Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ الجزء الثالث والعشرون الفاسد منهم، كفرهم بالحق ، وجحودهم ليوم القيامة وما فيه من حساب وثواب وعقاب، وإعراضهم عما جاءهم به الرسول - صلى الله عليه وسلم - من هدايات وإرشادات. وقوله - تعالى -: ((فويل للذين كفروا من النار)) بيان للعاقبة السيئة التى حلت بهم بسبب هذا الظن الفاسد ... فالفاء : للتفريع على ظنهم الباطل والويل : الهلاك والدمار : و ((من)) إبتدائية أو بيانية أو تعليلية. أى: القول بأن خلق هذا الكون خال من الحكمة ، هو ظن وإعتقاد الذين كفروا وحدهم، وما دام هذا مظنونهم ومعتقدهم فيهلاك لهم كائن من النار التى تسلطها عليهم فتحرق أجسادهم، وتجعلهم يذوقون العذاب المهين. وقال - سبحانه - ((فويل للذين كفروا .. ) بالإظهار فى مقام الإضمار، للإشعار بعلية صلة الموصول للحكم أى: أن هذا الويل والهلاك كائن لهم بسبب كفرم . وقال - سبحانه -: ((فويل للذين كفروا)) ولم يقل الذين ظنوا الإشارة إلى أن ظنهم القييح هذا، ما هو إلا نتيجة كفرهم وجحودهم للحق. ثم بين - سبحانه - أن حكمته قد اقتضت إستحالة المساواة بين الأخيار والفجار، فقال - تعالى -: ((أم بجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض، أم نجعل المتقين كالفجار ). و«أم، فى الآية الكريمة منقطعة بمعنى بل الإضرابية ، والهمزة للاستفهام الإنكارى . والإضراب هنا إنتقالى من تقرير أن هذا الكون لم يخلقه الله - تعالى - عبدا إلى تقرير استحالة المساواة بين المؤمنين والكافرين : ٢٠٢ سورة ص والمعنى : وكما أننا لم تخلق هذا الكون عبنا، كذلك إقتضت حكمتها وء-التنا ... إستحالة المساواة- أيضا- بين المتقين والفجار. وذلك لأن المؤمنين المتقين، قد قدموا لنا فى دنيام ما يرضينا، فكافانام على ذلك ما يرضيهم ، ويشعدم ويشرح صدورهم ، ويجعلهم يوم القيامة خالدين فى جنات النعيم . أما المفسدون والفجار، فقد قدموا فى دنياه ما يغضبنا ويسخطنا عليهم. فجاز بناهم على ذلك بما يستحقون من عذاب السعير . وربك - أيها العاقل ـ((لا يضيع أجر من أحسن عملا)، ((ولا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون ، فالمقصود بالآية الكريمة إعلان إستحالة التشوية فى الآخرة بين المؤمنين والكافرين، لأن التقوية بينهما ظلم، وهو محال عليه - تعالى - ، وما كان البعث والجزاء والثواب والعقاب يوم القيامة إلا ليجزى - سبحانه - الذين أساؤا بماعملوا، ويجزى الذين أحسنوا بالحسنى. ومن الآيات التى تشبه فى معناها هذه الآية قوله - تعالى -: ((أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات ، سواء محياهم وعانهم، ساء ما يحكمون، (١) ثم مدح - سبحانه - القرآن الكريم الذى أنزله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - وبين حكمة إنزاله، فقال:« كتاب أنزلناه إليك مبارك، ليد بروا آياته وليتذكر أولوا الألباب)». وقوله:((كتاب)) خبر لمبتدأ محذوف. والمقصود به القرآن الكريم. (١) سورة الجائية الآية ٢١. ٢٠٣ الجزء الثالث والعشرون أى: هذا كتاب «أنزلناه إليك، بقدرتنا ورحمتنا - أيها الرسول الكريم ومن صفاته أنه « مبارك، أى: كثير الخيرات والبركات ... وجعلناه كذلك «ليدبروا آياته، أى: ليتفكروا فيما اشتملت عليه أبانه من أحكام حكيمة، وآداب قويمة، وتوجيهات جامعة لما بعدهم فى دنيام وآخرتهم ... ((وليذكر أولوا الألباب، أى: وليتعظ أصحاب العقول السليمة بما جاء فيه من قصص وعبر عن السابقين، كما قال - سبحانه -: «لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب ما كان حديثا يفترى ، ولكن تصديق الذى بين يديه، وتفصيل كل شىء، وهدى ورحمة لقوم يؤمنون،(١). ثم ذكر - سبحانه - جانبا من قصة سليمان - عليه السلام - فمدحه الكثرة رجوعه إلى الله، وذكر بعض النعم التى منحها إياه، كما ذكر اختياره له، وكيف أن سليمان - عليه السلام - طلب من ربه المغفرة والملك، فأعطاء - سبحانه - ما طلبه . قال - تعالى -: ((وَوَهَبِنَاَ لدَاود سليمانَ نِعم العبدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠) إِذْ عرضَ عليه بالعَشِئُ الصَّفِنِاتُ الجِيادُ (٣١) فقالَ إِلَّى أَحَيتُ حبَّ الخيرِ عن ذكْرٍ ربى حتى توَارتْ بالحجاب (٣٢) رُدُوما عَلَىَّ فطفِقَ مَسْحاً بالسُّوقِ والأعناقِ (٣٣) ولقد فتنَّا سلّمَانَ وأَلْقَيْناَ عَلَى كُرسيَّةٍ أُجسداً ثم أَثَبَ (٣٤) قالَ ربِّ اغْفِرْ لِ وهَبْ لى مُلكاً لا يَنبِغِى لأحدٍ مِنْ (١) سورة يوسف آية ٠١١١ ٢٠٤ سورة ص بُعدى إِنَّكَ أَنْتَ الوهّابُ (٣٥) فسخّرناَ لهُ الرَّبِحَ تَجْرِى بِأَمرِهِ رُعَاءِ حيثُ أَصابَ (٢٦) والشّياطينَ كلَّ بَنَّاهُ وفِوَّاصٍ (٣٧) وَآخرين مقرَِّنَ فى الأصْفادِ (٣٨) هذا عطاؤُنَا فلامُتَنْ أو أمْسِك بغير حسابٍ (٣٩) وإنّ لهُ عندنَاَ لزُلفَى وحسن مآبٍ (٤٠))). فى هذه الآيات الكريمة مسألتان ذكر بعض المفسرين فيهما كلاما غير مقبول . أما المسألة الأولى فهى مسألة: عرض الخيل على سيدنا سليمات والمقصود به . وأما المسألة الثانية فهى مسألة المقصود بقوله - تعالى -: (ولقد فتنا سليمان ... ،. وسنسير فى تفسير هذه الآيات على الرأى الذى تطمئن إلى صحته نفوسنا، ثم تذكر بعده بعض الأقوال الى قيلت فى هذا الشأن، وترد على ما يستحق الرد منها ، فنقول ـ وبالله التوفيق - : المخصوص بالمدح فى قوله - تعالى -: ((نعم العبد، محذوف، والمقصود به سليمان - عليه السلام -. أى: ووهبنا - بفضلنا وإحساننا - لعبدنا داود ابنه سليمان - عليهما السلام - ونعم العبد سليمان فى دينه وفى خلقه وفى شكره لخالقه - تعالى -. وجملة ((إنه أواب)، تعليل لهذا المدح من الله - تعالى - لسامان - عليه السلام - أى: إنه رجاع إلى ما يرضى الله - تعالى - مأخوذ من أب الرجل إلى داره، إذا رجع إليها . و((إذه فى قوله: (( إذ عرض عليه بالعشى الصافنات الجباد، منصوب ٢٠٥ الجزء الثالث والعشرون بفعل تقديره: أذكر، و «عليه، متعلق بعرض. و«العشى)) يطلق على الزمان الكائن من زوال الشمس إلى آخر النهار. وقيل إلى مطلع الفجر. والصافنات : جمع صافن، والصافن من الخيل: الذى يقف على ثلاثة أرجل ويرفع الرابعة فيقف على مقدم حافرها. والجياد: جمع جواد، وهو الفرس السريع العدو، الجيدالر كض، سواء أكان ذكراً أم أنثى، يقال: جاد الفرس يجود جودة فهو جواد، إذا كان سريع الجرى ، فاره المظهر .. أى: اذكر - أيها العاقل - ما كان من سليمان - عليه السلام - وقت أن عرض عليه بالعشى الخيول الجميلة الشكل . السريعة العدو ... قال صاحب السكشاف. ((فإن قلت مامعنى وصفها بالصفون: قلت: الصفون لا يكاد يوجد فى الهجن، وإنما هو فى- الخيل -العراب الخاص وقيل: وصفها بالصفون والجودة، ليجمع لها بين الوصفين المحمودين: واقفة وجارية ، يعنى إذا وقفت كانت ساكنة مطمئنة فى مواقفها، وإذا جرت كانت سراعا خفافا فى جربها ... ،(١). ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان - عليه السلام - خلال استعراضه للخيول الصافئات الجياد على سبيل الشكر لربه، فقال - تعالى :- «فقال إنى أحببت حب الخير عن ذكر دبى حتى توارت بالحجاب )) والخير: يطلق كثيرا على المال الوفير، كما فى قوله - تعالى -: «وإنه لحب الخير لشديد». والمراد به هنا: الخيل الصافنة الجيدة، والعرب تسمى الخيل خيرا، لتماق (١) تفسير الكشاف ج٤ ص ٠٩١ ٢٠٦ سورة ص الخير بها، روى البخارى عن أنس - رضى الله عنه - أن رسول الله صلى لـ عليه وسلم - قال:« الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة)). و ((عن)، هنا تعليلية. والمراد ((بذكر ربى، طاعته وعبادته والضمير فى قوله (( حتى توارت، يعود إلى الخيل الصافات الجياد والمراد بالحجاب: ظلام الليل الذى يحجب الرؤية . والمعنى: فقال سليمان وهو يستعرض الخيل أو بعد استعراضه لها: إنى أحببت استعراضه الصافنات الجياد. وأحببت تدريبها وإعدادها للجهاد، من أجرى ذكرربى وطاعته وإعلاء كلمته، ونصرة