Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
الجزء الرابع والعشرون
ونسبت إليه ما يليق به - سبحانه - من وحدانيته وقدره .. دون أن تذكر
معه الأصنام، اشمارت وانقبضت وذعرت نفوس هؤلاء المشركين الجهلاء،
أما إذا ذكرت الله - تعالى - معها أم لم تذكره، إذا لم يستبشرون.
ويبهجون ..
والتعبير بالاشمئزاز والاستبشار، يشعر بأنهم قد بلغوا الغاية فى الأمرين،
فهم عند ذكر الله - تعالى - تمتلىء قلوبهم إلى نها يتها غماوهما وانقباضا وذعرا،
وعند ذكر أصنامهم تمتلىء قلوبهم إلى نهايتها - أيضا - بهجة وسرورا حتى
لتظهر آثار ذلك على بشرتهم ...
وحالهم هذا يدل على أنهم قد بلغوا الغاية - أيضا- فى الجهالة والسفاهة
والغفلة ...
وهذا الذى ذكرته الآية الكريمة من اشتزاز الكافرين عند ذكر الله
- تعالى - واستبشارهم عند ذكر غيره، نرى ما يشبههه عند كثير
من الناس ...
فسكم من أناس إذا حدثتهم عن ذات الله - تعالى - وصفاته، وعن
سلامة دينه وتشريعاته، وعن آداب قرآ نه وهداياته ، وعن كل ما يتعلق
بوجوب تنفيذ أوامره ونواهيه .. انقبضت نفوسهم، وأکفهرت وجوههم،
وتمنوا لو أنك تركت الحديث عن ذلك ..
أما إذا سمعوا ما يتعلق بالتشريعات وبالنظم التى هى مع صنع البشر ..
استبشرت نفوسهم، وابتهجت أساريرهم ...
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه
وفى آذانهم وقرا. وإذا ذكرت ربك فى القرآن وحده، ولواعلى أدبارهم نفورا)).
قال الآلوسي: ((وقد رأينا كثيرا من الناس على نحو هذه الصفة التى وصف

٣٠٢
سورة الزمر
الله - تعالى - بها المشركين، مشون لذكر أموات يستغيثون بهم ويطلبون
منهم، ويطربون من سماع حكايات كاذبة عنهم .. وينقبضون من ذكرالله
- تعالى - وحده - ونسبة الاستقلال بالتصرف إليه -عز وجل - وسرد ما بدل
على مزيد عظمته وجلاله ، وينفرون من يفعل ذلك كل النفرة ، وينسويه
إلى ما یکره ... »(١).
ثم أمرالله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يلتجىء إلى خالقه وحده
من شرور هؤلاء المشركين، وأن يفوض أمره إليه، فقال- تعالى - «قل اللهم
فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما
كانوا فيه يختلفون».
ولفظ: « اللهم، أصله يا أقه , فلما استعمل دون حرف الغداء. عوض
عنه بالميم المشددة التى فى آخره .
ولفظ.(فاطر وعالم، منصوبان على النداء
أى : قل - أيها الرسول الكريم - على سبيل الاستعاذة والاعتزال لماعليه
هؤلاء المشر كون من جهل وسفه، يا أقه، يا خالق السموات والأرض وبا عالم
الغائب والمشاهد، والخفى والظاهر من أمور خلفك، أنت وحدك الذى نحكم
بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون فى الدنيا، فتجازى كل نفس بما تستحقه
من ثواب أو عقاب .
وما دام الأمر كذلك، فاهدنى إلى صراطك المستقيم ، وجنبنى الشرك
والمشركين .
فالمقصود بالآية الكريمة تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما فعله
المشركون معه، وإرشاده إلى ما يعصمه من كيدهم ، وتعليم العباد وجوب
الالتجاء إلى الله - تعالى - وحده - لدفع كيد أعدائه.
(١) راجع تفسير الآلوسى = ٢٤ ص ٠١١

٣٠٣
الجزء الرابع والعشرون
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية جملة من الأحاديث ،
منها مارواه الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى سلمة بن عبد الرحمن قال: سألت
عائشة: بأى شىء كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفتتح صلاته إذا
قام من الليل ؟
قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته بقوله : اللهم رب جبريل
وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض. عالم الغيب والشهادة، أنت
تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، هدفى لما اختلف فيه من الحق بإذنك،
إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ... ،(١).
وقال صاحب الكشاف :« بعل- بكسر العين أى: دهش وفزع رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - من شدة شكيمتهم فى الكفر، فقيل له: ادع الله بأسمائه
الحسنى ، وقل: أنت وحدك تقدر على الحكم بينى وبينهم ، ولا حيلة لغيرك
فيهم. وفيه وصف لحالهم، وإعذار لرسول الله صلى الله عليه وسلم - وتسلية
له « ووعيد لهم ... »(٢) .
وبعد هذه التسلية من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - ، بين
- سبحانه - لهؤلاء الذين إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوبهم ... بين لهم
ما أعد لهم من سوء المصير فقال: ((ولو أن للذين ظلموا ما فى الأرض جميعا
ومثله معه ، لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة ... )).
أى: أن العذاب المعد لهؤلاء المشركين شىء رهيب « ولو أن لهم جميع
ما فى الأرض من خيرات، ولهم - أيضا - مثل ذلك منضما إليه، لقدموه فدأ.
لأنفسهم، أملا فى النجاة من سوء العذاب الذى ينتظرهم يوم القيامة.
فالآية الكريمة وعيد لهم ليس بعده وعيد، وقيئيس هم من النجاة ليس
بعده تيئيس، ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -:
(١) راجع تفسير ابن كثير ج ٨ ص ٠٩٦
(٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠١٢٢

