Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ الجزء الرابع والعشرون فقال - تعالى -: ((هو الذى خلقكم من تراب)، أى: خلق أباكمآدم من تراب، وأتم فرع عنه . · ثم من نطفة، وأصل النطفة: الماء الصافى. أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو أو القربة، وجمعها نطف ونطاق. يقال: نطفت القربة إذا تقاطر ماؤها بقلة. والمراد بها هنا: المنى الذى يخرج من الرجل ، ويصب فى رحم المرأة . ( ثم من علقة، والعلقة قطعة من الدم المتجمد. ((ثم يخرجكم طفلا، أى: ثم يخرجكم من بطون أمهاتكم أطف الاصغارا، بعد أن تكامل خلقكم فيها. فقوله: ((طفلا) اسم جنس يصدق على القليل والكثير . ((ثم لتبلغوا أشدكم، بعد ذلك، بعد أن تنتقلوا من مرحلة الطفولة، إلى المرحلة التى تكتمل فيها أجسامكم وعقولكم. ((ثم لتكونوا شيوخا، بعد ذلك، بأن تصلوا إلى السن التى تتناقص فيها قوتكم، والجملة الكريمة معطوفة على قوله ((لتبلغوا))، أو معمولة لمحذوف كالجمل التى تقدمتها ، أى : ثم يبقيكم لتكونواشيوخا. ((ومنكم من يتوفى من قبل، أى: ومنكم من يدركه الموث من قبل أن يدرك سن الشيخوخة ، أو سن الشباب ، أو سن الطفولة. وقوله - تعالى -: ((ولتبلغوا أجلا مسمى، معطوف على مقدر. أى فعل ذلك بكم لكى تعيشوا، ولتبلغوا أجلا مسمى تنتهى عنده حياتكم، ثم فبعثون يوم القيامة للحساب والجزاء. وقوله: ((ولعلكم تعقلون، أى: واملكم تعقلون من ربكم أنه هو الذى بمبيكم يوم القيامة كما أماتكم، وكما أنشأكم من تلك الأطوار المتعددة وأنتم لم تكونوا قبل ذلك شيئا مذكوراً. (٢٦ - فافر) ٤٠٢ سورة غافر ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات الزاخرة بكثير من النعم بقوله - تعالى -: ((هو الذى يحوى)، من يريد إحياءه ((ويميت)) من يشاء إمانته. («فإذا قضى أمرا، أى: فإذا أراد إبراز أمر من الأمور إلى هذا الوجود (((فإنما يقول له، أى لهذا الأمر ( كن فيكون، فى الحال بدون توقف على سبب من الأسباب، أو علة من العمل . ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يسلى النبى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من المشركين ، بأن يبين له سوء عاقبتهم يوم القيامة، وبأن أمره بالصبر على كيدهم، وبشره بأن الباقية ستكون له ولأتباعه ... وقال - تعالى -: ((ألم تر إلى الذينَ يُجَادِلُونَ فى آياتِ الهِ أَّى يَصْرَفونَ (٦٩) الذين كَذَّبُوا بالكتابِ وبما أَرْسَلنا بهِ رُسلنَا فَسَوْفَ يَعْلَونَ (٧) إذِ الأغلالُ فى أَعْناقِم والسلاسلُ يُسحبُونَ (٧١) فى الحميمِ ثُمْ فِى النَّارِ يسجِرُونَ (٧٢) ثم قبلَهُمْ أينَ ما كنتُم تُشْرِكُونَ (٧٣) من دُونِ اللهِ قالوا ضلُوا عَنَّا، بَلْ لم نسكُن تَدْعو مِنْ قبلُ شيئاً، كذلكَ يضِلُ الله الكافرينَ (٧٤) ذلكُم بما ◌ُنْتُمْ تَفْرمونَ فى الأرْضِ بِغَيْرِ الحقِّ وبما كنتُمْ تمَرَحُونَ (٧٥) ادخلُوا أبوابَ جَهَنَّم خالدين فيها فَبْسَ مَّغْوَى المتكبرينَ (٧٦) فاصبِرْ إِنَّ وَعدَ اللهِ حقٌّ، فإمّا نرِيَتَكَ بعضَ الذى تَمِدُمْ أو تَتوفَّكَ فإليناَ يُرْجَعُونَ (٧٧) ولقد أَرْسَلِناَ رُسُلاً مِنْ قَبلِكَ منهم من قَصَصْنَاَ عليكَ ومِنْهُم من لم تَقْعُصْ عليكَ، وما كانَ كَرَسُولٍ ٤٠٣ الجزء الرابع والعشرون أَنْ يَأْتِىَ بآيةٍ إلا إذْنِ القمرِ، فإذا جاء أمرُ اللهِ قُضِىَ بالحقِّ وَخَسِرّ هُنَلِكِّ الْمُبْطِلونَ (٧٨))). والاستفهام فى قوله - تعالى - : (( ألم تر إلى الذين يجادلون فی آیات الله .. ، للتعجب من أحوال هؤلاء المشركين، حيث أنكروا الحق الواضح وانافوا وراء الأوهام والأباطيل . والمعنى: أنظر - أيها الرسول الكريم - إلى أحوال المشركين، وتعجب من سلوكهم الذميم، حيث جادلوا فى الآيات الدالة على وحدانية انه وقدرته بدون علم أو حجة . وقوله:(( أنى يصرفون، أى: أنظر كيف يصر فون من آيات الله الموجبة الإيمان بها، إلى الجحود والتكذيب والجدال بالباطل فيها؟ لقد كان من المنتظر منهم أن يهتدوا إلى الحق بعد أن وصل إليهم .. ولكنهم عمواوصموا عنه، لانطماس بصائرهم ، واستحواذ الشيطان عليهم. وقوله: (( الذين كذبوا بالكتاب ... )) بدل من قوله (( الذين يجادلون فی آیات اته ، . أى: تعجب من هؤلاء الذين كذبوا بالقرآن الكريم، الذى أنزلناه إليك - يا محمد - لتخرجهم به من الظلمات إلى النور . وكذبوا - أيضا - ((بما أرسلنا به رسلنا)) من سائر الكتب والمعجزات. فهم لم يكتفوا بالتكذيب بك بل أضافوا إلى ذلك تكذيبهم بكل كتاب ورسول. وقوله - تعالى -: ((فسوف يعلمون، وعيد شديد لهم على تكذييهم بالرسل وبكتبهم، أى: فسوف يعلمون سوء عاقيمة تكذيبهم لأنياء له - تعالى - ولكتبه التي أنزلها عليهم. ثم فصل - سبحانه - هذا الوعيد، وبين ما أعده لهم من عذاب فقال : ((إذا الأغلاد فى أعنافهم والسلاسل يسحبون مفى الجيم ثم فى الناريسجرون)). ٤٠٤ سورة غافر و((إِذ» هنا ظرف بمعنى (( إذا)، وهو متعلق بيعلمون، وعبر - سبحانه - بالظرف الدال على المضى ، للدلالة على تحقق الخبر ، حتى لمكان العذاب قد نزل بهم فعلا . والأغلال: جمع غل - بضم الفين - وهو القيد يوضع فى اليد والعنق فيجمعهما . والسلاسل: جمع سلسلة، وهى مايربط بها الجانى على سبيل الإذلال له. والحميم: الماء البالغ أقصى درجات الحرارة . ويسجرون: مأخوذ من سجر التنور، إذا ملأه بالوقود . والمعنى: فسوف يعلمون سوء عاقبة تكذيبهم وجدالهم بالباطل يوم القيامة ، وقت أن توضع الأغلال والقيود فى أعناقهم ، ثم يسحبون ويجرون إلى الحميم بعنف وإهانة ، ثم يلقى بهم فى النار التى تملى. بهم، وبکو نون وقودا لها . قال صاحب الكشاف: («فإن قلت: وهل قوله: (( فسوف يعلمون. إذ الأغلال ... ، إلى مثل قولك : سوف أصوم أمس؟ قلت: المعنى على إذا ، إلا أن الأمور المستقبلة لما كانت فى أخبار الله - تعالى - متيقنة مقطوعا بها، عبر عنها بلفظ ما كان ووجد. والمعنى على الاستقبال .... (١). وقوله - تعالى - ((ثم قيل لهم أين ما كنتم تعبدون، تيكيت وتأنيب لهم. أى: ثم قيل بعد هذا العذاب المهين لهم: أين ذلك الآلهة التى كنتم تعبدونها من دون الله، لكى تدفع عنكم شيئا من العذاب الأليم الذى نزل بكم؟. وقوله ((قالوا ضلوا عنا، بل لم تكن ندعو من قبل شيئا ... ، حكاية لجوابهم الذى يدل على حسرتهم وبؤمهم. أ. (١) تفسير الكشاف جـ ع ض ٠١٧٨ ٤٠٥ الجزء الرابع والعشرون أى: قالوا: ذهبوا وضاءوا وغابوا عنا ولم نعد نعرف لهم طريقا، ولا م يعرفون