Indexed OCR Text

Pages 421-440

مقدمة وتميد
١ - سورة ((فصلت)) هى السورة الحادية والأربعون فى ترتيب المصحف
أما ترقيها فى النزول فكان بعد سورة ((غافر».
وهى من السور المكية الخالصة، وعدد آياتها ثنتان وخمسون آية فى المصحف
البصرى والشامى، وثلاث وخمسون فى المصحف المكى والمدنى، وأربع
وخمسون فى المصحف الكوفى. وسورة ((فصلت)) تسمى - أيضا - بسورة
السجدة، وحم السجدة، وبسورة المصابيح، وبسورة الأقوات(١).
٢ - والذى يقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل، يراها فى مطلعها
تمدح القرآن الكريم ، وتذكر موقف المشركين منه ومن الرسول - صلى الله
عليه وسلم -. وتلقى الرسول - صلى الله عليه وسلم - الجواب الذى يكبتهم،
وتهددهم بالعذاب الأليم.
قال - تعالى -: («حم. تنزيل من الرحمن الرحيم . كتاب فصلت آياته
قرآنا عربيا لقوم يعقلون. بشيراً ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون.
وقالوا قلوبنا فى أكنة ما تدعونا إليه وفى آذاننا وقر، ومن بيننا وبينك
حجاب فاعمل إننا عاملون ... ».
٣ - ثم انتقلت السورة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى -، عن
طريق بيان خلقه للأرض وما اشتملت عليه من جبال وأقوات ، وعن طريق
(١) راجع تفعير الألوسى = ٢٤ ص ٠٩٤

- ٤٢٢ -
خلق السماء بطبقاتها المتعددة ، ومن طريق تزبين السماء الدنيا بمصابيح
وحفظا ...
قال - تعالى -: «قل أثنكم لتكفرون بالذى خلق الأرض فى يومين،
ويجعلون له أنداداً ، ذلك رب العالمين . وجعل فيها روامى وبارك فيها، وقدر
فيها أقواتها فى أربعة أيام سواء للسائلين. ثم إستوى إلى السماء وهى دخان
فقال لها والأرض أتنيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ....
٤ - وبعد أن هدد القه - تعالى - مشركى مكة بالعذاب الذى أصاب من
قبلهم قوم عاد وثمود، وفصل لهم موقف هؤلاء الأقوام من رسلهم وكيف
أنهم عندما كذبوا رسلهم وإستحبوا العمى على الهدى، أخذتهم صامقة
العذاب الهون ...
بعد كل ذلك تحدثت عن أحوالهم السيئة يوم يحشرون الحساب يوم القيامة،
وكيف أن حواسهم تشهد عليهم فى هذا اليوم العصيب.
لنتدبير قوله - تعالى -: «ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون.
حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون
وقالوا لجلودهم : لم شهد تم علينا، قالوا أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء . وهو
خلفكم أول مرة وإليه ترجعون ...
•- وكعادة القرآن الكريم فى قرنه الترويب بالترهيب أو العكس ، وفى
بيان ماقبة الأخيار والأشرار، أتبعت السورة الحديث عن المشركين وسوء
حاقبتهم، بالحديث عن المؤمنين وحسن مصيرهم، فقال - تعالى -: ((إن
الذين قالوا ربنا الله ثم إستقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تجرنوا
وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون: نحن أولياؤكم فى الحياة الدنيا وفى
الآخرة ، ولكم فيها ما تشتهى أنفتكم، ولكم فيها ما تدعون نزلا من
غفور رحيم ٢٠٠.

- ٤٢٣ -
٦ - ثم ساقت سورة ((فصلت، أنواعا من الآيات الدالة على وحدانيته
وقدرته، قال - تعالى -: ((ومن آيات الليل والنهار والشمس والقمر لا تجدوا
الشمس ولا للقمر وأسجدوا فته الذى خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ....
ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت
إن الذى أحياها نحي الموتى ، إنه على كل شىء قدير .
٧ - ثم أخذت السورة فى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وفى
إقامة الأدلة الساطعة على أن هذا القرآن من عند انه .
قال - تعالى -: «ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك، إن ربك
لذو مغفرة وذو عقاب أليم، ولو جعلناه قرآنا عجميا لقالوا: لولا فصلت
آياته، أأعجمى وعربى، قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء، والذين
لا يؤمنون فىآذانهم وقر، وهو عليهم عمى ، أولئك ينادون من مكان
بعيد .....
٨ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة، ببيان أن مرد علم قيام الساعة
إليه - تعالى - وحده، وببيان طبيعة الإنسان فى حالتى اليسر والعسر، وببيان
أن حكمته - سبحانه - إقتضت أن يطلع الناس فى كل وقت على آياته الدالة
على وحدانيته وقدرته، قال - تعالى -: «سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم
حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شىء شهيد. ألا إنهم
فى مرية من الماء ربهم، ألا إنه بكل شىء محيط .
٩ - وبعد: فإذا عرض إجمالى لسورة ((فصلت)، ومنه نرى: أنها إهتمت
بإقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وبأن هذا القرآن من عند
انه - تعالی ۔ ، وبأن الرسول - صلی الله علیهوسلم- صادق فیایبلغه عن ربه،
وبأن يوم القيامة حق لا ريب فيه.

