Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
الجزء الثالث والعشرون
وقوله - تعالى -: ((تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم، ثم تلين
جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله . ..
استئناف مسوق لبيان آثار هذا القرآن الكريم فى نفوس قارئيه وسامعيه
بعد بيان أوصافه فى ذاته .
وقوله ((تقشعر)، من الاقشعرار، وهو الانقباض الشديد للبدن. يقال:
اقشعر جسد فلان، إذا انقبض جلده واهتز ... وهو هنا كناية عن الخوف
الشديد من الله - تعالى -.
أى: أن هذا الكتاب العظيم عندما يقرؤه أو يسمعه المؤمنون الصادقون
الذين يخشون ربهم تقشعر جلودهم من شدة ما اشتمل عليه من زواجر ونذر ...
ثم قلين جلودهم وقلوبهم إذا ماقر وا أو استمعوا إلى آيات الرحمة والمغفرة.
قال الجمل: فإن قلت: لم ذكرت الجلود وحدها أولا، ثم قرقت القلوب
بها ثانيا؟.
قلت: ذكر الخشية التى تحملها القلوب مستلزم لذكر القلوب، فكأنه قيل:
تقشعر جلودهم وتخشى قلوبهم فى أول الأمر ، فإذا ذكروا الله - تعالى-،
وذكروا رحمته وسعتها، استبدلوا بالحشية رجاء فى قلوبهم ، وبالقشعريرة
لينا فى جلودهم .. )، (١).
والخلاصة أن من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين ، أنهم بجمعون عند
قراءتهم أو سماعهم للقرآن الكريم بين الخوف والرجاء الخوف من عذاب الله
- تعالى - والرجاء فى رحمته ومغفرته، إذ أن اقشعرار الجلود كتابة عن
الخوف الشديد، ولين الجلود والقلوب كتابة عن السرور والارتياح. وعدى
الفعل ((قلين، إلى. لتضمينه معنى تسكن وتطمئن.
ومفعول (( ذكر ابته، محذوف للعلم به، أى: ثم قلين جلودهم وقلوبهم
إلى ذكر الله ورحمته وثوابه وجنته .
(١) جادية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٥٩٨

٢٨٢
سورة الزمر
قال ابن كثير ما ملخصه،هؤلاء المؤمنون يخالفون غيرهم من وجوه:
أحدها: أن سماع، ؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات
الثانى: أنهم إذا تليت عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا. بأدب
و خشیة،ور جا.و محبة،وفهم و علم، ولمیکو نوا۔ کغير م- منشاغلین لا مینعنها.
الثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها ... ولم يكونوا يتصارخون
وبتكلفون ما ليس فيهم ..
قال قتادة عند قراءته لهذه الآية: هذا فعت أولياء الله، نعتهم الله بأنهم.
تقشعر جلودهم وتبكى أعينهم ، وأطئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعنهم.
بذهاب عقولهم، والفشيان عليهم ، إنما هذا فى أهل البدع ، وهذا من
الشيطان .... . (١) .
واسم الإشارة فى قوله - تعالى -: , ذلك هدی الله هدی به من يشاء و من
يضلل الله فما له من هاد، يعود إلى الكتاب الذى مرت أوصافه، وأوصاف
القارئين له والمستمعين إليه .
" أى ذلك الكتاب العظيم المشتمل على أحسن الإرشادات وأحكمها، هدى
الله الذى عادى بسببه من يشاء من عباده إلى الصراط المستقيم، ومن يضلله
- سبحانه - عن طريق الحق، فما له من هاد يهديه إلى هذا الطريق القويم .
ثم نفى - سبحانه - المساواة بين هؤلاء الذين يخشون ربهم ، وبين غیر مم
من قست قلوبهم، واحرفت نفوسهم عن الحق، فقال - تعالى -: « أفمن يتقى
بوجهه سوء العذاب يوم القيامة، وقيل للظالمين ذوقوا ما كنتم تكبون)).
والإستفهام للتفى والإنكار. و((من، اسم موصول مبتدأ، والخبر محذوف.
أى: أفمن كان يوم القيامة مصيره إلى النار المحرقة التى يتقيها ويحاول
درأما عن نفسه بوجهه الذى هو أشرف أعضائه ... كمن يأتى يوم القيامة
وهو آمن مطمئن بعيد عن النار وسعيرها؟
(١) تفسير ابن کثیر ب٧ ص ٨٥ ٠

٢٨٣
الجزء الثالث والعشرون
والآية الكريمة ما فيها من تهويل عذاب يوم القيامة، إذ جرت عادة
الإنسان أن يتقى الآلام بيديه وجوارحه ، فإذا ما اتقاها بوجهة الذى هو
أشرف أعضائه، كان ذلك دليلا على أن ما نزل به فى نهاية الفظاعة والشدة .
وفى قوله - تعالى -: (سوء العذاب، مبالغة أخرى، إذ نفس العذاب سوء،
فإذا ماوصف بعد ذلك بالسوء. كان أشد فى الفظاعة والإهانة والألم.
وحملة: ((وقيل للظالمين٠٠٠، عطف على ((يتقى ... ، أمى: هذا هو
مصير الظالمين ، إنهم يتقون النار بوجوههم التى هى أشرف أعضائهم، وهذا
الاتقاء أن يفيدهم شيئا، بل ستغشاهم النار لهبها، ويقال لهم : ذوقوا العذاب
الألم بسبب ما كنتم تكبون فى الدنيا من أقوال باطلة ، وأفعال قبيحة .
(( كذب الذين من قبلهم، من أمم الكفر والضلال ,فأقام العذاب»
. المقدر لكل أمة من أمم الكفر .
(((من حيث لا يشعرون)، أى: من الجهة التى لا تخطر لهم على بال، أن
العذاب يأتيهم منها، فيكون وقعه عليهم أشد وأفظع.
, فأذاقهم الله الخزى فى الحياة الدنيا، أى: العذاب الذى يذهم ويخزيهم
فى الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة».
المعد لهم ((أكبر)) كيفا وكما « لو كانوا يعلمون، أى: لو كانوا من أهل
العلم والفهم لما ارتكبوا ما ارتكبوا من كفر وفسوق وعصيان، أذى بهم
إلى هذا العذاب المبين .
ثم كرر - سبحانه - مدحه للقرآن الكريم، بأن بين أنه مشتمل على خل
مثل نافع للناس ، وأنه لا ليس فيه ولا اختلاف ، وساق مثلا للمشرك الذى
يعبد آلهة كثيرة، وللؤمن الذى يعبد إلها واحدا، وبين أن جميع الناس
سيعمهم الموت. وأنهم جميعا سير جعون إلى الله للحساب، فقال - تعالى -:

