Indexed OCR Text
Pages 61-80
٩١
الجزء الحادى والعشرون
والمرقيّةُ :.. وَلَيْنَ لأحدُ مْل النساء، مثل تقل ثماء الفائ - صلى اله عليه
وسلم -، ولا على أحد منهن مثل مالقه عليهن من النعمة ... ولذلك كان ذم
العقلاء المعاصى العالم: أشد منه الناسى الجاهل؛ لأن المعصية من العالم
أقبح . .. ، (١).
٠
وقد روی ھ زین العابدين بن على بن الحسين - رضى الله عنهم ۔
الأقل له رجل: إنكم أهل بيت مغفور لكم، فغضب، وقال: نحن أحرى
أن يجرى فينا، ما أجرى الله - تعالى - على نساء نبيه - صلى الله عليه وسلم :-
من أن لمسيتنا ضعفين من العذاب ، ومحسننا ضعفين من الأجر .
وقوله - سبحانه -: ((من يأت منكن بفاحشة ... ، جملة شرطية، والجملة
الشرطية لا تقتعنى وقوع الشرط، كما فى قوله - تعالى -: (ولقد أوحى
إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ... وكما فى قوله
- سبحانه -: ((ولو أشر كوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون)).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان أن منزاتمن - رضى الله عنهن -
لا تمنع من وقوع العذاب بهن فى حالة ارت كابهن لمانهى الله - تعالى - عنه،
. فقال: ( وكان ذلك على اللّه يسيرا، أى: وكان ذلك التضعيف للعذاب لهن،
يسيرا وفيناً على الله، لأنه - سبحانه - لا يصعب عليه شىء.
هذاهو الجزاء فى حالة إرتكابهن - على سبيل الفرض - لما نهى الله- تعالى.
عنه، أما فى حالة طاعتهن، فقد بين - سبحانه - جزاءهن بقوله: ((ومن
يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحانؤتها أجرها مرتين، وأعتدنا لما
.ززا كربماء.
(١) تفسير الكفاف=٣ من ٣٦°.
٠٦٢
سورة الأحزاب
والقنوت: ملازمة الطاعة لله - تعالى -، والخضوع والخشوع لذاته،
أی : ومن يقنت منکن ۔ یا نساء النبى - لله - تعالى -، ویلازم طاعته » ..
ويحرص على مرضاة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، وتعمل عملا صالحا .
من يفعل ذلك منكن ، نؤتها أجرها الذى تستحقة مضاعفا، فضلا منا.
وكرما، (( وأعتدنا لها، أى: وهيأنا لها زيادة على ذلك «رزقا كريما لا يعلم.
مقداره إلا الله - تعالى -.
وهكذا نرى أن الله - تعالى - قد ميز أمهات المؤمنين، جعل حسنتهن.
كحسنتين أغير هما، كماجعل سينتهن بمقدار سيئتين اغيرهما - أيضاً -، وذلك.
لعظم مكانتهن، ومشاهدتهن من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
مالا يشاهده غيرهن ، من سلوك كريم، وأوجيه حكهم.
ثم وجه - سبحانه - إليهن نداء ثانيا فقال: « بانساء النبى استن ..
كأحد من النساء إن اتقيتن ... ».
أى: يانساء النبى، لقد أعطاكن الله - تعالى - من الفضل ومن
سمو المنزلة مالم يعط غير كن ، فأنتن فى مكان القدوة لسائر النساء ، وهذا
الفضل كائن لكن إن اتقيتن الله - تعالى -، وصنتن أنفسكن عن كل
ما نها كن - سبحانه - عنه.
قال صاحب الكشاف: أحد فى الأصل بمعنى وحد، وهو الواحد ، ثم.
وضع فى النفى العام مستويا فيه المذكر والمؤنت والواحد وما وراءه. ومعنى
قوله ((لستن كأحد من النساء، «استن كجماعة واحدة من جماعات النساء.
أى: إذا استقصيت أمة النساء جماعة جماعة، لم توجد منهن جماعة واحدة
٦٣
الجزاء الحادى والعشرون
تساويكن فى الفضل والسابقة ... ، (١).
وجواب الشرط فى قوله ((إن اتقيتن)) محذوف لدلالة ما قبله عليه.
أى : إن اتقيتن فلستن كأحد من النساء .
قال الآلوسي: قوله ((إن اتقيتن)) شرط لنفى المثلية وفضلهن على النساء
وجوابه محذوف دل عليه المذكور .. والمفعول محذوف. أى: إن أتقيتن
مخالفة حكم الله - تعالى - ورضا رسوله - صلى الله عليه وسلم -. والمراد
إن دمتن على اتقاء ذلك. والمراد به التهييج بجعل طلب الدنيا والميل إلى
ما تميل إليه النساء لبعده من مقامهن، بمنزلة الخروج من التقوى .. )، (٢).