دينه، وقد بقيت حريصاعلى استعراضها وإعدادها للقتال فى سبيل الله، حتى توارت واختفت عن نظرى بسبب حلول الظلام الذى يحجب الرؤية ((ردوها على، أى: قال سليم)، اجنده ردوا الصافات الجياد على مرة أخرى؛ لأزداد معرفته بها ، وفهما لأحوالها ... والفاء فى قوله - تعالى -: ((فطفق مسحا بالسوق والأعناق، فصيحة تدل على كلام محذوف يفهم من السياق. و«طفق ، فعل من أفعال الشروع يرفع الاسم وينصب الخبر، وأسمه ضمير يعود على سليمان. و«مسحاء مفعول مطلق لفعل محذوف. والسوق والأعناق: جمع ساق وعنق . أى: قال سليمان لجنده: ردوا الصافنات الجياد على، فردوا عليه. فأخذ فى مسح سيقانها وأعناقها إعجابا بها، وسرورا بما هى عليه من قوة، هو فى حاجة إليها للجهاد فى سبيل الله - تعالى -. هذا هو التفسير الذى تطمئن إليه نفوسنا لهذه الآيات ، لخلوه عن كل . ما يتنافى مع سمو منزلة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام .. ولكن كثيرا من المفسرين نهجوانهجا آخر، معتمدين على قصة ملخصها؟ .. أن سليمان - عليه السلام - جلس يوما يستعرض خيلا له، حتى غابت الشمس ٢٠٧ الجزء الثالث والعشرون دون أن يصلى العصر، خزن لذلك وأمر بإحضار الخيل التى شغله استعراضها عن الصلاة، فأخذفى ضرب سوقها و أعناقها بالسيف ، قربة لله - تعالى -. فهم برون أن الضمير فى قوله - تعالى - «حتى توارت بالحجاب، يعود إلى الشمس. أى: حتى استقرت الشمس بما يحجبها عن الأبصار. وأن المراد بقوله - تعالى - ((فطفق مسحا بالسوق والأعناق، الشروع فى ضرب سوقها وأعناقها بالسيف لأنها شغلته عن صلاة العصر. قال الجمل: « فطفق مسحا نالسوق والأعناق، أى: جعل بضرب سوقها وأعناقها بالسيف. هذا قول ابن عباس وأكثر المفسرين، (١). ولم يرتض الإمام الرازى - رحمه إقه - هذا التفسير الذى عليه أكثر المفسرين، وإنما ارتضى أن الضمير فى «توارث، يعود إلى الصاففات الجياد وأن المقصود بقوله - تعالى -: «فطفق مسحا بالسوق والأعناق، الإعجاب بها والمسح عليها بيده حبالها ... فقد قال ما ملخصه: «إن رباط الخيل كان مندوبا إليه فى دينهم ، كما أنه كذلك فى دين الإسلام، ثم إن سليمان - عليه السلام - احتاج إلى الغزو. جلس وأمر بإحضار الخيل وأمر بإجرائها. وذكر أنى لا أحبها لأجل الدنيا وإنما أحبها لأمر الله، وطلب تقوية دينه. وهو المراد من قوله: ((عن ذ کر رپی ». ثم إنه - عليه السلام - أمر بإعدامها وتدمير حتى توارت بالحجاب أى: غابت عن بصره . ثم أمر الرائضين بأن يردوا تلك الخيل إليه، فلما عادت طفق يمسح دوقها وأعناقها . (١) راجع حاشية الجل على الجلالين = ٣ ص ٥٧٣ وغيرها من كتب اخر . ٢٠٨ سورة ص والغرض من ذلك:القشريف لها لكونها من أعظم الأعوان فى دفع العدو ... وإظهار أنه خبير بأحوال الخليل وأمراضها وعيوبها فكان يمتحنها ويمسح سوقها وأعناقها، حتى يعلم هل فيها ما يدل على المرض ... ،(١). وقال بعض العلماء نقلا عن ابن حزم: ((تأويل الآية على أنه قتل الخيل إذ اشتغل بها عن الصلاة، خرافة موضوعة ... قد جمعت أفانين من القول، لأن فيها معاقبة خيل لا ذنب لها والتمثيل بها. وإتلاف مال منتفع به لا معنى. ونسبة تضييع الصلاة إلى فى مرسل ، ثم يعاقب الخيل على ذنبه لا على ذنبها ... وإنما معنى الآية أنه أخبر أنه أحب حب الخير، من أجل ذكر ربه حتى توارت الشمس أو تلك الصافنات بحجابها. ثم أمر بردها. فطفق مسحا بسوقها وأعنافها يده، برابها، وإكرامالها، هذا هو ظاهر الآية الذى لا يحتمل غيره وليس فيها إشارة أملا إلى ماذكروه من قتل الخيل، وتعطيل الصلاة ... ، (٢). ۔ والحق أن ما ذهب إليه كثير من المفسرين من أن سليمان - عليه السلام. شغل باستعراض الخيل عن صلاة العصر. وأنه أمر بضرب سوقها وأعناقها ... لا دليل عليه لا من النقل الصحيح ولا من العقل السليم ... وأن التفتير المقبول للآية هو ما ذكره الإمام الرازى والإمام ابن حزم، وما سبق أن ذكر ناه من أن المقصود بقوله - تعالى -: (قطفق مسحا بالسوق والأعناق ، إنما هو تكريمها ... وأن الضمير فى قوله: ((حتى قوارت)، يعود إلى الصافنات لأنه أقرب مذكور . ٠٠ (١) راجع تفسير الفخر الرازى =٧ ص١٩٢ فقد أفاض وأجاد فى تفسير الآيات. (٢) راجع تفسير القاسمى =١٤ س ٠٥١٠١ ٢٠٩ الجزء الثالث والعشرون ثم تحدثت الآيات الكريمة بعد ذلك عن فتنة سليمان - عليه السلام - فقال - تعالى -: (ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جدائم أناب ... )). وقوله: ((فتنا)) من الفتن بمعنى الابتلاء والاختبار والامتحان . تقول: فتنت الذهب بالنار ، أى : اختبرته لتعلم جودته ... قال الألوسى: ((وأظهر ما قيل فى فتنة سليمان - عليه السلام - أنه قال: لأطوفى الليلة على سبعين امرأة، تأتى كل واحدة بفارس يجاهد فى سبيل الله - تعالى - ولم يقل إن شاء الله، فطاف عليهن فلم تحمل إلا امرأة وجاءت بشق رجل . وقد روى ذلك الشيخان وغير هما عن أبى هريرة مرفوعا، وفيه:«فوالذى نفس محمد بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا فرسانا ،. ولكن الذى فى صحيح البخارى أربعين بدل سبعين . وأن الملك قال له : قل إن شاء الله، فلم يقل - أى فلم يقل ذلك على سبتل النسيان ... والمراد بالجسد ذلك الشق الذى ولدله . ومعنى إلقائه على كرسيه: وضع القابلة له عليه ليراه))(١) . ١ وقد ذكروا أن سليمان: إنما قال: « تحمل كل امرأة فارسا يجاهد فى سبيل الله، على سبيل التمنى للخير، وطلب الذرية الصالحة المجاهدة فى سبيل الله. ومعنى ((فلم يقل)) أى: بلسانه على سبيل النسيان، والنسيان معفو عنه، إلا أن سليمان - عليه السلام - لسمومنزلته اعتبر ذلك ذنبا يستحق الاستغفار منه ، فقال بعد ذلك « رب اغفرلى .. )). وقوله: ((لأطوفن الليلة .. )) كناية عن الجماع. قالوا: ولعل المقصود. طوافه عليهن ابتداء من تلك الليلة، ولا مانع من أن يستغرق طوافه بهن عدة لمال. وقد استنبط العلماء من هذا الحديث أن فتنة سليمان، هى تركه تعليق ما طلبه على مشيئة الله ، وأن عقابه على ذلك كان عدم تحقيق ما طلبه . (١) تفسير الآلوسي ٢٣٥ ص ١٩٨، ( ١٤ - س ) ٢١٠ سورة ص وهذا الرأى فى تقديرنا هو الرأى الصواب فى تفسير الآية الكريمة، لأنه مستند إلى حديث صحيح ثابت فى الصحيحين وفى غيرهما، ولأنه يتناسب مع عصمة الأنبياء وسمو منزلتهم، فإن النسيان - الذى لا يترقب عليه ترك شى. من التكاليف التى كلفهم الله - تعالى - بها جائز عليهم وقد ذكر ناعند تفسير نا لقوله - تعالى -: ((ولا تقوان لشىء إنى فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله ... ، أن الوحى مكث فترة لم ينزل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم - ، لأنه نسى أن يقول - عندما سأله المشركون عن بعض الأشياء إن شاء الله، وقال ساجيبكم على ما سألتمونى عنه غدا .. (١). ومن العلماء من آثر عدم تعيين الفتنة التى اختبر الله - تعالى - بها سيدنا سليمان - عليه السلام-، بتركه المشيئة ، فقال بعد أن ذكر الحديث السابق: ( وجائز أن تكون هذه الفتنة التى تشير إليها الآيات هنا وأن يكون الجسد هو هذا الوليد الشق، ولكن هذا مجرد احتمال .. ثم قال : وكل ما نخرج به هو أنه كان هناك ابتلاء من الله وفتنة لنبى الله سليمان - عليه السلام - فى شأن يتعلق بتصرفاته فى الملك والسلطان، كما يبتلى الله أنبياءه ليوجههم ويرشدهم، ويبعد خطاهم عن الزال. وأن سليمان أناب إلى وبه ورجع، وطلب المغفرة، واتجه إلى الله بالرجاء والدعاء .. )، (٢). ونرى أنه رأى لا بأس به، وإن كنا تؤثر عليه الرأى السابق لاستناده فى استنباط المراد من الفتنة هنا إلى الحديث الصحيح . هذا، وهناك أقوال أخرى ذكروها فى المقصود بفتنة سليمان وبالجد. الذى ألقاه الله على كرسى سليمان، وهى أقوال ساقطة، تتنافى مع عصمة. الأنبياء عليهم السلام .. (١) راجع تفسيرنا لصورة الكهف ص ٥٣ (٢) راجع تفسير فى ظلال القرآن = ٢٣ ص ١٠٠ ٢١١ الجزء الثالث والعشرون ومن هذه الأقوال قول بعضهم: إن الجسد الذى ألقى على كرسى سليمان. عبارة عن شيطان تمثل له فى صورة إنسان، ثم أخذ من سليمان خاتمه الذى كان يصرف به ملكه. وقعد ذلك الشيطان على كرسى سليمان. ولم يعد لسليمان ملكه إلا بعد أن عثر على عاتمه . وقول بعضهم : إلى سبب فتنة سليمان - عليه السلام - هو سجود إحدى زوجاته لتمثال أبيها الذى قدله سليمان فى إحدى الحروب . وقد بقيت على هذه الحال هى وجواريها أربعين ليلة ، دون أن تعلم سليمان بذلك. . وقول بعضهم : إن سبب فتنة سليمان أنه وله ولد عخاف عليه من الشياطين ، فأمر السحاب بحفظه وتغذيته. ولكن هذا الولد وقع ميتا على كرمى سليمان، فاستغفر سليمان وه لأنه لم يعتمد عليه فى حفظه ابنه. إلى غير ذلك من الأقوال الساقطة الباطلة، التى تتنافى مع عصمة الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - وقتنافى - أيضا - مع كل عقل سليم ، ولا مستند لها إلا النقل عن الإسرائيليات وعن القصاص الذين يأتون بقصص ما أنزل الله بها من سلطار (١). قال أبو حيان - رحمه الله -: ((نقل المفسرون فى هذه الفتنة وفى إلقاء الجسد أقوالا يحب براءة الأنبياء منها، يوقف عليها فى كتهم، وهى ممالا يحل نقلها، وهى إما من أوضاع اليهود، أو الزنادقة، ولم يبين الله - تعالى - الفتنة ماهى ولا الجسد الذى ألقاه على كرسى سليمان. وأقرب ما قيل فيه ، أن المراد بالفتنة كونه لم يستثن فى الحديث الذى قال فيه: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة ... والجسد الملقى هو المولود شق رجل ... ،(٢). (١) راجع تفسير ابن جرير ٣٣٠ ص ٠١٠١ والألوسى «٣٣ ص ٢٠٠ وغيرها (٢) راجع تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج٨ ص ٠٣٩٧ ٢١٢ سورة ض وقوله - سبحانه -: ((قال رب اغفرلى وهب لى ملكا لا ينبغى لأحد من بعدى ... )) بيان لما قاله سليمان - عليه السلام - بعد الابتلاء والاختبار من الله - تعالی - له . أى : قال سليمان - عليه السلام -: يارب اغفرلى ما فرط منى من ذنوب وزلات ... (((وهب لى ملكا، عظما (( لا ينبغى لأحد من بعدى، أى: لا يحصل مثله لأحد من الناس من بعدى (( إنك أنت)) يا إلهى («الوهاب، أى: الكثير العطاء لمن تريد عطاءه. وقدم سليمان - عليه السلام - طلب المغفرة على طلب الملك، للإشارة إلى أنها هى الأهم عنده. قال الإمام الرازى - رحمه الله -: ((دلت هذه الآية على أنه يجب تقديم مهم الدين على مهم الدنيا، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ، ثم بعدها طلب المملكة، وأيضا الآية تدل على أن طلب المغفرة من الله - تعالى - سبب لانفتاح أبواب الخيرات فى الدنيا ، لأن سليمان طلب المغفرة أولا ، ثم توسل به إلى طلب المملكة ... ، (١). ولا يقال كيف طلب سليمان - عليه السلام-الدنيا والملك مع حقارتهما إلى جانب الآخرة وما فيها من نعيم دائم . لأن سليمان - عليه السلام - ما طلب ذلك إلا من أجل خدمة دينه وإعلاء كلمة الله فى الأرض، والتمكن من أداء الحقوق لأصحابها، ونشر العدالة بين. الناس ، وإنصاف المظلوم، وإعانة المحتاج. وتنفيذ شرع الله - تعالى - على الوجه الأكمل . فهو - عليه السلام - لم يطلب الملك للظلم أو البغى .. وإنما طلبه للتقوى به على تنفيذ شريعة الله - تعالى - فى الأرض. (١) تفسير الفخر الرازى جـ ٧ ص ٠١٩٦ ٢١٣ الجزء الثالث والعشرون ولقد وضح الإمام القرطبى هذا المعنى فقال: كيف أقدم سليمان على طلب الدنيا، مع ذمها من الله - تعالى - ... ؟ فالجواب: أن ذلك محمول عند العلماء على أداء حقوق الله - تعالى - وسياسة ملكا، وترتيب منازل خلقه، وإقامة حدوده، والمحافظة على رسومه وتعظيم شعائره، وظهور عبادته، ولزوم طاعته .. ... وحوشى سليمان - عليه السلام - أن يكون -ؤاله طلبا لنفس الدنيا، لأنه هو والأنبياء، أزهد خلق الله فيها، وإنما سأل ملكتها لله ، كما سأل نوح دمارها وهلا كهاقه، فكانا محمودين بجابين إلى ذلك . ومعنى قوله (( لا ينبغى لأحد من بعدى)، أى أن يسأله. فكأنه سأل منع السؤال بعده، حتى لا يتعلق به أمل أحد، ولم يسأل منع الإجابة ... )، (١). والفاء فى قوله - تعالى -: ((فسخرنا له الريح تجرى بأمره رخاء حيث أصاب، للتفريع على ما تقدم من طلب سليمان من ربه أن يهبه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده .. والتسخير: التذليل والإنقياد. أى: دعانا - سليمان - عليه السلام - والتمس منا أن نعطيه ملكا لا ينبغى لأحد من بعده؛ فاستجبنا له دعاءه، وذللنا له الربح، وجعلناها منقادة لأمره بحيث تجرى بإذنه رخية لينة ، إلى حيث يريدها أن تجرى . وقوله: ((تجرى)) حال من الريح. وقوله ((بأمره)، من إضافة المصدر لفاعله . أى : بأمره إياها . ولا تنافى بين هذه الآية وبين قوله - تعالى- فى آية أخرى: ((ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي بار كنا فيها ... ، لأن المقصود من الآيتين بيان أن الربح تجرى بأمر سليمان، فهى قارة تكون لينة وتارة تكون عاصفة وفى كلتا الحالتين هى تسير بأمره ورغبته، (١) تفسير القرطبى : ١٥ ص٣٠٤. ٢١٤ سورة ص وقوله: (( والشياطين كل بناء وغواص)، معطوف على الربح أى : سخرنا له الريح تجرى بأمره .. وسخر نا له الشياطين. بأن جعلناهم منقادين لطاعته فمنهم من يقوم ببناء المبانى العظيمة التى يطلها سليمان منهم، ومنهم الغواضون الذين يغوصون فى البحار ليستخرجوا له منها اللؤلؤ والمرجان ، وغير ذلك من الكنوز التى إشتملت عليها البحار . وقوله - سبحانه -: «وآخرين مقرنين فى الأصفاد، معطوف على كل بناء داخل معه فى حكم البدل من الشياطين . أى أن الشياطين المسخرين لسليمان كان منهم البناءوز، وكان منهم الغواصون، وكان منهم المقيدون بالسلاسل والأغلال، لتمردهم وكثرة شرورهم. فمعنى «مقرنين»: مقروما بعضهم ببعض بالأغلال والقيود. والأصفاد: جمع صفد وهو ما يوثق به الأسير من قيد وغل . ثم بين - سبحانه - أنه أباح لسليمان - عليه السلام - أن يتصرف فى هذا- الملك الواسع كما يشاء فقال: « هذا عطاؤنا، أى: منحنا هذا الملك العظيم لعبدنا سليمان - عليه السلام - وقلنا له: هذا طاؤنا لك« فامتن أو أمسك بغير حساب، أى: فأعط من شئت منه. وأمسك عمن شئت. فأنت غير حاسب منا لاعلى العطاء ولا على المنع . ثم بين - سبحانه - ما أعده اسليمان - عليه السلام - فى الآخرة، فقال : ((وإن له عندنا، أى فى الآخرة ((لزافى)) لقرب وكرامة (( وحسن مآب، أى: وحسن مرجع إلينا يوم القيامة . ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أبوب - عليه السلام- فذكرت نداءه لربه، وإستجابة الله - تعالى - له وماوهبه من نعم جزاء صبره، فقال - تعالى -: ٢١٥ الجزء الثالث والعشرون ((واذكُرْ عَبْدَنَا أَيوبَ إِذْ نادَى ربَّهُ، أَنِى مَسَِّى الشيطانُ بنُصْبٍ وعذَابٍ (٤١) اركُضْ برجلكِ هذَا مغتسلٌ باردٌ وشرابٌ (٤٢) وَوَهَبِنَاَ لُهُ أهلَه ومثلَهُم مَعَهُم رحمةٌ مِنَّا وَذِكْرى لأولى الألْبَبِ (٤٣) وخُذْ بِيدِكَ ضْتاً فاضْرِبِ به ولاتَحْنَتْ، إنَّ وَجَدْنَهُ صابراً نعم العبدُ إنه أوَّابٌ (٤٤) » . قال الإمام الرازى :« اعلم أن قصة أيوب هى القصة الثالثة من القصص المذكورة فى هذه السورة ، وأعلم أن داود وسليمان كانا من أفاض الله عليه أصناف الآلاء والنعماء، وأيوب كان من خصه الله بأنواع البلاء والمقصود من جميع هذه القصص الاعتبار . فكأن الله - تعالى - يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم -: أصبر على سفاهة قومك، فإنه ما كان فى الدنيا أكثر نعمة ومالا من داود وسلمان، وما كان أكثر بلاء ومحنة من أيوب، فتأمل فى أحوال هؤلاء لتعرف أن أحوال الدنيا لا تنتظم لأحد، وأن العاقل لابد له من الصبر على المكاره ... » (١). وأيوب - عليه السلام - هو ابن أموص برزاح، وينتهى نسبه إلى إسحاق ابن إبراهيم - عليهما السلام - وكانت بعثته - على الراجح- بين موسى ويوسف - عليهما السلام - . ٠ وكان صاحب أموال كثيرة، وله أولاد .. فابتلى فى ماله وولده وجسده وصبر على