٢٨٤
سورة الزمر
((ولقَدْ ضَربْاَلنَّاسِ فى هذا القرآنِ مِن كلِّ مثَلٍ لعلَّهم يتذَ كَّرُونَ (٢٧)
قرآنً عربياً غيرَ ذِى مِوجٍ لعلَّهُم يتقونَ (٢٨) ضرب الله مثلاً رجلاً
فيهِ شركاء متشاَ كِسُونَ، ورجلاً سلّماً لرَ جُلٍ هَلْ يستويانِ مِثَلاً؟
الحمدُ اللهِ بلْ أكثرُمُ لا يَلُونَ (٢٩) إنّكَ ميتٌ وإِنَّهم مَيتُونَ(٣٠)
ثم إنكُم يومَ القيامةِ عندَ ربْكُم تختصِمُونَ (٣١))).
واللام فى قوله - تعالى -: ((ولقد ضربنا للناس ... )))موطئة للقسم.
أى: والله لقد ضربنا وكررنا بأساليب متنوعة فى هذا القرآن العظيم،
من كل مثل يحتاج إليه الناس فى أمورهم وشئونهم ، وينتفعون به فى دنيا
ودينهم .
وقوله - تعالى -: ((لعلهم يتذكرون)) تعليل لضرب المثل. أى فعلنا
ذلك فى كتابنا الدى هو أحسن الحديث ، كى يتعظوا ويعتبروا ويتذكروا
ما أمرتهم به، أو نهيناهم عنه
فلعل منا بمعنى كى التعليلية، وهذا التعليل إنما هو بالنسبة إلى غيره!
- تعالى -.
وقوله - سبحانه -:. قرآنا عربيا غير ذى هوج ... ، ثناء آخر منه
- تعالى - على كتابه الكريم.
والجملة الكريمة حال مؤكدة من قوله قبل ذلك: «هذا القرآن .....
أى: هذا القرآن قرآناعربيا لا لبس فيه ولا اختلاف ولا اضطراب.
ولا تناقض ...

٢٨٥
الجزء الثالث والعشرو
قال صاحب الكشاف:((قوله: « قرآنا عربيا، حال مؤكدة كقولك:
جاءفى زيد رجلا صالحا، وإنساءا عاقلا. ويجوز أن ينتصب على المدح ((غير
ذى عوج، أى : مستقيماً بريئا من التناقض والاختلاف.
فإن قلت: فهلا قيل مستقيما، أوغير معوج؟ قلت: فيه فائدتان: إحداهما:
نفى أن يكون فيه عوج قط، كما قال: ((ولم يجعل له عوجا))، والثانية: أن
لفظ الموج مختص بالمعانى دون الأعيان ... وقبل: المراد بالموج: الشك.
واللبس، وأنشد :
وقد أتاك يقين غير ذى عوج من الإله وقول غير مكذوب (١)
وقوله: («لعلهم يتقون)) علة أخرى لاشتمال القرآن على الأمثال المتكررة
المتنوعة .
أى : كورنا الأمثال النافعة فى هذا القرآن للناس ، كى يتقوا الله - تعالى -
. ويخشوا عقابه.
ثم ضرب - سبحانه - مثلا للعبد المشرك وللعبد المؤمن، فقال: «ضرب
الله مثلا، رجلا فيه شركاء متشاكسون ورجلا سلما لرجل ... ».
وقوله ((مثلا)، مفعول ثان لضرب، و((رجلا)) مفعوله الأول. وآخر
من المفعول الثانى للتشويق إليه، وايتصل به ماهو من تتمته، وهو التمثيل
لحال الكافر والمؤمن .
وقولة ((متشاكسون)) من التشاكس بمعنى التنازع والتخاصم وسوء
الخلق يقال: رجل شكس وشكس - بفتح الشين مع إسكان الكاف أو كسرها
وفعله من باب كرم - إذا كان صعب الطباع، عسر الخلق .
وقوله « سلما)، بفتح السين واللام - مصدر وصف به على سبيل المبالغة.
- وقرأ ابن كثير و أبو عمرو:«سالماء: أى خالصا لسيده، دون أن ينازعه فيه منازع.
(١) تفسير الكشاف ج٤ ص ٠١٢٥

