Indexed OCR Text
Pages 81-100
- ٨١ -
٩ - ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة ببيان أموال الساعة، وحكى
أقوال أهل العلم والإيمان، فى ردهم على المجرمين عندما يقسمون أنهم ما لبثوا
فى هذه الدنيا سوى ساعة واحدة، وأمر - سبحانه - نبيه - صوصطم -
أن يصبر على أذى أحداثه، فقال - تعالى -: «فاصبر إن وعد الله حق ،
ولا يستخفنك الذين لا يوقنون)).
،.
١٠ - وهكذا نجد أن سورة الروم، قد أنانت فى الحديث عن الأدلة
المتعددة، التى تشهد بوحدانية الله - تعالى - وقدرته، كماتشهد بأن هذا القرآن
. من عند الله، وبأن يوم القيامة حق وصدق، كماساقت آيات متعددة فى المقارنة.
بين مصير الأخيار، ومصير الأشرار ، ودعت الناس إلى الثبات على الدين
الحق، وهو دين الإسلام، كما حضت على التعاطف والتراحم بين المسلمين،
ونهت عن تعاطى الربا، لأنه لا يربو عند الله - تعالى -، وإنما الذى يعطى
من صدقات هو الذى يربو عند الله - عز وجل -، كما ذكرت أنواعامن النعم
التى أنعم أنه - تعالى - بها على عباده، وأمرتهم بشكره - سبحانه - عليها،
لكى يزيدهم من فضله ...
هذه أهم المقاصد التى اشتملت عليها السورة الكريمة ، وهناك مقاصد
أخرى براها من بتدبير هذه السورة الكريمة، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى
4T وصحبه وسلم؟
محمد سيد طنطاوى
القاهرة - مدينة نصر - ١٧ من رجب سنة ١٤٠٥هـ
٣/٧/ ١٩٨٥ م
(٦٢ - الروم)
٨٢
الجزء الحادى والعشرون
التفسير
بِسْـ
أَلَّ ا غُلِيَتِ الرُُّمُ﴾ فِىْ أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُم مِّنَّ بَعْدِ
◌ُلِمْ سَغْلِبُونَ (يَ فِ يِضْع ◌ِنَّ لِلِّالْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ
وُيَوْمَيِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٢﴾ بِنَصْرِ اللهِّ يَنْصُرُ مَن يَشَاءُ وَهُوَ
أُلْعَزِيزُ الَّحِيمُ ﴾ وَعْدَ اللهِ لَا يُخْلِفُ اللهُ وَعْدَهُ، وَلَكِنَّ أَكْثَرَ
النَّاسِ لَا يَعْلُونَ ﴿ يَعْلُونَ فَاهِرًا مِنَ الْخَيَّةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ
الْآخِرَةِ هُمْ غَفِلُونَ (٣)
سورة الروم من السور التی افتتحت ببعض حروفالهجی، وقد ذ کرنا
فى أكثر من سورة آراء العلماء فى هذه الحروف، ورجعنا أن هذه الحروف
قد ذكرها - سبحانه - فى افتتاح بعض السور القرآنية، التنبيه إلى أن هذا
القرآن من عند الله، لأن الله - تعالى - قد أزله على رسوله - صلى الله عليه
وسلم - بمثل الحروف التى ينطق بها المشركون، ومع ذلك فهم أعجز من
أن يأتوا بسورة من مثله ..
وقد ذكر المفسرون فى سبب نزول قوله - تعالى -: ((غلبت الروم. فى
أدنى الأرض .. )، روايات منها، مارواه ابن جرير - بإسناده - عن عبد الله
ابن مسعود - رضى الله عنه - قال : كانت فارس ظاهرة على الروم . وكان ..
المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم، وكان المسلمون يحبون أن تظهر
٨٣
سورة الروم
{ الروم على فارس، لأنهم أهل كتاب، وهم أقرب إلى دينهم ، فلما نزلت :
((ألم، غلبت الروم فى أدنى الأرض .. » قالوا: يا أبا بكر. إن صاحبك
يقول: إن الروم تظهر على فارس فى بضع سنين. قال: صدق. قالوا : مل
لك أن تقامرك - أى: زاهنك وكان ذلك قبل تحريم الرهان - فبايعوه
على أربع فلائص - جمع قارص، وهى من الإبل: الشابة - إلى سبع
سنين . فمضت السبع ولم يكن شىء. ففرح المشركون بذلك ، فشق على
المسلمين، فذكر النبى () فقال: ما بضع سنين عندكم؟ قالرأ: دون
العشر. قال: إذهب فزايدهم، وازهد - نتين فى الأجل. قال: فمامضت
السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس . ففرح المؤمنون
بذلك .... (١) .
