Indexed OCR Text
Pages 141-160
١٤١ الجزء الثالث والعشرون وجملة (, وهو مليم، حالية فى محل نصب، أى: فالتقمه الحوت وهو مکتسب من الأفعال مایلام علیه ، حیث غادر قومه بدون إذن من ربه ، يقال: رجل مليم، إذا أتى من الأقوال أو الأفعال مايلام عليه ، وهو اسم فاعل من ألام الرجل ، إذا أنى ما يلام عليه ... (( فلولا أنه كان من المسبحين. للبث فى بطنه إلى يوم يبعثون)) أى: فلولا أن يونس - عليه السلام - كان من المسبحين لله - تعالى - المداومين على ذكره. لولا هذا التسبيح للبث يونس فى بطن الحوت إلى يوم القيامة . فهاتان الآيتان تدلان دلالة واضحة على أن الإكثار من ذكر الله - تعالى - وأسبيحه .. سبب فى تفريج الكروب، وإزالة الهموم، بإذن الله ورحمته. وفى الحديث الشريف: ((تعرف إلى الله فى الرخاء يعرفك فى الشدة». ورحم الله الإمام القرشى فقد قال: ((أخبر الله - عز وجل - أن يونس كان من المسبحين، وأن تسبيحه كان سبب نجاته. ولذا قيل: إن العمل الصالح يرفعه صاحبه إذا عثر ... وفى الحديث الشريف: « من استطاع منكم أن تكون له خبيئة من عمل صالح فليفعل)) فليجتهد العبد، ويحرص على خصلة من صالح عمله ، يخلص فيها بينه وبين ربه، ويدخرها ليوم فاقته وفقره، ويسترها عن خلق الله ، لكى يصل إليه نفعها وهو أحوج ما يكون إليه ... »(١). ((فنبذفاه بالعراء وهو سقيم، والنبذ: الطرح. والعراء: الخلاء .. أى: أن يونس - عليه السلام - بعد أن التقمة الحوت أخذ فى الإكثار من تسبيحنا ومن دعائنا، فاستجبنا له دعاءه، وأمرنا الحوت بطرحه فى الفضاء الواسع من الأرض . (١) تفسير القرطى ج ١٥ ص ٠١٢٧ ١٤٢ سورة الصافات وجملة («وهو مقيم، عالية. أى: ألقيناه بالأرض الفضاء حالة كونه عليلا سقيما، لشدة ما لحقه من تعب وهو فى بطن الحوت. (( وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، أى: ومن مظاهر رحمتنا به، أنتا جعلنا فوقه شجرة من يقطين لكى تظل عليه ، وتمنع عنه الحر . واليقطين: يطلق على كل شجر لا يقوم على سباق ، كالبطيخ والقشاء والقرع وهو مأخوذ من قطن بالمكان إذا أقام به . وقد قالوا إن المراد بهذه الشجرة، هى شجرة القرع، وقيل غير ذلك . (( وأرسلنا إلى مائة ألف أو يزيدون. فآمنوا فتعنام إلى حين، أى: وبعد أن تداركبته رحمتنا، وأخر جناه من بطن الحوت، ورغيناه برعايتنا ، أرسلناه إلى مائة ألف من الناس أو يزيدون على ذلك فى نظر الناظر إليهم ، فآمنوا جميعا , فمتعنام، بالحياة (( إلى حين، انتهاء آجالهم. قال الإمام ابن كثير: ((ولا مانع من أن يكون الذين أرسل إليهم أولا، أمر بالعودة إليهم بعد خروجه من بطن الحوت، فصدقوه كلهم، وآمنوا به. وحكى البغوى أنه أرسل إلى أمة أخرى بعد خروجه من الحوت ، كانوا مائة ألف أو يزيدون ))(١). هذا ومن العبر التى نأخذها من هذه القصة، أن رحمة الله - تعالى - قريب من المحسنين، وأن العبد إذا تاب توبة صادقة قصوحا، وفى الوقت الذى تقبل فيه التوبة، قبل الله - تعالى - توبته، وفرج عنه كربه، وأن التسبيح يكون سببا فى رفع البلاء .. ،. وبعد هذه الجولة مع قصص بعض الأنبياء، أى الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يسأل هؤلاء المشركين، سؤال توبيخ وتأنيب، (١) تفسير ابن كثير = ٧ - ٠٣٥ ١٤٣ الجزء الثالث والعشرون ما قالوه فى شأن الملائكة من باطل وزور ، وأن يرد