فالمقصود بالجملة الكريمة بيان أن ما وصلن إليه من منزلة كريمة، هو
بفضل تقواهن وخشيتهن لله - تعالى - وليس بفضل شىء آخر .
ثم نهامن - سبحانه - عن النطق بالكلام الذى يطمع فيين من فى قلبه
نفاق ونجور فقال: ((فلا تخضعن بالقول فيطمع الذى فى قلبه مرض ... )).
أى : فلا ترققن الكلام، ولا تنطقن به بطريقة لينة متكسرة تثير شهوة
الرجال، وتجعل مريض القلب يطمع فى النطق بالسوء معكن فإن من محاسن
خصال المرأة أن تنزه خطابها عن ذلك، لغير زوجها من الرجال .
وهكذا بحذر الله - تعالى - أمهات المؤمنين - وهن الطاهرات المطهرات-
من الخضوع بالقول، حتى يكون فى ذلك عبرة وعظة لغيرهن فى كل زمان
ومكان فإن مخاطبة المرأة - لغير زوجها من الرجال - بطريقة لينة.
(١) تفسير الكشاف = ٣ ص ٦
(٢) تفسير الآلومى ج ٢٢ ص ٥
٦٤
٠٠
سورة الأحرابُ
مثيرة الشهوات والغرائز، تؤدى إلى فساد كبير، وتطمع من لا خلاق:
لهم فيها . .
ثم أرشدهن - سبحانه - إلى القول الذي يُرضيه فقال: ((وقان
.قولا معروفا)) .
أنى: اتركن الكلام، بطريقة تطمع الذنى فى قلبه مرض فیکن، وقلن
قولا حسنا محمودًا، وأنظّن به بطريقة طبيعية، بعيدة عن كل ربية
أو انحراف عن الحق والخلق الكريم.
ثم أمرمن - سبحانه - بعد ذلك بالاستقرار فى بيوتهنَّ، وعُثُمٌ
الخروج منها إلا لحاجة شرعيه فقال ((وقرن في بيوتكن)).
قال القرطبى ما ملخصه لم قوله ((وقرن، قرأة الجمهور - بكز القاف-من
القرار تقول قررت بالمكان - بفتح الراء - أفر - بكسر القاب -إذا نزلت
فيه - والأصل. اقررن - بكسر الراء خذفت الراء الأولى تخفيفا .. ونقلوا
حركتها إلى القاف، واستغنى عن ألف الوصل لتحرك القاف .. فصارت
الكلمة , قرن» - بكسر القاف - .
وقرأ عاصم ونافع ((وقرن)) - بفتح القاف - من قررت فى المكان _
بكسر الراء - إذا اقت فيه .. والأصل ((إقرون» - بفتح الراء - فحذفت
الراء الأولى لثقل التضعيف، وألقيت حركتها على القاف .. فنقول ((قرن»
- بالفتح القاف -.. (١).
والمعنى : الزمن يانساء النبى - صلى الله علية وسلم - بيوتكْنَ، ولَا تَحْرِ جُنُ،
منها إلا لحاجة مشروعة، ومثلهن فى ذلك جميع النساء المسلمات، لأن الخطابة.
لهن فى مثل هذه الأمور، هو خطاب لغيرهن من النساء المؤمناتَ من باب
(١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ١٧٨°:
الجزء الحادى والعشرون
أولى، وإنما خاطب - سبحانه - أمهات المؤمنين على سبيل التشريف،
واقتداء غيرهن بهن .
قال بعض العلماء: والحكمة فى هذا الأمر : أن ينصرفن إلى رعاية
شئون بيوتهن، وتوفير وسائل الحياة المنزلية التى هى من خصائصهن،
ولا يحسنها الرجال، وإلى تربية الأولاد فى عهد الطفولة وهى من شأنهن.
وقد جرت السنة الإلهية بأن أمر الزوجين قسمة بينهما ، فالرجال أعمال
من خصائصهم لا يحسنها النساء، وللنساء أعمال من خصائصهن لا يحسنها
الرجال، فإذا تعدى أحد الفريقين عمله، اختل النظام فى البيت والمعيشة)) (١)
وقال صاحب الظلال ما ملخصه. والبيت هو شابة المرأة التى تجدفيها
ففها على حقيقتها كما أرادها الله - تعالى -... ولكى يهيىء الإسلام للبيت
جره السليم، ويهيىء للفراخ النائبئة فيه رعايتها، أوجب على الرجل النفقة،
وجعلها فريضة ، كى يتاح للأم من الجهد ومن الوقت ومن هدوء البال،
ما تشرف به على هذه الفراخ الزغب ، وما تهيىء به المثابة نظامها وعطرها
وبشاشتها ....
فالأم المكدودة بالعمل وبمقتضياته، ويمواعید .... لا يمكن أن تهيى.
- طلبات جوه وعطره، ولا يمكن أن تهيىء للطفولة الثابتة فيه حقها ورعايتها.