وقال بعض العلماء : اتفق المؤرخون من المسلمين وأهل الكتاب على
أن ملك فارس كان قد عرا بلاد الهام مرتين: فى سنة ٦١٣، وفى سنة ٦١٤
أى: قبل الهجرة بسبع سنين، حدث أن بلغ الخبر مكة. ففرح المشر كون،
وشمتوا فى المسلمين ... فرات هذه الآيات .
فلم عض من البعض - وهو ما بين الثلاث إلى التسع - سبع سنين،
إلاوقد اقتصر الروم على الفرس، وكان ذلك سنة ٦٢١ م. أى: قبل
الهجرة بسنة ... ). (٢) .
وأدنى بمعنى أقرب، والمراد بالأرض : أرض الروم.
أى: غلبت الروم فى أقرب أرضها من بلاد الفرس.
: (١) راجع تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٣٠٦، وتفسير ابن جرير
ج ٣١ من ١٣.
(٢) تفسير القاسمى = ١٢ ص ٤٢٦٥
٨٤
الجزء الحادى والعشرون
قال ابن كثير : وكانت الواقعة الكائنة بين فارس والروم ، حين غلبت
الروم، بين أذرعات وبصرى ، - على ما ذكره ابن عباس وعكرمة
وغيرهما -، وهى طرف بلاد الشام مما يلى الحجاز.
-
وقال مجاهد : كان ذلك فى الجزيرة . وهى أقرب بلاد الروم من
فارس، (١) .
وقال الألوسى: ((والمراد بالأرض أرض الروم، على أن ((أل)، نائبة
هناب الضمير المضاف إليه، والأقربية بالنظر إلى أهل مكة ، لأن الكلام
معهم، أو المراد بها أرض مكة وقواحيها، لأنها الأرض المعهودة عندهم،
والأقربية بالنظر إلى الروم .. )، (٢).
وقوله - تعالى -: ((وهم من بعد غلبهم سيغلبون. فى بضع سنين،
بشارة من الله - تعالى - للمؤمنين، بأن الله - تعالى - سيحقق لهم
ما يرجوفه من إنتصار الروم على الفرس .
أى وهم - أى الروم - من بعد هزيمتهم من الفرس، دينتصرون
علیهم ، خلال بضع سنين .
والتعبير بقوله - تعالى -: ((سيغلبون فى بضع سنين، لتأكيد هذا
الوعد .. بيان أن نصر الروم على فارس سيتم خلال سنوات قليلة من عمر
الأمم، وقد تحقق هذا الوعد على أكمل صورة وأنمها، فقد انتصر الروم
على الفرس نصرا عظيما، وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -،
حيث أخبر عن أمور ستقع فى المستقبل، وقد وقعت كما أخبر.
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ صــ ٣١٠
(٢) تفسير الآلوسى + ٢١ ص ١٧
:
٨٥
سورة الروم
وقوله - سبحانه -: «لا الأمر من قبل ومن بعد، جملة معترضة
لبيان قدرة الله - تعالى - التامة النافذة، فى كل وقت وآن.
أى: لله - تعالى - وحده الأمر النافذ من قبل انتصار الفرس على
الروم ، ومن بعد انتصار الروم على الفرس ، وكلا الفريقين كان نصره
أو هزيمته بإرادة الله ومشيته، وليس لأحد من الخلق أن يخرج عما قدره
- سبحانه - وأراد . .
((ويومئذ)) أى: وهوم أن يتغلب الروم على الفرس , يفرح المؤمنون
بنصر الله، حيث نصر أهل الكتاب وهم الروم، على من لا كتاب لهم وهم
الفرس، الذين كانوا يعبدون النار فأبطل - سبحانه - بهذا النصر ثمائة
المشركين فى المسلمين ، وإزداه المؤمنون ثباتا على ثباتهم.
قال ابن كثير : وقد كانت نصرة الروم على فارس، يوم وقعة بدر ، فى
قول طائفة كبيرة من العلماء ... وقال آخرون: بل كان النصر الروم على
فارس عام الحديبية .. فلما انتصرت الروم على فارس ، وفرح المؤمنون
بذلك ، لأن الروم أهل كتاب فى الجملة، فهم أقرب إلى المؤمنين من
المجوس : .. (١).
وقوله - سبحانه -: ((ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم، مؤكدا
لما قبله. أى: ينصر - سبحانه - من يريد نصره، ويهزم من يريد
هزيمته ، وهو العزيز الذى لا يغلبه غالب، الرحيم الذى ومعه رحمته كل شىء
ثم زاد - سبحانه - هذا الأمر تأكيداً وتقوية فقال: «وعد الله
لا يخلف الله وعده ....
ولفظ ((وعد) منصوب بفعل محذوف.
(١) تفسير ابن كثير ٦٢ ص ٣١٠
٨٦
الهر. الحادى والعشرون
أى: وعد الله المؤمنين بالنصر وبالفرح وعداً مؤكداً، وقد اقتضت
سخته - سبحانه - أنه لا يخلف وعده.