٣٠٤
سورة الزمر
(( إن الذين كفروا لو أن لهم ما فى الأرض جميعا ومثله معه ليفتدوا به من عذاب
يوم القيامة ، ما تقبل منهم ولهم عذاب أليم . يريدون أن يخرجوا من النار
وما هم بخارجين منها، ولهم عذاب مقيم))(١).
ثم هددهم - سبحانه - تهديد آخر فقال: «وبدا لهم من الله مالم يكونوا
يحتسيون)).
أى: وظهر لهم يوم القيامة من ألوان العقوبات ، ومن فنون الآلام،
ما لم يكونوا فى الدنيا يظنون أنه سيقع بهم، وما لم يكن وارداً فى حسبانهم.
قال صاحب الكشاف:( وقوله - تعالى - ,وبدا لهم من الله ... ، وعيد
لهم لأكنه لفظاعته وشدته، وهو نظير قوله - تعالى - فى الوعد: «فلا تعلم
نفس ما أخفى لهم من قرة أعين ... ، .
والمعنى: وظهر لهم من سخط الله وعذابه «مالم يكن قط فى حسابهم،
وما لم يحدثوا به أنفسهم .
وقيل : عملوا أعمالا حسبوها خسنات ، فإذا هى سيئات .
وعن سفيان الثورى أنه قرأها فقال: ويل لأهل الرياء . ويل لأهل الرياء.
وجزع بعض الصالحين عند موته ، فسئل عن سبب ذلك فقال: أخشى أن
يبدو لى من الله ما احتسبه، ثم قرأ هذه الآية»(٢).
ثم تهديد ثالث يتمثل فى قوله تعالى -: ((وبدا لهم سيئات ما كسبوا
وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون».
والمراد بسيئات ما كسبوا: الأعمال السيئة التى اكتسبوهافى دنيام، وهذا
البدو والظهور يكون عند عرض صحائف أعمالهم عليهم. و((ما)، موصولة
أو مصدرية .
(١) سورة المائدة الآيتان ٠٣٧،٣٦
(٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠١٢٣

٣٠٥
الجزء الرابع والعشرو
أى: وظهر لهم عند عرض محاتف أعمالهم عليهم يوم القيامة، الذى عملوه
واكتسبوه فى الدنيا من رذائل ((وحاق بهم، أى: وأحاط ونزل بهم، العذاب
الذی کانوا یستهز ئون به فىحياتهم، ویهکون بمن كان بحذرم منه فى الدنيا.
وبعد هذا التصوير الرقيب لمصير هؤلاء المشركين يوم القيامة ، عادت
السورة إلى بيان تناقضهم مع أنفسهم ، فهم إن سئلوا عمن خلق السموات
والأرض ، قالوا: إن خالقهما هو الله، ومع ذلك يعبدون غيره ، وتشمئز
قلوبهم عند ذكره وحده .
وهم يتقربون إلى آلهتهم بالطاعات ، ومع ذلك فهم عند نزول الشدائد
بهم، ينون تلك الآلهة، ويتجهون بالدعاء إلى الله - تعالى - وحده بالدعاء.
لمنتفع إلى السورة الكريمة وهى تحكى أحوالهم فى السراء والضراء
فتقول: ((فإذا مس الإنسان ضر دعانا، ثم إذا خو لناه نعمة منا قال إنما
أوتيته على علم عندنى ... ،.
والمراد بالإنسان هنا جنس الكافر، بدليل سباق الآيات وسياقها ويضح
أن يراد به جنس الإنسان عموما، ويدخل فيه الكفار دخولا أو ليا .
أى: فإذا أصاب الإنسان ضر، من مرض أو فقر أو نحوها ، دعانا
ادا او قاتما ، لکی تکشف عنه ما نزل به ،ن بلاء .
«ثم إذا خولناه نعمة منا ... ، أى: ثم إذا أجبنا لهذا الإنسان دعوته
وكشفنا عنه النشر وأعطيناه على سبيل التفضل والإحسان نعمة من عندنا،
بأن حولنا مرضه إلى محة، وفقره إلى غنى، .
((قال، هذا الإنسان الظلوم الكفار ((إنما أوتيته على علم، من بوجوه
المكاسب ، أوعلى علم منى بأنى سأعطى هذه النعمة، بسبب استعدادى واجتمادى
وتفوقى فى مباشرة الأسباب التى وصل إلى الغنى والجاه ...
(٢٠ - الزمر)