أن خروج المرأة للعمل كارثة على البيات قد تبيحها الضررة ، أما أن
يتطوع بها الناس وهم قادرون على اجتنابها، فتلك هى اللعنة التى تصيب
الأرواح والضائر والعقول، فى عصور الانتكاس والشرور والضلال،(٢)
وهذه الجملة الكريمة ليس المقصود بها ملازمة البيوت فلا وبرحتها إطلاقا
(١) صفوة البيان فى تفسير القرآن ج ٢ ص ٠١٨٣ لفضيلة الشيخ
-حسنين محمد مخلوف .
( م ٥ - الأحزاب )
(٢) فى ظلال القرآن = ٢٢ ص ٥٨٣
٦٦
سورة الأحراب
وإنما المقصود بها أن يكون البيت هو الأصل فى حياتهن، ولا يخرجن إلا
لحاجة مشروعة، كأداء الصلاة فى المسجد، وكأداء فريضة الحج وکزيارة:
الوالدين والأقارب، وكقضاء مصالحهن التى لا تقضى إلا بهن ... بشرط
أن يكون خروجهن مصحوبا بالفستر والاحتشام وعدم التبذل .
ولذا قال - سبحانه - بعد هذا الأمر ,ولا تبرجن تبرج
الجاهلية الأولى ».
وقوله: ((تبرجن، مأخوذ من البرج - بفتح الباء والراء - وهو سعة.
العين وحسنها، ومنه قولهم: سفينة برجاء، أى: متسعة ولاغطاء عليها.
والمراد به هنا: إظهار ما ينبغى ستره من جسد المرأة، مع التكلفه.
والتصنع فى ذلك .
والجاهلية الأولى، بمعنى المتقدمة، إذ يقال لكل متقدم ومتقدمة:
أول وأولى .!
أو المراد بها: الجاهلية الجهلاء التى كانت ترتكب فيها الفواحش.
بدون أتحرج .
وقد فسروها بتفسيرات متعددة ، منها: قول مجاهد: كانت المرأة تخرج.
فتمشى بين يدى الرجال، فذلك تبرج الجاهلية.
ومنها قول قتادة: كانت المرأة فى الجاهلية تمشى مشية فيها تتكسر ...
ومنها قول مقاتل: والتبرج : أنها تلقى الخور على رأسها، ولا تشده.
فيوارى قلائدها وعنقها ...
ويبدو لنا أن التبرج المنهى عنه فى الآية الكريمة ، يشمل كل ذلك ..
كما يعمل كل فعل تفعله المرأة، ويكون هذا الفعل متنافيا مع آداببـ
الإسلام وتشريعاته .
٦٧
الجزء الحادى والعشرون
والمعنى: الزمن بانساء النبى بيوتكن، فلا تخرجن إلا لحاجة مشروعة،
وإذا خرجتن فاخر جن فى لباس الخدمة والوقار ، ولا قبدى إحدا كن شيئا
أمرها الله - تعالى - بستره وإخفائه، واحذرن التشبيه بناء أهل الجاهلية
الأولى، حيث كن يفعلن ما يثير شهوة الرجال ، ويلفت أنظارهم إليهن ..
- ثم اتبع - سبحانه - هذا النهى، بما يجعلهن على صلة طيبة بخالقهن
- عز وجل - فقال :
((وأقمن الصلاة، أى: داومن على إقامتها فى أوقاتها بخشوع وإخلاص.
((وآتين الزكاة، التى فرضها الله - تعالى - عليكن. وخص - سبحانه-
هاتين الفريدتين بالذكر من بين سائر الفرائض، لأنهما أساس العبادات
البدئية والمالية .
(( وأطعن الله ورسوله)) أى: فى كل ما تأمين وتق كن، لا سيما فيما
أمرتن به ، ونهيتن عنه .
وقوله : ((إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
تطهيرا، تعليل لما أمرن به من طاعات ، ولما نهين عنه من سيئات .
والرجس فى الأصل: يطلق على كل شىء مستقذر. وأريد به هنا:
الذنوب والآثام وما يشبه ذلك من النقائص والأدناس .
وقوله: ((أهل البيت، منصوب على النداء، أو على المدح . ويدخل
فى أهل البيت هنا دخولا أوليا : نساؤه ( صلى الله عليه وسلم) بقرينة
سياق الآيات .
أى: إنما يريد الله - تعالى - بتلك الأوامر التى أمر كن بها، وبتلك
ز التواهى التى نها كن عنها، أن يذهب ممكن الآثام والذنوب والنقائص ،
وأن يطهرکن من كل ذلك تطهيرا تاما كاملا.
٦٨
سورة الأحزاب
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قوله: « إنما يريد الله ليذهب عنكم
الرجس أهل البيت ... )).
،
هذا نص فى دخول أزواج النبى ( صلى الله عليه وسلم) فى أهل البيت
هاهنا ، لأنهن سبب نزول هذه الآية ..
وقد وردت أحاديث تدل على أن المراد أعم من ذلك ، فقد روى الإمام
أحد - بسنده - عن أنس بن مالك قال: ((إن رسول الله (صلى اللهعليه.