((ولكن أكثر الناس لا يعلمون، ذلك، لانطماس بصائرهم،
ولاستيلاء الجولى على عقولهم ، ولاستحواذ الشيطان عليهم.
والضمير فى قوله - تعالى -: ((يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا ...
يعود للأكثر من الناس.
أى: هؤلاء الأكثرون من الناس،، من أسباب جهلهم بسنن الله
- تعالى - فى خلقه، أنهم لا يهتمون إلا بملاذ الحياة الدنيا ومتعها
وشهواتها، ووسائل المصيدة فيها .
((وهم عن الآخرة، وما فيها من حساب وثواب وعقاب ((هم غافلون))
لأنهم أثروا الدار العاجلة، على الدار الباقية، فهم - كما قال - تعالى -:
(( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون).
قال صاحب الكهافى ما ملخصه: وقوله: «يعلمون ظاهراً ... بدل
من قوله: ((ولكن أكثر الناس لا يعلمون)).
وفى هذا الإبدا من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه ،
ويعد مسده ، ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذى هو الجهل ، وبين
وجود العلم الذى لا يتجاوز الدنيا .. وفى تنكير قوله: «ظاهراً، إشارة إلى
أنهم لا يعلمون إلا ظاهراً واحداً من جملة ظواهر الحياة الدنيا .. ، (١).
الآية الكريمة تنعى على هؤلاء الكافرين وأشباههم، أنهما كمهم فى شئون
(١) تفسير الكشاف = ٢ ص ٣٨٦
٨٧
سورة الروم
الدنيا أنهما كاناما جعلهم غافلين عما ينتظرهم فى أخراهم من حساب وعقاب
ورحم ال القائل:
فى صورة الرجل السميع المبصر
ومن البلية أن ترى لك صاحبا
وإذا يصاب بديله لم يشعر
فطن بكل مصيبة فى ماله
ثم حضهم - سبحانه - على التفكر فى خلق أنفسهم، وعلى التفكير
فى ملكوت السموات والأرض، لعل هذا التفكر والتدبر بهديهم إلى الصراط
المستقيم . فقال - تعالى - :
٨٨
الجزء الحادى والعشرون
أَوَلَمْ يَفَكَّرُواْ فِى أَنفُسِهِمَ مَّا خَلَقَ
اللهُ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَآ إِلَّ بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمَّى وَإِنَّ
كَثِرًا مِنَ النَّاسِ بِقَّاتٍ رَبِمْ لَكَلِفِرُونَ الَ أَوَلَمْ يَسِرُواْ فِي الْأَرْضِ.
فَيَنْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَنْقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُواْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُرَّةٌ
وَثَارُواْ الْأَرْضَ وَعَمُرُوهَا أَكْثَرِمَّا عَمُرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُهُم بِالْبَيْنَتِ
فَ كَانَ اللّهُ لِيَظْلَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلُونَ (٢٤) ثُمَّ كَانَ عَقِبَةٌ
الَّذِينَ أَسَتَكُوْلُّوَىَّ أَنْ كَذَّبُواْبِعَنْتِ الَّهِوَ كَانُواْبِهَا يَسْتَهْزِئُ ونَ(٢﴾
اللَّهُ يَبْدَؤُ أْخَلَقَ مُمَّ يُعِيدُ بُمْ إِلَيْهِ تْ جَعُونَ اللهَ وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ
يُسْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (8﴾ وَلَمْ يَكُنْ لهُ مِنْ شُرَّكَاِمْ شُفَعَتُاْ وَكَانُواْ
بِشِّرَكاِمْ كَفِرِينَ (َ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ
١٤
فَأَّا الَّذِينَءَامَنُواْوَعَمُوْ الصَّالِحَتِ فَهُمْ فِ رَوْضَةٍ يُحِبُرُونَ ﴾ وَأَمَّا
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَبُرْ بِعَايَئِنَ وَلِقَبٍ الْآَخِرَةِ فَأُوْلَِّكَ فِ الْعَذَابِ
مُحْضَرُونَ.
والاستفهام فى قوله - تعالى -: «أولم يتفكروا فى أنفسهم، ما خلق الله
السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى، لتوبيخ أوائك.
٨٩
سورة الروم
الكافرين الذين يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا، وهم عن الآخرة هم
غافلون والواو العطف على مقدر يقتضيه المقام. و((ما)) فى قوله ((ماخلق))
الدفى، والباء فى قوله ((إلا بالحق)) الملابسة. وقوله: ((وأجل مسمى))
معطوف على الحق .
والمعنى: أبلغ الجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم اكتفوا بالاسماك فى متع
الحياة الدنيا، ولم يتفكروا فى أحوال أنفسهمو فى أطوار خلقها، لأنه لو تفكروا
لعلموا وأيقنوا، أن الله - تعالى - ما خلق السموات والأرض وما بينهما،
إلا ملتبسة بالحق الذى لا يشوبه باطل، وبالحكمة التى لا يحوم حولما عبث،
وقد قدر - سبحانه - هذه المخلوقات جميعها أجلا معينا تنتهى عنده، وهو
وقت قيام الساعة، يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات.