عنا طريقا، ثم أضربوا عن هذا القول ترهما منهم أن هذا الإضراب ينفعهم فقالوا: بل لم نكن نعبد من قبل فى الدنيا شيئا يعتد به، وإنما كانت عبادتنا لتلك الآلهة أوهام وضلال ... وقوله - تعالى - , كذلك يضل الله الكافرين، أى مثل هذا الضلال البين والتخبط الواضح، يضل الله - تعالى - الكافرين، ويجعلهم يتخيطون فى إجاباتهم على السائلين لهم . ثم بين سبحانه - الأسباب التى أدت بهم إلى هذا العذاب المهين فقال: ( ذلكم بما كنتم تفرحون فى الأرض بغير الحق، وبما كنتم تمر حون أدخلوا أبواب جهنم خالدين فيها، فتس مثوى المتكبرين)). وقوله «تمرحون، من المرح وهو التوسع فى الفرح مع الأشر والبطر. أى: ذلكم الذى نزل بكم من العذاب ، بسبب فرحكم وبطركم فى الأرض بالباطل، وبسبب مرحكم وأشركم وغروركم فيها . وحق عليكم أن يقال لكم بسبب ذلك: أدخلوا أبواب جهنم المفتوحة أمامكم ، حالة كونكم خالدين فيها خلوداً أبديا، فبئس «مثوى، أى: مكان (المتكبرين، عن قبول الحق جهنم. وقال - سبحانه - فبئس مشوى المتكبر بن، ولم يقل فبئس مدخل المتكبرين، للاشارة إلى خلودهم فى جهنم، إذ الثواه معناه الإقامة الدائمة ، مأخوذ من ثوى فلان بالمكان إذا قام به إقامة دائمة . ثم ذكر الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - الوصية بالصبر فقال: ((فاصبر إن وعد الله حق، فإما نرينك بعض الذى نعدهم أو نتوفينك فإلينا يرجعون). وقوله: ((فإما ترينك، أصله: فإن ترك، فزيدت ((ما)، لتو كيد(( إن)) ٤٠٦ سورة غافر الشرطية، وجوابها محذوف، وقوله (( أونتوفينك، جوابه ,فإلينايرجعون)» والمعنى: إذا كان حائ هؤلاء المشركين كما ذكر نالك يا محمد، فاصبر على جدالهم بالباطل، إن وعد الله - تعالى - بتعذيبهم وبنضرك عليهم حق. فإن ترك بعض الذى تعدهم به من القتل والأسر والهزيمة فيها ونعمت، أو تتوفينك قبل ذلك فإلينا مرجعهم يوم القيامة، فنجازيهم بما يستحقون من عقاب . فالآية الكريمة تأمر النبى -صلى الله عليه وسلم - بمداومة الصبر، وتحض على قبليغ ما أنزل إليه من ربه بدون كلل أو ملل، ثم بعد ذلك يترك النتائج قه - تعالى - يسيرها كيف يشاء، فإما أن يطلعه على ما توعد به أعداءه ، وإما أن يتوفاه قبل ذلك . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «وإما يرينك بعض الذى نعدم أو نتوفينك، فإنما عليك البلاغ وغلينا الحساب)(١). ثم ساق - سبحانه - تسلية أخرى للرسول - صلى اقه عليه وسلم - فقال: (ولقد أرسلنا رسلا .. ، أى: رسلا كثيرين ,من قبلك، أى من قبل إرسالك إلى الناس . (((منهم من قصصنا عليك، كنوح وهود وصالح وإبراهيم .. وغيرهم. ((ومنهم من لم نقصص عليك، أخبارهم وأحوالهم لأن حكمتنا قد إقتضت ذلك . کما قال -تعالى- فی آية أخرى: « ورسلا قدقصصنامعليك من قبل ور سلا لم نقصصهم عليك، وكلم الله مومى تكليماء (٢). (١) سورة الرعد الآية ٤٠ (٢) سورة النساء الآية ١٦٤ ٤٠٧ الجزء الرابع والعشرون والمراد بالآية فى قوله - تعالى - ((وما كان الرسول أن يأتى بآية إلا بإذن الله .... المعجزة الخارقة لدالة على صدق، فيما يبلغه عن ربه . أى: وما صح وما إستقام الرسول من الرسل أن يأتى بمعجزة من عند نفسه، وإنما يأتى بها بإذن الله - تعالى - ومشيئته، إذ المعجزات جميعا عطايا من الله - تعالى - ارسله لتأييدهم فى دعوتهم. , فإذا جاء أمر الله)) أى: فإذا جاء الوقت الذى حدده - سبحانه - المذاب أعدائه ((قضى بالحق)، أى: قضى بين الناس جميعا بالحق ، فينجى - سبحانه - بقضائه العادل عباده المؤمنين . , وخسر هنالك المبطلون، أى: وخسر عند مجيء أمر الله وعند القضاء بين خلقه المبطلون ، وهم الذين ماتوامصرين على كفرهم أوفسوقهم عن أمره. كما قال - تعالى - فى آيات أخرى منها قوله - تعالى -: «وقه ملك السموات والأرض ، ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون » . ٥ ثم بين - سبحانه - فى أواخر هذه السورة الكريمة، جانبا آخر من نعمه على عباده، وونخ الفاسقين على عدم اعتبارهم بأحوال من سبقهم من الأمم، وهددهم بأنهم عند مجىء العذاب إليهم أن ينفعهم إيمانهم .. فقال - تعالى -: ((اللهُ الذى جَعَلَ لكُمْ الأنعامَ لتَرَكَبُوا مِنْها ومنها تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُم فيها منافعُ وَلَتْلُوا عليها حاجةٌ فى صدورٍثُ ، وَعليها وَى الْقُلْكِ تحملونَ (٨٠) ويرِيكم آياتهٍ فَأىَّ آيَاتِ اللهِ ◌ُشْكِرونَ (٨١) أَفَلَمْ يَسيروا فى الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كيفَ كانَ عاقِبَةُ الذينَ من قَبَلهِ كَانُوا أكثَر! منهم وَأَشَدّ قوةً وآثاراً فى الأرْضِ، فما أغنى عنهم ٤٠٨ سورة غافر ما يكسبُونَ (٨٢) فلمّا جاءتهم رسُلُهم بالبيِّئَاتٍ فَرِحُوا بما عنْدَم من العلم وَحَاقَ بهمْ ما كانوا به يستهزِ تُونَ (٨٣) فلمَّا رأَوا بأْسَنا قالوا آمنًا بالهِ وَحْدَه، وَكَفَرْنا بما كُنَّا بِه مشركينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَهم إِيمانُهم لَّا رَأَوْا بَأْسنَاَ، سنَّةَ اللهِ التى قد خَلتْ فى عباده، وَخَسرَ هنالِكَ المْطِلُونَ (٨٥)). وقوله - تعالى - (دائقه الذى جعل لكم الأنعام ... )) بيان لنعمة أخرى من نعمه التى تتعلق بما سخره - سبحانه - لخدمة الإنسان من دواب ، بعد بيانه قبل لكثير من النعم التى تتعلق بالليل والنهار، والسماء والأرض ... الخ. والأنعام جمع نعم وأطلق على الإبل والبقر والغنم ، قالوا والمراد بها هنا : الإبل خاصة ، لأن معظم المنافع التى ذكرت هنا توجد فيها. أى: الله - تعالى - هو الذى خلق لكم بقدرته الإبل , لتر كبوا منها ومنها تأكلون)، أى لتركبوا بعضا منها، ولتأكلوا بعضا آخر منها. فمن فى الموضعين للتبعيض . ((ولكم فيها منافع، أخرى غير الأكل وغير الركوب، كالإنتفاع بألبانها وأوبارها وجلودها ... (( ولتبلغوا عليها حاجة فى صدوركم، أى: ومن منافعها - أيضا - أنكم تستعملونها فى الأمور الهامة كحمل الأثقال ، والانتقال عليها من مكان إلى مكان ... كما قال - تعالى - وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوابالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لر.