Indexed OCR Text
Pages 201-216
٢٠١ الجزء الحادى والعشرون وقوله: « ناكسوا)) من النكس، وهو قلب الشىء على رأسه التنكبس. وفعله من بأب نصر - والخطاب يصح أن يكون الرسول - صلى الله عليه وسلم -، أو المكل من يصلح له . أى: ولو ترى - أيها الرسول الكريم - حال أولئك المجرمين الذين أنكروا البعث والجزاء، وهم يقفون أمام خالقهم بذلة وغذى، لحسابهم على أعمالهم .. لو ترى ذلك لرأيت شيئا تر تعد له الفرائض، وتهتز منه القلوب. وقوله: ((أبصرنا وسمعنا فارجعنا لعمل صالحا إنا موقنون)) حكاية لما يقولونه فى هذا الموقف العصيب. أى: يقولون بذلة وندم: ياربنا نحن الآن نبصر مصيرها، ونسمع قولك ونندم على ما كنا فيه من كفر وضلال، ((فارجعنا، إلى الدنيا، لكى ((نعمل». عملاء صالحا إنا موقنون، الآن بأن ما جاءنا به رسولك هو الحق، وأن البعث حق، وأن الجراء حق، وأن الجنة حق وأن النار حق . ولكن هذا الايقان والاعتراف منهم ، قد جاء فى غير أوائه، ولذا لا يقبله - سبحانه - منهم، واذا عقب - سبحانه - على ماقالوه: ((ولو شتنا. لاتينا كل نفس هداها ..... أى: ولي شئنا أن نؤتى كل نفس رشدها وهداها وتوفيقها إلى الإيمان،. لفعلنا ، لأن إرادتنا نافذه، وقدرتنا لا يعجزها شىء. ولكن حق القول منى، أى: ولكن ثبت وتحقق قولى . « لأملأن جهنم من الجنة، أى من الجن وسمو أبذلك لاستتارهم عن الأنظار. ومن ((الناس أجمعين)) بسبب فسوقهم عن أمرنا، وتكذيهم لرسلنا. فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن قدرة الله - تعالى - لا يعجزها شىء، إلا أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن الذين سبق فى علمه أنهم يؤثرون الضلالة على الهداية، لسوء استعدادهم، يكون مصيرهم إلى النار، وأما الدين .. ٢٠٢ مروة السجدة آثروا الهداية على الضلالة لنقاء نفوسهم، وكمال استعدادم، فيكون مصيرهم إلى جنة عرضها السموات والأرض. کما أن حكمته - سبحانه - قد اقتضت أن يميز الإنسانعلىغیرہ ، بان يحمل له طبيعة خاصة يملك معها اختيار طريق الحدى أو طريق الضلال. كما قال - تعالى - « إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعا بصيرا. إنا حديناه السبيل، إما شاكرا وإما كفورا)). ثم بين - سبحانه - ما يقال لهؤلاء المجرمين عندما يلقى بهم فى جهنم فقال - تعالى -: ((فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا إنا نسيناكم، وذوقو عذاب الخلد بما كنتم تعملون) . والذوق حقيقة لإدراك المطعومات . والأصل فيه أن يكون فى أمر مرغوب فى ذوقه وطلبه . والتعبير به هنا عن ذوق العذاب من باب التهكمبهم. والفاء فى قوله: ((فذوقوا، لترتيب الأمر بالذوق على ما قبله والباء قلسية. والمراد بالنسيان لازمه، وهو الترك والإهمال. أى: ويقال لهؤلاء المجرمين عندما يلقى بهم فى النار: ذو قوالهيبهارسميرها بسبب نسيانيكم ومهمالكم وجحودكم ليوم القيامة ومافيه من حساب، وإننا من جانبنا قد أهملنا كم وتركناكم، بسبب إصراركم على كفركم، وذوقوا العذاب الذى أنتم معلدون فيه بسبب أعمالكم القبيحة فى الدنيا ,جزاءوفاا، .. وكرد - سبحانه - لفظ ((ذوقوا)، على سبيل التأكيد، وزيادة التقريع والتأنيب . ثم تترك السورة الكريمة هؤلاء المجرمين بفوقون العذاب، وتنتقل إلى الحديث عن مشهد آخر، عن مشهد يشرح