Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
الجزء العشرون
أى: أنت - أيها - أيها الرسول الكريم - لم تكن معاصرا لتلك الأحداث
ولكن أخبر فاك بها عن طريق الوحى ، والسبب فى ذلك أن بينك وبين موسى
وغيره من الأنبياء أزمانا طويلة ، تغيرت فيه الشرائع والأحكام ، وعميت
على الناس الأنباء، فكان من الخير والحكمة أن نقص عليك أخبار السابقين
بالحق الذى لا يحوم حوله باطل، حتى يعرف الناس الأمور على وجهها
الصحيح .
قال صاحب الكشاف: (فإن قلت: كيف يتصل قوله: «ولكنا أنشأنا
قرونا، بهذا الكلام؟
قلت: إتصاله به وكونه إستدراكا له، من حيث إن معناه: ولكنا أنهأنا
بعد عهد الوحى إلى عهدك قرونا طويلة ((فتطاول)) على آخرهم: وهو القرن
الذى أنت فيهم (( العمر».
أى: أمد إنقطاع الوحى، واندرست العلوم، فوجب إرسالك إليهم،
فأرسلناك وكسبناك - أى: وأعطيناك - العلم بقصص الأنبياء .. فذكرسبب
الوحى الذى هو إطالة الفترة، ودل به على المسبب ، على عادة الله - تعالى -
فى إختصاراته .(١)
قوله - سبحانه -: ((وما كنت ثاويا فى أهل مدين تتلو عليهم آياتنا ... ))
مؤكدة لمضمون ما قبله، من عدم معرفة الرسول- صلى الله عليه وسلم -لأخبار
السابقين إلا عن طريق الوحى .
وقوله: (( ثاويا)) من الثواء بمعنى الإقامة. يقال: ثوى فلان بالمكان
يثوى ثوا فهو ثار، إذا أقام فيه. والمثوى: المنزل، ومنه الأثر القائل :
أصلحوا مشاويكم، أى: منازلكم.
(١) تفسير الكشاف = ٣ ص ٤١٧

٥٤٢
سورة القصص
أى: وما كنت - أيها الرسول الكريم -مقيما فى أهل مدين، وقت تلاونك
على أهل مكة المكرمة، قصة موسى والشيخ الكبير وما جرى بينهما، حتى
تنقلها إليهم بطريق المشاهدة وإنما أنت أخبرتهم بها عن طريق وسينا الصادق
المتمثل فيما أنزلناه عليك من آيات القرآن البينات.
فالضمير فى قوله ((تتلو عليهم)) يعود على أهل مكة، والجملة حالية.
ويرى أكثر المفسرين أن الضمير لأهل مدين، أى وما كنت مقيما فى أهل
مدين ، تقرأ عليهم آياتنا، وتتعلم منهم ، والجملة خالية - أيضا - أوخبرثان.
وعلى كلا التفسيرين فالمقصود بالجملة الكريمة إثبات أن ما أخبر به الرسول
- صلى الله عليه وسلم - عن الأولين، إنما هو عن طريق الوحى ليس غير.
وقوله - سبحانه -: ((ولكنا كنا مر سلين لك، وموحين إليك بتلك الآيات
وفيها مافيها عن أخبار الأولين ، لإحقاق الحق وإبطال الباطل .
ثم ساق - سبحانه - ما يؤكد هذه المعانى تأكيدا قويا، حتى مخرس ألسنة
الكافرين، فقال - تعالى -: ((وما كنت بجانب تطور إذ نادينا».
أى وما كنت - أيضا أيها الرسول الكريم - بجانب الجبل المسمى بالطور
وقت أن نادينا موسى ، وكلفناه بحمل رسالتنا، وأعطيناه التوراة، وأوحينا
إليه بما أوحينا من أحكام وتشريعات .
وقوله - تعالى -: «ولكن رحمة من ربك، أى: ولكن فعلنا ما فعلنا، بأن
أرسلناك إلى الناس، وقصصنا عليك مازرده من أخبار الأولين ، من أجل
رحمتنا بك وبالناس، حتى يعتبروا ويتعظوا بأحوال السابقين، فالعاقل من
اتعظ بغيره .
فقوله - تعالى -: «رحمة)) منصوب على أنه مفعول لأجله، أو على المصدرية.
وقوله - سبحانه -: ، لتنذرةوما ما أقاهم من نذير من قبلك)) متعلق بالفعل
المعلل بالرحمة، والمراد بالقوم: أهل مكة وغيرهم من بعث الرسول - صلى الله
عليه وسلم - إليهم .