فالآية الكريمة تنعى على هؤلاء الأشقياء، غفلتهم من الدار الآخرة
وما فيها من حساب، وتحضهم على التفكر فى تكوين أنفسهم ، وفى ملكوته
السموات والأرض ((أن هذا التفكر من شأنه أن يؤدى إلى الحق، كما كلفت
أنظارهم إلى أن لهذا الكون كله نهاية ينتهى عندها، وفى أن بأذن الله
- تعالى - بذلك، وبقيام الساعة.
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان موقف الأكثرية من الناس من.
قضية البعث والجراء فقال: ((وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكلفرون)).
أى: وإن كثيرا من الناس لفى انشغال قام بد نياهم عنآخرتهم، ولا يؤمنون
بما فى الآخرة من حساب وثواب وعقاب، بل بقواون: ما الحياة إلا حياتنا
الدنيا ومانحن بمبعوثين، وعلى رأس هذا الصنف من الناس مشركو مكة
الذين أوصل النبى - صلى الله عليه وسلم - فيهم، لإخراجهم من الظلمات.
إلى النور.
٩٠
الجزء الحادى والعشرون
وقال - سبحانه -: ((وإن كثيرا من الناس .. ، للإشعار بأن هناك عددا
قليلا من الناس - بالنسبة لهؤلاء الكثيرين - قد آمنوا بلقاءربهم، واستعدوا
لهذا اللقاء عن طريق العمل الصالح الذى يرضى خالقهم - عز وجل -.
ثم فرعهم - سبحانه - للمرة الثانية على عدم اتعاظهم بأحوال السابقين
من الأمم قبلهم، فقال - تعالى -: ((أو لم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف
كان عاقبة الذين من قبلهم .. .
أى «أقمد مشركو مكة فى ديارهم، ولم يسيروا فى الأرض سير المناملين
المتفكرين المعبرين، فينظروا كيف كان عاقبة الدينى من قبلهم، من الأمم
الماضية ، کقوم عاد وثمرد ، وقوم لوط .
وقوله - سبحانه -: «كانوا أشد منهم قوة، بيان لحال هؤلاء الأقوام
السابقي ((وأثاروا الأرض، أى: كان أو لتك السابقون أقوى من أهل مكة فى
كل مجال من مجالات القوة، وكانوا أقدر منهم على حراثة الأرض ،
وتهيئتها الزراعة، واستخراج خيراتها من باطنها ..
,(وعمروها أكثر مما عمروها، أى: حرثوا الأرض وشقرا عن باطنها،
وعمروها عمارة أكثر من عمارة أهل مكة لها، لأن أولئك الأقوام الساقين
كانوا أقوى من كفار مكة، وكانوا أكثر هراية بعمارة الأرض.
وهؤلاء الأقوام السابقون: ((جاءتهم رسلهم بالبينات)، أى: بالمعجزات
الواضحات، وبالحجج الساطمات، ولكن هؤلاء الأقوام كذبوار سلهم،
فأهلكهم اته - تعالى - ,فما كان الت ليظلمهم، أى: فما كان الله - تعالى -
من شأنه أن يعذبهم بدون ذنب .
((ولكن كانوا أنفسهم يظلمون)، حيث ارتكبوا من الكفر والمعاصى
ما كان سببا فى ملاكهم.
٩١
سورة الروم
ثم بين - سبحانه - المصير الىء، الذى حل بهؤلاء الكافرين فقال:
« ثم كان عاقبة الذين أساؤوا المودى ... )).
ولفظ ((عاقبة، قرأه ابن عامر وعاصم وحزة والكسائى - بفتح الداء -
على أنه خير كان قدم على اسمها، وهو لفظ «السوءى، الذى هو تأنيث
الأسوأ، كالحسنى تأفيك الأجن، وجرد الفعل ((كان)) من التاء مع أن
السودى مؤنث، لأن التأنيث غير حقيقى.
فيكون المعنى : ثم كانت العقوبة السيئة وهى العذاب فى جهنم ، عاقبة
-الذين عملوا فى دنياهم الأعمال السيئات .
وقرأ الباقون برفع لفظ «عاقبة، على أنه خبر كان: وخبرها لفظ (( السودى))
أى: ثم كانت عاقبة هؤلاء الكافرين الذين أسازا فى دنياهم، أسوأ العقوبات
وأفبحها ، أو كانت عاقبتهم السوءى وهى الإلقاء بهم فى النار وبئس القرار.
وقوله - سبحانه -: (( أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون))
تعليل لما آل إليه أمرهم من عاقبة سيئة، أى: لأن كذبوا، أو بأن كذبوا
مجذف حرف الجر .
أى : كانت عاقبتهم فى الآخرة أسوأ العقوبات وأقبحها وهى العذاب فى
جهنم ، لأنهم فى الدنيا كذبوا بآياتنا الدالة على وحدانيتنا وعلى صدق
خبينا (ع) وكانوا بها يستهرمون.
٠
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على قدرته، وبين أحوال الناس
وأقسامهم يوم القيامة، فقال - تعالى -: ((اله يبدأ الخلق ثم يعيده ...
٩٢
الجزء الحادى والعشرون
أى: «الله، - تعالى - وحده هو «الذى يبدأ الخلق، أى: يشته
ويوجده على غير مثال سابق، «ثم يعيده)) أى: إلى الحياة مرة أخرى يوم
القيامة ((ثم إليه ترجعون)، للحساب والجزاء، فيجازى - سبحانه - كل
إنسان بما يستحقه من نواب أو عقاب.
وأفرد - سبحانه -: الضمير فى ,يعيده، باعتبار لفظ الخلق،
وجهعه ی قوله: ((ترجعون، باعتبار معناه .
ثم ذكر - سبحانه - حال المجرمين يوم القيامة فقال: ((ويوم تقوم
الساعة بيلس المجرمون و ((يبلس، من الإبلاس بمعنى السكوت والذهول
وانقطاع الحجة. يقال: أبلس الرجل، إذا وقف ساكتاً حائراً مبهوتاً
لا يجد كلاماً ينقذه مما هو فيه من بلاء.
أى: ويوم تقوم الساعة، ويشاهد المجرمون أهوالها"، يصابون
بالذهول والحيرة والسكوت المطبق، لانقطاع حجتهم، وشدة حزنهم وحمهم
وبأسهم من النجاة بأساً تاماً .
((ولم يكن لهم، فى هذا اليوم ((من شركائهم) الذين عيدوهم فى الدنيا.
,شفعاء)) يشفعون لهم، ومجيرونهم من عذاب الله.
, وكانوا بشركاتهم كافرين، أى: أنهم فى هذا اليوم العسير لم يكن لهم
من شفعاء يشفعون لهم . بل إنهم صاروا فى هذا اليوم الشديد ، كافرين
يشركائهم الذين توهموا منهم الشفاعة، لأنهم يوم القيامة تتجلى ظم الحقائق.
ويعرفون أن هؤلاء الشركاء لا يرجى منهم نفع، ولا يخشى منهم ضر .
ثم كرر - سبحانه - هذا المعنى على سبيل التأكيد والتهويل من
شأنه فقال: «ويوم تقوم الساعة يومئذ بتفرقون)).
٩٣
سورة الروم
والضمير فى قوله: «يتفرقون، للناس جيعاً، والمراد بتفرقهم أن كل
طائفة منهم تتجه إلى الجهة التى أمرهم - سبحانه - بالتوجه إليها ، لينال جزاء.
ثم بين - سبحانه - كيفية هذا التفرق فقال: «فأما الذين آمنوا
وعملوا الصالحات فهم فى روضة يحبرون» .
والروضة: تطلق على كل مكان مرتفع زاخر بالنبات الحسن والمراد
بها هنا: الجنة.
ويحبرون: من الحبور بمعنى الفرح والسرور والابتهاج .
أى: « ويوم تقوم الساعة، فى هذا اليوم يتفرق الناس إلى فريقين:
. أما فريق الذين آمنوا وعملوا فى دنياهم الأعمال الصالحات، فسيكونون
فى الآخرة فى جنة عظيمة، يسرون بدخولها سروراً عظيماً، وينعون فيها
نعيماً لا يحيط به الوصف .
(((وأما الذين كفروا، باقه وبرسله وباليوم الآخر (وكذبوا بآياتنا)،
الدالة على وحدانيتنا وصدق أمبياتنا. فأولئك، الكافرون , فى العذاب
محضرون، أى: مقيمون فيه، ومجموعون إليه، بحيث لا يستطيعون
الهروب منه - والعياذ بالله - .
ويعد هذا البيان المؤثر لأهوال يوم القيامة، ولأحوال الناس فيه ...