النفوس، ويبهج القلوب ، إنه مشهد المؤمنين الصادقين، وما أعداقه - تعالى - من ثواب قال - تملك -: ٢٠٣ الجزء الحادى والشرون إِنَّمَا يُؤْمِنُ بِكَايَتِنَا الّذِينَ إِذَا ذُُّواْ بِهَا خَرُّوا ◌ْدًا وَسَبِّحُواْ بَحْدِ رَبِهِمْ وَهُمْ لَا يَسْتَكْيُونَ ◌َ تَّ جُوُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعًا وَمَّارَزَقْنَهُمْ يُنْفِقُونَ (2) فَلَعَلَمُ نَفْسّ مِّ أُخْخِلَهُ مِنْ قُرَّةِ أَعْنٍ جَزَآءَ بِمَ كَانُوْيَعْمَلُونَ ( أَقْنَ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَن كَانَ فَاسِقًا لَّا يَسْتُونَ (٨) أَمَّا الَّذِينَ ءَ امَنُواْ وَمِلُواْ الصَّالِحْتِ فَلَهُمْ جَنَّنْتُ الْمَأْوَى تُلاًبِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (3) وَمَّ الَّذِينَ فَسَقُواْ فَأْوَنْهُ النَّكُمَ أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُواْمِنْهَا أُعِدُواْ ٤٠٠٠١ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُواْ عَذَابَ الَّرِالَّذِى كُنْتُ بِهِ، تُكَذِبُونَ (﴾ وَنُذِ يقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَّابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤) وَمَنْ أَظْلَمُ ثِّنْ ذُكِرَ بِعَايَنْتِ رَبِهِ، ثُمَ أَعْرَضَ عَنْمَأَّ إِنَّ مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (8) وَلَقَدْءَاتَيْنَا مُوسَى الْكِتَبَ فَلَا تَكُنْ فِرَةٍ مِنْ لِقَابِهِ، وَجَعَلْنَهُ هُدًى لِّبَنِيِّ إِسْرَاءِيَلَ () وَعَلْنَا مِنْهُمْ أَعْمَّةٌ يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّ صَبَرُواْ وَكَانُواْ بِعَايَئِنَا يُوقِنُونَ (٣) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَفْصِلٌ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْفِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ® ٢٠٤ سورة السجدة أى: ((إنما يؤمن)، وبصدق «بآياتنا)) الدالة على قدرتنا ووحدانيتنا، أصحاب النفوس المقية الصافية، الذين إذ ذكروا بها، أى: بهذه الآيات. ((خروا سجدا)) لله - تعالى - من غير تردد ((وسبحوا بحمد ريهم، أى: ونزهوه عن كل مالا بليق به - عز وجل - ((وهم لا يستكبرون، عن طاعته - سبحانه - وعن الانقباد لأمرهونهيه. ثم صور - سبحانه - أحوالهم فى عبادتهم وتقربهم إلى الله، تصويرا بديعا فقال. ((تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعا)). والتجافى: التحرك إلى جهة أعلى. وأصله من جفا فلان المرج عنه، فرسه، إذا رفعه، ويقال تجافى فلان عن مكانه، إذا انتقل عنه. والجنوب: جمع جنب، وأصله الجارحة، والمراد به الشخص. والمضاجع: جمع مضجع، وهو مكان الاتكاء النوم. والمعنى: أن هؤلاء المؤمنين الصادقين، تتنحى وترتفع أجسامهم، عن أماكن نومهم ، وراحتهم، حالة كونهم يدعون ربهم بإخلاص وإنابة (خوفاً)، من سخطه عليهم، ((وطمعا، فى رضاء عنهم. ((وما رزقناهم، من فضلنا وخيرنا ((ينفقون)) فى وجوه البر والخير. وقوله - سبحانه -: ((فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أمين .. )). بيان العطاء الجزيل، والثواب العظيم . أى: فلا تعلم نفسمن النفوس سواء أكانت لملك مقرب، أم لنبى مرسل» ما أخفاء الله - تعالى - لهؤلاء