٥٤٣
الجزء العشرون
وجملة ((ما أقام من نذير من قبلك، صفة لقوله (( قوما)) و((ما، موصولة
مفعول ثان لتنذر ، وقوله: ((من نذير ، متعلق بأتام .
أى: أرسلناك رحمة، لتنذر قوما العقاب الذى أتاهم من نذير من قبلك ،
وكما قال - تعالى -: ((وإن من أمة إلا خلا فيها نذير».
ويصح أن تكون ((ما)، نافية وو ((من)) فى قوله ((من نذير، التأكيد،
فيكون المعنى : أرسلناك رحمة لتنذر هؤلاء المشركين من أهل مكة الذين لم
بأنهم نذير من قبلك منذ أزمان متطاولة، إذ الفترة التى بينك وبين أبيهم إسماعيل
تزيد على ألفى سنة .
ورسالة إسماعيل اليهم قد أندرست معالمها ، فكانت الحكمة والرحمة
تقتضيان إرسالك إليهم، لتنذرهم سوء عاقبة الشرك.
أما معظم الرسل من قبلك - کموسى وعيسى وز كريا ويحى وداودوسليمان
فكانت مع تباعد زمانها عنك - أيضا - إلى غيرهم من بنى إسرائيل ، ومن
الأمم الأخرى . المتناثرة فى أطراف الجزيرة العربية .
فالمراد بالقوم على هذا الرأى: العرب المعاصرون له -صلى الله عليه وسلم -
كما قال - تعالى -: ((اتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون».
ولعل هذا الرأى أقرب إلى سياق الآيات، وإلى إقامة الحجة على مشركى
قريش، الذين وقفوا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - موقف المكذب
لرسالته، المعادى لدعوته .
وقوله - سبحانه -: «لعلهم يتذكرون)، تذييل قصد به حضهم على التذكر
والاعتبار .
أى: أرسلناك إليهم كى يتذكروا ماترشدهم إليه، ويعتبروا بماجئتهم به،
ويخشوا سوء عاقبة مخالفة إنذاره لهم .
ثم أبطل - سبحانه - ما يتعللون به من معاذير فقال: ((ولولا أن تصيبهم
مصيبة بما قدمت أيديهم، فيقولوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولافتقيع آياتك
ونكون من المؤمنين».

٥٤٤
سورة القصص
و«لولا، الأولى: امتناعية، تدل على امتناع الجواب لوجود الشرط ،
وجوابها محذوف لدلالة الكلام عليه. و«أن، وما فى حيزها فى محل
رفع بالابتداء.
و«ولاء الثانية: تحضيضية، وجوابها قوله ,فنقبع آبائك ... ، وجملة
((فيقولوا، عطف على أن تصيبهم، ومن جملة ما فى حيز («لولا، الأولى.
والمعنى: (( ولولا أن تصيب هؤلاء المشركين (( مصيبة)) أى: عقوبة
شديدة، بسبب اقترافهم الكفر والمعاصى ((فيقولوا، على سبيل التملل عند
نزول العقوبة بهم («ربنا)) أى: باربنا هلا أرسلت إلينا رسولا من عندك
«فنتبع آياتك، الدالة على صدقه ,وتكون من المؤمنين به ربما جاء به من
آيات من عندك .
أى: ولولا قولهم هذا، وتعللهم بأنهم ماحملهم على الكفر، إلا عدم مجىء
رسول إليهم يبشرهم وينذرهم ... لولا ذلك لما أرسلناك إليهم، ولكنا
أرسلناك إليهم لنقطع حجتهم، ونزيل تعللهم، وتثبت لهم أن استمرارهم
على كفرهم - بعد إرسالك إليهم - كان بسبب عنادهم وجحودهم، واستحواذ
الشيطان عليهم.
قال الإمام ابن كثير:((قوله - تعالى -: ((ولولا أن تصيبهم مصيبة .. ))
أى: وأرسلناك إليهم -يامحمد- لتقيم عليهم الحجة، ولتقطع عذرهم إذا جاءهم
عذاب من الله بسبب كفرهم، فيحتجوا بأنهم لم يأتهم رسول ولا نذير ، كماقال
- تعالى - بعد ذكره إنزال كتابه المبارك وهو القرآن: «أن تقولوا: إنما أنزل
الكتاب على طائفتين من قبلنا، وإن كنا عن دراستهم الغافلين. أو تقولوا:
لو أنزل إلينا الكتاب لكنا أهدى منهم ، فقد جاءكم بينة من ربكم وهدى
ورحمة ... .(١)
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك موقفهم بعد مجىء - الرسول - صلى الله عليه
(١) تفسير ابن كثيرج ٦ ص ٠٢٥١

٥٤٥
الجزء العشرون
وسلم - إليهم فقال: « فلما جاءهم الحق من عندنا قالوا: لولا أوفى مثل
ما أوتی موسی .....
أى : ظل مشركو قريش أزمانا متطاولة دون أن يأتبهم رسول ينذرهم
ويبشرم ،فلما جاءهم الحق من عندنا، متمثلا فى رسولنا محمد - صلى الله عليه
وسلم - وفيما أيدفاء به من معجزات دالة على صدقه. وعلى رأسها القرآن الكريم.
لما با هم هذا الرسول الكريم , قالوا، على سبيل التعنت والجحود: هلا
أوفى هذا الرسول مثل ما أوتى موسى، من توراة أنزلت عليه جملة واحدة، ومن
معجزات حسية منها العصا واليد، والطوفان ، والجراد ... الخ.
وقوله - عز وجل -: « أو لم يكفروا بما أوفى موسى من قبل ٠٠٠رد
عليهم لبيان أن ما قالوه هو من باب العناد والتعنت، والاستفهام لتقرير
كفرهم وتأكيده :
أى: قالوا ما قالوا على سبيل الجحود، والحال أن هؤلاء المشركين كفروا
كفرا صريحا بما أعطاه الله - تعالى -لموسى من قبلك-يا محمد- من معجزات، كما
كفروا بالمعجزات التى جئت بها من عند ربك، فهم ديدنهم الكفر بكل حق.
ثم حكى - سبحانه - بعض أقوالهم الباطلة فقال: «قالوا سحر ان تظاهرا،
وقالوا إنا بكل كافرون ».
وقوله: ((سحران)) خبر لمبتدأ محذوف. أى: قالوا ما يقوله كل مجادل بغير
على: هما - أى ما جاء به موسى وما جاء به محمد - عليهما الصلاة والسلام -
((سحر أن تظاهرا، أى: تعاونا على إضلالنا، وإخراجنا عن ديننا، وقالوا
- أيضا - ((إنا بكل) أى بكل واحد ما جاءوا به كافرون» كفرا لا رجوع
معه إلى ما جاء به هذان النبيان - عليهما الصلاة والسلام -.
قال الآلوسى: ((وقوله: ((قالوا) استئناف مسوق لتقرير كفرهم، المستقاد
من الإنكار السابق، وبيان كيفيته، و((سحران، يعنون بهما ما أوتى نبينا
وما أوتى موسى ... ((تظاهر!، أى: تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر،
( ٣٥ - سورة القصص).

٥٤٦
سورة القصص
وتأييده إياه، وذلك أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود فى عيد
لهم، فسألوم عن شأنه - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: إنا نجده فى التوراة
بنعته وصفته، فلما رجع للرهط وأخبروهم بما قالت اليهود. قالوا ذلك .
وقرأ الأكثرون ((قالوا ساحر ان تظاهرا)) وأرادوا بهما محمد وموسى
- عليهما الصلاة والسلام-))(١).
ثم أمر الله - تعالى - رسوله -صلى الله عليه وسلم -أريتحداهم، وأن يفحمهم
بما يخرس ألسنتهم فقال: ((قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهوى منهما أتبعه
إن كنتم صادقين)).
أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الجاحدين: لقد أنزل الله - تعالى-
على موسى التوراة، وأنزل القرآن على، وأنا مؤمن بهما كل الإيمان، فإن
كنتم أنتم مصرون على كفركم ((فأتوا بكتاب من عند الله، هو أهدى منهما)) أى
هو أوضح منهما وأبين فى الإرشاد إلى الطريق المستقيم.
وقوله ((أتبعه)) مجزوم فى جواب الأمر المحذوف، أى: إن قاقوا به أتبعه.
((إن كنتم صادقين)) فى زعمكم أن القرآن والتوراة نوع من السحر.
فالآية الكريمة تتهکم بهم، وتسخر منهم ، بأسلوب بديع معجز،لأنهمن
المعروف لكل عاقل أنهم ليس فى استطاعتهم - ولا فى استطاعة غيرهم -أن
يأتوا بكتاب، أهدى من الكتابين اللذين أنزلهما - سبحانه - على نبيين
كريمين من أنبيائه، هما موسى ومحمد - عليهما الصلاة والسلام -.
ولذا قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ((وهذا الشرط يأتى به المدل بالأمر
المتحقق لصحته، لأن امتناع الإتيان بكتاب أهدى من الكتابين.
(١) تفسير الآلوسي = ٢٠ ص ٩١