٠٠
- ٤٢٤ -
كما اهتمت بالحديث عن مصارع الغابرين الذين استحبوا العمى على الهدى
وببيان أحر الهم يوم القيامة ... وبيشارة الذين آمنوا وعملوا الصالحات،
وأحسنوا القول والدعوة إلى الله ... بأحسن البشارات وأفضلها ...
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى
آله وصحبه وسلم؟
د . محمد سيد طنطاوى
عميد كلية الدراسات الاسلامية والعربية
القاهرة - مدينة نصر
صباح الأربعاء: ١٤٠٦/١/١٠ ه
١٩٨٥/٩/٢٠ م

٤٢٥
الجزء الرابع والعشرون
التفسير
قال الله - تعالى -: ((حم (١) تَنزِيلٌ من الرَّحمن الرَّحِيمِ (٢)
كتابٌ فُصِّلتْ آياته قرآنًا عَريدًا لقوم يعلمونَ (٣) بشيراً ونذيراً
فأعْرَض أ كثَرُهُ فَهُمْ لا يسمَعُونَ (٤) وقَالُوا قلوبناً فى أَكتَّةٍ بِمَا
تدعُونَاَ إليه، ومن بيننا وبينِكَ حجابٌ ، فاعملْ إنّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ
إِنَّا أَنا بِشَرٌ مثلكُمْ يُوحَى إِلىَّ أنَّا إِلَهُكُمْ إِلهٌ وَاحِدٌ فَاسْتِقِيمُوا إليه
وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيلٌ للمشركينَ (٦) الذينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ومُ
بالآخِرَةِ مُ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الذينَ آمَنُوا وَعِمُلُوا الصَّالِحَاتِ لّهِمْ أَجْرٌ
غيرُ تَمْتُونٍ (٨)).
سورة ((فصلت)) من السور التى بدأت ببعض حروق التهجى.
والرأى الراجح فى هذه الحروف أنها جىء بها للإيقاظ والتنبيه على أن
هذا القرآن من عند الله - تعالى -، بدليل أنه مؤلف من جنس الحروف التى
يتخاطب بها المشركون ، ومع ذلك فقد عجزوا عن أن يأتوا بسورة
من مثله .
١
وقوله: («تنزيل من الرحمن الرحيم)) يبان لمصدر هذا القرآن، وقوله
((تنزيل ، خبر لمبتدأ محذوف .
أى : هذا القرآن ليس أساطير الأولين - كمازعم الجاحدون الجاهلون.
وإنما هو منزل من عند الله - تعالى - صاحب الرحمة العظيمة الدائمة.
إذ لفظ « الرحمن» بمعنى عظيم الرحمة ، لأن فعلان صيغة مبالغة فى كثرة
الشىء وعظمته، أما صيغة فعيل فتستعمل فى الصفات الدائمة ككريم ،

٤٢٦
سورة فصلت
فكانه - تعالى - يقول: هذا الكتاب منزل من الله - تع الى - العظيم الرحمة
الداعمة .
قال بعض العلماء: ،وإنما خص هذان الوصفان الذكر، لأن الخلق فى هذا
العالم كامرضى المحتاجين و"قرآن مشتمل على كل ما يحتاج إليه المرضى من
الأدوية، وعلى كل ما يحتاج إليه الأصحاء من الأغذية. فكان أعظم النفع
من الله على هذا العالم إنزال القرآن الناشىء عن رحمته ولطفه بخلقه,(١).
ثم أثنى - سبحانه - على هذا القرآن الذى أزله بمقتضى رحمته وحكمته
فقال: (( كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون، بشيرا ونذيرا)).
ومعنى: (( فصلت آياته)): ميرت فى ألفاظها بفواصل ومقاطع، وميزت
فى معافيها لاشتمالها على أنواع متعددة من المعانى الحكيمة.
وقوله, قرآنا، منصوب على المدح، أو على الحال من كتاب، و«عربيا،
صفة للقرآن .
وقوله: لقوم يعلمون، متعلق بفصلت.
أى: هذا القرآن منزل من عند الله - تعالى - الذى وسعت رحمته كل
شىء، وهو كتاب فصلت آياة ووضحت وميزت من حيث ألفاظها تفصيلا
بليغا، إذ إشتملت على فواصل ومقاطع فيما بينها ليسهل فهمه وحفظه .
وفصلت آياته من حيث معانيها تفصيلا حكما، إذ بعضها جاء لبيانذاته
وصفاته وأفعاله - تعالى -، وبعضها اشتمل على ألوان من نعمه الو لا تحمى
وبعضها جاء بأسمى أنواع الهدايات والآداب والأحكام والقصص والمواعظ،
وبعضها جا لتبشير المؤمنين بحسن الثواب، ولا نذار الكافرين بسوء العقاب.
وخص - سبحانه - الذين يعلمون بالذكر ، لأنهم هم الذين ينتفعون بما
اشتمل عليه هذا الكتاب من تفصيل لآياته شامل لألفاظها ومعانيها.
(١) ساعية الجمل على الجاأين ج٤ ص ٢٨