٢٨٦
سورة الزمر
والمعنى: إن مثل المشرك الذى يعبد آلهة متعددة، كمثل عبد ملوك لجماعة
متشاسكين متنازعين لسوء أخلاقهم وطباعهم . وهذا العبد موزع ومزق
بينهم ، لأن أحدهم يطلب منه شيئا معينا، والثانى يطلب منه شيئا يباين ما طلبه
الأول . والثالث يطلب منه ما يتناقض مع ما طلبه الأول والثانى ... وهو.
حائر بينهم جميعا، لا يدرى أيطيع ما أمره به الأول أم التانى أم الثالث .. ؟
لأنه ذ يملك أن يطيع أهواءهم المتنازعة التى تمزق أفكاره وقواه.
هذا ه. المشرك فى حيرته وضلاله وإنتكاس حاله ...
أما مثل المؤمن فهو كمثل عبد ملوك السيد واحد وخالص لفرد واحد،
وليس لغيره من سبيل إليه، فهو يخدم سيده بإخلاص وطاعة ، لأنه بعرف.
ماله وما عليه ، وفى راحة تامة من الحيرة والمتاعب التى إنغمس فيها ذلك
العبد الذى ملكة الشركا والمتشاكسون.
فالمقصود بهذين المثلين بيان ماعليه العبد المشرك من ضلال وتحيرونمزق
وما عليه العبد المؤمن من هداية وإستقرار وإطمئنان.
وإختار - سبحانه - الرجل لضرب المثلين، لأنه أتم معرفة من غيره لما يتعبه
ولما يربحه، ولما يسعدَه ولما يشقيه.
٠
قال صاحب الكشاف - رحمه الله- عند تفسيره لهذه الآية: ((واضرب
يا محمد لقومك مثلا وقل لهم: ما تقولون فى رجل من المماليك قد إشترك فيه
شركاء، بينهم إختلاف وتنازع: كل واحد منهم يدعى أنه عبده ، فهم
يتجاذبونه ، ويتعاورونه فى مهن شتى، وإذا عنت له حاجة تدافعوه ، فهو
متحير فى أمره، قد أشعبت الهموم قلبه ، وتوزعت أفكاره، لايدرى أيهم
برضى بخدمته، وعلى أيهم يعتمد فى حاجته.
. وفى آخر قد حلم لمالك واحد وخلص له، فهو معننق لما لزمه من خدمته
معتمد عليه فيما يصلحه، فهمه واحد وقلبه مجتمع، أى هذين العبدين أحسن.
وأجمل شأنا ؟

٢٨٧
الجزء الثالث والعشرون
والمراد تمثيل حال من بثبت آلهة بشتى .. ويبقى متحيراضائعا لا يدرى
أيهم يعبد، ومعمن يطلب رزقه؟ فهمه شعاع - بفتح الشين أى: متفرق -،
وقلبه أوزاع، وحال من لم يثبت إلا إلها واحدا، فهو قائم بما كلفه، عارف
بما أرضاه وما أسخطه، متفضل عليه فى عاجله، مؤمل الثواب فى آجله، (١).
والإستفهام فى قوله - تعالى -: ((هل يستوبان مثلا)) الإنكار والاستعباد.
أى : لا يستوى الرجل الذى فيه شركاء متشاكون، والرجل الذى سلم
لرجل آخر، فى رأى أى ناظر، وفى عقل أى عاقل، فالأول فى حيرة من أمره،
والثانى على بينة من شأنه .
وساق - سبحانه - هذا المعنى فى صورة الإستفهام، للإشعار بأن ذلك،من
الجلاء والوضوح بحيث لا يخفى على كل ذى عقل سليم.
وافتضب لفظ «مثلا، على التمييز المحول عن الفاعل، لأن الأصل هل
يستوى مثلهما وحالهما؟
وجملة (« الحمد قه، تقرير وتأكيد لما قبلها من فقى الاستواء وإستبعاده،
وتصريح بأن ما عليه المؤمنون من إخلاص فى العبودية لله - تعالى - يستحق
منهم كل شكر وثناء على الله - عز وجل - حيث وفقهم لذلك.
وقوله - تعالى -: ((بل أكثرهم لا يعلمون)) إضراب وإنتقال من بيان
عدم الاستواء على الوجه المذكور، إلى بيان أن أكثر الناس وهم المشركون
لا يعدون هذه الحقيقة مع ظهورها ووضوحها لكل ذى عينين يصرهما ،
عقل يعقل به .
ثم أخبر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بأن الموت سينزل به
وبأعدائه الذين يتربصون به ريب المنون، ولكن فى الوقت الذى يشاؤه الله
- تعالى - فقال: « إنك ميت وإنهم ميتون)).
-
(١) تفسير البكتاف = ٤ ص ٠١٢١

٢٨٨
سورة الزمر
أى: إنك - أيها الرسول الكريم - سيلحقك الموت كما أنه سيلحق هؤلاء
المشركين لا محالة ، وما دام الأمر كذلك فأى موجب لتعجل الموت الذى
سيعم الخلق جميعا .
وجاء الحديث عن حلول الموت به - صلى الله عليه وسلم - وبأعدائه،
بأسلوب التأكيد، للإيذان بأنه لا معنى لإستبطائهم لموقه - صلى الله عليه وسلم-
ولا للشماته به - صلى الله عليه وسلم - إذا مانزل به الموت، إذ لا يشمت الفانى
فى الفانى مثله .
ثم بين - سبحانه - ما يكون بينه وبينهم يوم القيامة فقال: « ثم إنكم
يوم القيامة عند ربكم تختصمون .
أى : ثم إفتكم جميعا يوم القيامة عند ربكم وخالفكم تختضمون
ونحتكون ، فتقيم عليهم - أيها الرسول الكريم - الحجة، بأنك قد بلغت.
الرسالة ، وهم يعتذرون بالأباطيل والتعللات الكاذبة، والأقوال الفاسدة ،
وسينتقم ربك من الظالم للمظلوم ، ومن المبطل للحق .
هذا، وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية، جملة من الأحاديث
والآثار فقال ما ملخصه: ثم أن هذه الآية - وإن كان سياقها فى المؤمنين
والمكافرين، وذكر الخصومة بينهم فى الدار الآخرة - فإنها شاءلة الكل متنازعين
فى الدنيا، فإنه تعاد عليهم الخصومة فى الدار الآخرة .
روى ابن أبى حاتم عن الزبير بن العوام - رضى الله عنه - قال : لما
نزلت هذه الآية قلت: يارسول الله أتكرر علينا الخصومة؟ قال: إن الأمر
إذا الشديد .
وروى الإمام أحمد عن أبى سعيد الخدرى قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - :(( والذي نفسي بيده أنه ليختصم حتى الشاتان فيما انتطحنا)).