ساق - سبحانه - أنواع متعددة من الأدلة والبراهين على وحدانيته
- عز وجل - وقدرته، ورحمته بخلقه، فقال - تعالى -:
فُسُبْحَانَ اللَّهِحِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ
وَلَهُ الْحَمْدُ فِ السَّمَوَّتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (﴾
يُخْرِجُ الْحَىَّ مِنَ الْمَّتِ وَيُخْرِجُ الْمَبْتَ مِنَ الْخَيِّ وَيْيِ الْأَرْضَ
يَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (٨) وَمِنْ ءَتِهٍِ أَنْ خَلَقَّكُم مِّنْ
تُرَابٍ ثُمَ إِذَا أَنُ بَشَرْتَتَّشِرُونَ (﴾ وَمِنْءَتِهِ: أَنْ خَلَقَ لَكُ مِنْ
أَنْفُسِكُمْ أَزْ وَالِتَسْكُنُواْإِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُ مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّفِ
ذَلِكَ لَيْتِ لِقَوْرِ يَتَفَكُّونَ () وَمِنْ ءَايَتِهِ، خَلْقُ اَلَّمَلَوَّتِ
وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَفُ أَلْسَتِكُمْ وَأَلْوَتِكُمَّ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَيْتٍ
لِلْعَلِينَ ﴿ وَمِنْ ءَتِهِ، مَنَامُ بِالَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَنْتِغَاؤُ كُم مِّن
فَضْلِةٌ إِنَّ فِ ذَلِكَ لَآَيَتِ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (﴾ وَمِنْ ءَ ايَتِهِ،
يُرِيُكُ الْبَرْقَّ خَوْقًا وَطَمَعًا وَ يُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَآءَ فَيُحْيِ بِهِ
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِى ذَلِكَ لَأَنْتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ وَمِنْ
◌َايَتِهَِ أَن تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِ، ثُمَّإِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً
مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنُمْ تَخْرُجُونَ (َه وَلَهُ مِنْ فِالسَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِ
◌ُلٌّ لَهُ قَنِسُونَ (٨) وَهُوَ الَّذِى يَبْدَؤُأ ◌َلْخَلَقَ ثُمَّيُعِدُهُ، وَهُوَ أَهْوَنُ عَيْهِ.
وَلَهُلْمَثَلُ الْأَعْلَ فِ السَّمَنَوَتِ وَالْأَرْضِّ وَهُوَ الْعَزِبُالْحَكِيمُ ﴾
٩٥
سورة الروم
قال الإمام الرازى: لما بين - سبحانه - «ظمته فى الابتداء بقوله :
((ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى)،،
وعظمته فى الانتهاء، بقوله: (( ويوم تقوم الساعة، وأن الناس بتفرقون
فريقين، ويحكم - عز وجل - على البعض بأن هؤلاء الجنة ولا أبالى،
وهؤلاء النار ولا أبالى، بعد كل ذلك أمر بتمريه عن كل سوء، وبحمده
على كل حال ، فقال: (( فيحان إليه حين مون.٠٠٠(١).
والفاء فى قوله: (( فسبحان .. ، لترتيب ما بعدها على ما قبلها، ولفظ-
((سبحان)) اسم مصدر، منصوب بفعل محذوف، والقبيح: تنزيهاته تعالى.
عن كل مالا يليق بجلاله، والمعنى: إذا علمتم ما أخبرتكم به قبل ذلك ،
فسبحوا الله - تعالى - ونزهوه عن كل فقص ((حين تمسون)) أى: حين
تدخلون فى وقت المساء ((وحين تصبحون) أى: تدخلون فى وقص الصباح.
وقوله - تعالى -: ((وله الحمد فى السموات والأرض» هلة مفترضة
لبيان أن جميع الكائنات تحمده على نعمه ، وأن فوائد هذا الثناء تعود
عليهم لا عليه - سبحانه - .
وقوله ((وعديا، معطوف على ((حين تمسون، أى: سبحوا انه
- تعالى - حين تمسون، وحين أصبحون، وحين يستركم الليل بظلامه،
وحين تكونون فى وقت الظهيرة، فإنه - سبحانه - هو المستحق الحمد والثناء
من أهل السموات ومن هل الأرض ، ومن جميع المخلوقات.
قال ابن كثير، وعن رسول الله (25) أنه قال: ألا أخبركم لم
سمى الله إبراهيم خليله الذى وفى ؟ لأنه كان يقول كاما أصبح وأمسى،
(١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٥١٤
٩٦
الجزء الحادى والعشرون
((سبحان اله حين تمسون وحين تصبحون.
٠،٠٠
وفى حديث آخر: من قال حين يصبح: ((فبحان الله حين تمسون
وحين تصبحون .. أدرك ما فانه فى يومه، ومن قالها حين يمسى، أدرك
ما فاته فى ليلته)، (١).
ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر قدرته فقال: «يخرج الحى من
الميت، كإخراجه الإنسان من النطفة، والنبات من الحب، والمؤمن من
الكافر((وبخرج الميت من الحى)، كما فى عكس هذه الأمور، كإخراجه
النطفة من الإنسان، والحب من النبات، والمكافر من المؤمن .
ويحى الأرض، بالنبات، بعد موتها، أى: بعد تحطم وجد بها،
كما قال - سبحانه -: «وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت
وربت، وأنبتت من كل زوج جيج،، وقوله - تعالى -: «وكذلك تخرجون))
تذييل قصد به تقريب إمكانية البحث من العقول والأفهام .
أى: ومثل هذا الإخراج البديع النبات من الأرض، والحى من الميت،
نخر كم - أيها الناس - من قبوركم يوم القيامة، للحساب والجزاء.