٤٢٧
الجزء الرابع والعشرون
قال صاحب الكشاف:«قوله: ((لقوم يعلمون. أى لقوم عرب يعلمون
ما نزل عليهم من الآيات المفصلة المبيضة بلسانهم العربى، لا يلتبس عليهم
شىء منه .
فإن قلت: بم يتعلق قوله: (( لقوم يعلمون،؟
قلت : يجوز أن يتعلق بتغزيل أو بفصلت، أى: تنزيل من اله لأجلهم.
أو فصلت آياته لهم. والأجود أن يكون صفة مثل ما قبله وما بعده، أى:
قرآنا عربيا كائنا لقوم عرب لئلا يفرق بين الصلات والصفات ... (١).
وقوله - تعالى -: ((فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون، بيانلموقف الناس
من هذا القرآن المنزل من الرحمن الرحيم .
والمراد بالأكثر هنا: الكافرون الذين لم ينتفعو أبهدايات القرآن الكريم.
أى: هذا القرآن أنزلناه إليك لتخرج الناس به من الظلمات إلى النور،
فأعرض أكثرم عن هدايانه لاستحواذ الشيطان عليهم ، فهم لا يسمعون
سماع تدبر وإتعاظ، وإنما يسمعون بقلوب قاسية، وعقول خالية من إدراك
معانيه ، ومن الإستجابة له.
و نفی - سبحانه - سماعهم له، مع أنهم كانوا يسمعون من الرسول -صلى
الله عليه وسلم - ومن أصحابه، لأنهم لما سمعوه ولم يؤمنوا به .. صار سماعهم
منزلة عدمه.
ثم حكى - سبحانه - أقوالهم التى تدل علىتوغلهم فى الكفر والعناد فقال:
,(وقالوا قلوبنا فى أكنة ما تدعونا إليه، وفى آذاننا وقر، ومن بيتنا وبينك
حجاب، فاعمل إننا عاملون، والأكنة: جمع كنان وهو الغطاء لشىء .
و «الوقر، الصمم الذى يحول بين الإنسان وبين سماع ما يقال له.
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠١٨٤

٤٢٨
سورة فصلت
والحجاب : من الحجب بمعنى الستر لأنه يمنع المشاهدة، ومنه قبل البواب
حاجب، لأنه يمنع من الدخول .
أى: وقال الكافرون للنبى - صلى الله عليه وسلم - على سبيل تيشيسيه من
إيمانهم: إن قلوبنا قد كستها أغطية متكاثفة جعلتها لا تفقه ما تقوله لنا ،
وما تدعونا إليه، وإن آذاننا فيها صمم يحول بيننا وبين سماع حديثك وإن من
بيننا ومن بينك حاجز أً غليظا بحجب التواصل والتلاقى بيننا وبينك، وما دام
حالنا وحالك كذلك فاعمل ما شئت فيما يتعلق بدينك، ونحن من جانبنا سنعمل
ما شئنا فيما يتعلق بديننا .
وهذه الأقوال التى حكاها القرآن عنهم ، تدل على أنهم قوم قد بلغوا
أقصى درجات الجحود والعناد، فقلوبهم قد أغلقت عن إدراك الحق وأسماعهم
قد صحت عن سماعه، وأشخاصهم قد أبت الإقتراب من شخض الرسول -صلى
الله عليه وسلم - الذى يحمل لهم الخير والنور ، وما حملهم على ذلك إلا اتباعهم
للهوى والشيطان .
وصدق الله إذ يقول: « فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم واقه لا يهدي القوم
الفاسقين » .
ثم لقن الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - الجواب الذى يرد به
عليهم فقال: ((قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى إنما إلهكم إله واحد.)).
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: إنما أنا بشر مثلكم
فى الصفات البشرية أو جدنى الله - تعالى - بقدرته كما أوجدكم، وينتهى نسبى
ونسبكم إلى آدم - عليه السلام -، إلا أن الله - تعالى - قد إختص بوحيه
ورسالته - وهو أعلم حيث يجعل رسالته - وأمرنى أن أبلغكم أن إلهكم
وخالقكم ... هو إله واحد لا شريك له، فعليكم أن تخلصو اله العبادة والطاعة.
وقوله: ((فاستقيموا إليه واستغفروه)) أى: فالزموا الإستقامة فى طريقكم
إليه - تعالى - بالإيمان به، وطاعته والإخلاص فى عبادته.