٥٤٧
الجزء العشرون
أمر معلوم متحقق، لا مجال فيه الشك، وبجوز أن يقصد بحرف الشك التهكم
بهم)) (١).
وقوله - سبحانه ..: (( فإن لم يستجيبوا لك .. )) زيادة فى تثبت قلب
النبى - صلى الله عليه وسلم -، وتسليته عما أصابه منهم من أذى
أى: فإن لم يفعلوا ماتحديتهم به، من الإتيان بكتاب هو أهدى من الكتابين.
((فاعلم، - أيها الرسول الكريم - ((أنما يتبعون أهواءهم)) الباطلة،
وشهواتهم الزائفة ، عندما يحادلونك فى شئون دعوتك .
والاستفهام فى قوله: (( ومن أضل ممن اتبع هواه بعير هدى من انه .. ))
للنفى والإنكار .
أى: ولا أحد أضل من اتبع هواه وشيطانه، دون أن تكون معه هداية
من الله - تعالى - تهديه إلى طريق الحق، لأن هذا الضال قد استحب العمى
على الهدى، وآثر الغواية على الرشد .
وقوله - سبحانه -: ((إن الله لا يهدي القوم الظالمين)) تذيل مبين لسنة
انه - تعالى - فى خلقه .
أى: إنه - سبحانه - جرت سنته أن لا يهدي القوم الظالمين إلى طريق الحق
بسبب إصرارهم على الباطل ، وتجاوزهم لكل حدود الحق والخير.
ثم أكد - سبحانه - قطع أعذاريم وحججهم بقوله: ((ولقد وصلنا لهم
مقول، أملهم يتذكرون)).
وقوله: ((وصلنا)) من الوصل الذى هو ضد القطع، والتضعيف فيه التسكثير.
أى: ولقد أنزانا هذا القرآن عليك -أيها الرسول الكريم -متتابعا، وأنت
أوصلته إليهم كذلك، ليتصل تذكيرك لهم ، عن طريق ما اشتمل عليه من
عقائد وآداب وأحكام وقصص .
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٢٠

٤٤٨
سورة القصص
((لعلهم يتذكرون)) أى: ليكون ذلك أقرب إلى تذكرهم وتعقلهم
وتدبرهم : لأن استماعهم فى كل يوم. أو بين الحين والحين إلى جديد منه،
أدعى إ تذكرهم واعتبارهم .
فالمقصود بالآية الكريمة. قطع كل حجة لهم، وبيان أن القرآن الكريم
قد أنزله - سبحانه - منتابها ولم ينزله جملة واحدة، لحكم من أعظمها اتصال
التذكير بهديانه بين حين وآخر ، على حسب ما يجد فى المجتمع من أحداث .
وبذلك نرى الآيات الكريمة، قد أقامت ألوانا من الحجج والبراهين،
على صدق النبى - صلى الله عليه وسلم- فيما يبلغه عن ربه، وعلى أن هذا القرآن
من عند الله، كما حكت جانبا من شبهات المشركين ، وردت عليها بما يبطلها .
ثم تمدح السورة الكريمة بعد ذلك، طائفة من أهل الكتاب، استقامت
قلوبهم، وخلصت نفوسهم من العناد، فاستقبلوا آيات الله - تعالى - ومن جاء
بها استقبالا يدل على صدق إيمانهم ، فقال - تعالى -:
((الذينَ آتيناهمُ الكِتَابَ مِنْ قبلهِ هُمْ بِهِ يُؤمِنُونَ (٥٢) وإِذَا يَتَلَى
عليهِمْ قَالُوا آمَنَّا بهِ، إِنَّه الحقُّ من ربّناً، إذَّا كنَّا من قبلهِ مُسلمينّ(٥٣)
أُولئكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَمُ مَرَّتْنِ بما صَبْرُوا، ويدرَءونَ بالحسَنَّةِ السَّبئةَ
ومما رزَقَنامُ يُنْفِقُونَ (٥٤) وإذَا سَمِعِوا الَّغْوَ أَمَرَضُوا عنهُ وقَالُوا: لَنَا
أَعمالُنَا ولكُم أعمالكُم، سلامٌ عليْكُم لا تَبَتِى الجَاهِلِينَ (٥٥))).
ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآبات روايات منها : أنها نزلت فى
سبعين من القسيسين بعثهم النجاشى إلى الني صلى الله عليه وسلم - فلما قدموا
عليه، قرأ عليهم سورة يس ، فجعلوا يبكون وأسلموا.
وقيل : نزلت فى عبد الله بن سلام وأصحابه الذين أسلموا من اليهود.