المؤمنين المتهجدين بالليل والناس نيام». من ثواب تقربه أعينهم ، وتسعد به قلوبهم، وتبتهج له نفوسهم .. ٢٥ الجزء الحادى والعشرونى وهذا العطاء الجزيل إنما هو بسبب أعمالهم الصالحة فى الدنيا . وهكذا نرى فى هذه الآيات الكريمة صورة مشرقة لعباد الله الصالحين، والثواب الذى لا تحيط به عبارة، والذى أكرمهم الله - تعالى - به. وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات ، عددا من الأحاديث الواردة فى فضل قيام الليل، منها مارواه الإمام أحمد عن معاذ بن جبل-رضى : إنّه عنه - قال: كنت مع النبى (َّء) فى سفر، فأصبحت يوماً قريباً - منه ، ونحن نسير، فقلت: با نبى الله، أخبرنى بعمل يدخلنى الجنة، ويباعدنى من النار، فقال: لقد سألت عن عظيم، وأنه ليسير على من يسره الله عليه، تعبد الله ولا تشرك به شيئا، وتقيم الصلاة ، وقصوم رمضان ، وتحج البيت، ثم قال: ألا أدلك على أبواب الخير؟ الصوم جنة، والصدقة - تطفىء الخطيئة، وصلاة الرجل فى جوف الليل شعار الصالحين، ثم قرأ (٤): «تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفاً وطمعاً ... وعن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله (وَيٌَّ): إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، جاء مناد فنادى بصوت يسمع الخلائق : - حديط أهل الجمع اليوم من أولى بالكرم، ثم يرجع فينادى: ليقم الذين كانت (( تتجافى جنوبهم عن المضاجع». وعن أبى هريرة - رضى الله عنه - قال: قال رسول الله (زَع) إن الله - تعالى - قال: أعددت لعبادى الصالحين، مالا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، (١). ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن عدالته قد إقتضت عدم التسوية بين (١) راجع تفسير ابن كثير = ٦ ص ٣٦٥ ٢٠٦ سورة السجدة الأخيار والأشرار ، وإن كل إنسان إنما يجازى يوم القيامة على حسب عمله. فقال - تعالى -: (( أفمن كان مؤمناً كمن كان فاسقاً). والاستفهام فى قوله: (أفمن كان مؤمناً .. للإنكار والفسوق: الخروج. عن طاعة الله . أى: أفن كان فى هذه الدنيا مؤمناً بالله حق الإيمان، كمن كان فيها فاسقاً وخارجاً عن طاعة الله - تعالى - وعن دينه الذى ارتضاه لعباده؟ كلا، إنهم لا يستوون لا فى سلوكهم وأعمالهم، ولافى جرائهم الدنيوى أو الأخروى . وقد ذكروا أن هذه الآية نزلت فى شأن الوليد بن عقبة وعلى بن أبى طالب. - رضى الله عنه - ، حيث قال الوليد لعلى: أنا أبط منك لساناً، وأحد سناناً، وأملأ فى الكتيبة جسداً، فقال له على: أسكت فإنما أنت ... فاق فنزلت هذه الآية (١) . ثم فصل - سبحانه - حسن عاقبة المؤمنين، وسو. عاقبة الفاسقين، فقال: (( أما الذين آمنوا، بالله حق الإيمان (( وعملوا، الأعمال .. , الصالحات» (((فلهم جنات المأوى، أى: فلهم الجنات التى يأون إليها، ويسكنون. فيها ((نزلا بما كانوا يعملون، والنزل: أصله ما يهيؤ للضيف النازل من الطعام والشراب والصلة ، ثم عمم فى كل عطاء . أى : فلهم جنات المأوى ينزلون فيها نزولا مصحوباً بالتكريم والتشريفه. جزاء أعمالهم الصالحة التى عملوها فى الدنيا . (١) تفسير القرطبى = ١٤ ص ١٠٤ ٢٠٧ الجزء الحادي والعشرون ((وأما الذين فسقوا)، أى: خرجوا عن طاعتنا، وعن دعوة رسولنا - صلى الله عليه وسلم - «فأواهم النار)) أى: فنزلتهم ومسكنهم ومستقرهم النار وبئس القرار. «كاما أرادوا أن يخرجوا منها «هربامن لهيبها وسميرما وعذابها. ((أعيدوا فيها، مرغمين مكرهين، وردوا إلينا مهانين مستذلين. ((وقيل لهم، على سبيل الزجر والتأنيب وزيادة الحمرة فى قلوبهم. (ذوقوا هذاب النار الذى كنتم به تكذبون، فى الدنيا، أوتستهزئون بمن ينذر كم به، ويخوفكم منه . حروالتفيمنهم على العذاب الأدنى)) أى الأمون والأقرب والأقل وهو عذاب الدنيا، عن طريق ما ننزله بهم من أمراض وأسقام ومصائب متنوعة . 2 دون العذاب الأكبر، أى: الأشد والأعظم والأبقى، وهو عذاب الآخرة. ((لعلهم يرجعون) عمام فيه من شرك وكفر وفوق وهصيان. ثم بين - سبحانه - حال من يدعى إلى الهدي فيعرض عنه، فقال: (( ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها،. أى: لا أحد أشد ظلما وكفرا ممن ذكره المذكر بالآيات الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وعلى أن دين الإسلام هو الحق ، ثم أعرض عنها جحودا وعنادا . ((إنا من المجرمين منتقمون)) أى: إنا من أهل الإجرام والجحود لا باتنا منتقمون إنتقاما بذهم وبهينهم . ٠ ٢٠٨ سورة السجدة قال صاحب الكشاف: ((ثم) فى قوله ( ثم أعرض عنها) الاستبعاد. والمعنى: أن الإعراض عن مثل آيات الله، فى وضوحها وإنارتها وإرشادها إلى سواء السبيل، والفوز بالسعادة العظمى بعد التذكير بها مستبعد فى العقل والعدل، كما تقول لصاحبك: وجدت مثل تلك الفرصة ثم لم تنتهزها، إستبعادا لتركه الإنتهاز. ومنه (( ثم )) فى بيت الحماسة: لا يكشف الغماء إلا إبن حرة يرى غمرات الموت ثم يزورها إستبعد أن يزور غمرات الموت بعد أن رآها وإستيقنها وأطلع على دها . فإن قلت: هلا قيل: إنا منه منتقمون؟ قلت: لما جعله أظلم كل ظالم ثم توعد المجرمين عامة بالانتقام منهم، فقد دل على إصابة الأظلم بالنصيب الأوفر من الانتقام، ولو كاله بالضمير لم يفد هذه الآفادة (١). ثم أشادت السورة الكريمة بعد ذلك إلى ما أعطاه الله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - من نعم، وما منحه الصالحين من قومه من منن، فقال - تعالى - : ,ولقد آتينا موسى الكتاب فلا تكن فى مرية من لقائه، والمراد بالكتاب فى قوله - تعالى -: (ولقد آتيناموسى الكتاب)، التوراة التى أنزلها - سبحانه - لتكون هداية لبنى إسرائيل. قالوا: وإنما ذكر موسى لقربه من النبى - صلى الله عليه وسلم - ووجود من كان على دينه إلزاما لهم ، وإنما لم يختر عيسى - عليه السلام - الذكر. والاستدلال ، لأن اليهود ما كانوا يوافقون على نبوته، وأما النصارى (١) تفسير الكثاف = ٣ ص ٠٥١٥ ٢٠٩ الجزء الحادى والعشرون فكانوا يعترفوا بنبوة موسى - عليه السلام-(١) والضمير المجرور فى قوله: «فلا تكن فى مرية من لقائه، يعود إلى مومى على أرجح الأقوال - أو إلى الكتاب. أى : آتينا موسى الكتاب فلا تكن - أيها الرسول الكريم - فى مرية أوشك من لقاء موسى للكتاب الذى أو حيناء إليه، بقبول ورضا وتحمل لتكاليف الدعوة به ، فكن مثله فى ذلك ، وبلغ ما أنزل إليك من ربك دون أن يخشى أحدا سواء . قال الآلوسي ما ملخصه: قوله: ( ولقد آتينا موسى الكتاب، أى: جنس السكتاب ((فلا تسكن فى مرية، أى: شك ,من لقائه، أى: من لقائك ذلك الجفس . وحمل بعضهم ((الكتاب)، على العهد، أى الكتاب