٢٠٦
سورة الزمر
وقال - سبحانه -: (دخولناه)) لأن التخويل معناه العطاء بدون مقابل،
مع تكراره مرة بعد مرة .
وجاء الضمير فى قوله « أوتيته، مذكرا مع أنه يعود إلى النعمة، لأنها
بمعنى الأنعام . أى: ثم إذا خولناه شيئا من الأنعام الذى تفضلنا به عليه ،
قال إنما أوتيته على علم ونبوغ عندى .
وقوله تعالى - ((بل هى فتنة)، رد لقوله ذلك ، وزجر لهذا الجاحد
عما تفوه به .
أى: ليس الأمر كما زعم هذا الجاحد، فإننا ما أعطيناه هذه النعم بسبب
علمه - كما زعم ـ وإنما أعطيناه ما أعطيناه على سبيل الإحسان منا عليه ،
وعلى سبيل الإبتلاء والإختبار له ليقبين قوى الإيمان من ضعيفه، وليتميز
الشاكر من الجاحد.
. ولكن أكثرهم لا يعدون، أى: ولكن أكثر الناس لا يعلمون هذه
الحقائق، ولا يفطن إليها إلا من استنارت بصيرته ، وطهرت سريرته.
قال صاحب الكشاف:(( فإن قلت ما السبب فى عطف هذه الآية بالفاء،
وعطف مثلها فى أول السورة بالواو ؟ قلت: السبب فى ذلك أن هذه وقعت
مسببة عن قوله: ((إذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون
بالآخرة ... )) على معنى أنهم يشمئزون عن ذكر الله، ويستبشرون بذكر
الآلهة، فإذا مس أحدهم ضر دعا من اشماز من ذكره، دون من استبشر
بذكره، وما بينهما من الآى اعتراض ... )) (١).
ثم بين - سبحانه - المصير السىء للجاحدين السابقين، ليعتبر بهم اللاحقون
فقال: ((قد قالها الذين من قبلهم فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون)).
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠١٣٤

٣٠٧
الجزء الرابع والعشرون
والضمير فى قوله , قالها، يعود إلى ما حكاه - سبحانه - من هذا
الإنسان الجاحد من قوله: «إنما أوتيته على علم)).
فهذه الكلمة قد قالها قارون عندما نصحه الناصحون ، فقد رد عليهم بقوله
(((إنما أوتيته على علم عندى)، ف.كانت نها يته. أن خسف الله به وبداره الأرض.
أى: قد قال هذه الكلمة الدالة على الجحودوالغرور، بعض الأقوام الذين
سبقوا قومك، والذين يشبهونهم فى البطر والكنود، فكانت نتيجة ذلك أن
أخذهم الله - تعالى - أخذ عزيز مقتدر ، ولم ينفعهم شيئا ما جمعوه من حطام
الدنيا ، وما اكتسبوه من متاعها.
((فأصابهم سيئات ماكسبوا .. ، أى: فأصاب هؤلاء السابقين ، العقاب
الذى يستحقونه بسبب سيئاتهم التى اكتسبوها واقترفوها فى دنيام.
فالكلام على حذف مضاف. أى : فأصابهم جزاء سيئات كسبهم، بأن
أنزل الله - تعالى - بهم العقوبة التى يستحقونها بسبب إصرارهم على الكفر
والمعاصى .
(( والذين ظلموا من هؤلاء، أى: من هؤلاء المشركين المعاصرين لك
- أيها الرسول الكريم.
((سيصيهم) - أيضا - ((سيئات ماكسبوا، كما أصاب الذين من قبلهم.
(((وما هم بمعجزير)) أى: وماهم بغائتين أو هاربين من عذابنا.
((أو لم يروا أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر) أى: أغموامن التفكر
والإبصار، ولم يشاهدوا بأعينهم أن الله - تعالى - يوسع الرزق لمن يشاء من
عباده، ويضيقه على من يشاء أن يضيقه عليه منهم ، إذ أن ذلك مرجعه إلى
مدينته وحكمته - سبحانه - إذ سعة الرزق ليست دليلا على رضاه ، كما أن
ضيقه ليس دليلا على غضبه .

٣٠٨
سورة الزمر
((إن فى ذلك، الذى ذكر ناه ((لآيات، واضحات (( لقوم يؤمنون)»
بالحق ويستجيون له، وينتفعون بالهدايات التى نسوقها لهم.
:
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة، قد حورت حال المشركين أكمل
تصوير، كما بينت ما أعد لهم من عذاب مقيم، بسبب إصرارهم على كفرهم ،
وإعراضهم عن دعوة الحق.
..
ثم فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته، ونهاهم عن اليأس من مغفلاته،
وأمرهم أن يتوبوا إليه قوبة صادقة نصوحا، قبل أن يفاجئهم الموت
والحساب ، فقال - تعالى :
((قُلْ يا عبادي الذينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِم، لا تَقْتَطُوا من رحمةٍ
ال﴿ِ، إِنَّ اللّهِ يغفِرُالذُّنوبَ جميعا إنّهُ هُوَ النفورُ الرحيمُ (٥٢) وأَنِبُوا
إلى ربِّكُم وأَسْلموا لهُ، من قبلٍ أَن يأْتِكُم العذابُ ثم لأُنْصَرولّ (١٤)
واتّعُوا أَحسَنَ مَا أُنزِلَ إليُكُم مِنْ رَبُّكُم مِنْ قبل أن يأتيكُم العذابُ
بْتَةً وأنتُمْ لا تَشْرونَ (٥٥) أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَّتَ عَلَى مَا فَرَّمْتُ
فى جنّبِ الله، وإنْ كنتُ لمن السَّخِرِينَ (٥٦) أَو تقولَ لوْ أَنَّاللهَ
هَدَانِي لَكُنتُ من التَّقِينَ (٥٧) أو تقولَ حينَ تَرَى العذابَ لو أَنَّ
فى كرَّةً فأكونَ من الحسنِينَ (٥٨) بَلَى مد جاءتك آياتي فكذّ بْت بها
واستكبرتَ وكنتَ من الكَافِرِينَ (٥٩))).
ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: (قل يا عبادي الذين
أسرفوا على أنفسهم ٠٠: ٠