وسلم) كان يمر بباب فاطمة ستة أشهر إذا خرج إلى صلاة الفجر، يقول:
الصلاة با أهل البيت. ثم يتلو هذه الآية .. )) (١).
وقال بعض العلماء: والتحقيق - إن شاء انه - أنهن داخلات فى الآية
بدليل السياق، وإن كانت الآية تتناول غير هن من أهل البيت.
ونظير ذلك من دخول الزوجات فى اسم أهل البيت، قوله - تعالى-فى
زوجة إبراهيم: قالوا أنعجبين من أمر الله رحمة الله وبركاته عليكم أهل البيت».
وأما الدليل على دخول غير هن فى الآية ، فهو أحاديث جاءت عن النبى.
(عَّله) أنه قال فى على وفاطمة والحسن والحسين - رضى الله عنهم -:
إنهم أهل البيت، ودما الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرا)).
وبما ذكرناتعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة لأزواج النبى (صلى
الله عليه وسلم) وأعلى وفاطمة والحسن والحسين.
فإن قيل: الضمير فى قوله: ((ليذهب عنكم الرجس، وفى قوله :
((ويطهركم تطهيرا)) ضمير الذكور، فلو كان المراد أزواج النبي (صلى الله
عليه وسلم) لقيل ليذهب عنكن ويطهركن؟
(١) راجع تفسير ابن كثير - ٦ ص ٤٠٦ فقد ساق بضعة أحاديث فى
هذا المعنى .
٦٩
الجزء الحادى والعشرون
فالجواب: ماذكر ناه من أن الآية تعملهن وتشمل فاطمة وعلى والحسن
والحسين، وقد أجمع أهل اللسان العربى على تغليب الذكور على الإناث فى
الجموع ونحوها ..
ومن أساليب اللغة العربية التى نزل بها القرآن، أن زوجة الرجل
يطلق عليها أهل، وباعتبار لفط الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر، ومنه
قوله - تعالى - فى موسى ,فقال لأهله امكثوا، وقوله, سآتيكم،
والمخاطب امرأته كما قاله غير واحد ..
وقال بعض أهل العلم: أن أهل البيت فى الآية هم من تحرم عليهم
الصدقة)، (١) .
ثم ختم - سبحانه - هذه التوجيهات الحكيمة بقوله - عز وجل -
(( واذكرن ما يعلى فى بيوتكن من آيات الله والحكمة .. )).
أى : واذكرن فى أُنفسکن ذکرا متصلا، وذکرن غیر کن على سبيل
الإرشاد، بما يتلى فى بيوتنكن من آيات الله البينات الجامعة بين كونها
معجزات دالة على صدق النبى ( صلى اله عليه وسلم )، وبين كونها
مشتملة على فنون الحكم والآداب والمواعظ ..
ويصح أن يكون المراد بالآيات: القرآن الكريم، وبالحكمة : أقوال
النبى (سَلِّ) وأفعاله وتقريراته.
وفى الآية الكريمة إشارة إلى أنهن - وقد خصهن الله - تعالى -
مجعلى بيوتهن موطنا لنزول القرآن، ولنزول الحكمة - أحق بهذا
التذكير ، وبالعمل الصالح من غير هن .
((إن ال كان لطيفا خبيرا، أى: لا يخفى عليه شى. من أحوالكم، وقد
أنزل عليكم مافيه صلاح أموركم فى الدنيا والآخرة.
٠
(١) أضواء البيان =٥٧٧٥٦ الشيخ محمد أمين الشنقيطى - رحمه الله -
٧٠
سورة الأحزاب
وبعد هذه التوجيهات الحكيمة لأمهات المؤمنين ، ساق - سبحانه-
توجيهاً جامعاً لأمهمات الفضائل، وبشر المنصفين بهذه الفضائل بالمغفرة
والأجر العظيم. فقال - تعالى -: (( إن المسلمين والمسلمات،
ورد فى سبب نزول هذه الآية روايات منها : ما أخرجه الإمام أحمد
والنسائى وغيرهما، عن أم سلمة - رضى الله عنها - قالت: قلت النبى
(*): مالنا لا نذكر فى القرآن كما يذكر الرجال؟ قالت: فلم يرغنى
منه ( صلى الله عليه وسلم) ذات يوم إلا غدا .. على المنبر، وهو يتلو هذه
الآية: ((إن المسلمين والمسلمات .. )).
وأخرج الترمذى وغيره عن أم عمارة الأنصارية أنها أقت النبى ( صلى
الله عليه وسلم) فقالت: ما أرى كل شىء إلا الرجال، وما أرى النساء
يذكرون بشىء، فنزلت هذه الآية .
وأخرجه ابن جرير عن قتادة قال: دخل نساء على أزواج النبي (صلى
الله عليه وسلم) فقلن: قد ذكر كن الله - تعالى - فى القرآن، ومايذكرنا
بشىء. أما فينا ما يذكر، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية (١).