المعهود وهو التوراة. ونهيه - صلى الله عليه وسلم - من أن يكون فى عمك، المقصود به أمته، والتعريض بمن أقصف بذلك . وفيل الكتاب، المراد به التوراة، وضمير «لقائه، عائد إليه من غير تقدير مضاف. ولقاء مصدر مضاف إلى مفعوله، وفاعله موسى: فلا تكن فى مرية من لقاء موسى الكتاب، أو مضاف إلى فاعله ، ومفعوله موسى. أى: من لقاء المكتاب موسى ووصوله إليه .. (٢). وهذا الرأى الأخير الذى عبر عنه الآلوسى - رحمه الله - بقولهموقيل، هو في رأينا أرجح الآراء، وأقر بها إلى الصواب، لبعده عن التكلف. (١) حاشية الجمل على الجلااين جـ ٣ ص ٤١٩ (٢) راجع تفسير الآاو ... جـ ٢١ ١٣٧.٥ ٢١٠ سورة السجدة قال الجمل فى حاشيته، بعد أن ساق ستة أقوال فى عودة الضمير فى قوله ((من لقائه)): «وأظهرها أن الضمير إما لموسى، وإما الكتاب، أى: لا ترتب فى أن موسى لقى الكتاب وأنزل عليه)، (١). قال صاحب الكشاف: والضمير فى ((لقائه، له - أى لموسى -، ومعناه: إنا آتينا موسى - عليه السلام - مثل ماآتيناك من الكتاب، ولقناه مثل ما لقناك من الوحى، فلا تكن فى شك من أنك لقيت مثله، ولقيت نظيره كقوله - تعالى -: ((فإن كنت فى شك مما أنزلنا إليك، فأسأل الذين يقرء ون الكتاب من قبلك (٢) . وقوله - تعالى -: ((وجعلناه هدى لبنى إسرائيل، أى: وجعلنا الكتاب الذى أنزلناه على نبينا موسى - عليه السلام - هداية لبنى إسرائيل إلى طريق الحق والسداد . ((وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا، والأئمة: جمع إمام، وهو من يقتدى به فى الأمور المختلفة، والمراد بهم هنا: من يقتدى بهم فى وجوه الخير والبر. أى: وجعلنا من بنى إسرائيل أئمة فى الخير والصلاح ، بهدون فهم إلى الطريق الحق، بأمرنا وإرادتنا وفضلنا، وقد وفقنائم لذلك حين صبروا على أداء ما كلفنام به من عبادات، وحين تحملوا الشدائد والمحن فى سبيل إعلاء كلمتنا . فأنت ترى أن جعلهم أتمة فى الخير لم يكن إعتباطاً، وإنما كان بسبب (١) حاشية الجمل +٣ ص ٤١٩ (٢) تفسير الكشاف + ٣ ص ٥١٦ ٢١١ الجزء الحادى والعشرون صبرهم على الأذى، وعلى مداق الدعوة إلى الحق، وعلى كل أمر يستلزم الصبر وحبس النفس . وفى ذلك إرعماد وتعليم المسلمين، بأن يسلكوا طريق الأئمة الصالحين، ممن كانوا قبلهم، وأن يبلغوا دهوداله إلى غيرهم بصبر ويقين. وقوله - سبحانه - ((وكانوا بآياتنا يوقنون)) زيادة فى مدحهم، وفى تقرير أنهم أهل للإمامة فى الخير. أى: وكانوا بسبب إدراكهم السليم لمعانى آياتنا: يوقنون إيقانا جازما بأنهم على الحق الذى لابحوم حوله باطل ، وبأنهم متبعون لشريعة الله - تعالى - التى لا يضل من أتبعها وسار على نهجها. ثم أشار - سبحانه - إلى أن بنى إسرائيل جميعاً لم يكونوا كذلك وإنما كان منهم الأخيار والأشرار، وأنه - تعالى - سيحكم بين الجميع يوم القيامة بحكمه العادل ، فقال: ((إن ربك هو يفصل بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون» . أى : إن ربك - أيها الرسول الكريم - هو وحده الذى يتولى القضاء والحكم بين المؤمنين والكافرين يوم القيامة ، فما كانوا يختلفون فيه فى الدنيا من أمور متنوعة، على رأسها ما يتعلق بالأمور الدينية. ثم يسوق سبحانه - فى أواخر السورة ما من شأنه أن يهدى الضالين إلى الصراط المستقيم ((وما يرشدهم إلى مظاهر نعمه