٣٠٩
الجزء الرابع والعشرون
روايات منها: مارواه محمد بن إسحاق عن نافع عن ابن عمر قال: لما
اجتمعنا على الهجرة، أو أعدت أنا وهشام بن العاصى بن وائل السهمى وعياش
ابن أبى ربيعة بن عتبة، فقلنا: الموعد أضاة بنى غفار - أى : غدير بى غفار.
وقلنا: من تأخر منا فقد حبس فليمض صاحبه، فأصبحت أنا وعياش بن
عتبة، وحبس عنا هشام، وإذا به قد فتن فافتن، فكنا نقول بالمدينة :
هؤلاء قد عرفوا الله - عز وجل-، وآمنوا برسوله - صلى الله عليه وسلم-،
ثم افتتنوا لبلاء لحقهم لا نرى لهم توبة، وكانوا م - أيضا - يقولون هذا فى
أنفسهم ، فأنزل الله - عز وجل - فى كتابه :. قر يا عبادي الذين أسرفوا على
أنفسهم ... إلى قوله - تعالى - أليس فى جهنم مثوى المتكبرين)).
قال عمر: فكتبتها بيدى، ثم بعثتها إلى هشام. قال هشام: فلما قدمت
على خرجت بها إلى ذى طوى فقلت : اللهم فهمنيها ، فعرفت أنها نزلت فينا،
فرجعت بجلست على بعيرى فلحقت برسول الله - صلى اله عليه وسلم -(١).
والأمر فى قوله - تعالى -: ((قل ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم
لا تقنطوا من رحمة الله ... ، موجه إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
وإضافة العباد إلى الله - تعالى - للتشريف والتكريم.
والإسراف : تجاوز الحد فى كل شىء، وأشهر ما يكون إستعمالا فى
الإنفاق، كما فى قوله - تعالى - : «يابنى آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد
وكلوا واشربوا ولا ترفوا ... )).
والمراد بالإسراف هنا: الإسراف فى إقتراف المعاصي والسيئات، والخطاب
للؤمنين المذنبين. وعدى الفعل « أسرفوا، بعلى، لتضمنه معنى الجناية.
أى: جنوا على أنفسهم.
والقنوط: اليأس، وفعله من بابى ضرب وتعب . يقال: فلان قانط من
الحصول على هذا الشىء، أى بائى من ذلك ولا أمل له فى تحقيق ما يريده .
(١) راجع تفسير القرطبى ?١٥ ص ٧٦٨)، والسير الألوسى : ٢٤ ص ١٥

٣١٠
سورة الزمر
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - لعبادى المؤمنين الذين جنوا على
أنفسهم بارتكابهم للمعاصى، قل لهم: لا تيأسوا من رحمة انه - تعالى - ومن
مغفرته لكم .
وحملة « إن الله يغفر الذنوب جميعا، تعليلية. أى:لاتيأسوا من رحمة الله
- تعالى -، لأنه هو الذى تفضل بمحو الذنوب جميعها ، لمن يشاء من عباده
المؤمنين العصاة .
(((إنه، - سبحانه -((هو الغفور الرحيم)) أى: هو الواسع المغفرة والرحمة
لمن يشاء من عباده المؤمنين، فهم إنتاجوأمن ذنوبهم قبل - سبحانه - توبتهم
كما وعد تفضلا منه وكرما. وإن ماقوا دون أن يتوبوا، فهم تحت رحمته
ومشيئته، إن شاء غفر لهم، وإن شاء عذبهم، ثم أدخلهم الجنة بفضله وكرمه.
أما غير المؤمنين، فإنهم إن قابوا من كفرم ودخلوا فى الإسلام ، غفر
- سبحانه - ما كان منهم قبل الإسلام، لأن الإسلام يجب ما قبله.
وإن ماتوا على كفرهم فلن يغفر الله - تعالى - لهم، لقوله: ((إن الله
لا يغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء .. ،.
قال الإمام الشوكانى: («وأعلم أن هذه الآية أرجى آية فى كتاب انه،
لاشتمالها على أعظم بشارة فإنه أولا: أضاف العباد إلى نفسه لقصد تشريفهم،
ومزيد نبشيرهم. ثم وصفهم بالإسراف فى المعاصى ... ثم عقب على ذلك
بالنهى عن القنوط من الرحمة ... ثم جاء بما لا يبقى بعده شك ولا يتخالج
القاب عند سماعه ظن فقال: ((إن الله يغفر الذنوب ... ، فالألف واللام قد
صيرت الجمع الذى دخلت عليه للجنس الذى يستلزم استغراق إفراده، فهو فى قوة.
إن الله يغفر كل ذنب كائناما كان، إلاما أخرجه النص القرآنى وهو الشرك.
ثم لم يكتف بما أخبربه عباده من مغفرة كل ذنب ، بل أكد ذلك بقوله
«جميعا، فيالها من بشارة ترتاح لها النفوس ... وما أحسن تعليل هذا الكلام
بقوله: «إنه هو الغفور الرحيم ... )) (١).
(١) راجع تسير فتح القدير الشوكانى ٠ ٤٧٤ :٢ ٠١/١٤١٣٩٠

