Indexed OCR Text
Pages 221-240
م فهرس إجمالى لتفسير سورة (سبأ، ٢٢١ رقم الآية الآية المفسرة رقم الصحة ١٣٧ المقدمه .. ١٤٩ الحمد لله الذى له مافى السموات .. ١٠ ١٥٧ ويرى الذين أوتوا العلم .. ٦ ١٦٢ ولقد آتينا داود منا فضلا .. ١٠ ١٥٠ ١٨٠ لقد كان لسبأ في مسكنهم .. قل أدعوا الذين زعمتهم .. ٢٣ ١٨٨ ٢٨ وقال الدين كفروا لن نؤمر .. وما أرسلنا فى قرية من قذير .. ١٩٦ ٢٤ ٤٠ ويوم يحشرهم جميعا .. ٢٠١ ٤١ وإذا تتلى عليهم آياتنا .. ٢١٠ قل أنما أعظكم أبواحدة .. ٤٦ ٢١٠ ولو ترى أذ فوهوا .. وما أرسلناك إلا كافه .. ١٨١ ٣١٠ ٢٠١ التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسير سُورَةِ فَكَاطِ الدكتور محمد سيد طنطاوى مفتى الديار المصرية ١٤٠٨ ه ١٩٨٨ م "رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَا إِنَّكَ أَنْثَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" ( ٢ ١٥ - فاطر) بسياط الرحمن الرحيميمْ مقدمة وتمهيد ١ - سورة فاطر هى السورة الخامسة والثلاثون فى ترتيب المصحف، وكان نزولها بعد سورة الفرقان - كما ذكر صاحب الإتقان -(١). وهى من السور المكية الخالصة، وتسمى أيضاً - بسورة ( الملائكة) قال القرطبى: هى مكية فى قول الجميع، وهى خمس وأربعون آية، (٢) ٢ - سورة فاطر هى آخر السور التى افتتحت بقوله - تعالى - «الحمدة)) وقد سبقها فى هذا الإفتتاح -ور: الفاتحة، والأنعام، والكهف ، وسبأ. قال - سبحانه - فى إفتتاح سورة (فاطر،: الحمد لله فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد ، الخلق ما يشاء إن الله على كل شىء قدير)). ٣ - ثم تحدث - سبحانه - بعد ذلك عن مظاهر نعمه على عباده، ورحمته بهم، فقال،: «ما يفتح الله الناس من رحمة فلايمسك لها، وما يمسك فلا مرسل فه من بعده، وهو العزيز الحكم ... ٤ - ثم توجه السورة الكريمة نداءين إلى الناس، تأمر ثم فى أول مابشكر الله - تعالى - على نعمه، وتنهاهم فى ثانيهما عن الاغترار بزينة الحياة الدنيا وعن إتباع خطوات الشيطان .. (١) الإتقان في علوم القرآن ج ١ص ٢٧ السيوطى. (٢) اتفسير القرطبى ٣ ١٤ ص ٠٣١٨ ٢٢٨ سورة فاطر قال - سبحانه -: ((يأيها الناس أذكروا نعمة الله عليكم، هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض .... يأيها الناس إن وعد الله حق ، فلا تغرفكم الحياة الدنيا ، ولا يغرنكم بالله الغرور)». ٥ - وبعد أن تسلى السورة الكريمة الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من أعدائه، تأخذ فى بيان مظاهر قدرة الله - تعالى - فى خلقه، فتذكر قدرته - سبحانه - فى إرسال الرباح والسحب، وفى خلقه للإنسان من تراب، وفى إيجاده للبحرين: أحدهما عذب فرات سائغ شرابه، والثانى: ملح أجاج، وفى إدخاله الميل فى النهار والتهار فى الليل، وفى تسخيره للشمس والقمر . . قال - تعالى -: وما يستوى البحران هذا عذب فرات سائغ شرله وهذا ملح أجاج، ومن كلتأكلون لحماطريا ، وتستخرجون حلية تلبسونها، وترى - الفلك فيه مواخر، لتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون. يواج الليل فى النهار ويولج النهار فى الليل، وسخر الشمس والقمر كل أيجرى لأجل مسمى، ذاأم الله ربكم له الملك، والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطير)). ٦ - ثم وجه - سبحانه - نداء ثالثا إلى الناس، بيزلهم فيه: إفتقارم إليه - تعالى - وحاجتهم إلى عوته وعطائه، وتحمل