عليهم، وما يزيد النبي (ع) ثباتاً على ثباته، ويقيناً على يقينه، فيقول - عز وجل -: ٢١٢ سورة السجدة أَوَ لَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَيْكَا مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْقُرُونِ يَمْتُونَ فِى مَسَتَكِنِهِمْ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَ يَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ ﴾ أَوَّ يَوْأَنَّا نُسُوقُ الْمَآءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُزِفَنُخْرِجُ بِمَزَرْ عًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَمُهُمْ وَأَنْفُسُهُمَّ أَقَلَا يُْصِرُونَ ﴾ وَ يَقُولُونَ مَ هَذَا الْفَتْحُ إِن كُنْتُ صَدِقِينَ ﴿ قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لاَيَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِيَدُهُمْ ٣٠ وَلَهُمْ يُنْظَرُونَ (﴾ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُ مُنْتَظِرُونَ والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((أولم يهد لهم كم أهلكنا .... لإنكار عدم اهتدائهم إلى ما يتفهم مع وضوح أسباب هذا الاهتداء، والواو العطف على مقدر يقتضيه المقام ، والخطاب للمشركين وعلى رأسهم كفار مكة ، و «كم، خبريه بمعنى كثير فى محل نصب لأهلكنا . والمعنى: أغفل هؤلاء المشر كون عما أصاب الظ لمين من قبلهم، ولم يتبين لهم - لانطماس بصائرهم - أننا قد أهلكنا كثيراً من أهل الأزمان السابقة من قبلهم ، بسبب تكذيبهم لأنبيائهم ، وإدارهم الكفر على الإيمان وقوله - تعالى. «يمدون فى مساكنهم)) حال من الضمير فى ((حالطم)، لتسجيل أقصى أنواع الجهالة والعناد عليهم . أى : أبلغ بهم الجهل والعناد أنهم لم يعتبروا بالقرون المهلكة من قبلهم. مع أنهم يمشون فى مساكن هؤلاء السابقين، ويمرون على ديارهم ٠صبحين وممسين ، وبرون بأعينهم آثارهم الدارسة ، وبيوتهم الخاوية على عروشها ٢١٣ الجزء الحادى والعشرون ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يزيد فى تبكيتهم وتقريبهم فقال: « إن فى ذلك لآيات أفلا يسمعون، . أى: إن فى ذلك الذى يرونه من مصارع الغابرين، وآثار الماضين، لا يات بنات، وعظات بليغات، فهلا تدبروا فى ذاك ، واستمعوا إلى هوت الحق بتعقل وتفهم ؟ فقوله - تعالى -: ((أفلايسمعون، حض لهم على الاستماع إلى الآيات الدالة على سوء عاقبة الظالمين، بتدبر وتعقلٍ وأتعاظ، وتحول من الباطل إلى الحق، قبل أن يحل بهم ماحل بأهل الأزمنة الغارة. ثم تبههم - سبحانه - إلى نعمة من نعمه الكثيرة فقال: « أو لم يروا أنا أسوق الماء إلى الأرض الجرز، فنخرج به زرعا، تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون، والأرض الجرز: هى الأرض اليابسة العلى جرز فيانها وقطع، إما لعدم نزول الماء عليها، وإما لرعيه منها . قال القرطبى ما ملخصه: والأرض الجرز هى التى جرز فياتها أى: قطع، إما لعدم الماء، وإما لأنه وعى وأزيل، ولا يقال التى لا تنبت كالسباخ جرز. وهو مشتق من قولهم: رجل جروز إذا كان لا يبقى شيئا إلا أكله ، وكذلك ناله جروز: إذا كانت تأكل كل شىء تجده، وسيف جراز، أى: قطع .. ))(١). أى: أعمواو لم يشاهدوا بأعينهم ((أنا تسوق، بقدرتنا ورحتنا, الماء)، الذى