٢٨٩
الجزء الثالث والعشرون
وقال ابن عباس: يخصم الصادق الكاذب، والمظلوم الظالم ، والمهدى
الضال ، والضعيف المستكير ،(١)
٥
٠
ثم بين - سبحانه - أنه لا أحد أشد ظلما ممن كذب على الله - تعالى -،
وكذب بالصدق إذ جاءه، وأز من صفات المتقين أنهم يؤمنون بالحق ،
"ويدافعون عنه، وأنه - سبحانه - سيكفر عنهم حيثاتهم ... فقال - تعالى -:
((فَنْ أظلمَ ممّنْ كَذَبَ عَلَى اللهِ وَكَذَّبَ بالصُّدْقِ إِذْ جاءَهُ،
أليسَ فى جهِّ مَثْوَّى لْلِ كَافِرِين (٣٢) والذى جاء بالصِّدقِ وصَدَّقَ
◌ٍ أولئِكَ مُ المتَّقُونَ (٣٣) لَهُمُ ما يشاءونَ عند ربِّهم، ذلكَ جَزاء
المحسِنِينَ (٣٤) ليكفّر اللهُ عنهُم أدْوأُ الذى عَملُوا، ويجزِيهُمْ أجْرَهُ
بأحْسَن الذى كانُوا يَعمَلُونَ (٣٥) أليْسَ اللهُ بكافٍ عَبْدَه، ويُخْوِّفُونَك
بالذينَ من دُونِهِ، ومن يضللِ اللهَ فالهُ مِنْ هَادِ (٣٦) ومن يَهْدِ اللهُ
فَاَلَهُ مِنْ مُضِلٍ، أَليْسَ اللهُ بعزيزِ ذِى انتقاَمٍ (٣٧))).
والفاء فى قوله - تعالى -: "فمن أظلم ممن كذب على الله ... ) لتر تيب ما بعدها
على ما قبلها ، والاستفهام للإنكار والنفى .
أى مادام الأمر كماذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أنك ستموت
وثم سيموتون، وأنكم جميعا ستقفون أمام ربكم للحساب والجزاء .. فلا أحد
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٨٧
(٢) أول الجزء الرابع والعشرين
(١٩ - الزمر )

٢٩٠
سورة الزمر
أشد ظلما من هؤلاء المشركين الذين كذبوا على الله، بأن عبدوا من دونه آلهة
أخرى، ونسبوا إليه الشريك أو الولد، ولم يكتفوا بكل ذلك، بل كذبوا
بالأمر الصدق وقت أن جئتهم به من عند ربك .
والتعبير بقوله: «وكذب بالصدق إذجاءه)، يدل على أنهم بادروا بتكذيب
ما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من عند ربه، بمجرد أن سمعوه،
ودون أن يتدبروه أو يفكروا فيه.
وتكذيبهم بالصدق ، يشمل تكذيبهم للقرآن الكريم، ولكل ما جاءم
به الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
والاستفهام فى قوله - تعالى - «أليس فى جهنم مثوى للكافرين» للتقرير،
والمثوى: المكان مأخوذ من قولهم أوى فلان بمكان كذا، إذا أقام به. يقال:
قوى يثرى ثراء ، كمضى مضى معنا . ...
أى: أليس فى جهنم مكانا يكفى لإهانة الكافرين وإذلالهم وتعذيبهم؟ بل
أن فيها لممكانا يذهم ويذوقون فيه سوء العذاب .
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة أهل الصدق والإيمان فقال: ((والذى جاء
بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون)).
والمراد بالذى جاء بالصدق: رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والمراد
بالذى صدق به : ما يشمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - ويشمل كل من آمن
به واتبعه فيما جاء به ، كأبى بكر الصديق وغيره من الصحابة.
قال الألوسى ما ملخصه:((قوله - تعالى -: (والذى جاء بالصدق وصدق
به، الموصول عبارة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخرجه ابن جرير
وغيره عن ابن عباس ... والمؤمنون داخلون بدلالة السياق وحكم التبعية،
دخول الجند فى قولك : نزل الأمير موضع كذا ...
والجمع فى قوله - تعالى -: ((أولئك : المتقون)) باعتبار دخول الأتباع