كل ذلك صبرا جميلا، فكافأه الله - تعالى - على صبره، بأن أجاب دعاه، وآ تاه أهله ومثلهم معهم ... و قوله- سبحانه -: ((واذكر عبدنا أيوب ... )) معطوف على قوله - تعالى- قبل ذلك: ((واذكر عبدنا داود ... )). (١) تفسير الفخر الرازى = ٧ ص ١٩٨. ٢١٦ سورة ص و(( النضب) - بضم فسكون- وقرأ حفص ونافع- بضم النون والصاد- التعب والمشقة مأخوذ من قولهم أنصبنى الأمر ، إذا شق عليه وأتعبه. والعذاب : الآلام الشديدة التى يحس بها الإنسان فى بدنه . أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - حال أخيك أيوب - عليه السلام- حين دعا ربه - تعالى - فقال: يارب أنت تعلم أنى قد معنى الشيطان بالهموم الشديدة ، وبالآلام المبرحة التى حلت بجسدى ، جعلتنى فى نهاية التعب والمرض . وجمع - سبحانه - فى بيان ما أصابه بين لفظى النصب والعذاب، للإشارة إلى أنه قد أصيب بنوعين من المكروه : الغم الشديد بسبب زوال الخيرات التى كانت بين يديه، وهو ما يشير إليه لفظ النصب والألم الكثير الذى حل بجسده بسبب الأمراض والأسقام، والعلل، وهو ما يشير إليه لفظ العذاب . ونسب مامسه من نصب وعذاب إلى الشيطان، تأدبامنة مع ربه - عزوجل - حيث أبى أن ينسب الشر إليه - سبحانه -، وإن كان المكل من خلق الله - تعالى -. وفى هذا النداء من أيوب لربه، أسمى ألوان الأدب والإجلال، إذ أكتفى فى تضرعه بشرح حاله دون أن يزيد على ذلك، ودون أن يقترح على خالقه - عز وجل - شيئا معينا ، أو يطلب شيئا معينا . قال صاحب الكشاف:« ألطف أيوب - عليه السلام - فى السؤال، حيث ذكر نفسه بما يوجب الرحمة ... ولم يصرح بالمطلوب، ويحكى أن عجوزا تعرضت لسليمان بن عبد الملك فقالت له: يا أمير المؤمنين، مشت جرذات - أى فئران - ينتى علی العصى ! ! ٢١٧ الجزء الثالث والعشرون فقال لها : أنطفت فى السؤال، لاجرم لأجعلنها تثب وثب الفهود، وملا بيتها حبا .... (١). وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى سورة الأنبياء: «وأيوب إذ نادى ربه أُفى مسنى الضر وأنت أرحم الراحمين». وقد ذكر بعض المفسرين هنا قصما وأفوالا فى غاية السقوط والفساد ، حيث ذكروا أن أبوب - عليه السلام - مرض زمنا طويلا، وأن الديدان تناثرت من جده، وأن حمد قد تمزق(٢) ... وهذه كلها أقوال باطلة، لأن الله - تعالى - عصم أنبياءه من الأمراض المنفرة ، التى تؤدى إلى ابتعاد الناس عنهم ، سواء أكانت أمراضنا جسدية أم عصبية أم نفسية ... والذى يحب اعتقاده أن الله - تعالى - قد ابتلى عبده أيوب ببعض الأمراض التى لا تتنافى مع منصب النبوة، وقد صبر أيوب على ذلك حتى ضرب به المثل فى الصبر، فكانت عاقبة صبره أن رفع الله - تعالى - عنه الضر والبلاء، وأعطاه من فضله الكثير من نعمه . وقوله - سبحانه -: ((اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب)) حكاية لما قيل له بعد ندائه لربه ، أو مقول القول محذوف معطوف على قوله « نادى)). وقوله: (داركض، بمعنى الدفع والتحريك للشىء. يقال: ركض فلان الدابة برجله إذا دفعها وحر كها بها . والمغتسل: اسم للمكان الذى يغتسل فيه، والمراد به هنا: الماء الذى يغتسل به. (١) تفسير الكشاف = ٢ ص ١٣٠ : (٢) راجع على سبيل المثال تفسير الآلوس =٢٣ ص ٣٠٦، والقرطبى ٠ ١٥ ص ٢٠٨ ٢١٨ سورة ص وقوله: ((هذا مغتسل ، مقرل لقول محذوف . والمعنى: لقد فادانا عبدنا أبوب بعد أن أصابه من الضر ما أصابه، والتمس. منا الرحمة والشفاء مما نزل به من مرض، فاستجبنا له دعاءه، وأرشدناء إلى الدواء ، بأن قلنا له : إركض برجلك أى : أضرب بها الأرض فضربها فنبعت من تحت رجله عين من الماء، فقلنا له: هذا الماء النابع من العين إذا إغتسلت به وشربت منه، برئت من الأمراض، ففعل ما أمر ناه به، فبرى. بإذننا من كل داء . ثم بين - سبحانه - أنه بفضله وكرمه لم يكتف بمنح أيوب الشفاء من مرضه، بل أضاف إلى ذلك أن وهب له الأهل والولد فقال - تعالى -: ((ووهبنا له أهله ومثلهم معهم، رحمة منا وذكرى لأولى الألباب .. )) والآية الكريمة معطوفة على كلام مقدر يفهم من السياق. أى: إستجاب أيوب لتوجيههنا، فاغتسل وشرب من الماء، فكشفنا عنه مانزل به من بلاء، وعاد أيوب معافى، ولم تكتف بذلك بل وهبنا له أهله . جمعناتم معه بعد أن كانوا متفرقين، أو شفيناهم بعد أن كانوا مرضى ... ووهبنا له دمثلهم معهم، أى: بأن رزقناه بعد الشفاء أولادا كعدد الأولاد الذين كانوا معه قبل شفائه من مرضه، فصار عددهم مضاعفا. وذلك كله «وحمة منا، أى من أجل رحمتنا به ,وذكرى لأولى الألباب؟ أى: ومن أجل أن يتذكر ذلك أصحاب العقول السليمة، فيصبروا على الشدائد كما صبر أيوب، ويلجأوا إلى الله - تعالى - كما لجأ، فينالوا منا الرحمة والعطاء الجزيل. قال الآلوسى ماملخصه:( قوله: ((ووهبنا له أهله، الجمهور على أنه - تعالى - أحيا له من مات من أهله، وعافى المرضى، وجمع له من تشقت منهم . وفيل - وإليه أميل - وهبه من كان حيا منهم، وعافاه من الأسقام، وأرغد لهم ٢١٩ الجزء الثالث والعشرون العيش ، فتناسلوا حتى بلغ عددهم عدد من مضى، ومثلهم معهم ، فكان له ضعف ما كان. والظاهر أن هذه الهبة كانت فى الدنيا ... (١). ثم بين - سبحانه - منة أخرى من المفن التى من بها على عبده أيوب فقال: « وخد بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث، إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب» . والجملة الكريمة معطوفة على قوله قبل ذلك: ((إركض، أو على ((وهبنا)) بتقدير : وقلنا له . والضغث فى اللغة: القبضة من الحشيش إختلط فيها الرطب باليابس. وقيل : هى قبضة من عيدان مختلفة بجمعها أصل واحد . والحنث: يطلق على الإثم وعلى الحلف فى اليمين . والآية الكريمة تفيد أن أيوب - عليه السلام - قد حلف أن يضرب شيئا وأن عدم الضرب يؤدى إلى حقثه فى يمينه، أى: إلى عدم وفائه فيما حلفه عليه فنهاه الله - تعالى - عن الحنث فى يمينه، وأوجد له المخرج الذى يترتب عليه الهر فى يمينه دون أن يتأذى المضروب بأى أذى يؤلمه . وقد ذكروا فيمن وقع عليه الضرب، وسبب هذا الضرب، روايات أمل أقر بها إلى الصواب، أن أيوب أرسل امرأته فى حاجة له، فأبطأت عليه، فأقسم أنه إذا برىء من مرضه ليضر بنها مائة ضربة ، وبعد شفائهرخص له ربه أن يأخذ حزمة صغيرة - وهى المعبر عنها بالضغث- وبها مائة عود، ثم يضرب بها مرة واحدة، وبذلك يكون قد جمع بين الوفاء بيمينه، وبين الرحمة بزوجته التى كانت تحسن خدمته خلال مرضه، وتقوم واجبها نحوه خير قيام ... ) (١) تفسير الآلوسي : ٢٣ ص ٢٠٧ ٢٢٠ سورة ص والمعنى: وهبنا له بفضلنا ورحمتنا أهله ومثلهم معهم، وقلنا له بعد شفائه خذ بيدك حزمة صغيرة من الحشيش فيها مائة عود ، فاضرب بها من حلفت أن تضربه مائة ضربة ، بذلك تكون غير حاث فى بيمينك . هذا، وقد تكلم العلماء عن هذه الرخصة، أمى خاصة بأيوب ، أم هى عامة للناس؟ فق ل بعضهم : إذا حلف الشخص أن يضرب فلانا مائة جلدة ، أو أن يضربه ضربا غير شديد، فيكفيه مثل هذا الضرب المذكور الذى جاء فى الآية لأن شرع من قبلنا شرع لنا . وقال آخرون: هذه الرخصة خاصة بأيوب - عليه السلام - ولا تنسحب إلى غيره، لأن الخطاب إليه وحده، لأن اله - تعالى - لم يبين لنا فى الآية كيفية اليمين، ولا من يقع عليه الضرب،(١). ثم بين - سبحانه - أنه جعل لمبده أيوب هذا المخرج لصبره وكثرة وجوعه إلى مايرضيه - تعالى - فقال: ((إذا وجد ناه صابرا نعم العبدأنه أواب)». أى: إنا وجدنا عبدنا أيوب صابرا على ما أصبناه به من بلاء، ونعم العبد هو، أنه كثير الرجوع إلينا فى كل أحواله . وبذلك نزى الآيات الكريمة قد ساقت لنا جانبا من فضائل أيوب - عليه السلام - ومن النعم التى أنعم الله - تعالى - بها عليه جزاء صبره وطاعته لربه. ٠ وبعد أن عرض - سبحانه - قصص سليمان وأيوب بشىء من التفصيل. أتبع ذلك بالحديث عن عدد من الأنبياء على سبيل الإجمالى ، فقال - تعالى- (١) راجع تفسير القرطب = ١٥ ص ١١٢، وتفسير الآلوسي : ٢٣ ص ٢٠٨