ثم أوره - سبحانه -بعد ذلك أنواعا من الأدلة على قدرته التى لا يعجزها
شىء، فقال - تعالى -: ((ومن آياته أن خلقكم من تراب، ثم إذا أنتم
بشر تنتشرون).
والآبات: جمع آية، وتطلق على الآية القرآنية، وعلى الشىءالعجيب كما.
فى قوله - تعالى -: ((وجعلنا ابن مريم وأمهآية» .. والمراد بها هنا: الأدلة
الواضحة، والبراهين الساطعة، الدالة على وحدانية ات - تعالى - وقدرته.
(١) تفسير ابن كثير ج٦ ص ٣١٤
٩٧
سورة الروم}
والمعنى: ((ومن آياته، سبحانه - الدالة على عظمته ، وعلى كمال قدرته ،
أنه خلفكم من تراب، أى: خلق أباكم آهم من تراب، وأنتم فروع عنه.
و((إذا، فى قوله: (( ثم إذا أنتم بشر تنتشرون، هى الفجائية.
أى : خلقكم بتلك الصورة البديعة من مادة التراب التى لا يرى فيهارائحة
الحياة، ثم صرقم بعد خلقنا إياكم فى أطوار متعددة، بشراً تنتشرون فى
الأرض ، وتمدون فى مناكبها وتتقلبون فيها تارة عن طريق الزراعة ،
وتارة عن طريق التجارة، وتارة عن طريق الأسفار ... كل ذلك طلباً
الرزق ، ولجمع الأموال .
وعبر - سبحانه - يفى المفيدة التراخى، لأن انتشارهم فى الأرض
لا يتأتى إلا بعد مرورهم بأطوار متعددة، منها أط وار خلقهم فى بطون
أمهاتهم، وأطوار طفولتهم وصباهم ، إلى أن يبلغوا سن الرشد.
قال الشوكانى: وإذا الفجائية وإن كانت أكثر ما تقع بعد الفاء ، لكنها
وقعت هنا بعد ثم، بالنسبة إلى ما يلبق بهذه الحالة الخاصة، وهى أطوار
الإنسان، كما حكاها الله - تعالى - فى مواضع، من كونه نطفة، ثم حلقة
ثم مضغة، ثم عظماً مكوالحماً .. )) (١).
- ثم انتقلت السورة الكريمة إلى بيان آية ثانية، دالة على كمال قدرته
ورأفته بعباده، فقال: ((ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا،
أى: ومن آياته الدالة على رحمه بكم، أنه - سبحانه - خلق لكم من
أنفسكم، أى : من جنسكم فى البشرية والإنسانية أزواجا.
قال الآلوسى: قوله (( من أنفسكم أزواجا)، فإن خلق أصل أزواجكم
حواء من ضلع آدم - عليه السلام -متضمن لخلقهين من أنفسكم ((فمن، التبعيض
(١) تفسير فتح القدير حـ ٤ ص ٣١٩
( ٢ ٧ - الروم)
٩٨
٠
الجزء الحادى والعشرون
والأنفس بمعناها الحقيقى، ويجوز أن تكون ((من)) ابتدائية، والأرض.
مجاز عن الجنس، أى: خلق لكم من جنسكم لامن جنس آخر. قيل:
وهو الأوفق لما بعد، (١).
وقوله - سبحانه -: ((لتسكنوا إليها .. ، بيان لعلة خلقهم على هذه الطريقة
أى: خلق لكم من جنسكم أزواجا، لوسكنوا إليها، ويميل بعضكم إلى بعض
فإن الجنس إلى الجنس أميل، والنوع إلى النوع أكثر اتتلاها وانعاما.
(( وجمل، - سبحانه - ((بينكم، يا معشر الأزواج والزوجات
((مودة ورحمة)، أى: محبة ورأفة، لم تكز بينكم قبل ذلك، وإنما حدثت
عن طريق الزواج الذى شرعه - سبحانه - بين الرجال والنساء ، والذى
وصفه - تمللى - بهذا الوصف الدقيق، فى قره - عز وجل -: ((هن.
لباس لكم وأتم لباس لهن .
(((إن فى ذلك)) الذى ذكرناه لكم قبل ذلك ((لا يات)) عظيمة تهدى إلى
الرشد و إلى الاعتبار« القوم يتفكرون، فى مظاهر قدرة الله - تعالى -.
ورحمته بخلقه .
ثم ذكر - سبحانه - آية ثالثة فقال .. ومن آياته خلق السموات
والأرض، أى : ومن آياته الدالة على قدرته التامة على كل شىء ، خلقه
السموات والأرض بتلك الصورة البديعة ((((اختلاف ألسنتكم)) أى:
واختلاف لغاتكم فهذا يتكلم بالعربية، وآخر بالفارسية وثالث بالردمية ..