٢٩١
الجزء الثالث والعشرون
تبعا : ومراتب التقوى متفاونة، ولرسول الله - صلى الله عليه وسلم ...
أملاها ..... (D) .
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء المتقين من نعم فقال «لهم ما يشاءون
عند ربهم ... ، .
أى: لهؤلاء المتقين كل مايشاءونه عند ربهم ومالك أمرهم، بسبب تصديقهم
للحق، واتباعهم لما جاءهم به رسولهم - صلى الله عليه وسلم -.
وفى قوله: ((عند ربهم، تكريم وتشريف لهم.
وقوله: « ذلك جزاء المحسنين، أن: ذلك الذى ذكرناه من حصولهم على
ما يشتهونه، جزاء من أحسنوا فى أقوالهم وأفعالهم
ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر تكريمه لهم، ورحمته بهم فقال:
(( ليكفر الله عنهم أسوأ الذى عملوا، ويجزيهم أجرم بأحزاذى
كانوا يعملون ، .
واللام فى قوله: ((ليكفر ... . متعلقة بمحذوف أى: أعطاه - سبحانه-
ما أعطاهم من فضله ورحمته ليكفر عنهم أسوأ الذنوب التى عملوها، كالكفر
قبل الإسلام، بأن بغفر لهم بذلك ولا يؤاخذهم عليه .
وإذا غفر الله - تعالى - لهؤلاء المتقين أسوأ أعمالهم، غفر لهم - بفضله
ورحمته ماهو دونه بالطريق الأولى .
(ويجزيهم أجرم)، أى: ويعطيهم ثواب أعمالهم , بأحسن الذى كانوا
يعملون ، أى: يعطيهم فى مقابل عملهم الصالح فى الدنيا، جنات فيها مالا عين
رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
وعلى هذا التفسير يكون قوله - تعالى - ((أسوأ وأحسن، أفعل تفضيل،
حيث كفر - سبحانه - عنهم أسوا أعمالهم، وكافأه على أعمالهم بما هو أحمن
منها وهو الجنة ..
(١) تفسير الآلوسي ٥ ٢٤ ص ٢

٢٩٢
سورة الزمر
وهذا منتهى الفضل والإحسان من الله - تعالى - لعباده المتقين، حيث
عاملهم بالفضل ولم يعاملهم بالعدل .
ومنهم من يرى أن قوله (( أسوأ وأحسن، بمعنى السىء والحسن، فيكون
أفعل التفضيل ليس على بابه . وعلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله:
«ما معنى إضافة الأسوأ والأحسن إلى الذى عملوا؟ وما معنى التفضيل فيهما ؟
قلت: أما الإضافة فما هى من إضافة أفعل إلى الجملة التى يفضل عليها،
ولكن من إضافة الشىء إلى ماهو بعضه من غير تفضيل. كقولك: الأشج
أعدل بنى مرو ان .
وأما التفضيل فإيذان بأن السىء الذى يفرط منهم من الصغائر والزلات
المكفرة. هو عندهم الأسوالاستعظامهم المعصية. والحسن الذى يعملونه
هو عند الله الأحسن لحسن إخلاصهم فيها، فلذلك ذكر سيتهم بالأسوأ،
وحسنهم بالآحن) (١).
ثم بين - سبحانه - عصمته لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأبلغ وجه أمه
فقال: (( أليس الله بكاف عبده))، وبخوفونك بالذين من دونه.)).
وقراءة الجمهور: ((عبده بالإفراد وقرأحمزة والكسائى : :عباده))،
والاستفهام للتقرير .
قال القرطبى: «وذلك أنهم خوفوا النبى - صلى الله عليه وسلم مضرة الأونان،
فقالوا له: أقسب آلهتنا ؟ لئن لم تنته عن ذكرما لتصينك بالسوء.
وقال قتادة: مشى خالد بن الوليد إلى العزى ليكسرها بالفأس، فقال له
سادتها : أحذرك منها يا خالد ، فإن لها شدة لا يقوم هاشىء، فعمد خالد إلى
العزى فهشم أنفها حتى كسرها، وتخويفهم لخالد تخويف للنبى - صلى الله عليه
وسلم - لأنه هو الذى أرسله. ويدخل فى الآية تخويفهم النبى - صلى الله عليه
وسلم - بكثرة جمعهم وقوتهم ... » (٢).
(١) تفسير الكشاف « ٤ ص ٢٢٨
(٢) تفسير القرطبى = ١٥ ص ٢٥٨

٢٩٣
الجزء الرابع والعشرون
والمعنى: أليس الله - تعالى - يكلف عبده محمد - صلى الله عليه وسلم - من
كل سوء ؟ وكاف عباده المؤمنين الصادقين من أعدائهم؟ بلى إنه - سبحانه -
العاصم نبيه - صلى الله عليه وسلم - من أعدائه، ولناصر عباده المتقين على
من ناواهم .
والحال أن هؤلاء المشركين يخوفونك - أيها الرسول الكريم - من
أصنامهم التى يعبدونها من دونه - تعالى -، مع أن هذه الآلهة الباطلة أتفه
من أن تدافع عن نفسها فضلا عن غيرها.
( ومن يضلل الله، أى: من يضلله الله - تعالى -, فما له من ماد، يهديه
إلى الصراط المستقيم.
(( ومن يهد القه)) أى: ومن يهده الله - تعالى- إلى طريق الحق والصواب.
(((فما له من مضل)) أى: فما له من أحد كائنا من كان يستطيع إضلاله.
( أليس الله بعزيزذى إنتقام)، بلى إنه - سبحانه - لعزيز إذلا يغلية
غالب ، ولا يمانعه مانع، ولا ينازعه منازع. ولذو إنتقام شديد من
أعدائه، ولا يستطيع أحد أن يمنع إنتقاءه منهم.
ثم حکی - سبحانه - ما کان علیه هؤلاء المشركون من تف فض بين
أقوالهم وأفعالهم . وأمر التى - صلى الله عليه وسلم - أن يهددهم بسوء
المصير إذا ما استمروا على كفرهم ... فقال - تعالى -:
((ولئنْ سألَهُمْ من خلَقَ السَّمواتِ والأرضَ ليقولُنَّاللهَ، قُل
أَفر أَثّ ما تدعُونَ مِن دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَ فِيَ اللهُ يَضُرْ هَلْ منَّ كاشِفَاتٌ
غُرُّه، أو أرادنى برّحةٍ هَلْ هنَّ ممسِكَاتُ رَحْتِهِ ، قَلْ حَسْبِىَ الهُ
عليه يتوكَّلُ المتوكلُونَ (٣٨) قل يا قومٍ اعملُوا على مكانِتِكُمْ إِنِّى
عامِلٌ فَسوْفَ تَعلَمُونَ (٣٩) مَن يَأْتِهِ عَذَابٌ يُخْزِهِ ويَحِلُ عليهِ
د :.