والمعنى: ((إن المسلمين والمسلمات، والإسلام هو الانقياه لأمرافه
- تعالى - وإسلام الوجه له - سبحانه - وتفويض الأمر إليه وحده.
((والمؤمنين والمؤمنات» والإيمان هو التصديق القلبى، والإذعان
الباطنى، لما جاء به النبى ( صلى الله عليه وسلم ) .
((والقانتين والقانتات))، والقنوت هو المواظبة على فعل الطاعات من
رضا واختيار .
(١) تفسير الآلرسى =٢٢ ص ٢١
٧١
الجزء الحادى والعشرون
(والصادقين والصادقات)) والصدق هو النطق بما يطابق الواقع والبعد،
عن الكذب والقول الباطل .
. ((والصابرين والصابرات، والصبر هو توطين النفس على احتمال
المكاره والمشاق فى سبيل الحق، وحبس النفس عن الشهوات.
, والخاشعين والخاشعات، والخشوع صفة تجعل القلب والجوارح فى
- حالة انقياد تمام لله - تعالى -، ومراقبة له، واستشعار لجلاله أو هيبته.
((والمتصدقين والمتصدقات، والتصدق تقديم الخير إلى الغير بإخلاص،
. دفعاً لحاجته، وعملاء لى عونه ومساعدته .
((والصائمين والصائمات)) والصوم هو تقرب إلى الله - تعالى -،
واستعلاء على مطالب الحياة ولذائذها، من أجل التقرب إليه - سبحانه -
بما يرضيه .
(((والحافظين فروجهم والحافظات)) وحفظ الفرج كناية عن التعفف
والتطهر والتصون عن أن يضع الإنسان شهوته فى غير الموضع الذى أحله
الله - تعالى - .
((والذاكرين الله كثيرا والذاكرات، وذكر الله - تعالى - يتمثل فى
النطق بما يرضيه كقراءة القرآن الكريم، والإكثار من تسبيحه - عز وجل-
وتحميده وتكبيره ..
وفى شعور النفس فى كل لحظة بمراقبته - سبحانه -
هؤلاء الدين الصفرا بهذه الصفات من الرجال والنساء ((أعد الله، تعالى
«لهم مغفرة، واسعة لذنوبهم((وأجرا عظيما، لا يعلم مقداره إلا هو-عز وجل-
٧٢
شورة الاحزاب
وهكذا نفهد القرآن الكريم يسوق الصفات الكريمة التى من شأن الرجل
والمرأة إذا ما اتصافا بها، أن يسعدا فى دنياهما وفى أخراهما، وأن يسعد
بهما المجتمع الذى يميان فيه .
إنها صفات نظمت علاقة الإنسان بربه ، وبنفسه، وبغيره، تنظيما.
حكيما، يهدى إلى الرشد، ويوصل إلى الظفر والنجاح.
ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن الحقوق الواجبة على.
المسلم نحو خالقه - عز وجل - ونحو رسوله- صلى الله عليه وسلم-)
وعن تأكيد إبطال عاده التبنى التى كانت منقشرة قبل نزول هذه السيرة،
وعن بيان الحكمة لهذا الإبطال، وعن علاقة الرسول (صلى الله عليه
وسلم ) بغيره من أتباعه .
٧٣
الجزء الحادى والعشرون
فقال - تعالى - :
وَمَا كَانَ
◌َلِمُؤْمِنٍ وَلَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًّا أَنْ يَكُونَ نَهُمُ
الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ الهَ وَرَسُولَهُ، فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا
عَبِينًا ﴾ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِىَّ أَنْعَمَ الَهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ
عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَآَتَّقِ اللّهَوَتُخْفِى فِى نَفْسِكَ مَا اللهُ مُيْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ
وَاللهُ أَحُّ أَنْ تَخْتَنُهُ فَلَّا قَضَّى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًّا زَوَّجْنَكُّهَ لِكَىْ
لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجُ فِىَ أَزْوَجْ أَدْعِبَاءِمْ إِذَا قَضَوْا ◌ِنْهُنَّ
أَوَّا وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ مَفْعُولًا (يَّ مَّا كَانَ عَلَى الَِّ مِنْ خَرَجِ فِيمَا
فَرَضَ اللهُلَهُ سُنَّ اللهِفِ الَّذِينَ خَلَوْ مِن قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُالَِّقَدَرً!
مَّقْدُورًا (﴾ الَّذِينَ يُبَلِغُونَ رِسَلَتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ، وَلَا يَخْشَوْنَ
أَحَدًّا إِلَّ الله وَفَ بِاللهِ حَسِبًا (8) مَّا كَانَ مُمَّدُ أَبَ أَحَدٍ
أَمِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِن رَّسُولَ اللهِ وَخَاتَالَِّنَّ وَكَانَ الهُ بِكُلِّ شَىْءٍ
إعلِيمَايچ
ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: ((وما كان لمؤمن
ولا مؤمنة ، روايات منها: أنها فزات فى(زينب بنت جحش - رضى الله
7
٧٤
سورة الأحزاب
عنها -، خطبها رسول الله (صلى الله عليه وسلم ) لزيد بن حارثة
فاستنكفت، وقالت: أنا خير منه حسبا، فأنزل الله - تعالى - هذه الآية).