كل إنسان لمسئولياته ولنتائج أعماله .. كما بين لهم - سبحانه - أن الفرقان بين الهدى والضلال، كالفرق بين الإبصار والعمى، وبين النور والظلمات، وبين الحياة والموت، وبين الظل والجرور . قال - تعالى -: ((وما يستوى الأعمى والبصير، ولا الظدات ولا النور. ٢٢٩ الجزء الثانى والعشرون ولا الظل ولا الحرور. وما يستوى الأحياء ولا الأموات، إن الله يسمع من يشاء، وما أنت بمسمع من فى القبور .. ٧ - ثم عادت السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله - تعالى- ورحمته بعباده، ومن الثواب العظيم الذى أعده - سبحانه - لمن يتلون كتابه ولمن يحافظون على فرائضه، وعن عقابه الأليم للكافرين الجاحدين لنعمه .. قال - تعالى -: ((ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء، فأخر جنا به ثمرات مختلفا ألوانها، ومن الجبال جدد بيض وحر مختلف ألوانها، وغرابيب سود. ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك، إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزیز غفور. إن الذين يتلون كتاب الله وأنفقوا ما رزقناهم سرا وعلافيه ، وبرجون تجارة لن تبور . ثم قال - سبحانه -: (والذين كفروا لهم نار جهنم، لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزى كل كفور .. )) ٨ - ثم إنتقلت السورة الكريمة فى أواخرها إلى الحديث عن جهالات المشركين، حيث عبدوا من دون الله - تعالى - مالا يملك لهم ضرا ولانفعا، وعن مكرهم السىء الذى لا يحيق إلا بأهله ، وعن نقضهم لعمودهم حيث , أقسموا باقه جهد أيمانهم لئن جاءهم اذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم، فلما جاءهم نذير مازادهم إلا نفورا .. » ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بيان سعة رحمته بالناس فقال: • ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا، ما ترك على ظهرها من دابة، ولكن يؤ خرهم إلى أجل ممى ، فإذا جاء أجلهم فإن الله كان بعباده بصيرا)). ٩ - وهكذا نرى صورة ((فاطر) قد طوفت بالنفس الإنسانية فى أرجاء هذا الكون، وأقامت الأولة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، عن طريق نعم الله- تعالى -المتر ئة فىالأرض وفى السماء، وفى الليل وفى النهار، وفى ٢٣٠ سورة فاطر الشمس وفى القمر، وفى الرياح وفى السحب، وفى البروف البحر .. وفى غير ذلك من النعم التى سخرها - سبحانه - لعباده. : كما نراها قد حددت وظيفة الرسول - صلى الله عليه وسلم-، وساقته ما يسأيه ويزيده ثباتا على ثباته، وما يرشد كل عاقل إلى حسن عاقبة الأخيار وسوء عاقبة الأشرار . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ د. محمد سيد طنطاوى القاهرة : مدينة نصر - الثلاثاء ٨ من شوال سنة ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥/٦/٢٥ م ٢٢١. الجزء الثانى والمشرف الحَمْدُ لِّ فَاطِرِ السَّمَنَتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَةِ رُسُلًا أُوْلِيّ أَجْنِحَةٍ مُثْنَى وَتَكْتَ وَرُبَّ يَزِيدٌ فِ آلْخَلْقِ مَا يَشَآءَ إِنَّ اللّهَ عَلِّ كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ يَ مَّا يَفْتَجِ اللَّهُلِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا عَمْسِكَ لَّمَا وَمَايُمِْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُمِنْ بَعْدٍِّ، وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (عَ بَأَيُّهَا الَّسُ أَذْ كُوْ نِعْمَتَ اللهِ عَيْكُرُّ هَلْ مِنْ خَلِقٍ غَيُاللهِّزُ قُكُم مِّنَ السََّانُ وَالْأَرْضِّ لَآ إِلَهَ إِلَ هُوَفَأَتَّى تُنْفَكُونَ بَ) افتتحت سورة ((فاطر) - كما سبق أن ذكر ناعند تفشيرنا لسورة (سباً، بتقرير الحقيقة الأولى فى كل دينى، وهى أن المستحق للمحمد المطلق، والثناء الكامل، هو الله رب العالمين. والحمد : هو الثناء باللسان على الجميل الصادر عن اختيار من نعمة وغيرها . و(«أل، فى الحمد للاستعرَاق. بمعنى أن المستحق لجميع المحامد، ولكافة ألوان الثناء هو الله - تعالى - (١). (١) راجع تفسيرنا لسورة: الفاتحة - الأنعام - الكهف - سبأ. ٢٣٢ دورة فاطر : وقوله: ((فاطر السموات والأرض، أى خالقهما وموجدهما على غير مثال يحتذى، إذ المراد بالفطر هنا : الابعداء والاختراع الشىء الذى لم يوجد ما يشبهه من قبل . قال القرطى: والفاطر: الخالق، والفطر - بفتح الفاء -: العق. عن الشىء. يقال: فطرقه انفطر، ومنه: فطر ناب اليسير، أى: طلع، وتفطر الشىء ، أى : تشيق . والفطر: الابتداء والاختراع . قال ابن عباس: كنت لا أدرى ما. ((فاطر السموات والأرض، حتى أتى أعرابيان بختصمان فى بثر، فقال أحدهما : أنا فطرتها، أى : أنا ابتدأتها . والمراد بذكر السموات والأرض: العالم كله، وفيه بهذا على أن من . . قدر على الابتداء، قادر على الإعادة، (١). والمعنى: الحمد المطلق، والثناء التام الكامل لله - تعالى - وحده، فهو - سبحانه - الخالق السموات والأرض ، الكون بأسره،. دون أن يسبقه إلى ذلك سابق، أو يشاركه فيما خلق وأوجد مشارك. وقوله - تعالى -: ((جاعل الملائكة رسلا أولى أجنحة مثنى وثلاث .. ورباع، بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته - تعالى - التى لا يعجزدا شىء. والملائكة: جمع ملك، والتاء التأنيث الجمع، وأصله ملاك، وم جد. من خلق الله - تعالى - وقد وصفهم - سبحانه - بصفات متعددة ، منها: أنهم ((يسبحون الليل والنهار لا يفترون)، وأنهم ((عباد مكرمون. (١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ٣١٩ : ٢٣٣ الجزء الثانى والعشرون لا يعصون الله ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون. قال الجمل: وقوله: ((جاعل الملائكة، أی : بعضهم، إذ ایس کلهم رسلا كماهو معلوم، وقوله: ((أولى أجنحة، فعت لقوله ,رسلا،، وهو جيد لفظاً لتوافقهما تفكيرا. أو هو نعت للملائكة، وهو جيد معنى إذ كل الملائكة لها أجنحة، فهى صفة كاشفة.» (١). وقوله: ((مثنى وثلاث ورباع) أسماء معدول بها عن إثنين إثنين، وثلاثة ثلاثة، وأربعة أربعة، وهى ممنوعة من الصرف، الوصفية والعدل من المكرر وهى صفة لأجنحة . أى: الحمد لله الذى خلق السموات والأرض بقدرته، والذى جعل الملائكة رسلا إلى أنبيائه، وإلى من يشاء من عباده، ليبلغوهم ما يأمرهم - سبحانه - بتبليغه إليهم . وهؤلاء الملائكة المكرمون، ذوى أجنحة عديدة. منهم من له جناحان ومنهم من له ثلاثة ، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك ،لأن المراد بهذا الوصف ، بيان كثرة الأجنحة لا حصرها . قال الآلوسي ما ملخصه قوله: ((جاعل الملائكة رسلا ... ) معناه: جاعل الملائكة وسائط بينه وبين أنبيائه الصالحين من عباده، يبلغون إليهم رسالته بالوحى والإلهام والرؤيا الصادقة ، أو جاعلهم وسائط بينه وبين خلقه يوصلون إليهم آثار قدرته وصفعه، كالأمطار والرياح