على أكاذيبهم ردا يخرس ألسنتهم فقال - تعالى -: ((فاستَفَتِهِم أَربُّكَ البناتُ ولهم البَنُون (١٤٨) أم خلقنا الملائكة إنا ثًا ولم شاهِدونَ (١٤٩) ألا إنّهم من إفكهِمْ ليقولُونَ (١٥٠) ولهَ اللهُ وإنهم لكاذِبونَ (١٥١) اسطفَى البناتٍ عَلَى البنينَ (١٥٢) مالكُم كيف تحكمونَ (١٥٣) أفلا تذكّرونَ (١٥٤) أَمْ لُكُم سلطانٌ مبينٌ (١٥٥) فأتوا بكتابِكُم إنْ كنتُ صَدِفِين (١٥٦) وجَملوا بينَه وبينَ الجَنَّةِ ذَسَباً، ولقد علِمَتْ الجنّةُ إِنَّهُم لحضَرونَ (١٥٧) سبحانَ اللهِ مما يَصِفُون (١٥٨) إلاَّ عبادُ اللهِ المُخلَصِينَ (١٥٩) فإنكُم وما تعبدُون (١٦٠) ما أنْتُمْ عليه بفَتِنِينَ (١٦١) إلا من صَلِ الجحيم (١٦٢) وما مِنَّا إلا لهُ مقامٌ معلوم- (١٦٣) وإنا لنحنُ الصافُونَ (١٦٤) وإنا لنحنُ السَّجونَ (١٦٥) وإنْ كانوا ليَقُولون (١٦٦) لو أنَّ عِندَنا ذِ كْراً من الأوّلِينَ (١٦٧) لكنَّا عبادَ الهِ المَخَلَصِين (١٦٨) فكفَرُوا به فسوفَ يعلَمُونَ (١٦٩))). وقوله - تعالى - ((فاستفتهم ... ، معطوف على قوله - تعالى - فى أوائل السورة: (( فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا .. )) عطف جملة على جملة. والخطاب للرسول - صلى الله عليه وسلم - والاستفتاء: الاستخبار والاستفهام وطلب الفتيا من المفتى . أى: اسال - أيها الرسول - هؤلاء المشركين سؤال تفريع وتأنيب: « ألربك البنات ولهم البنون، أى: اسألهم بأى وجه من وجوه القسمة جعلوا لربك البنات وجعلوا لأنفسهم البنين ؟ إن قسمتهم هذه هى قسمة جائرة ١٤٤ سورة الصافات وقادة عند كل عاقل، لأنه لا يليق فى أى عقل أن يحملوا لله - تعالى - الجنس الأدنى وهو جنس الإناث، بينما يجعلون لأنفسهم الجنس الأعلى. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ((ألمكم الذكر وله الأنثى. تلك إدا قسمة ضيزى ،. قال صاحب الکشاف: قو له , فاستفتهم .. ، معطوف على مثله فى أول السورة، وإن تباعدت بينهما المسافة، أمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث أولا : ثم ساق المكلام موصولا بعضه ببعض ، ثم أمره باستفتائهم عن وجه القسمة الضيزى التى قسموها ، حيث جعلوا لله الإناث ولأنفسهم الذكور، فى قولهم الملائكة بنات اله ، مع كرامتهم الشديدة لهن ... ولقد ارتكبوا فى ذلك ثلاثة أنواع من الكفر: أحدها: التجسيم، لأن الولادة مختصة بالأجسام . والثاني: تفضيل أنفسهم على ربهم، حيث جعلوا له أوضع الجنسين له ، وأرفعهما لهم ... والثالث: أنهم استهانوا بأكرم حلق الله، وأقربهم إليه ، حيث أنثوم . ولو قيل لأقلهم وأدناهم: فيك أنوثة ، أو شكلك شكل النساء، للبس لقائله جلد النمور، ولانقلبت حماليقه - أى: أجفان عينيه ... )،(١). وقوله - سبحانه -: ((أم خلقنا الملائكة إناثا وم شاهدون» تقريع آخر لهم على جهالاتهم وسفهم، حيث أضرب ـ سبحانه ــ عن الكلام الأول إلى ماهو أشد منه فى التبكيت والتأنيب. أى: إنهم زعموا أن لربك البنات ولهم البنون، فهل كانوا حاضرين وقت أن خلقنا الملائكة حتى يعرفوا أنهم إناث؟ كلا إنهم لم يكونوا حاضرين وإنما هم يهرفون بما لا يعرفون . (١) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٦٣. ١٤٥ الجزء الثالث والعشرون وشبيه بهذه الآية قوله- تعالى -: ((وجعلوا الملائكة الذينهم عبادالرحمن إناثا، أشهدوا خلقهم ((ستكتب شهادتهم ويسألون) (١). قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم قال: «وهم شاهدون خص علم العامدة ؟ قلت: ماهو إلا الاستهزاء بهم وتجهيل ... وذلك لأنهم كما لم يعلمو اذلك بطريق المشاهدة ، لم يعلموه بخلق علمه فى قلوبهم، ولا بإخبار صادق (ولا بطريق استدلال ونظر .... (٢) . ثم أخبر - سبحانه - عن كذبهم فقال: ((ألا إنهم من إفكهم ليقولون. ولد الله وإنهم لكاذبون) والإقك: أشنع الكذب وأقبحه ، يقال: أفك فلان كضرب وعلم - إنكا وإفكا، إذا كذب كذبا فاحها . أى: ألا إن هؤلاء الكافرين. من شدة كذبهم ، وشناعة جهلهم ليقولون زورا وبهتانا: ((ولد الله، أى: اتخذ الله ولدا((وإنهم لكاذبون، فى ذلك · كذبا«تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا)). وافتتحت الآية الكريمة بأداة الاستفتاح ((ألا، لتأكيد قولهم، وأنهم كانوا مصرين على هذا القول الذى لانهاية لبطلانه . ثم كرر - سبحانه - توبيخهم وتقريعهم فقال: «اصطفى البنات على البنين» والاصطفاء: الاختيار والانتقاء. والاستفهام الإنكار والنفى، أى : هل اختار الله البنات على البنين فى زعمهم ؟ كلا إن الله - تعالى - لم: يفعل شيئامن ذلك لأنه - سبحانه - غنى عن العالمين. (١) سورة الزخرف الآية ٠١٩ (٢) تفسير الكشاف ج ٤ ص ٠٦٣ (١٠ - سورة الصافات) ١٤٦ سورة الصافات (( ما لكم كيف تحكمون، أى: أى شىء حدث لكم, وكيف أصدرتم هذه الأحكام الظاهرة البطلان عند كل من كان عنده أثر من عقل ... وقوله: ((أفلا تذكرون)) معطوف على كلام محذوف والتقدير: أتجهلون هذه الأمور الواضحة ، فلا تعقلون ولا تتذكرون ولا تعتبرون ... وقوله - تعالى -: ((أم لكم سلطان مبين فأنوا بكتابكم إن كنتم صادقين)) إضراب وانتقال من تويبخهم على جهالانهم، إلى تحديهم وإنبات كذبهم .. أى: بل ألكم حجة واضحة على صحة هذا القول الذى قلتموه من أن الملائكة بنات الله ؟ إن كانت عندكم هذه الحجة فأتوا بها إن كنتم صادقين فيمازعمتم. فالمقصود بالآيتين الكريمتين تعجيزهم وإثبات المزيد من جهالاتهم وأكاذيبهم .. ثم حكى - سبحانه - زعما آخر من مزاعمهم فى شأن الملائكة فقال : (( وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا، ولقد علمت الجنة إنهم محضرون ... ))، والمراد بالجنة هنا : الملائكة. سمو بذلك لاجتنانهم واستتارهم عن الأ عين أى: أن المشركين لم يكتفوا بما قالوا فى الآيات السابقة، بل أضافوا إلى ذلك جريمة أخرى ، وهى أنهم جعلوا بين الله - تعالى - وبين الملائكة نبا ولقد علمت الجنة، - أى الملائكة -، « أنهم)) أى القائلون لهذه المقالة الباطلة ((لحضرون)، أى: إلى العذاب يوم القيامة . ليذوقوا سوء عاقبه كذبهم. قال القرطبى: أكثر أهل التفسير أن الجنة هاهنا الملائكة عن مجاهد قال: قالوا - يعنى كفار قريش - الملائكة بنات الله، فقال لهم أبو بكر: ١٤٧ الجزء الثالث والعشرون فمن أمهاتهن؟ قالوا: مخدرات الجن ... ومعنى ((نسبا)): مصاهرة. وقال قتادة : قالت اليهود إن الله صاهر الجن فكانت الملائكة من بينهن ... وقال الحسن: «أشركوا الشيطان فى عبادة لله، فهو الفسب الذى جعلوه .... (١). ثم نزه - سبحانه - ذاته عما افتروه فقال: (( سبحان الله عما يصفون)) أى: تنزه الله - تعالى - وتقدس عما بقوله هؤلاء الجاهلون. وقوله: (( إلا عباد الله المخلصين، استثناء منقطع من قوله ((لمحضرون)) وما بينهما جملة معترضة لتنزيه الله - تعالى - وتقديسه. أى : والله لقد علمت الملائكة أن المشركين القائلين بهذا القول الفاسد المحضرون إلى النار، ويدعون إليها دعا، لكن عباد الله الذين أخلصوا له العبادة والطاعة ليسوا كذلك ، بل هم ناجون من عذاب جهنم، لتنزيههم الخالق . - عز وجل - عما لا يليق به . ثم حقر - سبحانه - من شأن المشركين. ومن شأن آلهنهم المزعومة فقال: ((فإنكم وما تعبدون. ما أنتم عليه بفاتنين. إلا مزهو صال الجحيم)). وهذا الكلام يجوز أن يكون حكاية لما رد به الملائكة على المشركين الذين قالوا الإفك والزور قبل ذلك ، وبحوز أن يكون كلاما مستأنفا من الله - تعالى - على سبيل الاستخفاف والتهكم وبآلهتهم. والفاء فى قوله ، فإنكم، واقعة فى جواب شرط مقدر. و((الواو، فى قوله (( وما تعبدون، للعطف على اسم إن، أو بمعنى مع. و((ما)، موصولة أو مصدرية. و((ما)) فى قوله: ((ما أنتم عليه بفانغير)) فافية. والضمير فى ((عليه)) يعود على الله - عز وجل -، والجار والمجرور متعلق,بفاتنين)). والمراد إ (١) تفسير القرطبى = ١٥ ص ٠١٤٣ ١٤٨ سورة الصافات الفتن هنا: الإفساد، من قولهم: فلان فتن على فلان خادمه، إذا أفسده. وجملة («ما أنتم عليه بقاتنين، خبر إن. و ((ضال، - بكسر اللام - اسم فاعل منقوص - كقاض - مضاف إلى ما بعده . وحذفت ياؤه لالتقاء الساكنين. والمعنى: إذا أدركتم - أيها المشركون - ما قلناه لكم. فتقوا أنكم أنتم وآلهتكم لن تستطيعوا أن تضلوا أحدا هداه الله -تعالى - لكنكم تستطيعون أن تضلوا من كان من أهل الجحيم مثلكم. فالمقصود بهذه الآيات الكريمة ، الاستخفاف بالمشركين وبآلهتهم، وبيان أن من هداه الله، تعالى - لا سلطان لهم عليه فى إغوائه أو إضلاله. قال صاحب الكشاف: والضمير فى ((عليه، لله - تعالى -. ومعناه: فإنكم ومعبوديكم ما أنتم وهم جميعا بفاتنين على الله، إلا أصحاب النار الذين سبق فى علمه أنهم لسوء أعمالهم يستوجبون أن يعلوها. فإن قلت: كيف يفتتونهم على الله ؟ قلت: يفسدونهم عليه بإغواتهم واستهزائهم . من قولك : فتن فلان على فلان امرأته، كما تقول: أفسدها وخيبها عليه ... ،(١) . ثم بين - سبحانه - أن الملائكة معترفون اعترافا قاما بطاعتهم الله -على- وبمداومتهم على عبادته وتسبيحه فقال: (( وما منا إلاله مقام معلوم، وإنا لنحن الصافون . وإنا لنحن المسبحون)). أى: لقد اعترف الملائكة بطاعتهم الكاملة لله - تعالى - وقالوا: ومامنا أجد إلا له مقام معلوم فى عبادة الله - تعالى - وطاعته، وإنا لنحن الصافن ١٤٩ الجزء الثالث والعشرون أنفسنا فى مواقف العبودية والطاعة الله - عز وجل -، وإنا لنحن المسبعون والمنزهون له - تعالى - عن كل ما لا يليق به. وقد ذكر الإمام ابن كثير هنا جملة من الأحاديث منها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال يوما لجلسائه: أمات السماء وحق لها أن تتط . أى سمع لها صوت شديد - ليس فيها موضع قدم إلا عليه ملك راكع أو ساجد ثم قرأ: وإنا لنحن الصافون: وإنا لشحن المسبحون ،(!). ثم أخبر - سبحانه - عن حال المشركين قبل أن يأتيهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: «وإن كانوا ليقولون. لو أن عندنا ذكرامن الأولين لكنا عباد الله المخلصين. فكفروا به فسوف يعلمون). و ((إن، فى قوله , وإن كانوا ... ) هى المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير محذوف . والقائلون هم كفار مكة والفاء فى قوله, فكفروا به ... . هى الفصيحة الدالة على حذوف مقدر. والمعنى إن حال هؤلاء الکافرین وشأنهم، أنهم كانوا يقولون قبل مجىء الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم («لو أن عندنا ذكراً من الأولين)» أى: لو أن عندنا كتابا من كتب الأولين كالتوراة والإنجيل . لكنا عباد ابه المخلصين، أى: لكنا بسبب وجودهذا الكتابمن عباد الله الذين مخلصون له العبادة والطاعة . جاءهم محمد - صلى الله عليه وسلم - بالكتاب المبين كما تمنوا وطلبوا، فكانت المنقيبة أن كفروا بة ، فسوف يعلمون سوء عاقبة هذا الكفر ، « يوم بطعام العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ، ويقول ذوقوا ما كنتم تعملوون،(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ٧ ص ٠٢٨ (٢) سورة العنكبوت الآية ٠٥٥ ١٥٠ سورة الصافات ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببشارة المؤمنين بنصره، وبتسلية التى - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من أعدائه، فقال - تعالى -: ((ولقَدْ سبقَتْ كَلِمَتَنا لعبادِنَاَ المرسَلِينَ (١٧٠) إنها لهم المنْصُورُون (١٧١) وإنَّ جُندناَ لهم الغالبونَ (١٧٢) فتولَ عنْهُم حتى حينٍ (١٧٣) وأُبصِرْهم فسوْفَ يُبْصِرُون (١٧٤) أَفَعذَا بِنَاَ يستعجلون (١٧٥) فإذا نزلَ بساحَتِهِم فساء صباحُ المنذَرِين (١٧١) وتولَ عنْهُم حتَّى حين (١٧٧) وأَبْصِر فسوفَ يُبْصِرُون (١٧٨) سبحانٌ وَبِّكَ ربِّ العزة عما يَصِفون (١٧٩) وسلامٌ عَلَى المرسَلِينَ (١٨٠) والحمدُ قد ربِّ العالمينَ (١٨١) ». - والمراد ((بكلمتنا، فى قوله تعالى -: ((واقد سبقت كلمتنا ... ، ما وعد الله - تعالى - به رسله وعباده الصالحين من جعل العاقبة الطيبة لحم. ومن الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: («إنا لتنصر رسلنا والذين آمنوا فى الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد))(١) وقوله - سبحانه ((كتب الله لأغلبن أنا ورسلى إن قوى عزيز، (٢). أى: واقه لقد سبق وعدنا لعبادنا المرسلين بالنصر والفوز (« إنهم لهم المنصورون». على أعدائهم ((وإن جندنا لهم الغالبون)) لأن عادام وفاوام . وهذا الوعد بالنصر لايتعارض مع هزيمتهم فى بعض المواطن - كيوم. أحد مثلا -، لأن هذه الهزيمة إنما هى لون من الابتلاء الذى اقتضه حكمة الله - تعالى - ليتميز قوى الإيمان من ضعيفه، أما النصر فى النهاية. ٠ ٠١١ ٠ ١٠١ الجزء الثالث والعشرون وهذا ما حكاه لنا التاريخ الصحيح ، فقد تم فتح مكة ، ودخل الناس فى دين أنه أفواجا، بعد أن جاهد النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الكافرين، ولم بفارق الرسول - صلى الله عليه وسلم - هذه الدنيا إلا بعد أن صارت كلمة الله هى العليا، وكلمة الذين كفروا هى السفلى. ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالإعراض عن المشركين ، وباصبر على أذاهم ، إلى الوقت الذى يأذن الله لك فيه بقتالهم فقال: (( فتول عنهم حتى حين) أى: فأعرض عنهم إلى الوقت الذى يأذن أنه لك فيه بقتالهم ,وأبصرم فسوف يبصرون، أى: وانظر إليهم وراقبهم عند ما ينزل بهم عذابنا، فسوف يبصرون م ذلك فى دنياهم وفى آخرتهم . والأمر بمشاهده ذلك: إشعار بأن نصره - صلى الله عليه وسلم - عليهم، آت لا ريب فيه حتى لكأنه واقع بين يديه ، ومشاهد أمامه. والاستفهام فى قوله-سبحانه -: «أف مذابنا يستعجلون)) للتوبيخ والتأنيب. أى أبلغ الجهل وانطماس البصيرة بهؤلاء المشركين، أنهم يستعجلون عذابنا. عن ابن عباس - رضى الله عنهما - أن المشركين قالواللنبى صلى الله عليه وسلم -: يا محمد أرفا العذاب الذى فخوفنا به فنزلت هذه الآية . ثم بين - سبحانه - حالهم عندما ينزل بهم هذا العذاب الذى استعجلوا نزوله فقال: فإذا نزول بساحتهم فساء صباح المنذرين،. والسماحة فى الأصل تطلق على الفناء الواسع للدار والمراد بها هنا القوم الذين يكونون فيها والخصوص بالذم محذوف . أى : فإذا نزل العذاب بهؤلاء المشركين. فبئس الصباح صباحهم: ولن ينفعهم حينئذ ندم أوقوبة، وخص الصباح بالذكر، لأن العذاب كان يأتيهم فيه فى الغالب . أخرج الشيخان عن أنس - رضى الله عنه - قال: صبح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر، فلما خرجوا بفئوسهم ومساحبهم ورأوا الجيش، رجعوا ١٥٢ سورة الصافات يقولون: محمد واله، محمد (الخميس - أى: والجيش - فقال- صلى الله عليه وسلم» الله أكبر خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين ... ». ثم كرر - سبحانه- تهديده ووعيدهلهم على سبيل التأكيد أملهم يعتبرون فقال: ((وتول عنهم حتى حين: وأبصر فسوف يبصرون)، أى: وأعرص عنهم حتى حين ، وأبصر ما توعدناهم به من عذاب أليم ، فسوف يبصرون ثم ذلك . ((سبحان ربك رب العزة عما يصفون)) أى تنزه ونقدس ربك - أيها الرسول الكريم - عما وصفه به الواصفون الجاهلون من صفات لا تليق بذاته، وقوله «رب العزة)) بدل من ((ربك، أى: أى هو صاحب العزة والغلبة والقوة التى لا يقف أمام قوتها شى. والتى لا يملكها أحد سواه . ((وسلام على المرسلين، أى: وسلام وأمان وتحية منا على المرسلين (((والحمد لله رب العالمين، أى: والثناء الكامل لله - تعالى - رب العالمين جميعا وخالقهم ورازقهم ، ومحيهم وميتهم ... وبعد: فهذا تفسير لسورة الصافات . نسأل الله أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ كتبه الراجي عفو ربه القاهرة - مدينة نصر محمد سيد طنطاوى الأربعاء : ٢٠ من ذى القعدة ١٤٠٥ هـ ١٩٨٤/٨/٧ م. فهرس إجمالى لتفسير ((سورة الصافات)) رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة المقدمة والصافات صنا ... ١ ٨١ ٦ إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب ... فاستفهم أهم أشد خلقا ... ١١ ٨٨ ٢٢ ٤٠ ٥٠ ٦٣ ٧٥ ٨٣ ١١٣ احضروا الذين ظلوا وأزواجهم ... إلا عباد الله المخلصين أولئك لهم رزق معلوم ... فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ... أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم ... ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون ... وإن من شيعته لإبراهيم ... ولقد مننا على موسى وهارون ... وإن إلياس لمن المرسلين ... ١٢٣ وإن أوطا لمن المرسلين ... ١٣٣ وإن يونس لمن المرسلين ... ١٣٩ فاستفتهم ألريك البنات ولهم البنون ... ١٤٩ وأقد سبقت كمنالعبادنا المرسلين ... ١٧٠ ٩٤ ١٠١ ١٠٥ ١٠٩ ١١٤ ١١٧ ١٣٤ ١٣٦ ١٣٨ ١٣٩ ١٤٣ ١٥٠ التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسير سُورَةَ صََّ دكتور محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية مصر العربية (الجزء الثالث والعشرون) ٥١٤٠٨ - ١٩٨٨ م الطبعة الثانية حقوق الطبع محفوظة للمؤلف بسم الله الرحمن الرحيم ﴿رَبِّناَ تَقَبَلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَِّعُ العَلِيمِ﴾ (( صدق الله العظيم)) المقـدمة ١ - سورة ((ص)) هى السورة الثامنة والثلاثون فى ترتيب المصحف، وكان نزولها بعد سورة ((القمر)) وهى من السور المكية الخالصة. ويقال لها سورة «داود» . قال الآلوسي : هى مكية - كماروى عن ابن عباس وغيره - وهى ثمان وثمانون آية فى المصحف الكوفى. وست وثمانون فى الحجازى والبصرى والشامى .... وهى كالمتممة لسورة الصافات التى قبلها، من حيث إنه ذكر فيها مالم يذكر فى تلك من الأنبياء، كداود وسلمان .. ،(١). ٢ - وقد افتتحت سورة ((ص)) بقسم من الله - تعالى -، بالقرآن الكريم، على صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيما يبلغه عن ربه. ثم حكى - سبحانه - ما قاله المشركون فيما بينهم ، لإنكار نبوة النبى - صلى الله عليه وسلم -، ولإنكار يوم القيامة وما فيه من ثواب وعقاب، ورد عليهم بما يثبت جهلهم وغفلتهم واستكبارهم عن قبول الحق .. قال - تعالى -: ((وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشىء يراد. ما سمعنا بهذا فى الملة الآخرة إن هذا إلا اختلاق . أأنزل عليه الذكر من بيننا، بل هم فى شك من ذكرى بل لما يذوقوا عذاب . (١) تفسير الآلوسي : ٢٣ ص ١٦٠ ١٦٠ سورة ص أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب. أم لهم ملك السموات والأرض وما بينهما فليرتقوا فى الأسباب ..... ٣ - ثم انتقلت السورة الكريمة بعد ذلك إلى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما لحقه منهم من أذى وكيد، لحكتله أن أقوام الرسل السابقين قد قابلوا رسلهم بالتكذيب، وأمرته بالصبر على جهالاتهم، وساقت جانبا من قصة داود - عليه السلام - ، فذكرت بعض النعم التى أنعم الله - تعالى - بها عليه، كما ذكرت مادار بينه وبين الخصوم الذين قسوروا عليه المحراب .. قال - تعالى: ((كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد. وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب إن كل إلا كذب الرسل لحق عقاب. وما بنظر هؤلاء إلا صيحة واحدة مالها من فراق. وقالواربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب . أصبر على ما يقولون واذكر عبدنا داود ذا الأبد إنه أواب ... ٤ - وبعد هذا الحديث الذى فيه شىء من التفصيل عن وجوه النعم التى أنعم بها - سبحانه - على عبده داود، وعن لون من ألوان الامتحانات التى امتحنه - تعالى - بها، وعن الإرشادات الحكيمة التى أو شذه الله - عز وجل- إليها ... بعد كل ذلك ساق - سبحانه - أنواعا من الأدلة على وحدانيته وقدرته ، وبين أن حكمته قد اقتضت عدم المساواة بين الأخيار والفجار ... قال - تعالى -: «أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين فى الأرض ، أم نجعل المتقين كالفجار . كتاب أنزلناه إليك مبارك ليديروا آياته، وليتذكر أولوا الألباب .... ٥ - ثم أثنى - سبحانه - بعد ذلك على نبيه. سليمان - عليه السلام - وبين بعض النعم التى منحها له، كما بين موقفه مما اختبره - تعالى - به ... ٠