وفى رواية أنها قالت : يا رسول الله، لست بناكحته، فقال رسول
الله ( صلى الله عليه وسلم): ((بل فانكحيه، فقالت: يا رسول الله،
أؤامر فى نفسى؟ فبينما هما يتحادثان، أنزل الله - تعالى - هذه الآية.
فقالت: يارسول الله، قد رضيته لى زوجا؟ قال: نعم. قالت: إذا
لا أحصى رسول الله ( صلى الله عليه وسلم)، قد زوجته نفسى.
وذكر بعضهم أنها فزلت فى أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكانت
أول من هاجر من النساء - يعنى بعد صلح الحديديه -، فوهبت نفسها النبى.
( صلى الله عليه وسلم ) فزوجها من مولاه زيد بن حارثة - بعد فراقه
لزينب فسخطت هى وأخوها وقالا: إنما أردنا رسول الله ( صلى الله عليه
وسلم) فزوجنا عبده، فوات الآية بسبب ذلك ، فأجابا إلى تزويج زيدٍ}(١)
قال ابن كثير: هذه الآية عامة فى جميع الأمور. وذلك أنه إذا حكماء
ورسوله بشىء، فليس لأحد مخالفته، ولا اختيار لأحد هاهنا ولا رأى
ولا قول، كما قال - تعالى -: ((فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
بينهم، ثم لايجدوا فى أنفسهم حرجا ما قضيت ويسلموا تسليما) ..
وفى الحديث الشريف: ((والذي نفسي بيده، لا يؤمن أحدكم حتى
يكون هواه تبعاً لما جئت به».
والمعنى: لا يصح ولا يحل لأى مؤمن ولا لأية مؤمنة « إذا قضى الله
(١) راجع تفسير القرطبى ١٤٥ من ١٨٦، وتفسير ابن كثير
٦٣ ص ١٧)
٧٥
الجزء الحادى والعشرون
ورسوله، أى: إذا أراد الله ورسوله, أمرا، من الأمور.
وقال - سبحانه -: ((إذا قضى الله ورسوله أمراً، للإشعار، بأن
ما يفعله الرسول (صلى الله عليه وسلم) إنما يفعله بأمر الله - تعالى -، لأنه
(صلى الله عليه وسلم ) لا ينطق عن الهوى.
وقوله: ((أن يكون لهم الخيرة من أمرهم، أى: لا يصح لمؤ من أو مؤمنة
إذا أراد الله ورسوله أمراً، أن يختاروا ما يخالف ذلك، بل يجب
عليهم أن يذعنوا لأمره ( صلى الله عليه وسلم )، وأن يجعلوا رأيهم تابعاً
ارأيه فى كل شىء .
وكلمة الخيرة : مصدر من تخير ، كالطيرة مصدر من تطير ، وقوله :
((من أمرهم)) متعلق بها، أو بمحذوف وقع حالا منها.
وجاء الضمير فى قوله ((لهم)، وفى قوله ((من أمرم)) بصيغة الجمع: رعاية
المعنى إذ أن لفظى مؤمن ومؤمنة وقعا فى سياق النفي، فيعمان كل مؤمن
وكل مؤمنة .
وقوله - سبحانه -:: ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا
مبينا ، بيان لسوء عاقبة من يخالف أمر الله ورسوله .
أى: ومن يعص الله ورسوله فى أمر من الأمور، فقد ضل عن الحق
والصواب ضلالا واضحاً بيناً .
ثم ذكر - سبحانه - قصة زواج النبى (وَأ) من السيدة زينب بنت
جحش، وما ترتب على هذا الزواج من هدم لعادات كانت متأصلة فى
الجاهلية، فقال - تعالى -: ((وإذ تقول' للفى أنعم الله عليه ...
أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن قلت الفى أنعم الله
- تعالى - عليه بنعمة الإيمان، وهو زيد بن حارثة - رضى أقه عنه-
٧٦
سورة الأحزاب
, وأنعمت عليه، بنعمة العتق، والحرية، وحسن التربية، والمحبة،
والإكرام ...
((أمسك عليك زوجك وائق الله)) أى: اذكر وقت قولك له: أمسله.
عليك زوجك زينب بنت جحش، فلا تطلقها، وأتق اله فى أمرها، واصبر
على ما بدر منها فى حقك ..:
وكان زيد - رضى الله عنه - قد اشتكى التى - صلى الله عليه وسلم - من.
قطاولها عليه، وافتخارها بحسبها ونسبها، وتخشينها له القول، وقالى:
يارسول الله، إنى أريد أن أطلقها.