تحمله السحب ((إلى الأرض الجرز) أى: اليابسة الخالية من النبات، فينزل عليها . (((فنخرج به)) أى: فخرج هذا الماء النازل على الأرض القاحلة، زرعا)، (١) تفسير القر طبى + ١٤ ص ١١٠ ٢١٤ سورة السجدة كثيرا نافعا (( تأكل منه، أى: من هذا الروح ((أنعامهم)، أى: تأكل منه ما يصلح لأكلها كالأوراق والأغصان وما يشبه . وقوله ((وأنفسهم)) معطوف على أنعامهم. أى: تأكل أنعامهم من الرزع ما يناسبها، ويأكل منه الناس ما يناسبهم كالبقول والحبوب. وقدم - سبحانه - الأنعام على بنى آدم للترقى من الأدنى إلى الأشرف وقوله - تعالى - ((أفلا يبصرون، حض لهم على التأمل فى هذه النعم، والحرص على شكر المنعم عليها، وإخلاص العبادة له . ثم حكى - سبحانه - ما كان عليه المشركون من غرور وإستخفاف بالوعيد فقال: ((ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين ، والمراد بالفتح : الحكم والقضاء والفصل فى الخصومة بين المتخاصمين، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام -: «ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين ». أى: ((احكم بيننا وين قومنا بالحق، وأنت خير الحاكمين)). أى: ويقول المشركون النبى - صلى الله عليه وسلم - ولأسرابه على سبيل الاستهزاء، وإستعجال العقاب: متى هذا الذى محد ثوفنا عنه من أن اله - تعالى - سيفصل بيننا وبينكم، ويجعل لكم النصر ولنا الجريمة؟ لقد طال إنتظارنا لهذا اليوم الذى يتم فيه الحكم بيننا وبينكم، فإن كنتم صادقين فى قولكم ,فادعوا ربكم أن يعجل بهذا اليوم. وهنا يأمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم -أن يرد عليهم بما يخرسهم فيقول: ((قل يوم الفتح لا ينقع الذين كفروا إيمانهم ولاهم ينظرون. أى: قل - أيها الرسول - فى الرد على هؤلاء الجاهلين المغرورين: إن يوم الفصل بيننا وبينكم قريب، وهوآت لا محاله فى الوقت الذى يحدده اله - تعالى - ويختاره، سواء أكان هذا اليوم فى الدنيا، عندما تموتون على ٢١٥ الجزء الحادى والعشرون الكفر، أم فى الآخرة عندما يحل بكم العذاب، ولا ينفعكم إيمانكم، ولا أنتم تحملون أو تنظرون ، بل سينزل بكم العذاب سريعا وبدون مهلة. وما دام الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - ((فأعرض منهم وانتظر إنهم منتظرون» . أى: بأعرض عن هؤلاء المشركين، وعن أقوالهم الفاسدة دون أن تلتفت إليها، وامض فى طريقك أنت وأتباعك ، وانتظر النصرة عليهم يفضلنا وإرادتنا . أنهم -- أيضا- منتظرون ماسيؤول إليه أمرك، وسيكون أمرك بخلاف ما يمكرون وما ينتظرون . وبعد : فهذا تفسير وسيط لسورة السجدة ، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصاً لوجهه ، ونافعا لعبادة . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ؟ القاهرة - مدينة نصر كتبه الراجي عفو ربه د. محمد سيد طنطاوى مساء السبت: ٧ من شعبان سنة ١٤٠٥ هـ ٤/٢٧/ ١٩٨٥ م ٢١٦ فهرس إجمالى لتفسير سورة السجدة)) رقم الآية الآية المفسرة رقم الصفحة المقدمه . ١٨٧ ١٩٠ ألم .. ١ وقالوا أنذا ضللنا فى الأرض .. ١٠ إنما يؤمن بآياتنا الذين .. ١٥ ٩٩ ٢٠٢ أفن كان مؤمنا كمن كان فاسقا .. ١٨ ٢٠٢ ولقد آتينا موسى الكتاب .. ٢٢ ٢٠٣ يـ أو لم يهد لهم كم أهلكنا .. ٢٦ ٢١٢ ٧ ش الباب الأخضر المشهد الحسينى ت ٩٣٦٠٠٨ القاهرة