٢٩٤
سورة الزمر
عَذَابٌ مُقِيمٌ (٤٠) إِنَّا أَنزَلْنَاَ عليكَ الكتابَ النَّاس بالحقِّ فمن اهْتدَى
فلَنَفسهٍ ومَنْ ضَلَّ فإِنَّمَا يضِلُ عَلَيها وما أنْتَ عَلَّيهم بوكيلٍ (٤١)
اللهُ يَتَوفى الْأَنفُسَ حينَ مَوْتِها، والتى لم تُتْ فى منامِها فَيمُسِكُ التى
قضَى عليها الموتَ، ويرسِلُ الْأخْرَى إلى أَجَلٍ مسَمّى، إنَّ فى ذلكَ
لآياتٍ لِقَومٍ يتفكّرُونَ (٤٢) أمِ اتَّخَذُوا من دونِ اللهِ شُفعاء قُلْ
أَوَلوْ كَانُوا لا ملكُونَ شيئاً ولا يعقِلُونَ (٤٣) قُلْ للهِ الشفاعة جميعاً،
لهُمُفْتُ السَّمواتِ والأَرْضِ ثُمَّ إِلَيْهِ ترجّعونَ (٤٤)).
والمعنى: ولئن سألت - أيها الرسول الكريم - هؤلاء المشركين من الذى
خلق هذه الشموات التى ترونها بأعينكم، وخلق هذه الأرض التى فوقها
تعيشون ...
لئن سألتهم هذا السؤال ، لا يملكون فى الإجابة عليه إلا أن يقولوا:
خلقهن الله، فلفظ الجلالة فاعل لفعل محذوف .
وقولهم هذا دليل واضح على تناقضهم أنفسهم. لأنهم يعترفون بأن
الخالق هو الله، ولكنهم يشركون معه فى العبادة آلهة أخرى لا تنفع
ولا تضر ...
واذا أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهم مبكتاً
وموبخا :« قل أفر أيتم ما تدعون من دون الله. إن أرادنى الله بضر هل من
كاشفات ضره . أو أرادنى برحمته هل هن مسكات رحمته .. ،؟
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاهلين: إذا كان الأمر كما
ذكرتم من أن الخالق لهذا الكون هو الله، فأخبرونى عن هذه الآلهة التى
تعبدءونها من دونه - سبحانه -: أتستطيع أن تدفع ضرا أراده الله - تعالى-

٢٩٥
الجزء الرابع والعشرون
هى؟ أم تستطيع أن تمنع رحمته أو خيرا أعطاء الله إلى ؟ كلا إنها لا تستطيع
شيئا من ذلك، وعبادتكم لها إنما هى نوع من السفه والحماقة .
وقال - سبحانه -: ((هل هن.) بالتأنيث على سبيل التحقير /: الك
الآلهة المزعومة، ولأنهم كانوا يسمونها بأسماء الإناث: كاللات، والعزى،
ومناه ... الخ .
وقدم الضر لأن دفعه أهم. وعلق - سبحانه - إرادة الضر والرحمة
بذاته - صلى الله عليه وسلم - فقال: ((إن أرادفى الله بضر ٢٠٠٠، ليرد
عليهم ردا يخرس ألسنتهم، حيث خوفوه - صلى الله عليه وسلم - منها ،
وزعموا أنه لو استمر فى تحقيرها فإنها ستؤذيه ..
قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: لم فرض المسألة فى نفسه دونهم؟
قلت: لأنهم حوفوه معرة الأوثان وتخبيلها، فأصر بأن بقدرهم - أولا بأن
خالق العالم هو لله وحده، ثم يقول لهم بعد التقرير: فإذا أرادنى خالق
العالم الذى أقررتم به بضر من مرض أو فقر أو غير ذلك من النوازل أو برحمة
من صحة أو غنى أو نحوهما : هل هؤلاء اللائى خوفتمونى إياهن كاشفات عنى
ضره، أو مسكات رحمته حتى إذا ألقمهم الحجر وقطعهم . حتى لا يحيروا
ببنت شفة قال: ((حسى الله، كافياً لمعرة أو ثانكم ((عليه يتوكل المتوكاون))
وفیه تهكم.
ويروى أنه - صلى الله عليه وسلم - سألهم فسكتوا، فنزل: ((قل
حسبي الله ... ) (١) .
أى: ((قل - أيها الرسول الكريم - فى الرد عليهم وفى سخرية من آلهتهم:
الله - تعالى - الخالق لكل شىء، كافينى فى جميع أمورى، وعاصمنى من كيدكم
(١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ١٢٩