٤٢٩
الجزء الرابع والعشرون
وقوله - تعالى -: «وويل للمشركين. الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة
ثم كافرون، تهديد لهم بسوء المصير إذ إستمروا على عنادهم وشركهم.
والويل: لفظ دال على الشر أو الهلاك، وهو مصدر لافعل له من لفظه
والمراد به هنا : الدعاء عليهم بالخزى والهلاك.
أى: فهلاك وخزى وعقاب شديد هؤلاء المشركين ، الذين لا يؤتون
الزكاة، أى: لا يؤمنون بها، ولا يخرجونها إلى مستحقيها، ولا يعملون على
تطهير أنفسهم بأدائها ... وفضلا عن كل ذلك فهم بالآخرة وما فيها من
حساب وثواب وعقاب كافرون.
قال ابن كثير: ((والمراد بالز كاة ها هنا: طهارة النفس من الأخلاق
المرذولة ...
وقال قتادة : يمنعون زكاة أموالهم، واختاره ابن جرير ..
وفيه نظر، لأن إيجاب الزكاة إنما كان فى السنة الثانية من الهجرة، وهذه
الآية مكية . اللهم إلا أن يقال: لا يبعد أن يكون أصل الزكاة - وهو الصدقة .
كان مأموراً به فى إبتداء البعثة، كقوله - تعالى -: ((وآتوا حقه يوم حصاده،
فأما الزكاة ذات النصب والمقادير فإنما بين أمرهافى المدينة، ويكون هذا
جمعا بين القولين ... »(١) .
وقال بعض العلماء:« قد إستدل بعض علماء الأصول بهذه الآية الكريمة
على أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، لأنه - تعالى-صرح فى هذه الآية
الكريمة، بأنهم مشركون، وأنهم كافرون بالآخرة، وقد توعدم - سبحانه -
بالويل على كفرهم بالآخرة، وعدم إيتائهم الزكاة، سواء أقلنا إن الزكاة فى
الآية هى زكاة المال المعروفة، أو زكاة الأبدان عن طريق فعل الطاعات ،
وإجتناب المعاصى .
(١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٥٣

٤٣٠
سورة فصلت
ورجح بعضهم - أن المراد بالزكاة هنا زكاة الأبدان - لأن السورة مكية
وزكاة المال المعروفة إنما فرضت فى السنة الثانية من الهجرة ..
وعلى أية حال فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع الاسلام.
أعنى إمتثال أوامره واجتناب نواهيه، ومادلت عليه هذه الآية من أنهم
مخاطبون بذلك ، وأنهم يعذبون على الكفر والمعاصى، جاء موضحا فى آيات
أخر كقوله - تعالى -: « ما سلككم فى سقر. قالوا لم نك من المصلين. ولم
نطعم المسكين ، وكنا نخوض مع الخائضين ... ، (١).
وخص - سبحانه - من بين أوصاف المشركين منع الزكاة مقرونا بالكفر
بالآخرة، لأن أحب شىء إلى الإنسان ماله، وهو شقيق روحه ، فإذا بذله
للمحتاجين ، فذلك أقوى دليل على إستقامته، وصدق نيته .
وقوله - تعالى -: ((إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون))
بيان لحسن عاقبة المؤمنين ، بعد بيان سوء عاقبة الكافرين.
أى: إن الذين آمنوا إيمانا حقا وعملوا الأعمال الصالحات، لهم أجر عظيم
غير ((يمنون)) أى غير مقطوع عنهم، من منفت الحبل إذا قطعته ، أو غير
منقوص عما وعدهم الله به، أو غير منون به عليهم، بل يعطون ما يعطون
من خيرات جزاء أعمالهم الصالحة فى الدنيا ، فضلا من الله - تعالى - وكرما.
٠٠٠
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يوبخ هؤلاء
المشركين على إصرارهم على كفرهم، مع أن مظاهر قدرة الله - تعالى -
المائلة أمام أعينهم تدعوهم إلى الايمان ، فقال - تعالى -:
(١) تفسير أضواء البيان :٧ ص١٤) الشيخ محمد أمين الشنقيطى.