٣١١
الجزء الرابع والعشرون
- وقال الجمل فى حاشيته ما ملخصه. وفى هذه الآية من أنواع المعانى والبيان
أشياء حسنة، منها إقباله عليهم، ونداؤهم، ومنها: إضافته إليهم إضافة تشريف
ومنها: الالتفات من التكلم إلى الغيبة، فى قوله: ((من رحمة انه))، ومنها
إضافة الرحمة لأجل أسمائه الحسنى، ومنها: إعادة الظاهر بلفظه فى قوله : .إن
الله يغفر ... ، ومنها: إبراز الجملة من قوله: «إنه هو الغفور الرحيم، مؤكدة
بإن، والفصل، وإعادة الصفتين اللتين تضمنهما الجملة السابقة .. ،.
وقال عبد الله بن مسعود وغيره : هذه أرجى آية فى كتاب الله
تعالى .... (١).
وبعد أن فتح - سبحانه - لعباده باب رحمته فتحا واسعا كريما ...
أتبع ذلك بحضهم على التوبة والإنابة إليه، حتى يزيدهم من فضله وإحسانه
فقال: ((وأنيبوا إلى ربكم وأسدوا له من قبل أن يأتيكم العذاب ثم لا تصرون)).
أى: قل لهم - أيها الرسول الكريم - لا تقنطوا من رحمة الله، إن الله
يغفر الذنوب جميعاً، وأرجعوا إليه بالتوبة والإنابة، وأخلصوا له العبادة،
من قبل أن ينزل بكم العذاب الذى لا تستطيعون دفعه، ثم لا تجدون من
ينچیکم منه .
فأنت ترى أن الآية الأولى بعد أن فتحت للمصاة باب رحمة الله على
مصراعيه، جاءت الآية الثانية لخئتهم على التوبة الصادقة النصوح، حتى تكون
رحمة الله - تعالى - بهم أكمل وأتم وأوسع، فإن التوبة النصوح سبب فى
تحويل السيئات إلى حسنات .
كما قال - تعالى -: «إلا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل الله
سيئاتهم حسنات، وكان الله غفوراً وحما، (٢).
(١) حاشية الجمل على الجلالين + ٣ ص ٦٥
(٢) سورة الفرقان آية ٧٠

٣١٢
سورة الزمر
ثم أمرهم باتباع أوامر القرآن الكريم ونواهيه فقال: «واتبعوا أحسن
ما أنزل إلیکم من ربكم .....
أى: واتبعوا هذا القرآن الكريم، الذى هو أحسن ما أنزله - سبحانه -
إليكم، بسبب ما اشتمل عليه من هدايات سامية، ومن تشريعات حكيمة،
ومن آداب قويمة ...
فإن اتباع ما اشتمل عليه هذا القرآن من توجيهات .. يؤدى إلى السعادة
في الدنيا والآخرة .
وقوله : ((من قبل أن يأتيكم العذاب بغتة وأنتم لا تشعرون، متعلق
بالأمر بالاتباع ، وإرشاد إلى وجوب الامتثال بدون تأخير أو تسويف.
أى: سارعوا إلى اتباع إرشادات وتشريعات وآداب هذا القرآن ، من
قبل أن ينزل بكم العذاب فجأة وبدون مقدمات، بحيث لا تشعرون بإتيانه إلا
عند نزوله .
فالآية الكريمة تقرير وتأكيد لما قبلها ، من الدعوة إلى المسارعة بالتوبة
وبالعمل الصالح .
وقوله: « أن تقول نفس يا حسرنا على مافرطت فى جنب الله .... فى
موضع المفعول لأجله بتقدير مضاف محذوف .
أى : اتبعوا ما أمر فاكم به، واحذروا مانهينا كم عنه، كراهة أن تقولي
نفس يوم القيامة (( يا حسرتا) أى: ياتدامتى ((على ما فرطت فى جنب القرٍ))
أى: بسبب تفريطى وتقصيرى فى طاعة الله، وفى حقه - تعالى -.
وأصل الجنب والجانب: الجهة المحسوسة للشىء . وأطلق على الطاعة على
سبيل المجاز، حيث شبهت بالجهة، بجامع تعلق كل منهما - أى الجانب
والطاعة - بصاحبه. إذ الطاعة لها تعلق بانه - تعالى -، كما أن الجهة لهيا
تعلق بصاحبها .
قال صاحب الكشاف؛ « فإن قلت: لم فكرت نفسى،؟ قلت: لأن