٥٤٩
الجزء العشرون
وقيل : نزلت فى نصارى نجران ...
وعلى أية حال فالآيات الكريمة تمدح قوما من أهل الكتاب أسلموا ،
ونعرض بالمشركين الذين أعرضوا عن دعوة الإسلام، مع أن فى اتباعها
سعادتهم ورشدم .
والضمير فى قوله ،من قبله، يعود إلى القرآن الكريم، أو إلى النسى
-صلى الله عليه وسلم-، والمراد بالموصول من آمن من أهل الكتاب، والمراد
بالكتاب التوراة والإنجيل .
أى : الذين آتيناهم الكتاب من اليهود والنصارى من قبل نزول القرآن
عليك - أيها الرسول الكريم - هم به يؤمنون، لأنهم يرون فيه الحق الذى
لا باطل معه، والهداية التى لا تشوبها ضلالة ...
((( وإذا بتلى، عليهم هذا القرآن, قالوا، بفرح وسرور ((آمنا به، بأنه
كلام الله - تعالى - ((إنه الحق من ربنا، أى: إنه الكتاب المشتمل على الحق
المكائن من عند ربنا وغالقنا ((إنا كنا من قبله، أى: من قبل نزوله ((مسلمين»
وجوهنا لله - تعالى -، ومخلصين له العبادة.
قال صاحب الكشاف: «فإن قلت: أى فرق بين الاستئنافين « إنه))
وإناء؟
قلت : الأول تعليل للإيمان به، لأن كونه حقا من الله حقيق بأن يؤمن
به. والثاني: بيان لقوله: ((آمنا به)) لأنه يحتمل أن يكون إيمانا قريب
العهد وبعيده ، فأخبروا أن إيمانهم به متقادم، لأن آباءهم القدماء قرءوا فى
الكتب الأول ذكره، وأبناءهم من بعدم))(١).
ثم بين - سبحانه - ما أعده لهؤلاء الأخبار من ثواب فقال: «أولئك
يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا .. )) .
(١) تفسير الكشاف ج٣ ص ٤٢٠

سورة القصص
أى : أولئك الموصوفون يتلك الصفات الكريمة يؤتون أجرهم مضاعفا
بسبب صبرهم على مغالبة شهواتهم، وبسبب صبرهم على ما يستلزمه اتباع الحق
من تكاليف .
قال القرطى: ((قوله - تعالى -ـ,أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا
ثبت فى صحيح مسلم عن أبى موسى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:
((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وأدرك التى
- صلى الله عليه وسلم - فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران، وعبد ملوك
أدی حق الله - عز وجل - وحق سيده فله أجران ، ورجل كانت له أمة
فغذاها فأحسن تغذيتها، ثم أدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها وتزوجها، فله
أجران)).
قال علماؤنا: (( لما كان كل واحد من هؤلاء مخاطبا من جهة نبيه، ثم إنه
خوطب من جهة نبينا، فأجابه واتبعه فله أجر الملتين (١).
وقوله - تعالى - ((ويدرءون بالحسنة السيئة)) بيان لصفة أخرى من
صفاتهم الحسنه .
و ((بدر ون)) من الدره بمعنى الدفع، ومنه الحديث الشريف: ((أدر.وا
الحدود بالشبهات)).
أى: لا يقابلون السيئة بمثلها.، وإنما يعفون ويصفحون ، ويقابلون
الكلمة الخبيثة بالكلة الحسنة .
((ومما رزقناهم ينفقون)) أى: ومما أعطيناهم من مال يتصدقون، بدون
إسراف أو تقتير .
(١) تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٢٩٧.

