((و(ثم)) لتراخى الاستقامة عن الإقرار فى المرتبة وفضلها عليه. لأن الاستقامة لها الشأن كله. ونحوه قوله - تعالى: ( إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا، والمعنى: ثم ثبتوا على الاقرار ومقتضياته .،(١) ولقد بين لنا النبى - صلى الله عليه وسلم - أن الاستقامة على أمراقه جماع الخيرات ، ففى صحيح مسلم عن سفيان بن عبد الله الثقفى قال: قلت : (١) تقدير الكشاف ج ٤ ص ٠١٩٨ ٤٥٧ الجزء الرابع والعشرون يا رسول الله «قل لى فى الإسلام قولا لا أسأل عنه أحداً بعدك. قال: «قل آمنت بالله ثم استقم ... ،(!). وقوله - تعالى -: ((وتتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا ... بيان للآثار الطيبة التى تترتب على هذا القول المؤيد بالثبات على طاعة الله - تعالى -. وتنزل الملائكة عليهم بهذه البشارات يشمل ما يكون فى حياتهمعن طريق إلهامهم بما يشرح صدورهم ، ويطمئن نفوسهم، كما يشمل قبشيرثم بما يسريم عند موتهم وعند بعثهم . قال الآلوسي: ((قوله - تعالى -: ,تتنزل عليهم الملائكة، قال مجاهد: عند موتهم . وعن زيد بن أسلم: عند الموت، وعند القبر، وعند البعث ، وقيل: معنى ((تتنزل عليهم)): بمدونهم فيما يعن ويطر أ لهم من الأمور الدينية والدفيوبة ما يشرح صدورم، ويدفع عنهم الخوف والحزن بطريق الإلهام كما أن الكفرة يغريهم ما قيض لهم من قرناء السوء بتزبين القبائح ... (٢)، والخوف: غم يلحق النفس لتوقع مكروه فى المستقبل . والحزن : غم يلحقها لفوات نفع فى الماضى. أى: إن الذين قالوا ربنا الله باعتقاد جازم، ثم استقاموا على طاعته فى جميع الأحوال، تتنزل عليهم من ربهم الملائكة، لتقول لهم فى ساعة احتضرم وعند مفارقتهم الدنيا, وفى كل حال من أحوالهم: لا تخافوا - أيها المؤمنون الصادقون - مما أنتم قادمون عليهم فى المستقبل، ولا تحزنوا على مافار قتموه من أموال أو أولاد . (١) تفسير ابن كثير - ٧ س ١٦٥ (٢) تفسير الألوسى ج ٢٤ ص ١٢١ ٤٥٨ سورة فصلت ((وأبشروا، عما قريب، بالجنة التي كنتم توعدون بها فى الدنيا. ثم يقولون لهم - أيضا - على سبيل الزبادة فى المسرة: ((نحن أولياؤكم فى الحياة الدنيا وفى الآخرة ، . أى: نحن نصراؤكم على الخير، وأعوانكم على الطاعة فى الحياة الدنيا التى توشكون على مفارقتها، وفى الآخرة التى هى الدار الباقية ، سنتلقاكم فيها بالتكريم والترحاب . ((ولكم فيها، أى: فى الدار الآخرة، ما تشتهى أنفسكم، من أنواع الطيبات التى أعدها لكم خالقکم فى جنانه . ((ولكم فيها ما تدعون، أى: ما تتمنوه وتطلبونه، فقوله ((تدعون)) افتعال من الدعاء بمعنى الطلب . قوله - تعالى -: « نزلا من غفور رحيم، حال من قوله: « ما تدعون،، وأصل النول: ما يقدم للضيف عند نزوله على المضيف من ما كل طيب ، ومشرب حسن ، ومكان فيه راحته . أى: بلكم فى الدار الآخرة جميع ما تطلبونه وماتدعونه ، حال كوز هذا المعطى لكم رزقا وضيافة مهيأة لكم من ربك الواسع المغفرة والرحمة. ثم سمت السورة الكريمة بعدذلك بمنازل الذين يقومون بالدعوة إلى الحق بحكمة وإخلاص فقال - تعالى -: ((ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل صارخا وقال إننى من المسلمين». أى: لا أحد أحسن قولا، وأعظم منزلة، من دعا غيره إلى طاعة الله - تعالى - وإلى المحافظة على