٣١٣
الجزء الرابع والعشرون
المراد بها بعض الأنفس وهى نفس الكافر . ويجوز أن يكون نفس متميزة
من الأنفس : إما بلجاج فى الكفر جديد، أو بعذاب عظيم . ويجوز أن يراد
التكثير ، كما قال الأعشى :
وناديت قوما بالمسناة غيبا
دعا قومه حولى فجاؤا لنصرة
أقانى كريم بنفض الرأس مغضبا
ورب بقيع لو هتفت بجوه
وهو يريد: أفواجا من المكرام بنصرونه، لا كربما وأحدا .. ، (١).
وجملة: (( وإن كنت لمن الساخرين، فى محل نصب على الحال . أى:
خرطت في جنب الله وطاعته، والحال أنى لم أكن إلا من الساخرين .دينه،
المستهزئين باتباع هذا الدين الحق .
قال قتادة: لم يكفه أنه ضيع طاعة الله حتى سخر من أهلها .
ثم ذكر - سبحانه - مقالة أحرى بما تقوله تلك النفس فقال: « أو
تقول لو أن هدانى، إلى طاعته واتباع دينه ,لكنت من المتقين، الشرك
والمعاصى، ومن الذين صانوا أنفسهم عما يغضبه - سبحانه - ولا يرضيه.
ثم ذكر - سبحانه - مقالة ثالثة لها فقال: ((أو تقول)) هذه النفس
(( جين قرى العذاب» .
فى الآخرة («لو أن لى كرة، أى: رجعة إلى الدنيا , فأكون)) فيها «من
الحنين، لأقوالهم وأفعالهم، وعقائدهم، بحيث أخلص العبادة لله - تعالى -
وأطيعه فى السر والعلن .
وهكذا يصور القرآن الكريم أجوال النفوس فى الآخرة، تصويراً
مؤثراً بليغاً، يحمل كل عاقل على الإيمان والعمل الصالح الذى ينفعه فى ذلك
اليوم الهائل الشديد .
(١) تفسير الكشاف = ٤ ص١٣٦

٣١٤
سورة الزمر
وقوله - سبحانه -: ((بلى قد جاءتك آياتى فكذبت بها واستكبرت وكنت
من الكافرين، ود منه - عز وجل - على هذا القائل: « لو أن الله هدانى لكنت
من المتقين،، وتكذيب له فى هذه الدعوى .
والمراد بالآيات: الحجج والبراهين الدالة على حقيقة دين الإسلام وعلى
رأسها آيات القرآن الكريم.
أى: ليس الأمر كما ذكرت أيها النادم على مافرط منه، من أن الله لميهدك
إلى الطريق القويم، بل الحق أن الله - تعالى - قدأر شدك إليه عن طريق إرسال
رسوله ، وإنزال كتابه، ولكنك كذبت رسوله، واستمكهرت عن سماع آيات
الله وعن اتباعها، وكنت فى دنياك من الكافرين بها، الجاحدين لصدقها،
فأصابك ما أصابك من عذاب فى الآخرة، بسبب أعمالك القبيحة فى الدنيا .
قال الشوكانى: ((وجاء - سبحانه - بخطاب المذكر فى قوله: جاءتك،
وكذبت واستكبرت وكنت، لأن النفس تطلق على المذكر والمؤنث. قال
المبرد: تقول العرب: نفس واحد. أى: إنسان واحد ... » (١).
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أحوال الكافر بن والمؤمنين
يوم القيامة، وعن مظاهر قدرة الله - تعالى -، وعن تلقين الله - تعالى-
لنبيه - صلى الله عليه وسلم - الجواب الذى يرد به على المشركين ، وعن
أحوال الناس عند النفخ فى الصور ... قال - تعالى -:
((ويومَ القيامةِ تَرَى الذينَ كَذِبُوا عَلَى اللهِ وجوهُهمْ مُنودةً،
أليسَ فى جَهْ منوَى للمتكبرينَ (٦٠) ويُنجِّى الله الذينَ اتَّقَوْا
(١) تفسير فتح القدير = ٤ ص ٤٧٢

٣١٥
الجزء الرابع والعشرون
بمِفَتهمْ، لا يَمَسُّهم السوء ولامُ يُحزّنونَ (٦١) الله خالقُ كلُ شَىءٍ
وهوَ عَلَى كُلُ شَىءٌ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مقاليدُ السَّمواتِ والأرض، والذينَ
كَفَرُوا بِآياتِ الله، أولئِكَ ثُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣) قُلْ أَففيرَ اللهِ
تأمرُوني أعبدُ أيُّها الجامِلونَ (٦٤) ولقّدْ أُوحِى إليكَ وإلى الذينَ
مِنْ قَبلِكَ لِعْ أَشْركْتَ لَيحبطَنَّهملكٌ، ولتكونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)
بل اللهَ فاعُدْ وَكَنْ من الشاكرينَ (٦٦) وما قدَّرُوا اللهَ حقَّ قَدِرِهِ
والْأرْضُ جميعاً قَبَضتُهُ يومَ القيامةِ، والسّمواتُ مطوِيَّاتٌ بِيِينِهِ،
سبحانه وتعالى عمَّا يُشْرَكُونَ (٦٧) ونُحَ فى الصُّورِ فَصَعِقَ من
السَّواتٍ ومن فى الأرضِ إلاَّ من شاء الله، ثم نُفِخَ فِيهِ أُخْرى فإذا
ثم قيامٌ يَنظُرُونَ (٦٨) وأَشْرَقتِ الأرْضُ بنُورِ ربِّهَا، وَوُضعَ الكتابُ
وَجِىءَ بالنِّينَ والشُّهداء، وُضِى بينَهُم بالحقّ، ومُ لا يَظْلَمُونَ (٦٩)
وَؤُفِيْت كُلُّ نَفْسٍ ما مِلتْ، وهُو أَعْلَمُ بِمَ يَفعَلُونَ (٧٠)».
فقوله - تعالى -: ((ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله رجوههم
مسودة ٠٠، بيان لحالة الكافرين يوم القيامة، ولما تكون عليه همنهم من
خزى وهو ان .
أى: وفى يوم القيامة إذا نظرت- أيها الرسول الكريم - أو - أيها العاقل -
إلى وجوه الذين كذبوا على الله، بأن أشركوا معه فى العبادة آلهة أخرى،
أو جعلوا له صاحبة أو ولدا ... إذا نظرت إليها رأيتها مسودة كفهرة،
بسبب ما أحاط بهم من عذاب، وما شاهدوه من أهوال ...
وقوله : « وجوههم مسودة)» جملة من مبتدأ وخبر، وهى فى محل نصب.