٥٥١
الجزء العشرون
(( وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه، أى: وإذا سمعوا الكلام الساقط الذى
لا خير فيه . انصرفوا عنه تكرما وتنزها .
((وقالوا، لمن تطاول عليهم وآذاهم «أنا أعمالنا، التى سيحاسبنا الله
- تعالى - عليها((ولكم، - أيضا -,أعمالكم، التى سيحاسبكم الله
- تعالى - عليها .
((سلام عليكم)) أنى: سلام متاركة منا عليكم، وإعراض عن سفاهتكم،
فليس المراد بالسلام هنا: سلام التحية ، وإنما المقصود به سلام المشاركة
والإعراض.
(( لانبتغى الجاهلين، أى: إن ديننا ينهانا عن طلب صحبة الجاهلين،
وعن المجادلة معهم
قال ابن كثير ما ملخصه: « لما انتهى وفد أهل الكتاب من لقائه مع النى
- صلى الله عليه وسلم -، وآمنوا به، وقاموا عنه، اعترضهم أبو جهل فى نفر
من قريش، فقالوا لهم: خيبكم الله من ركب، بشكم من وراءكم من أهل
دينكم، ترتادون لهم لتأقوم بخبر الرجل، فلم تكد تطمئن مجالسكم عنده
حتى فارقتم دينكم، وصدقتموه فيما قال، مانعلم وفدا أحمق منكم .. فقالوالهم:
سلام عليكم، لا نتجاهلكم ، لنا ما نحن عليه، ولكم ما أنتم عليه،(١).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الهداية منه وحده , ورد على أقوال
المشركين ، وبين سنة من سننه فى خلقه، كما بين أن ما عنده - سبحانه -أفضل
وأبقى ، من شهوات الدنيا وزينتها، فقال - تعالى -:
((إنَّكَ لا تَهدى من أحببتَ ، ولكنّ اله يهدى من يشاء، وهُو
(١) تفسير ابن كثيرج ٦ ص ٢٥٥

٠٠٢
سورة القصص
أعلَم بالُهتَدِين (٥٦) وقالُوا إِنْ تَتَّبِع الهُدَى مَعَكَ ◌ُتَخْطفْ من أَرْضِنا
أَوَلَّمْ نمكَّنَ لَهُمْ حَرَماً آمِنًا يُحِ إليهِ ثمراتُ كَلِّ شىءٍ رِزِقاً، مِنِ لدَنَّا
ولكنَّ أكثرَمُ لا يعلمونَ (٥٧) وكَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَرِيةٍ بَطرتْ
مِعِيشَتها، فتِكَ مساكنهم لم تُسكّنْ من بعدم إلا قليلاً، وكنّا نحنُ
الوارثينَ (٥٨) وما كانَ ربُّكَ مُهلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبعثَ فى أُمُّها رسُولاً
يتلو عَلَيهِمِ آياتِناَ، وما كنَّا مهلِكَى القُرَى إِلاَّ وَأهلُها ظالمونَ (٥٩)
وما أوتيتم من شىء فتاعُ الحيَاةِ الدُّنْيَا وزِينَتَها، وما عندَ اللهِ خيرٌ
وأبقى، أفلا تعقِلُونَ (٦٠) أفنْ وعَدنَهُ وعداً حسناً فهُوَ لافِيهِ كَنْ
مثََّهُ متاعَ الحياةِ الدُّنيا، ثمّ هُو يومَ القيامةِ من المحضَرِينَ (٦١)».
قال الإمام ابن كثير: ((قوله- تعالى -: ((إنك لا تهدي من أحببت)) ثبت
فى الصحيحين أن هذه الآية نزلت فى أبى طالب، عم رسول الله - صلى الله عليه
وسلم -، وقد كان يحوطه وينصره ... فلما حضرته الوفاة، وحان أجله، دعاء
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى الإيمان والدخول فى الإسلام، فسبق
الندر فيه، فاستمر على ما كان عليه من الكفر، ولله الحكمة التامة ... (١).
والمعنى: ((إنك)) - أيها الرسول الكريم- ((لا تهدي من أحببت)) أى:
لا تستطيع بقدرتك الخاصة أن تهدى إلى الإيمان من تريد هدايته إليه .
(((ولكن الله يهدى من يشاء)) أى: ولكن انه - تعالى - وحده، هو الذى
علك هداية من يشاء هدايته إلى الإيمان، فهو - سبحانه - الخالق لكل شىء،
وقلوب العباد تخت تصر فه - تعالى - يهدى من يشاء منها ويضل من يشاء،على
حسب مشيئته وحكمته ، التى تخفى على الناس ..
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ٦ ص ٢٥٦