وغيرهما . وقوله: «مثنى وثلاث ورباع، معناه: أن من الملائكة من له جناحان (١) حاشية الجمل على الجلالين + ٣ ص ٤٨٣ ٢٣٤ ومنهم من له ثلاث، ومنهم من له أربعة، ولا دلالة فى الأبقا على نفى الواقلا، وما ذكر من عدد للدلالة على التكثير والتفاوت ، لا للتعيين ولا لنفى النقصان من إثنين . فقد أخرج الشيخان عن ابن مسعود فى قوله - تعالى - ,لقد رأى من آيات ربه الكبرى وأن الرسول (صلى الله عليه وسلم) رأى جبريل وله ستمائة جناح (١) . وقوله - تعالى -: ((يزيد فى الخلق مايشاء)، إستئناف مقرر لمضمون ما قبله ، من كمال قدرته ، ونفاذ إرادته. أى: يزيد - سبحانه - فى خلق كل ما يريد خلقه ما يشاء أن يزيده من الأمور التى لا يحيط بها الوصف، ومن ذلك أجنحة الملائكة فيزيد فيها ما يشاء، وكذلك ينقص فى الخلق مايشاء ، والكل جار على مقتضى الحكمة والتدبير . قال صاحب الكشاف: قوله, يزيد فى الخلق ما يشاء، أى: يزيد فى خلق الأجنحة ، وفى غيره ما يقتضيه مشتنه وحكمته. والآية مطلقة تتناول كل زيادة فى الخلق: من طول قامة ، واعتدال صورة وتمام الأعداء ، وقوة فى البعثش، وحصافة العقل، وبجزالة فى الرأى، وجر أة فى القلب، وسماحة فى النفس، وخلاقة فى اللسان، ولياقة فى التكلم، وحسن تان فى مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به الوصف ... (٢). (١) تفسير الآلوسى = ٢٢ ص ٩٦١ أ (٢) تفسير الكفاف ج ٢ ص ٥٩٥ ٢٣٠ الجزء الثانى والعشرون ثم غم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «إن الله على كل شىء قدیر ،أی: إن الله - تعالى - لا يعجزه شىء یریده؛ لأنه قدير على فعل كل شىء. فالجملة الكريمة تعليل لما قبلها، من كونه - سبحانه - يزيد فى الخلق ما يشاء، وينقص منه ما يشاء . وقوله - تعالى -: (( ما يفتح الله للناس من رحمه فلا ممسك لها ... بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته وفضله على عباده. والمراد بالفتح هنا: الإطلاق والإرسال على سبيل المجاز. بعلاقة السببية لأن فتح الشىء المغلق، سبب لإطلاق ما فيه وإرساله. أنى: ما يرسل الله - تعالى- بفضله وإحسانه الناس من رحمة متمثلة فى- الأمطار، وفى الأرزاق، وفى الصحة .. وفى غير ذلك، فلا أحد يقدر على متعتها عنهم. ((ما يمسك فلا مرسل له من بعده، أى: وما يمسك من شىء لا يريد إعطاءه لهم، فلا أحد من الخلق يستطيع إرساله لهم. بعد أن منعه الله - تغالى - عنهم . (((وهو)) - سبحانه - ((العزيز)) الذى لا يغلبه غالب ((الحكيم» فى كل أقواله وأفعاله. وعبر - سبحانه - فى جانب الرحمة بالفتح، الإشعار بأن رحمته - سبحانه - من أعظم النعم وأعلاها، حتى لكأنها بمنزلة الخزائن المليئة بالخيرات والتى متى فتحت أصاب الناس منها ما أصابوا من تفع وبر . و «من)، فى قوله," من رحمة)، البيان، وجاء الضمير فى قوله , فلا مسك لها، مؤنثاً، لأنه يعود إليها وحدها، ٢٣٦ سورةفاطر وجاء مذ كراً فى قوله (( فلا مرسل له، لأنه تشملها ويعمل غيرها، أى: وما يمسك من رحمة أوغيرها من عباده فلا يستطيع أحد أن يرسل. ما أمسكه - سبحانه - . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «وإن يمسسك الله بضر فلا كاشفه له إلا هو، وإن يردك بخير فلا راد لفضله .. (١). وقوله - سبحانه -: ((وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن. يمسسك بخير فهو على كل شىء قدير، (٢) . قال ابن كثير: وثبت فى صحيح مسلم عن أبى سعيد الخدرى. أن رسول. الله (صلى الله عليه وسلم) كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات والأرض، وملء ما شئت. من شىء بعده ... اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك)، (٣) - أى: ولا يتفع صاحب الغنى غناء وإنما الذى ينفعه عن عمله الصالح . ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس، أمرهم فيه بذكره وشكره فقال: (( يأيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم، هل معنى خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض .. ». والمرادمن ذكر النعمة: ذكرها باللسان وبالقلب، وشكر الله - تعالى- عليها ، واستعمالها فيما خلقت له . (١) سورة يونس الآية ١٠٧ (٢) سورة الأنعام الآية ١٧ (٣) تفسير ابن كثير ج٦ ص ٥٢٠ ١٣٧ الجزء الثانى والعشرون والمراد بالنعمة هنا: النعم الكثيرة التى أنعم بها - سبحانه - على الناس ، كنعة خلقهم، ورزقهم، وتسخير كثير من الكائنات لهم. والاستفهام فى قوله: ((هل من خالق غير الله يرزقكم)) للنفى والإفكار، أى: أيها الناس اذكروا بألسنتكم وقلوبكم، نعم الله - تعالى - عليكم، وأشكروه عليها، واستعمارها فى الوجوه التى أمركم باستعمالها فيها، . واعلموا أنه لا خالق غير الله - تعالى - يرزقكم من السماء بالمطر وغيره، . وبرزقكم من الأرض بالنبات والزروع والثمار وما يشبه ذلك من الأرزاق "التى فيها حياةكم وبقافكم. وقوله - تعالى - ((لا إله إلا هو، جلة مستأنفة لتقرير للنفى المستفادمما قبله، أى: لا إله مستحق للعبادة والطاعة إلا الله - تعالى -، إذ هو الخالق لکم، وهو الذی أعطا کم النعم التی لا تعد ولا تحصى . , فأنى تؤفكون، أى: وما دام الأمر كذلك : فكيف تصرفون عن إخلاص العبادة لخالقكم ورازقكم ، إلى الشرك فى عبادته. فقوله((تؤفكون، من الأفك - بالفتح - بمعنى الصرف والقلب، يقال: أفكه عن الشىء، إذا صرفه عنه، ومنه قوله - تعالى -: «قالوا أجئتنا لتأفكنا عما وجدنا عليه آباءنا، أى: لتصرفنا عما وجدنا عليه آباءنا وبعد هذا البيان العجز لمظاهر قدرة الله - تعالى - ورحمته بعباده، هيمنته على شئون خلقه .. أخذت السورة الكريمة فى تسلية النبى (*) وفى دعوة الناس إلى اتباع ما جاءهم به هذا النبى الكريم، وفى بيان مصير المؤمنین ومصیر المکافرین ، فقال - تعالى -: ١٣٨ سورة قطر وَ إِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُلِبَتْ رُسُلٌ مِّنٍ قَبْلِكَ، وَ إِلَى الَهِ ◌ّرْجَعُ اْأُمُورُ ( يَأْيُهَ الَّاسُِ ◌ِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَّ فَلا تَغُرَّكُمُ الْحَوَةُ الدُّنْيَا وَلَ يَغُرَّهُم ◌ِلهِ الْغُرُ يّ ◌ِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌ فَخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُواْ ◌ِزْيَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَمْحَبِ السَّعِيرِيهِ الَّذِينَ كَفَرُوالَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالّذِينَ ءَامُواْ وَعملُواْ الصَّدِحَيْتِ لَهُ مَّغْفِرَةٌ وَأَبٌْكَبِيُ يَّ أَنْ زُيِّ لَهُوَهُعَمِهِ ، فَرْءَاهُ حَسَّا فَإِنَّ الَه ◌ُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَبَهْدِى مَنْ يَشَاءُ فَلَ تَذْهَبْ تَفْسُكَّ عَلَيْهِمْ حَسََنَّ إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ ﴾ قال الآلومى: قوله: ((وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك. تسلية له (صلى الله عليه وسلم) بعموم البلية والوعد له (صلى الله عليه وسلم) والوعيد لأعدائه . والمعنى: وإن استمروا على أن يكذبوك فيما بلغت إليهم من الحق. المبين . فتأس بأولئك الرسل فى الصبر، فقـ د كذبهم قومهم فصيروا على تكذيبهم. جملة (( فقد كذبت رسل من قبلك، قائمة مقام جواب الشرط، والجواب فى الحقيقة تأس، وأقيمت تلك الجملة مقامه ، اكتفاء بذكرالسبب من ذكر المسبب .. ، (١) . (١) تفسير الألوسى = ٢٢ من ١٦٧ ٢٣٩ الجزء الثانى والمشرون وجاء لفظ الرسل بصيغة التنكير، للإشعار بكثرة عددهم، وسمو مفز لتهم. أى: وإن يكذبك - أيها الرسول الكريم - قومك، فلا تجزن ولا تيقيس) فإن إخوانك من الأنبياء الذين سبقوك، قد كذبهم أقوامهم، فأنت أسعد بدءا فى ذلك . ومن الآيات الكثيرة التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: «ما يقال لك إلا ما قد قيل للرسل من قبلك .. ))(١) . وقوله - عز وجل -: (ولقد كذبت وسل من قبلك فصبروا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا. ولامبدل الكلمات الله .. ، (٢). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما بريد فى تسليته - صلى الله عليه. ربى - فقال: (( وإلى اللّه ترجع الأمور)). أى: وإلى الله - تعالى - وجده ترجع أمور الناس وأجوالهم وأعمالهم. وأقوالهم، وسيجازى - سبحانه - الذين اساؤا بما عملوا ، وسيجازى الذين أحسنوا بالحسنى . ثم وجه - سبحانه - فداء ثانيا إلى الناس ، بين لهم فيه أن البعث حق، وأن من الواجب عليهم أن يستعدوا لاستقبال هذا اليوم بالإيمان والعمل الصالح، فقال - تعالى - ((بأيها الناس إن وعد الله حق .. )) أى: إن ما وعدكم الله - تعالى- به من البعث والحساب والثواب والعقاب حق لاريب فيه، ومادام الأمر كذلك ((فلا تغرنكم الحياة الدنيا، أى: فلا تُخدعنكم يمتعها، وشهواتها، والفائذها، فإنها إلى زوال وفناء، ولا تشغلتكم هذه الحياة الدنيا عن أداء ما كلفكم ـ سبحانه ـ بأداته من فر أتمر وتكاليف (١) سورة فصلت الآية ٤٣. (٢) سورة الأنعام الآية ٣٤ ٢٤٠ سورة سبأ ((ولا يغرفكم بالله الغرور)، أى: ولا يخدعنكم عن طاعة ربكم، ومالك أمر كم («الغرور). أى: الشيطان المبالغ فى خداعكم ، وفى صرفكم عن كل ما هو خيروير . فالمراد بالغرور هنا: الشيطان الذى أقسم بالأيمان المغلظة ، بأنه لن يكف أبدا عن إغواء بنى آدم، وعن تزبين الشرور والآثام لهم. فالمقصود بالآية الكريمة تذكير الناس بيوم القيامة وما فيه من أهوال وتحذيرهم من اتباع خطوات الشيطان، فإنه لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر. ثم أكد - سبحانه - هذا التحذير بقوله: ((إن الشيطان لكم عدو، يا بنى آدم ، عداوة قديمة وباقية إلى يوم القيامة . وما دام الأمر كذلك «فانخذوه عدوا، أى: فاتخذوه أنتم عدرا لكم فى عقائد كم. وفى عباداتكم ، وفى كل أحوالكم ، بأن تخالفوا وسوسته وهمزاته وخطواته .. وقوله: ((إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير، تقرير وتأكيد لهذه العداوة . أى: اتخذوا - بابنى آدم - الشيطان عددا لكم ، لأنه لا يدهو أتباعه ومن ثم من حزبه إلى خير أبدا، وإنما يدعوهم إلى العقائد الباطلة، والأقوال الفاسدة ، والأفعال القبيحة التى تجعلهم يوم القيامة من أهل النار الشديدة الاشتعال .. ثم بين - سبحانه - أقسام الناس يوم القيامة فقال: ((الذين كفروا»