وف رحيم ،(١). (١) سورة الجائية الآية ٢٧. ٤٠٩ الجزء الرابع والعشرون ((وعليها وعلى الفلك تحملون)) أى: وعلى هذه الإبل فى البر وعلى السفن فى البحر تحملون. كما قال - تعالى -: «الذى خلق الأزواج كلها وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون ... )،(١). هذا، ولا مانع من أن يكون المراد بالأنعام هذا ما يشمل الإبل والبقر والغنم وإلى هذا المعنى ذهب الإمام ابن كثير، فقد قال: يقول - تعالى - مهمتنا على عباده بما خلق لهم من الأنعام ، وهى: الإبل والبقر والغتم ، فالإبل تركب وتؤكل وتحلب ، ويحمل عليها الأثقال فى الأسفار والرحال إلى البلاد النائية ، والأفطار الشاسعة، والبقر تؤكل ويشرب لبنها، وتحرث عليها الأرض ، والغنم تؤكل ويشرب لبنها ، والجميع تجز أوبارها وأصوافها وأشعارها، فيتخذ منه الأثاث والثياب والأمتعة ... ،(٧) . وقوله - تعالى - «ويريكم آياته فأى آيات الله تنكرون، تعجب من غفلتهم عن هذه الآبات المبثوثة فى الكون. والى تدل جميعها على وحدانية الله - تعالى - وقدر ته . ولفظ ((أى)) منصوب بقوله ((تنكرون)، وقدم وجوبا لأن له صدر هکلام . أى: أنه - سبحانه - فى كل وقت وحين يريكم آياته الدالة على قدرته ووحدانيته، فقولوا لى. آية تلك الآيات تنكرون دلالتها على ذلك؟ إنها جميعا تنطق وتصرح بوجوب إخلاص العبادة لله - عز وجل - فكيف جحد تموها أو غفلتم عنها مع وضوحها ؟ (١) سورة الزخرف آية ٨. (٢) تفسير ابن كثير = ٨ ص ١٤٧. ٤١٠ سورة غافر فالآية الكريمة توبيخ شديد لأولئك الذين استحبوا العمى على الهدى، مع أن كل شىء فى هذا الكون يدعوهم إلى الإيمان بالله الواحد القهار. ثم وبخهم - سبحانه - مرة أخرى لعدم إنماظهم بمصارع الغابرين فقال: (( أفلم يسيروا فى الأرض، فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ... ». أى: أقبعوا فى بيوتهم، فلم يسيروا فى أقطار الأرض ، فينظروا كيف كانت عاقبة الأمم المكذبة من قبلهم ، كمقوم صالح وقوم لوط ، وقوم شعيب وغيرهم . فالاستفهام للتوبيخ والتأنيب، والفاء فى قوله: «أفلم ... ، للعطف على مقدر . ثم فصل - سبحانه - حال الذين كانوا من قبل كفار مكة فقل : ((كانوا أكثر منهم، أى: فى الصدد: وأشد قوة، أى فى الأبدان والأجسام. وآثارا فى الأرض، أى: وكانوا أظهر منهم فى العمران والحضارة والغنى . ,فما أغنى عنهم ما كانوا يكسون، أى أن هؤلاء الغابرين عند ما حل بهم عذابنا لم تغن عنهم شيئا كثرتهم أو قوتهم أو أموالهم ... بل أخذنام أخذ عزیز مقتدر فی زمن يسير . ثم بين - سبحانه - موقف هؤلاء الجاحدين من رسلهم فقال: «فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم ... أى: حين جاء الرسل إلى هؤلاء الجاهلين، فرحوا بما لديهم من العلوم الدنيوية كالتجارة والزراعة ... واغتروا بتلك القشور التى كانوا بزعمون. أنهم على شىء من العلم الدينى، واستهزءوا بما جاءهم به الرسل من علوم تهدى إلى الرشد، وتدعو إلى إخلاص العبادة لله .. واعتقدوا - لغبائهم - وانطماس. بصائرهم - أنه لا علم أنفع من علومهم ففر حوابها ... ورحم الله صاحب الكشاف فقد فصل القول عند تفسير هذه الآية فقال: قوله: ((فرحوا بما عندهم من العلم، فيه وجوه: منها أنه أراد القلم الوارد على. ٤١١ الجزء الرابع والعشرون سبيل التهكم فى قوله - تعالى -: ((بل أدارك علهم فى الآخرة، وعلمهم فى الآخرة أنهم كانوا يقولون لا نبعث ولا أعذب. ومنها : أن يريد علم الفلاسفة والدهر بين عن بنى يونات، وكانوا إذا سمعوا بوحى الله: دفعوه وصغروا علم الأنبياء إلى علمهم. ويجوز أن يريد بما فرحوا به من العلم: علمهم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، كما قال - تعالى - يعدون ظاهراً من الحياة وهم عن الآخرة م غافلون ، فلما جاءهم الرسل بعلوم الديانات ... لم يلتفتوا إليها وصغروها واستهز.