٠٥٣
الجزء العشرون
((وهو، - سبحانه - رأعلم بالمهتدين، أى: بالقابلين للهداية المستعدين لها.
فبلغ - الرسول الكريم - ما كلفناك به، ثم اترك بعد ذلك قلوب الناس
إلى خالقهم، فهو - سبحانه - الذى يصرفها كيف يشاء.
قال بعض العلماء: ((وإن الإنسان ايقف أمام هذا الخبر، مأخوذا بصراءة
هذا الدين واستقامته، فهذا عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكافله
وحاميه والذائد عنه، لا يكتب الله له الإيمان، على شدة حبه لرسول الله
- صلى الله عليه وسلم - وشدة حب الرسول له أن يؤمن.
ذلك أنه إنما قصد إلى عصبية القرابة وحب الأبوة، ولم يقصد إلى العقيدة،
وقد علم الله منه ذلك فلم يقدرله ما كان يحبه له - صلى الله عليه وسلم - ويرجوه،
فأخرج هذا الأمر - أى الهداية - من خاصة رسوله - صلى الله عليه وسلم -،
وجعله خاصا بإرادته - سبحانه - وتقديره. وما على الرسول إلا البلاغ، وما على
الداعين بعده إلا النصيحة ، والقلوب بعد ذلك بين أصابع الرحمن، والهدى
والضلال وفق ما يعلمه من قلوب العباد، واستعدادهم الهدى والضلال،(١).
ثم حكى - سبحانه - جانبا من الاعتذارات الواهية التى تذرع بها المشركون
فى عدم الدخول فى الإسلام .
فقال - تعالى -: ((وقالوا إن نتبع الهدى معك تتخطف من أرضنا ....
والتخطف: الانتزاع بسرعة. يقال: فلان اختطفه الموت. إذا أخذه
بغتة بدون إمهال .
وقد ذكروا في سبب نزولها، أن بعض المشركين أنى النبى - صلى الله
عليه وسلم - فقال له: يا محمد، نحن نعلم أنك على الحق، ولكنا مخشى ات
انبعناك، وخالفنا العرب، أن يتخطفوا من أرضنا، وإنما نحن أكلة - رأس -
أى : قليلون لا تستطيع مقاومة العرب.
(١) تفسير فى ظلال القرآن : ٢٠ ص٣٦١. الأستاذ سيد قطب

٠٥٤
سورة القصص
وقد رد الله - تعالى - على تعللهم هذا بقوله :. أو لم تمكن لهم حرما أمنا
يجي زليه ثمرات كل شىء وزقا من لدنا. ولكن أكثرهم لا يعلمون)).
وقوله : « يحبى إليه، أى: يحمل إليه، يقال جبى فلان الماء فى الحوض
إذا جمعه فيه، وحمله إليه .
والاستفهام لتقريمهم على قولهم هذا الذى خالف الحقيقة .
أى : كيف قالوا ذلك، مع أننا قد جعلنا لهم حرما ذا أمان يعيشون من
حوله، وتأتيهم خيرات الأرض من كل مكان ، وقد فمانا ذلك معم وم
مشركون ، فكيف نعرضهم للخطف وهم مؤمنون .
قال صاحب الكشاف: ((وكانت العرب فى الجاهلية حولهم- أى حول
أهل مكة - يتغاورون ويتناحرون، وهم آمنون مطمئنون فى حرمهم، وبحر مة
البيت هم قارون بواد غير ذى زرع، والثمرات والأرزاق بحبى إليهم من كل
مكان ، فإذا خولهم الله ما خولهم من الأمن والرزق بحرمة البيت وحدها، وم
كفرة عبدة أصنام، فكيف يستقيم أن يعرضهم للتخطف والخوف، ويسلبهم
الأمن ، إذا ضموا إلى حرمة البيت ، حرمة الإسلام .. »(١).
والتعبير بقوله - سبحانه -: «يحمى إليه نمرات كل شىء رزقا، لإشعار
بكثرة الخيرات والثمرات، التى تأتى إلى أهله مكة من كل جانب من جوانب
الأرض، ومن كل نوع من أنواع ثمارها. والجملة الكريمة صفة من صفات
الحرم .
وقوله - تعالى -: ((من لدنا ، أى: من جهتنا ومن عندا وليس من عند
غيرنا، الذين تخدون غضبهم أو تخطفهم، لكم، إن البعتم الرسول - صلى الله
عليه وسلم ..
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٢٢