٣١٦
سورة الزمر
على الحال من الذين كذبوا ... والاستفهام فى قوله: « أليس فى جهنم مثرى
للبتكهرين، التقرير. والمشوى: المكان والمقام . .))).
يقال: نوى فلان بالمكان وأثوى فيه، إذا أقام به ، فهو ثمار ومنه قوله
- تعالى -: « وماكنت ثاويا فى أهل مدين ... ».
أى: أليس فى جهنم مكانا ومقرالإهانة المتكبرين وإذلالهم؛ بسبب
تطاولهم على غيرهم، وتكذيبهم لآيات الله ؟ بلى إن بها ما يجعلهم يذوقون
العذاب الأليم .
ن
ثم بين - سبحانه - حال المؤمنين يوم القيامة، بعد ياله حال الدين
كذبوا على الله، فقال: «وينجى الله الذين اتقوا بمفلزنهم لا يمسهم السوء
ولام يجز أون)).
ومفازتهم: اسم مصدر. أو مصدر ميمى، من فاز فلان بكذا، إذاظفر
به؛ وقال مراده منه .
أى: وينحى الله - تعالى- بفضله ورحمته،«الغبين انقواء الشرك والمعادي
من عذاب جهنم، ، بمفازتهم)، أى: بسبب فوزهم برضا الله - تعالى -ورحمته،
جزاء إيمانهم وتقوام. وقرأ حمزة والكسائى, بمفازاتهم)) بالجمع ...
ويصح أن تكون الباء فى قوله: (بمفازتهم ) للملابسة ، والجار والمجرور
متعلق بمحذوف هو حال من الذين اتقوا. أى بنجبهما حالة كونهم متلبسين
بمفازتهم.
وقوله: ((لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون)) يجوز أن يكون تفسيراً
لذلك الفوز، كأنه قبل: وما مظاهر فوزم فكان الجواب: لا يمسهم السوء
الذى يصيب غيرهم من الكافرين والعصاة، ولا م بحزنون علی شیء تركوه
خلفهم فى الدنيا .

٣١٧
الجزء الرابع والعشرون
ويجوز أن يكون حالا من الذين اتقوا. أى: ينجيهم بسبب مفازتهم، حال
كونهم لا يمسهم السوء، أى: لا يمسهم شىء مما يكره لا فى الحال ولا فى الاستقبال،
ولا هم يحزنون على ما كان منهم فى الماضى .
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد كرم المتقين تكر بما عظيما، حيث نجاهم من
هذاب جهنم ، وجعلهم آمنين من كل مايغمهم فى كل زمان أو مكان .
قال الإمام الرازى ما ملخصه:« هذه آية جامعة، لأن الإنسان إذا علم
أنه لا يمسه السوء، كان فارغ البال بحسب الحال ، عما وقع فى قلبه بسبب
فوات الماضى فحينئذ يظهر أنه سلم عن كل الأوقات ...
وقد دلت الآية على أن المؤمنين لاينالهم الخوف والرعب فى القيامة ،
وتأكد هذا بقوله: « لا يحزنهم الفزع الأكبر ... ، (١).
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته فقال: «الله خالق كل شىء وهو
على كل شىء و کیل »:
أی : اله - تعالی ۔ هو وحده الخالق لکل شیء فى هذا الكون ، وهو
١
- سبحانه - المتصرف فى كل شىء فى هذا الوجود، بحيث لا يخرج مخلوق عن
إذنه ومشيئته .
:(له مقاليد السموات والأرض، أى: له وحده مفاتيح خزائنهما، والمقاليد
جمع مقلاد، أو اسم جمع لا واحد له من لفظه، مأخود من التقليد بمعنى
الإلزام. أى: أنه لا يملك أمر السموات والأرض، ولا يتمكن من التصرف
فيهما غيره - تعالى -.
قال صاحب الكشاف:((قوله: (( له مقاليد السموات والأرض، أى:
هو مالك أمرهما وحافظهما.
لأن حافظ الخزائن، ومدبر أمرها، هو الذى يملك مقاليدها، ومنه قولهم:
(١) تفسير الفخر الرازى جهص٦٧