وقوله - تعالى -: ((وتخفى فى نفسك ما الله مبديه، معطوف على ..
((تقول)). أى: تقول له ذلك وتخفى فى نفسك الشىء الذى أظهره الة
- تعالى - لك، وهو إلهامك بأن زيدا سيطلق زينب، وأنت ستنزوجها).
بأمر الله - عز وجل - .
قال الآخرسى: والمراد بالموصول , ما، على ما أخرج الحكيم الترمذى.
وغيره عن على بن الحسين ما أو حى الله - تعالى - به إليه من أن زينب.
سيطلقها زيه، ويتزوجها هو - صلى اله عليه وسلم - .
وإلى هذا ذهب أهل التحقيق من المفسرين، كالزهرى، وبكر بن العلاء» ..
والقشیری ، والقاضى أبى بكر بن العربى، وغيرهم ،(١)،
وقال بعض العلماء ما ملخصه: قوله - تعالى - : ((وتخفى فى نفسك ما اللّه.
مبديه، جملة: الله مبديه صفة الموصول الذى هو ((ما)). وما أبداه - سبحانه -
(١) تفسير الآلوسى = ٢٢ م ٠٢٤
٧٧
الجزء الحادى والعشرون
هو زواجه - صلى الله عليه وسلم - بزينب، وذلك فى قوله - تعالى -: (فلما
خضى زيد منها وطرا زوجناكها، وهذا هو التحقيق فى معنى الآية ، الذى دل
عليه القرآن ، وهو اللائق بجنابه - صلى الله عليه وسلم - .
وبه تعلم أن ما قاله بعض المفسرين، من أن ما أخفاء فى نفسه - صلى الله
عليه وسلم وأبداه الله - تعالى -، هو وقوع زينب فى قلبه - صلى الله عليه
وسلم - ومحبته لها، وهى زوجة لزيد، وأنها سمعته يقول عندما رآها: سبحان
-مقلب القلوب ... إلى آخر ما قالوا ... كله لاصحة له ... )) (١).
وقال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: ذكر ابن جرير وابن
أبى حاتم - وغيرهما - هاهنا آثارا عن بعض السلف، أحببنا أن تضرب منها
صفحا، لعدم صحتها . فلا أوردها ... )، (٢).
هذا، ولفضيلة شيخنا الجليل الدكتور أحمد السيد الكومى رأى فى معنى
هذه الجملة الكريمة، وهو أن ما أخفاه الرسول فى نفسه: هو علمه بإصرار
. زيد على طلاقه لزينب، لكثرة تفاخرها عليه، وسماعه منها ما يكرهه،
ومالا يستطيع معه الصبر على معاشرتها، ..
وما أبداه الله - تعالى -: هو علم الناس بحال زيد معها، ومعرفتهم بأن
زينب تخشن له القول، وتسمعه ما يكره، وتفخر عليه بنسبها . .
فيكون المعنى: تقول للذى أنعم الله عليه، وأفعمت عليه، أمسك عليك
زوجك وانق الله، وتخفى فى نفسك أن زيدا لن يستطيع الصبر على معاشرة
زوجه زينب لوجود التنافر بينهما .... مع أن الله - تعالى - قد أظهر ذلك،
عن طريق كثرة شكوى زيد منها، وإعلانه أنه حريص على طلاقها ، ومعرفة
كثير من الناس بهذه الحقيقة ...
(١) تفسير أضواء البيان ج ٦ ص ٥٨٠ المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى
(٢) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٤٧٠.
٧٨
سورة الأحراب
ومما يؤيد هذا الرأى أنه لم يرد لا فى الكتاب ولا فى السنة ما يدل دلالة
صريحة على أن الله قد أوحى إلى نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن زيدا سيطلق
زينب، وأنه - صلى الله عليه وسلم - سيتزوجها، كل ما ورد فى ذلك هناكے.
الرواية التى سبق أن ذكر ناها عن على بن الحسين - رضى الله عنهما -.
قال صاحب الظلال: وهذا الذى أخفاه النبى - صلى الله عليه وسلم -
فى نفسه، وهو يعلم أن الله مبدبه، هو ما ألهمه الله أن سيفعله، ولم يكن
أمرا صريحا من الله. وإلا ما تردد فيه ولا أخره ولا حاول تأجيله.{والجهرية
فى حينه مهما كانت العواقب التى يتوقعها من إعلانه ولكنه - صلى الله عليه
وسلم - كان أمام إلهام يجده فى نفسه ، ویتو جس فىالوقت ذاته منمواجهته.
ومواجهة الناس به حتى أذن الله بكونه، فطلق زيد زوجه فى النهاية. وهو
لا يفكر لا هو ولا زينب فيما سيكون بعد ... )) (١)
وهذه الأقر ال جميعها تهدم هدما تاما کل قروایات التیرویت عن هذا" .