٢٩٦
سورة الزمر
وكيد من تتوهمون كيده، وعليه وحده لا على غيرهيتوكل المتوكلون، امامهم
أن كل ما سواه نحت ملكوته وقدرته .
ثم أمره - سبحانه - مرة أخرى أن يتحداهم وأن يتهددهم فقال: ((قل
يا قوم إعملوا على مكافتكم .. ، أى: وقل لهم المرة الثالثة: اعملوا ماشئتم عمله
من العداوة لى ، والتهديد بآلهتكم.
والمكانة مصدر مكن - ككرم-، يقال: مكن فلان من الشىء مكانة، إذا
تمكن منه أبلغ تمكن .
أى: اعملوا كل ما فى إمكانكم عمله معى . والأمر للتهديد والوعيد.
« إنى عامل، أى: إنى سأقابل عملكم السىء بعمل أحسن من جانى، وهو
الدعوة إلى وحدانية الله ، وإلى مكارم الأخلاق .
(((فسوف تعلمون، من منا الذى سينجح فى عمله، ومن منا الذى سيأتيه
عذاب يخزبه ويفضحه ويهينه فى الدنيا ، ومن منا الذى سيحل عليه عذاب
مقيم فى الآخرة . فالمراد بالعذاب الخزى عذاب الدنيا، والمراد بالعذاب
المقيم عذاب الآخرة .
ولقد تحقق ما توعدهم - سبحانه - به، حيث أنزل عليهم عقابه فى بدر
وفى غيرها فأخزام وهزمهم، أما عذاب الآخرة فهو أشد وأبقى.
ثم أخذت السورة الكريمة فى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما
أصابه منهم، فقال - تعالى -: ((إنا أنزلنا عليك الكتاب للناس بالحق ... ))
أى: إنا أنزلنا عليك - أيها الرسول الكريم - القرآن لأجل منفعة الناس
ومصلحتهم ، وقد أنزلناه متلبسا بالحق الذى لا يحوم حوله باطل.
(((فمن إهتدى)) إلى الصراط المستقيم، وإلى الحق المبين فهدايته تعود
إلى نفسه , ومن عدل) عن الطريق المستقيم، فإثم ضلاله، إنما يعود على
نفسه وحدها .

٢٩٧
الجزء الرابع والعشرون
((وما أنت عليهم، يا محمد «بو كيل، أى: بمكلف بهدايتهم، وبإجبارهم
على اتباعك، وإنما أنت عليك البلاغ ، ونحن علينا الحساب.
ثم ساق سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، ونفاذ مشيئته فقال - تعالى -:
, القه یتو فى الأنفس حين موتها ... ).
أى: انه - بقدرته وحدها يقبض أرواح مخلوقاته حين إنتهاء آجالها
بأن يقطع تعلقها بالأجسام قطعا كلبا ، ويسلب عن هذه الأجسام
والأبدان ما به قوام حياتها ، بأن تصير أجساما هامدة لا إدراك لها،
ولا حر کة فیها .
وقوله - تعالى -: ((والتى لم تمت في منامها، معطوف على الأنفس، أى:
بسلب الحياة عن الأنفس التى إنتهى أجلها سلبا ظاهرا وباطنا وبسلب الحياة
عنها سلبا ظاهرا فقط. فى حال نومها. إذ أنها فى حالة النوم تنبه الموتىمن.
حيث عدم التمييز والتصرف .
فالآية الكريمة تشير إلى أن التوفى الأنفس أعم من الموت، إذ أن هناك
وفانين : وفاة كبرى وتكون عن طريق الموت ، ووفاة صغرى وتكون عن
طريق النوم . كماقال - تعالى - ((وهو الذى يتوفاكم بالليل .. ، أى: يجعلكم
تنامون فيه فوما يشبه الموت فى إنقطاع الإدراك والإحساس ...
وقوله - تعالى -: «فيمسك التى قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى
أجل مسمى ، بيان لحالة الأنفس التى انتهى أجلها، والتى لم ينته أجلها بعد .
أى: الله - تعالى - وحده هو الذى يتوفى الأنفس حين الموت، أما
الأنفس التى انتهى أجلها فيمسك - سبحانه - أرواحها إمسا كاتاما بحيث لاتعود
إلى أبدانها مرة أخرى، وأما التى لم يحن وقت موتها، فإن الله - تعالى- يعيدها
إلى أبدانها عند اليقظة من نومها، وتستمر على هذه الحالة إلى أجل مسمى فى
علمه - تعالى - فإذا ما انتهى أجلها الذى حدده - سبحانه - لها خرجت اتلك
الأرواح من أبدانها خروجا تاما، كما هو الشأن فى الحالة الأولى.

٢٩٨
سورة الزمر
ولا شك أن الله - تعالى- الذى قدر على ذلك، قادر أيضا - على إعادة
الأرواح إلى أجسادها عند البعث والنشور يوم القيامة .
فالآية الكريمة مسوقة لبيان كمال قدرة الله - تعالى - ولبيان أن البعث
حق، وأنه يسير على قدرة الله التى لا يعجزها شىء.
ولا منافاة بين هذه الآية التى صرحت بأن الله - تعالى - هو الذى يتوفى.
الأنفس عند مونها ((وبين قوله - تعالى -: قل يتوفاكم ملك الموت ... ))
وقوله - تعالى - «حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا، لأن المتوفى فى
الحقيقة هو الله - تعالى - وملك الموت إنما يقبض الأرواح بإذنه. سبحانه.
ولملك الموت أعوان وجنود من الملائكة، متزعون الأرواح بأمره، المستمد
من أمر فته - عز وجل - .
قال القرطى: (فإذا بفض الله الروح فى حالين، فى حالة النوم وحالة
الموت، فما قبضه فى حال النوم فمعناه أنه يغمره بما يحبه عن التصرف. فكأنه
شىء مقبوض. وما يقبضه فى حال الموت فهو يمسكه ولا يرسله إلى يوم
القيامة ٠ ٠ ..
وفى الآية تنبيه على عظيم قدرته، وإنفراده بالألوهية، وأنه يفعل
ما يشاء ويحيى ويميت، ولا يقدر على ذلك سواء .. ،(١).
وإسم الإشارة فى قوله: ((إن فى ذلك لآيات لقوم يتفكرون)) يعود إلى.
المذكور من التوفى والإمساك والإرسال .
أى: إن فى ذلك الذى ذكر ناهلكم من قدرتنا على تو فى الأنفسر وإمساكها
وإرسالها ، لآيات بينات على وحدانيتنا وقدوتنا، لقوم بحسنون التأمل.
والتفكير والتدبر ، فیما أرشدنام إلیه، وأخبر قام به.
ثم نعى - سبحانه - على الكفار غفلتهم وعدم تفكرهم فقال: «أم اتخذوا
من دون الله شفعاء: قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون)).
(١) تفسير القرطبى ح٥ ص ٢٦١.