أداء ما كلفه به ... ولم يكتف بهذه الدعوة لغيره ، بل أتبع ذلك بالعمل الصالح الذى يجعل المدعوين يزدادون استجابة له . ٤٠٩ الجزء الرابع والعشرون ((وقال)) بعد كل ذلك على سبيل السرور والابتهاج التحدث بنعمة الله ((أننى من المسلمين)). أى: من الذين أسلموا وجوههم فه - تعالى - وأخلصوا له القول والعمل. قال ابن كثير عند تفسير هذه الآية: أى: وهو فى نفسه مهند بما يقوله، فنفعه لنفسه لازم ومتعد، وليس هو من الذين يأمرون بالمعروف ولا يأتونه، وينهون عن المنكر ويأتونه .. وهذه الآية عامة فى كل من دعا إلى خير ، وهو فى نفسه مهقد .. وقيل المراد بها المؤذنون الصلحاء ... والصحيح أن الآية عامة فى المؤذنين وفى غيرم ... ،(١) . ثم أرشد - سبحانه - إلى ما ينعى روح المحبة والمودة ٠٠٠ بين الداعى والمدعوين بصفة خاصة، وبين المسلم وغيره بصفة عامة، فقال: ((ولا تستوى الحسنة ولا السيئة .. » . أى: ولا تستوى الخصلة الحسنة ولا الخصلة السيئة، لا فى ذواتهما ولا فى الآثار التى تترقب عليهما، إذ الخصلة الحسنة جميلة فى ذاتها ، وعظيمة فى الآثار الطيبة التى تنتج عنها، أما الخصلة السيئة فهى قبيحة فى ذاتها وفى نتائجها. وقوله - تعالى -: ((ادفع بالتى هى أحسن)، إرشاد منه - تعالى - إلى ما يحب أن يتحلى به عباده المؤمنون. أى: مادامت الخصلة الحسنة لا تتساوى مع الخصلة السيئة، فعليك - أيها المسلم - أن تدفع السيئة إذا جاتك من المىء، بأحسن ما يمكن دفعها به من الحسنات، بأن تقابل ذنبه بالعفو، وغضبه بالصبر ، وقطعه بالصلة ، وفظاظته بالسماحة . (١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٠١٦٨ ٤٦٠ سورة فصلت وقوله - سبحانه -: ((فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم)) بيان للآثار الجميلة التى تترقب على مفع السيئة بالحسنة . والولى: هو الصديق المحب الشفيق عليك، من الولى بمعنى القرب. والحميم فى الأصل: يطلق فى الأصل على الماء الحار .. والمراد به هنا: الصديق الصدوق معك . أى: أنت إذا دفعت السيئة بالحسنة، صار عدوك الذى أساء إليك، كأنه قريب منك ، لأن من شأن النفوس الكريمة أنها تحب من أحسن إليها، ومن عما عنها، ومن قابل شرها بالخير، ومنعها بالعطاء. ولما كانت هذه الأخلاق تحتاج إلى مجاهدة النفس ... عقب - سبحانه - على هذه التوجيهات السامية قوله: ((وما يلقاها إلا الذين صبروا. وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم .. والضمير فى «يلفاها، يعود إلى تلك الخصال الكريمة السابقة، التى على رأسها الدفع بالتى هى أحسن . أى: وما يستطيع القيام بذلك الأخلاق العظيمة التى على رأسها الدعوة إلى الله ومقابلة السيئة بالحسنة ... إلا الذين صبروا على المكاره وعلى الأذى . وما يستطيعها - أيضا - إلا صاحب الحظ الوافر، والنصيب الكبير ، من توفيق الله - تعالى - له إلى مكارم الأخلاق. والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يراها قد رسمت للمسلم أحكم الطرق، وأفضل الوسائل، التى ترفع درجته عن خالقه - تعالى -. ثم أرشد - سبحانه - عباده إلى ما يبعدهم من كيد الشيطان، فقال: «وإما ينزغنك من الشيطان نرغ فاستعذ باقه، إنه هو السميع العليم)). والنزغ والنخس والغرز بمعنى واحد، وهو إدخال الإبرة أو طرف العصا فى الجلد .