٣١٨
سورة الزمر
فلان ألقيت إليه مقاليد الملك، وهى المفاتيح، ولا واحد لها من لفظها وقيل:
جمع مقليد ... والكلمة أصلها فارسية .
فإن قلت : ما للكتاب العربى المبين والفارسية؟
قلت: التعريب أحالها عربية، كما أخرج الاستعمال المهمل عن كونه مهملا،(١)
ثم بين - سبحانه - مصير الكافرين فقال: ((والذين كفروا بآيات الله
أولئك هم الخاسرون)، أى: والذين كفروابآيات الله التغزيلية والمكونية الدالة
على وحدانيته، أولئك هم البالغون أقصى الدرجات فى الخسران .
وهذه الآية الكريمة معطوفة على قوله - تعالى - قبل ذلك: «وينجى الله
الذين اتقوا)، وما بينهما إعتراض للدلالة على هيمنة الله - تعالى - على شئون
خلقه .. أى: وينجى الله الذين اتقوا بمفازتهم .. والذين كفروا بابات اله
أولئك هم الكاملون فى الخسران .
وهذه المقابلة فيها ما فيها من تأكيد الثواب العظيم للمتقين ، والعقاب
الألم للكافرين .
ثم أمر الله - تعالى - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوبخ
الكافرين على جهالاتهم ، فقال: ((قل أفغير اله تأمر وفى أعبد أيها الجاهلون».
وقد ذكروا فى سبب نزولها أن المشركين قالوا للنبي - صلى الله عليه وسلم-
استلم بعض آلهتنا وأؤمن بإلهك .
والاستفهام للإنكار والتوبيخ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقام،
و((غير) منصوب بقوله: ((أعبد))، وأعبد معمول لتأمروفى على تقدير
أن المصدرية، فلما حذفت بطل عملها .
والمعنى: قل - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين على سبيل التوبيخ
والتأنيب: أبعد أن شاهدتم ما شاهدتم من الآيات الدالة على وحدانية الله
- تعالى -، وعلى صدقى فيما أبلغه عنه ، أبعد كل ذلك تأمرونى أن أعبد غير
اقه - تعالى - أيها الجاهلون بكل ما يجب لله - تعالى - من تنزيه وتقديس.
(١) السير الكشاف : ٤ س ١٤٠

٣١٩
الجزء الرابع والعشرون
ووصفهم هنا بالجهل، لأن هذا الوصف هو الوصف المناسب المزد على
ما طلبوه منه - صلى الله عليه وسلم، من إشراك آلهتهم فى العبادة.
ثم حذر - سبحانه - من الشرك أبلغ تحذير فقال: «ولقد أوحى إليك
وإلى الذين من قبلك، لئن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن من الخاسرين.
بل الله فاعبد وكن من الشاكرين)).
قال الجمل: ((وقوله: ((ولقد أوحى إليك، هذه اللام دالة على قسم مقدر
وقوله ، لئن أشركت،.
هذه اللام - أيضا - دالة على مقدر، وقوله: ((ليحبطن عملك ولتكونن
من الخاسرين ، كل من هذين اللامين واقعة فى جواب القسم الثانى . والثانى
وجوابه جواب الأول. وأما جواب الشرط فى قوله: ((لئن أشركت .. ))
فمحذوف ، لدخول جواب القسم عليه ، فهو من قبيل قول ابن مالك :
وأحذف لدى اجتماع شرط وقسم جواب ما أخرت فهو ملتزم (١).
وقوله: أوحى، مسلط على (( إليك)، وعلى (( الذبن من قبلك، فيكون
المعنى: ولقد أوحى إليك- أيها الرسول الكريم - وأوحى إلى الرسل الذين
من قبلك أيضا(( لئن أشركت، بالله - تعالى - على سبيل الفرض ((ليحبطن
عملك،، أى ليفسدن عملك فسادا قاما ((ولتكونن من الخاسرين)) خسارة
ليس بعدها خسارة فى الدنيا والآخرة .
قال صاحب الكشاف: («فإن قلت: الموحى إليهم، جماعة، فكيف قال:
((لئن أشركت)) على التوحيد؟
قلت: معناه: أوحى إليك لئن أشر كت ليحبطن عملك، وإلى الذين من
قبلك مثله، أوحى إليك وإلى كل واحد منهم: لئن أشركت ليحبطن عملك.
کما تقول: فلان کانا حلة . أی: كل واحد منا .
(١) سامية الجمل على الجلالين + ٣ ص٠٦٠٨

٢٢٠
سورة الزمر
فإن قلت: کیف صح الكلام مع علم أنه - تعالىأن رحله لا يشر كون
ولا نحبط أعمالهم؟
قلت: هو على سبيل الفرض. والمحالات يصح فرضتها.، (١).
والآية الكريمة تحذر من الشرك بأسلوب فيه ما فيه من التنظير منه. (من
التقبيح له، لأنه إذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم = أو وقع فى شىء
عنه - على سبيل الفرض - خبط عمله، وكان من الخاسرين. فكيف بغيره
من أفراد أمته ؟
وقوله - تعالى -: ((بل الله فاعبد وكن من الشاكرين، أمر منه - تعالى -
بالثبات على عبادة الله - تعالى - وحده، وبالمداومة على شكره، ونهى عن
طاعة المشركين ولفظ الجلالة منصوب بقوله («فاعبد، والفاء جزئية فى
جواب شرط مقدر ...
أى: لا قطع - أيها الرسول الكريم - المشركين فيما طلبوه منك، بل
اجعل عبادتك نه - تعالى - وحده، وكن من الشاكرين له على نعمه التى
لا تحمی.
ثم بين - سبحانه - أن هؤلاء المشركين بعبادتهم لغير الله - تعالى - قد
تجاوزوا حدودهم معه - عز وجل -، ولم يعطوه ما يستحقه من تنزيه وتقديش
فقال : « وما قدروا الله حق قدره)).
أى: أن هؤلاء المشركين بعبادتهم لغيره - تعالى -، ما عظموه حق
تعظيمه، وما أعطوه ما يستحقه - سبحانه - من تقديس وتكريم وتتريه
وطاعة ...
ثم ساق - سبحانه - مايدل على وحدانيته، وكمال قدرته فقال :
( والأرض جميعا قبضته يوم القيامة، والسموات مطويات بيمينه .. )).
(١) تفسير الكشاف ج٤ ص٤١).