٢٩٩
الجزء الرابع والعشرون
و((أم، هنا بمعنى بل والهمزة، والاستفهام الإنكار، والمراد بالشفعاء
تلك الأصنام التى زعموا أنها ستشفع لهم يوم القيامة .
والمعنى : لقد ترك هؤلاء المشركون التفكر والتدبر فى دلائل وحدانيته
وقدرته .. سبحانه - ولم يلتفتوا إلى ما ينفعهم، بل اتخذوا الأصنام آلهة
لينالوا بواسطتها الشفاعة عند الله.
قل لهم - أيها الرسول الكريم - مرشدا ومنها: أنفعلون ذلك ولو كانت
هذه الآلهة لا تملك شيئا من أمرها، ولا تعقل شيئا مما يتوجهون به إليها ؟
ثم أمر - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يبين لهم أن الله
- تعالى - هو مالك الشفاعة كلها، وأنه لن يستطيع أحد أن يشفع إلا بإذنه،
فقال: ((قل قه الشفاعة جميعا ... )
أى: قل لهم: الله - تعالى - هو المالك للشفاعة كلها، وآلهتكم هذه
لا تملك شيئا من ذلك، بل أنتم وآلهتكم - أيها المشركون - ستكونون وفودا
لنار جهنم .
وهو - سبحانه -: «له ملك السموات والأرض، ملكا تاما لا نصرف
لأحد فى شىء منهما معه، ولا شفاعة لأحد إلا بإذنه.
(( ثم إليه ترجعون)) يوم القيامة فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازى الذين
أساءوا بما عملوا ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى.
ثم بين - سبحانه - أحوال هؤلاء المشركين، عندما يذكر - سبحانه -
وحده دون أن تذكر معه آلهتهم، كما بين أحوالهم السيئة يوم القيامة،
وكيف أنهم يندمون ولا ينفعهم الندم، وكيف أنهم لو ملكوا فى هذا اليوم
مافى الأرض جميعا ومثله معه، لقدموه فداء لأنفسهم من أهوال عذاب يوم
القيامة .. فقال - تعالى -:
(((وإذَاذُكرالهُ وحدَهُ اشَأَزَّتْ قلوبَ الذينَ لا يُؤْمِنُونَ

٣٠٠
سورة الزمر
بالآخرةِ ، وإذَا ذُكرَ الذينَ من دُونِهِ إذا ثُمُ يَستبشِرُونَ (٤٥) قُلِ
الَّهمَّ فاطِرَ السَّمواتِ والأرض، عالِمَ النَّيبِ والشّهادةِ، أَنتَ تَحِكُمْ
بينَ عِبادِكَ فيماَ كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٤٦) ولوْ أَنّ الذِينَ ظَلّمُوا ما فى
الأرْضِ جميعاً ومثله معهُ لافْتَدُوا به من سوء العذابِ يومَ القيامةِ ،
وبدا لهُمْ مِنَ اللهِ ما لم يُكُونُوا يُحْتَسِبونَ (٤٧) وبدَا لَهُم سيئاتُ
ماكسّبُوا وحاقَ بِهِمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتهزِ ئونَ (٤٨) فإذَا مَسّ الإنسانَ
ضَرِّ دعَنَا، ثم إِذَا خَوَّلْنَ نِسَةً مِنَّا قَالَ إِنّا أُوتِيتَهُ عَلَى عِلْمِ بلْ هِىَ
فتْنَةٌ ولكنَّ أ كثَرَهُم لاَ يَعلَونَ (٤٩) قَدْ قالهاَ الذينَ من قبلِهم فما
أغنى غنهُمُ ما كانوا يكسِبُونَ (٥٠) فَأَصابَهُم سيئاتُ ما كسّبُوا، والذين
ظَوا من مَؤُلاءِ سَيصدِيُهم سَيْئَتُ ماكسَبُوا ومامْ بُعجِزِينَ (٥١)
أَوَلم يعلَمُوا أَنَّ اللهَ يَبْسُط الرِّزْقَ لمن يشَهُ وَيَقْدِرِ، إِنَّ فِى ذَلِكَ لآياتٍ
لَقَومٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢))).
وقوله - تعالى: ((اشمازت .. )) أى: نفرت وانقبضت وذعرت،
مأخوذ من الثمز , وهو نفور النفس ما تكرهه.
قال الإمام الرازى: « إعلم أن هذا نوع آخر من الأعمال القبيحة المشركين
وهو أنك إذا ذكرت الله وحده ... ظهرت آثار النفرة فى وجوههم ...
وذلك يدل على الجهل والحماقة ، لأن ذكر الله رأس السعادة ، وعنوان
الخيرات، وأما ذكر الأصنام فهو رأس الحماقات ... ))(١).
أى: أنك - أيها الرسول الكريم - إذا ذكرت الله - تعالى - وحده،
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٧ ص٢٥٨