وابها، واعتقدوا أنه لا أنفع وأجلب للفوائد من عليهم ، ففر حوا به»(١) . ويبدوالنا أن هذا الرأى الأخير الذى ذكره صاحب الكشاف، هو أقرب الآراء إلى الصواب . و قوله - سبحانه - : « وعاق بهم ما کانوا به یستهز،ون، بیان لما نزلبهم من عذاب بسبب تكذيهم أرسلهم، وإستهزاءم بهم. أى: ونزل بهؤلاء الكافرين العذاب الأليم بسبب إستهزاتهم برسلهم، وإعراضهم عن دعوتهم. أم بين - سبحانه - حالهم عندما أحاط بهم العذاب فقال: (فلما رأوا بأسنا، أى عاينوا عذابنا النازل بهم. ((قالوا، بفزع وخوف (( آمنا بالله وحده وكفرنا بماكنا به مشركين» أى: وكفرنا بما كنا به مشركين فى الدنيا من عبادة لغير الله - تعالى - وإعتماد على سواء. وقد بين - سبحانه - أن إيمانهم هذا لن ينفعهم لأنه جاء فى غير وقته فقال (١) راجع تفسير الكشاف ج ٤ ص٠١٨١ ٤١٢ سورة غافر . فلم يك ينفعهم إيمانهم، شيئا من النفع لأنه إيمان جاء عند معاينة العذاب، والإيمان الذى يدعى فى هذا الوقت لاقيمة له، لأنه جاء فى وقت الإضطرار لافى وقت الاختيار ولفظ «سنة اللّه التى قد خلت فى عباده ... )) منصوب على أنه مصدر مؤكد لفعل محذوف . أى: سن الله - تعالى - ذلك، وهو عدم تفع الإيمان عند حلول العذاب سنة ماضية فى الناس ، بحيث لا تتخلف فى أى زمان أومكان . ((وخسر هنالك الكافرون) أى؛ فى هذا الوقت الذى ينزل الله - تعالى- فيه العذاب على الكافرين يخسرون كل شىء، بحيث لا تنفعهم لا أموالهم ولا أولادهم ولا آلهتهم التى كانوا يتوهمون شفاعتها . وبعد: فهذا تفسير وسيط لسورة ((غافر، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا لوجهه ، ونافعا لعباده: وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم - كتبه الراجى عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر - مساء الثلاثاء ٩ من المحرم سنة ١٤٠٦هـ ١٩٨٥/٩/٢٤ فهرس إجمالى لتفسير ((سورة غافر)» رقم الآية الآية المفسرة المقدمة ١ حم ... ٧ الذين مجمعاون العرش ... ١٠ ١٣ إن الذين كفروا ينادون ... هو الذى يريكم آياته ... ٢٣ ٢٨ ٣٦ ٤٧ ولقد أرسلنا موسى ... وقال رجل مؤمن ... وقال فرعون يا هامان ... وإذا يتحاجون فى النار ... إن الدين يجادلون فى آيات الله ... ٥٦ ٦١ ٦٩ ٧٩ الله الذى جعل لكم الأرض ... ألم تر إلى الذين يجادلون ... الله الذى جعل لكم الأنعام ... رقم الصفحة ٣٣٥ ٣٤٠ ٣٤٥ ٣٤٨ ٣٥١ ٣٦٢ ٢٦٨ ٣٧٨ ٣٨٦ ٣٩١ ٣٩٦ ٤٠٢ ٤٠٧ التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسير سُورَة فضّلتْ دكتور محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية مصر العربية ( الجزء الرابع والعشرون) ١٤٠٨ ٥ - ١٩٨٨ م الطبعة الثانية حقوق الطبع محفوظة للمؤلف بسم الله الرحمن الرحيم ﴿رَبَّا تَقَبْلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّبِعُ العَلِيم) ((صدق الله العظيم))