/ ٤٣١
الجزء الرابع والعشرون
((قُلْ أَثِّكُ لتَكْفِرُونَ بالذى خَلَقَ الأرضَ فى يوميْنِ وَتَجعَلُونَ
لهُ أَنداداً ذلكَ ربُ العالمِينَ (٩) وجعلَ فيها روَاسِيَ من فونِياً وبارَكَ
فيها وَقدَّرَ فيها أَقْوَاتَها فى أربعةِ أيّامٍ سواء للسائِلِينَ (١٠) ثم اسْتَوَى
إلى السَّمَاءُ وهِىَ دُخَانٌ فقالَ لها وللأرْضِ اثْنِنَاَ لَوْعاً أو كَرْهَا، قَالّاً
أتينا طائِينَ (١١) فقضامُنَّ سبْعَ سَوّاتٍ فى یومیْنِ وَأُوْحی فی کلِّ
سماءِ أَمْرَها وزَيًَّا السماء الدُّنيا بمصابيحَ وحفظاً، ذلكٌ تقديرُ العزيزِ
العَليمِ (١٢)».
قال الإمام الرازى ما ملخصه:« أعلم أنه - تعالى- لما أمر نبيه - صلى الله
عليه وسلم - أن يقول للناس: قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلى ... أردفه
بما يدل على أنه لا يجوز إثبات الشر کة بینه - تعالى - وبين هذه الأصنام فى
الإلهية والمعبودية ، وذلك بأن بين كمال قدرته وحكمته فى خلق السموات
والأرض فى مدة قليلة ... والاستفهام فى قوله« أنتكم لتكفرون٠٠٠، بمعنى
الإنكار،وهو لإنكار شيئين: الكفر بالله ... وجعل الأنداد له)(١).
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين على سبيل الإنكار
لأفعالهم: أثنكم لتكفرون باقه - تعالى - الذى خلق الأرض فى يومين .
قال الآلوسی: ((وإن واللام فى قوله« أنتكم لتكفرون، لتأكيدالافكار ..
وعلق - سبحانه - كفرهم بالاسم الموصول لتفخيم شأنه - تعالى -، واستعظام
کفرم به .
واليوم فى المشهور عبارة عن زمان كون الشمس فوق الأفق، وأريد منه
هاهنا الوقت مطلقا، لأنه لا يتصور ذلك قبل خلق السماء والكواكب والأرض
(١) تفسير الفخر الرازى ٧ س٠٣٤٠

٤٣٢
سورة فصلت
نفسها، ثم إن ذلك الوقت يحتمل أن يكون بمقدار اليوم المعروف، ويحتمل
أن يكون أقل منه أو أكثر، والأقل أنسب بالمقام .... (١).
قال سعيد بن جبير - رضى الله عنه -: ((إن الله - تعالى - قادر على أن يخلق
هذا الكون كله فى لحظة، ولكنه خلق السموات والأرض في ستة أيام ،
ليعلم خلقه التثبت والتانى فى الأمور، .
وقوله : (( ونجعلون له أنداداً ، معطوف على قوله ( تكفرون)، وداخل
معه فی حکم الإنكار.
والأنداد: جمع ند. وهو مثل الشىء إضاده وينافره ويتبعد عنه.
وأصله من قد البعير إذا تفر وذهب على وجهه شارداً.
أى : وتجعلون له أمثالا ونظرا تعبدونها من دونه، و تموها - زورا
و کذبا ۔ آلهة، وجمع - سبحانه- الأنداد باعتبار واقعهم، لأنهم كانوايعبدون
آلهة شتى، فمنهم من عبد الأصنام، ومنهم من عبد الملائكة - ومنهم من عبد
الكواكب.
واسم الإشارة فى قوله ((ذلك رب العالمين)) يعود إلى الموصول باعتبار
اتصافه بما فى حيز الصلة.
أى : ذلك الموصوف بتلك القدرة الباهرة، رب العالمين جميعا، وخالق
جميع المخلوقات ، والمتولى لتربيتها دون سواه .
وقوله: « وجعل فيها رواسى من فوقها .. ، معطوف على ((خلق الأرض
فی یومین ..
والرواسى: جمع راس من الرسو- بفتح الراء وسكون السين -بمعنى الثبات
والاستقرار فى المكان، يقال: رسا الشىء إذا ثبت واستقر. وهو صفة
موصوف محذوف.
(١) تفسير الآلوسي = ٢٤ ص ٠٩٩

٤٣٣
الجزء الرابع والعشرون
أى: وجعل فيها جبالا رواسى من فوقها، لكى تستقر وتثبت ، ولاتميد
أو تضطرب بكم .
وقال - تعالى -: ((من فوقها، لبيان الواقع، إذ وجود الجبال من فوق
الأرض، ومشاهدة الإنسان لذلك بعينيه، يزيده إقتناعا بقدرة الله - تعالى -
الباهرة ، وحكمته البليغة .
((وبارك فيها، أى: وجعلها مباركة زاخرة بأنواع الخيرات والمنافع،
عن طريق الزروع والثمار المبثوثة فوقها، والمياه التى تخرج من جوفها.
والكنوز التى تحصل من باطنها .
((وقدر فيها أقواتها، والأقوات: جمع قوت. والمراد بها أززاق أهل
الأرض وما يصلحهم .
أى : وجعل أقوات أهلها التى يحتاجون إليها فى معايشهم ومنافعهم ، على
مقادير محددة معينة ، بحيث نشر فى كل قطر من أفطارها أقوانا تناسب أهله،
وبذلك يتبادل الناس المنافع فيما بينهم، فيعمر الكون ، ويزيد الاتصال
والتعارف فيما بينهم.
قال ابن جرير - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى معنى هذه الجملة -:
« والصواب من القول فى ذلك أن يقال: إن الله - تعالى - أخبر أنه قدر فى
الأرض أقوات أهلها، وذلك ما يقوتهم من الغذاء، ويصلحهم من المعاش.
ولم يخصص - جل ثناؤه - بقوله ((وقدر فيها أقواتها، أنه قدر فيها فوتا دون
قوت، بل عم الخبر من تقديره فيها جميع الأقوات ... ، (١).
وقوله - تعالى - (( فى أربعة أيام، متعلق بمحذوف يدل عليه ما قبله .
أى: خلق الأرض، وجعل فيها رواسى من فوقها ، وبارك فيها. وقدر
(١) تفسير ابن جرير =٢٤ ص ٠٦٣
(٢٨ - فصلت )