الحادث، والتى تشبث بها أعداء الإسلام فى كل زمان ومكان ، وصاغوا
حولها الأساطير والمفتريات .
وقوله - سبحانه -: « وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه، معطوف.
على ما قبه ، ومؤ كد لمضمونه .
أى: تقول له ما قلت، وتغفى فى نفسك ما أظهره الله، وتخشى أن
تواجه الناس بما ألحمك الله - تعالى - به من أمر زيد وزينب، مع أن الله
- تعالى - أحق بالخشية من كل ما سواء.
فالجملة الكريمة عتاب رقيق من الله - تعالى - لنبيه -صلى الله عليه وسلم-
(١) فى ظلال القرآن = ٢٢ ص ٠٥٩٥
٧٩
الجزء الحادى والعشرو
وإرشاد فه إلى أفضل الطرق، وأحكم الصبل، بجبهة أمثال هذه الأمور،
وحلها حلا سليما .
ثم بين - سبحانه - الحكمة من زواجه - صلى الله عليه وسلم - بزينب
فقال: «فلما قضى زيد منها وطرازوجناكها، لكى لا يكون على المؤمنين
حرج فى أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا، وكان أمر اللّه مفعولا)).
والوطر: الحاجة، وقضاء الوطر: بلوغ منتهى ما تريده النفس من الشىء،
يقال: قضى فلان وطره من هذا الشىء ، إذا أخذ أقصى حاجته منه .
والمراد هنا : أن زيدا قضى حاجته من زينب، ولم يبق عنده أدنى رغبة
فيها، بل صارت رغبته العظمى فى مفارقتها .
أى: فلماقضى زيد حاجته من زينب، وطلقها، وانقضت عدتها، زوجناكها).
أى: جعلناها زوجة لك، (((.كى لا يكون على المؤمنين حرج)) أو ضيق
أو مشقه («فى أزواج أدعيائهم، أى: فى الزواج من أزواج أدعياتهم، الذين
لبنوم (( إذا قضوا منهن وطرا)) أى: إذا طلق هؤلاء الأدعياء أزواجهم.
وانقضت عدة هؤلاء الأزواج، فلا حرج على آباء هؤلاء الأدعياء. أن
يتزوجوا بنسائهم، ولهم فى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة.
((وكان أمر الله مفعولا)، أى: وكان ما يريد، الله - تعالى- حاصلالا محالة.
قال الإمام ابن كثير: قوله: (( فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها ...
أى: لمافرغ منها وفارقها زوجنا كها، وكان الذى ولى تزويجها منه هو الله
- عز وجل -. بمعنى: أنه أوحى إليه أن يدخل بها إلا ولا مهر ولا عقد
ولا شهود من البشر ...
روى الإمام أحمد عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب- رضى الله عنها-
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ازيد بن حارثة. (((ذهب فأذكر ها على»
٨٠
سورة الأحزاب
فانطلق حتى آناها وهى تخمر عجینها. قال . فلمارأتها عظمت فى صدرىحتى
ما أستطيع أن أنظر إليها. وجعلت أقول - وقد وليتها ظهرى، ونسكصت على
عقبى - يازينب - أبشرى. أرسلنى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذكرك
قالت : ما أنا بصانعه شيئا حتى أؤام دبى - أى: أستشيره فى أمرى -،
فقامت إلى مسجدها. ونزل القرآن. وجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم-
فدخل عليها بغير إذن .. .
ورى البخارى عن أنس بن مالك ، أن زينب بنت جحش كانت تفهر
على أزواج النبي - صَالله - فتقول : زوجكهن أها ايكن، وزوجنى الله
من فوق سبع سماوات ... )) (١) .
وقال الإمام الشوكانى: وقوله . (( لكى لا يكون على المؤمنين حرج فى
أزواج أدعبائهم .....
أى: فى النزوج بأزواج من يجعلونه أبنا، كما كانت تفعله العرب، فإنهم
كانوا يتبنون من يريدون ... وكانوا يعتقدون أنه يحرم عليهم نساء من
تنبوه، كما تحرم عليهم نساء أبنائهم على الحقيقة، والأدعياء : جمعدعى، وهو
الذى يدعى أبنا من غير أن يكون ابنا على الحقيقة. فأخبرهم الله - تعالى-أن
نساء الأدعياء حلال لهم - بعد القضاء العدة - بخلاف الأبناء من الصلب،
فإن نساءهم تحرم على الآباء بنفس العقد عليها .... (٢).
وبعد أن بين - سبحانه - الحكمة من زواج النبى - صلى الله عليه وسلم-
بالسيدة زينب بنت جحش ، التى كانت قبل ذلك زوجة لزيد بن حارثة
- الذى كان الرسول قد تبناه وأعتقه - بعد كل ذلك أخذت السورة الكريمة
(١) تفسير ابن كثير = ٦ ص ٠٤٢٠
(٢) تفسير فتح القدير ج٦ ص ٠٣٨٥