إلى غير ذلك مما لا يعلم عدده من اللغات، بل إن الأمة الواحدة تجد فيها
عشرات الغات التى يتكلم بها أفرادها، ومآت اللهجات ((وألوانكم، أى: ومن
آياته كذلك ، اختلاف ألوانكم، فهذا أبيض، وهذا أسود، وهذا أصفر وهذا
أشقر .. مع أن الجميع من أب واحد وأم واحدة وهما آدم وحواء . بل إنك.
لا تجد شخصين يتطابقان تطابقاً تاماً فى خلقترما وهمكلهما.
(١) تفسير الآلوسى = ٢١ ص ٣٠
٩٩
سورة الروم
قال صاحب الكشاف: الألسنة: اللغات، أو أجناس النطق وأشكاله.
خالف - عز وجل - بين هذه الأشياء حتى لاتكاد تسمع منطقين متفقين فى
حمس واحد، ولا جهارة، ولا حدة، ولارخاوة، ولا فصاحة .. ولا غير
ذلك من صفات النطق وأحواله، وكذلك الصور وتخطيطها؛ والألوان
وتتويعها، ولاختلاف ذلك وقع التعارف، وأواتفق وتشاكلت، وكانت
حرباً واحداً، لوقع التجاهل والالتباس، ولتعطلت مصالح كثيرة .. وهم
على الكثرة التى لا يعلمها إلا أنه مختلفون متفاوتون» (١) . .
(إن فى ذلك، الذى أوضحناه لكم، لآيات)) بيناج ((العالمين))
- بفتح اللام - وهى قراءة الجمهور ، أى: إن فى ذلك لآيات لجميع
أصناف العالم من بار وتاجر ، ومؤمن وكافر .
وقرأ حفص - بكسر اللام - أى: إن فى ذلك لآيات لأولى العلم والفهم
من الناس .
ثم ذكر - سبحانه - آية رابعة فقال: ((ومن آياته منامكم، أى:
فومكم ((بالليل والنهار)) لراحة أبدانكم وأذهانكم، «وابتغاؤكم من فضله،
أى : وطلبكم أرزاقكم فيهما من فضل الله وعطائه الواسع.
ال الجمل: قيل فى الآية لقديم وتأخير، ليكون كل واحد مع ما يلائه،
والتقدير: ومن آياته منامكم بالليل وابتغاؤكم من فضله بالنهار، فحذف
حرف الجر لاتصاله بالليل، وعطف عليه، لأن حرف العطف قد يقوم
مقام الجار والأحسن أن يجعل على حاله، والنوم بالفهار مما كانت من
العرب قعده نعمة من الله ولاسيما فى أوقات القيلولة فى البلاد الحارة» (٢).
(١) تفسير الكثاف ٣٠ ص ٤٣٣
(٢) حاشية الجمل على اللالين = ٣ ص ٩
٠ ٠
١٠٠
الجزء الحادى والعشرون
((إن فى ذلك، كله «لآيات لقوم يسمعون، هذه التوجيهات سماع
قدير وتفكروا عتبار فيعملون بما يسمعون .
ثم ساق - سبحانه - آية خاصة فقال : ومن آياته يريكم البرق خوفا
وطمعاً ...
أى: ومن آياته - سبحانه - ((الدالة على قدرته، أنه يريكم البرق،
فتارة تخافون مما يحدث بعده من صواعق متلفة، وأمطار مزعجة، وتارة
ترجعون من وراته المطر النافع، والغيت المدرار.
واغتصاب ( خوفاً وطمعاً، على أنهما مفعول لأجله، أى: يربكم ذلك
من أجل الخوف والطمع، إذ بهما يعيش المؤمن حياته بين الخوف والرجاء،
فلا يبطر ولا ييأس من رحمة الله، ((وينزل من السماء ماء)» كثيراً ((فيحى ))))
أى: بسبب هذا الماء ((الأرض بعد موتها)، أى: بأن يحولها من أرض حدبا.
هامدة إلى أرض خضراء زاخرا بالنبات ((إن فى ذلك لآيات لقوم يعقلون)
هذه الإرشادات، ويستعملون عقولهم فى الخير لا فى الشر، وفى الحق لا فى
الباطل ، وفى استنباط المعانى الدالة على كال قدرة الله - تعالى - ورحمته
ثم ذكر - سبحانه - آية سادسة فقال: ((ومن آياته أن تقوم السماء
والأرض بأمره .. ، والمراد بقيامها: ثباتما وبقاءهما بتلك الصورة
العجيبة البديعة .
أى: ومن آيانه - سبحانه - الدالة على كمال قدرته، خلقه السموات
والأرض ، وإبقاؤه لهما على هذه الصورة البديعة، وقيامهما وثباتهما
واستمساكهما على تلك الهيئة العجيبة، وذلك كله بإرادته وأمره ومشيئته
قال ابن كثير: وشبيه بذلك قوله - تعالى -: ((ويمسك السماء أن
تقع على الأرض إلا بإذنه .
وقوله: (( إن الله يمسك السموات والأرض أن تزولا))، وكان عمر