٤٣٤
سورة فصلت
فيها أقواتها فى تمام أربعة أيام ، فتكون المدة التى خلق فيها الأرض وما عليها
أربعة أيام .
وقوله - سبحانه -: ((سواء للمسائلين)) تأكيد لمادات عليه الآية الكريمة
من أن خلق كل من الأرض وما فيها وما عليها قد حدث فى أربعة أيام.
قال الألوسى: ((وقيدت الأيام الأربعة بقوله: ((سواء، فإنه مصدر
مؤكد لأضمر هو صفة الأيام . أى : - فى أربعة أيام - استوت سواء ،
أى : استواء .
وقوله - تعالى -: «السائلين ، متعلق بمحذوف وقع خبر المبتدأ محذوف.
أى : هذا الحصر فى أربعة، كائن السائلين عن مدة خلق الأرض ،
وما فيها .... (٤).
وقال الجمل فى حاشيته: فإن قيل لم جعلت مدة خلق الأرض بما فيها،
ضعف مدة خلق السموات مع كون السماء أكبر من الأرض وأكثر
مخلوقات وعجائب ؟
قلت : للتنبيه على أن الأرض هى المقصودة بالذات لما فيها من الثقلين ،
ومن كثرة المنافع، فزادت مدتها ليكون ذلك أدخل فى المنة على ساكنيها،
والإعتناء بشأنهم وشأنها - أيضا - زادت مدتها لما فيها من الابتلاء بالمعاصى
والمجاهدات والمعالجات .. .(٢).
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر قدرته فى خلق السماء ، فقال :
(«تم استوى إلى السماء وهى دخان .. )).
ومعنى أستواته - سبحانه - إلى السماء: ارتفاعه إليها بلا كيف أو تشبيه
أو تحديد، لأنه - سبحانه - منزه عن ذلك.
(١) تفسير الآلوسى = ٢٤ ص ١٠١.
(٢) ساعية الجل على الجلالين ج ٤ ص ٣٢.

٤٣٥
الجزء الرابع والعشرون
والدخان: ما ارتفع من هب النار . والمراد به هنا: ما يرى من بخار
الأرض أو بخار الماء ويصح أن يكون معنى: «ثم استوى إلى السماء)):
((تعلقت إرادته - تعالى - مخلقها.
قال الألوسى: قوله: (( ثم استوى إلى السماء، أى: قصد إليها وتوجه،
دون إرادة تأثير فى غيرها. من قولهم: استوى إلى مكان كذا ، إذا نوجه
إليه لا يلوى على غيره ...
وقوله: (( وهى دخان، أى أمر ظلمانى ولعله أريد بها مادتها التى منها
تركبت ... )(١).
وقوله - تعالى - :« فقال لها والأرض اقتياطوعا أو كرها ... )، بيان لما
وجه - سبحانه - إليهما من أوامر.
والمراد بإتيانهما: انقيادهما التام لأمره - تعالى -.
أى: فقال - سبحانه - السماء والأرض أخرجا ما خلقت فيكما من المنافع
لمصالح العباد، فأنت يا سماء : أبرزى ما خلقت فيك من شمس وقمر ونجوم ...
وأنت يا أرض أخرجى ما خلقت فيك من نبات وأشجار وكنوز.
قال الفخر الرازى: « والمقصود من هذا القول: إظهار كمال القدرة، أى:
أثقيا شئمما ذلك أو أبيتما، كما يقول الجبار لمن تحت يده : لتفعلن هذا شئت أو
لم تشأ، ولتفعلته طوعا أو كرها، وانتصابهما على الحال، بمعنى طائعين
أو مكرهين .... (٢) .
وقوله: ((قالتا أتينا طائعين)) بيان لامتثالهما التام لأمره - تعالى -.
أى: قالتا: فعلنا ما أمرتنا به منقادين خاضعين مستجيبين لأمرك، فأنت
خالفنا وأنت مالك أمرنا.
(١) تفسير الآلوسى جـ ٢٤ ص ١٠٢.
(٢) تفسير الفخر الرازى :٧ ص٣٠٣

٤٣٦
سورة فصلت
قال القرطبى: ((وقوله: ((قالتا أتينا طائعين)) فيه وجهان: أنه تمثيل لظهور
الطاعة منهما ، حيث انقادا وأجابا فقام مقام قولهما، ومنه قول الراجز :
مهلا رويدا قد ملأت بطنى
امتلأ الحوض وقال قطنى
یعنی، ظهر ذلك فيه .
وقال أكثر أهل العلم: بل خلق الله - تعالى - فيهما الكلام فتكلمتا كا
أراد- سبحانه -(!).
وجمعهما - سبحانه - جمع من يعقل، لخطابهما بما يخاطب به العقلاء.
ثم فصل - سبحانه - بديع صنعه فى خلق السموات فقال: فقضاهن سبع
سماوات فى يومين ... ، أى: ففرغ من خلقين وتسو بتهن على أبدع صورة
وأحكم صنع، فى مقدار یومین .
والضمير فى قوله «فقضاهن، إما راجع إلى السماء على المعنى لأنها سبع
سموات، وإما مبهم يفسره ما بعده وهو سبع سموات .
وقوله: ((وأوحى فى كل سماء أمرها، أى: وأوحى فى كل منها ما أراده
وما أمر به، وخلق فيها ما اقتضته حكمته من الملائكة ومن خلق لا يعلمه
إلا هو - سبحانه ..
وقوله: ((وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا، أى: وزينا السماء الدنيا
أى القريبة منكم ـ بكواكب مضيئة، وحفظناها حفظا عظيما من الاختلال
والاضطراب والسقوط ((ذلك، الذى ذكرناه لكم من خلق السموات
والأرض ، وخلق ما فيهما .
((تقدير العزيز العليم، أى: تقدير الله - القاهر لكل شىء. والعليم
بما ظهر وبما بطن فى هذا الكون.
(١) تفسير القرطبى : ١٥ ص ٠٢٤٤

٤٣٧
الجزء الرابع والعشرون
وقد أخذ العلماء من هذه الآيات الكريمة أن خلق الأرض وما عليها من
جبال ومن أقوات للعباد قد تم فى أربعة أيام. وأن خلق السموات كان فى يومين
فيكون مجموع الأيام التى خلق الله - تعالى - فيها السموات والأرض وما بينهما
ستة أيام .
وقد جاء ذلك فى آيات متعددة، منها قوله - تعالى -: «إن ربكم الله الذى
خلق السموات والأرض وما بينهما فى ستة أيام .... (٤)
وقوله - سبحانه -: «ولقد خلقنا السموات والأرض ومابينهما فى ستة
أيام وما مسنا من لغوب .. )) (٢).
كما أخذ العلماء منها - أيضا -، أن خلق الأرض متقدم على خلق السموات
بدليل قوله - تعالى - بعد حديثه عن خلق الأرض , ثم استوى إلى السماء
وهى دخان ...
وبدليل قوله - تعالى- فى آية أخرى: «هو الذى خلق لكم مافى الأرض
جميعا، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات .. ، (٣).
وعلى هذا الرأى سار جمهور العلماء، وردواعلى من قال بأن خلق السموات
متقدم على خلق الأرض، لأن الله - تعالى- يقول فى سورة النازعات: ((أأنتم
أشد خلقا أم السماء بناها رفع سمكهافسواها ، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها
والأرض بعد ذلك دحاها . أى: بسطها.
ردوا علیهم بما روى عن ابن عباس من أنه سئل عن الجمع بين الآبات
التى معنا، وبين آيات سورة النازعات فقال: إنه - تعالى - خلق الأرض أولا
غير مدحوة ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسى
والأنهار وغيرهما .
(١) سورة الأعراف آية ٥٤
(٢) سورة ق آية ٣٨ ٠٠
(٣) سورة البقرة آية ٢٩.

٤٣٨
سورة فصلت
أى: أن أصل خلق الأرض كان قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها
وأشجارها كان بعد خلق السماء وردوا عليهم - أيضا - بأن لفظ ((بعد، فى
قوله - تعالى - ((والأرض بعد ذلك دعاما)) بهنى مع، أى: والأرض مع ذلك
بسطها ومهدها لسكنى أهلها فيها .
وردوا عليهم - أيضاً - بأنه - تعالى - لما خلق الأرض غير مدحوة، وهى
أهل لكل ما فيها كان كل ما فيها كأنه قد خلق بالفعل لوجود أصله فيها .
قال بعض العلماء:((والدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق
الخلق على الفرع، - وإن لم يكن موجودا بالفعل - قوله - تعالى -: ولقد
خلقناكم ثم صور فاكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ... ..
فقوله: ((خلقنا كم ثم صور ناكم، أى: بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذى
هو أصلكم،(١).
كما أخذ منها العلماء أن وجود هذا الكون، بتلك الصورة البديعة، المتمثلة
فى هذه الأرض وما أقلت ، وفى هذه السموات وما أظلت ... من أكبر
الأدلة التى تحمل العقلاء على إخلاص العبادة لله الواحد القهار .
٠
وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله فى هذا الكون، انتقلت
السورة، إلى تهديد المشركين، وإنذارهم بأن عاقبتهم ستكون كعاقبة الظالمين
الذين سبقوهم ، فقال - تعالى -:
(فإِنْ أَعْرَضُوا فَقُل أَنذَرتَكُ سامِقةً مثلَ سائِقةٍ عَدٍ وَمُودَ (١٣)
إذ جاءتهُم الرّسل مِنْ بِينٍ أَيْدِيهم ومِنْ خَلِفِهم ألا تنبُدُوا إلَّ اللهَ،
قَالوالىْ شَاء رَبُّنَا لْأنزلَ مَلائِكَةً، فإِنّ بما أُرسَلْتُم بِه كافِرُونَ (١٤)
(١) أضواء البيان = ٧ ص ١٢٠ الشيخ الشنقيطى.

٤٣٩
الجزء الرابع والعشرون
فَأَمَّا عادٌ فاستكْبَرُوا فى الأرْضِ بغيْرِ الحقِّ وقَالُوا مَن أَشَدُّ مِنَّاقوةً،
أُوَلم يَرَّوْا أنَّ الَهَ الذى خَلقَهم هو أَشَدُّ مِنْهم قُوَّةَ، وكانوا بآياتناً
يُحْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلنا عليهم ريحاً صَرْصَراً فى أيامٍ نحساتٍ لِنْذِ يقَهم
عذابَ الْخِزْى فى الحياةِ الدُّنيا، ولعَذَابُ الآخرةِ أَخْزَى ومُ
لا يُنْصَرُون (١٦) وأمَّا نمودُ فَهَدَيْنَمُ فاستَحَبُّوا العَمَى عَلَى الْحَدَى،
فَأَخَذَتَهُمْ صَامقَةُ المذابِ الهونِ بما كانُوا يُكْسِبُونَ (١٧) ونجَّنْاَ الذينَ
آمنُوا وكانوا يَتْقُونَ (١٨))).
ذكر المفرون عند تفسيرهم لهذه الآبات والتى قبلها روايات تتعلق بما
بين النبى - صلى الله عليه وسلم - وبين بعض المشر كين منها ماذكره محمد
ابن كعب الفرظى قال: حدثت أن عقبة بن ربيعة قال بو ما لقريش - ورسول
الله صلى الله عليه وسلم - جالس فى المسجد وحده -: يامعشر قريش !لا أقوم
إلى محمد فأكله، وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها .
فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه . فقام إليه عتبة فقال: يامحمد،
يا بن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السطة - أى من الشرف - فى العشيرة
وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفهت به أحلامهم،
وعبت به آلهتهم ودبنهم، وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع منى أعرضن
عليك أمورا تنظر فيها لملك تقبل بعضها .
ثم قال: إن كنت - يابن أخي - تريدمالا أعطيناك من المال حتى تكون
أكثرنا مالا. وإن كنت تريد ملكا جعلناك ملكا علينا .... وإن كان الذى
يأتيك رئیا تراه - أى ترى بعض الجن - طلبنا لك الطب حتى تبرأ.
فلما فرغ عقبة قال - صلى الله عليه وسلم -: أفرغت يا أبا الوليد ؟ قال:
نعم . قال: فاسمع منى قال: لفعل. فتلا عليه النبى - صلى الله عليه وسلم - من
أول سورة ((فصلت)).

٤٤٠
سورة فصلت
- وفى رواية أنه لما بلغ قوله - تعالى -: « فإن أعرضوا فقل أنذر تكم
صاعقة مثل صاعقة عاد ونمود ... ، قال له عتبة : حسبك ما عندك غير هذا.
ثم عاد عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: لقد جاءكم عتبة بوجه غير
الذى ذهب به. فلما جلس إليهم ، قالوا له: وراء يا أبا الوليد ؟
فقال: لقد سمعت من محمد - صلى الله عليه وسلم - قولا ماسمعت مثله قط
وأنه ماهو بالسحر ، ولا بالشعر، ولا بالكهانة. يامعشر قريش ، أطيعونى
واجعلوها لى. خلوا بين الرجل وبين ماهو فيه فاعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله
الذى سمعت نبأ .
فقالوا: لقد سحرك محمد - صلى الله عليه وسلم -. فقال: هذا رأيى فيه
فاصنعوا ما بدا لكم،(١).
فقوله - تعالى -: «فأن أعرضوا فقل أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد
وثمود، تمديد هؤلاء المشركين ، بعد أن وضح الحق لهم فى أكمل صورة ..
والصاعقة - كما يقول ابن جوير -: (كل أمر هائل رآه الرائى أوعاينه أو
أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل ،
يكون مصموقاً .... (٢).
. والمراد بها هنا: العذاب الشديد الذى أنزله الله - تعالى - على قوم عاد
ومحمود فصعقهم وأهلكهم.
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء المشركين: لقد أقت لكم
الأدلة الناصعة على وحدانية الله - تعالى - وعلى عظيم قدرته، وعلى أنى رسول
من عنده، وصادق فيما أبلغه عنه .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ١٥٢
(٢) تفسير ابن جرير ج ١ ص ٢٩٠