الجزء العشرون
فالمقصود بهذه الجملة الكلهيمة بيان سعة فضل الله - تعالى -، وأنه هو القادر
على كل شىء .
وقوله - تعالى -,ولكن أكثرهم لا يعلمون، متعلق بقوله ((أو لم تمكن
لهم حرما آمنا ....
أى: لقد جعلنا لهم حرما ذا أمن، وأفضنا عليهم من خيرات الأرض،
ولكن أكثرهم يجهلون هذه الحقيقة ، ويجهلون أن اتباعهم للدين الحق، يؤدى
إلى سعادتهم فى حياتهم وبعد مماتهم .
وشبيه بهذه الآبة قوله - تعالى -: «أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا
ويتخطف الناس من حولهم، أفبا لباطل يؤمنون، وبنعمة أنه يكفروز)(١).
ثم بين سبحانه - الأسباب الحقيقية التى تؤدى إلى زوال النعم ، التى من
بينها تعمة الأمان والاطمئنان، فقال - تعالى -: ، وكم أهلكنا من قرية بطرت
معيشتها ....
وكم هنا خبرية للتكثير، و((بطرت)) من البطر، بمعنى الأشر والغرور
واستعمال نعم الله - تعالى - فى غير ما خلقت له .
أى: وكثيرا من أهل قرى كانت أحوالهم كحال أهل مكة فى الأمن
وسعة الرزق، فلما بطروا معيشتهم، واستعملوا نعمنا فى الشر لا فى الخير،
وفى الغسوق لا فى الطاعة ، أخذناهم أخذ عزيز مقتدر ، بأن دمر ناهم وقراهم.
تدمیرا .
إذا نبطر النعمة وعدم الشكر عليها، هو السبب الحقيقى فى الهلاك، وليس
اتباع الهدى كمازعم أولئك المشركون الجاهلون.
قال القرطى: ((بين - سبحانه - لمن توهم، أنه لو آمن لقماقلته العرب
(١) سورة العنكبوت الآية ٠٦٧

٥٥٦
سورة القصص
وتخطفته، أن الخوف فى ترك الإيمان أكثر، فكم من قوم كفروا ثم حل بهم
البوار ، والبطر : الطغيان بالنعمة.
و«معيشتها، أى: فى معيشتها، فلما حذف ((فى«تعدى الفعل، كما فى قوله
- تعالى -: ((واختار موسى قومه سبعين رجلا .. ))(١).
ثم بين - سبحانه - مآل مساكن هؤلاء الطاغين فقال: «فتلك مساكنهم
لم تسكن من بعدهم إلا قليلا .. )).
أى: فتلك مساكن هؤلاء الطغاة ترونها يا أهل مكة فى أسفاركم - إنها لم
تسكن من بعدهم إلا زمانا قليلا، كالذى يرتاح بها وهو مسافر ثم يتركها إلى
غير عودة إليها، لأنها صارت غير صالحة لذلك لشؤمها.
(( وكنا نحن الوارثين «أى: وكنا نحن وحدنا الوارثين لها منهم، لأنهم
لم يتركوا أحدا يرث منازلهم وأموالهم، أو لأنها صارت خرابا لا تصلح
السكن .
ثم بين - سبحانه - مظهرا من مظاهر عدالته، وسنة من سننه التى كتبها
على نفسه فقال - تعالى -: ((وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها
رسولا يتلو عليهم آياتنا . .))
والمراد، بأمها، أكبرها وأعظمها كمكة بالنسبة للجزيرة العربية .
أى: إن حكمة الله - تعالى - وعدالته قد اقتضت، أن لا يهلك قرية من
القرى التى كفر أهلها ، حتى يبعث فى كبرى تلك القرى وأصلها رسولا من
وسلة الكرام، يتلو على أهلها آياته، ويبلغهم دعوته، ويبين لهم الحق من
الباطل .
وحكمة إرسال الرسول فى كبرى تلك القرى، لأنها المركز والعاصمة ،
(١) تفسير القرطبي = ١٣ ص٣٠١

٥٥٧
الجزء المشرون
التى تبلغ الرسالة إلى القرى التابعة لها، ولأنها فى العادة - المكان المختار
لسکنی و جاء القوم و رؤساؤهم .
قال ابن كثير ما ملخصه: وفى هذه الآية دلالة على أن النبى - صلى الله عليه
وسلم - المبعوث من أم القرى - وهى مكة -، رسول إلى جميع القرى من
عرب وأعجام، كما قال - تعالى -: ((وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا لتنذر
أم القرى ومن حولها.،، وقال - تعالى -: ((قل يأيها الناس إني رسول الله
إليكم جميعا ..... وثبت فى الصحيحين أنه قال: بعثت إلى الأحمر والأسود،
ولذا ختم به الرسالة والنبوة، فلا نبى بعده ، ولا رسول، بل شرعه باق بقاء
الليل والنهار إلى يوم القيامة ، (١).
وقوله - سبحانه -: «وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون، معطوف
على ما قبله . - وهو قوله: ((وما كان ربك مهلك القرى - ومؤ كد له.
أى: وماكنا فى حال من الأحوال بمهذكى هذه القرى ، إلا فى حال ظلم
أهلها لأنفسهم، عن طريق تكذيبهم الرسلنا وإعراضهم عن آياتنا، وإيثارهم
الكفر على الإيمان ...
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - ،وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها
مصلحون ) .
ثم بين - سبحانه - أن هذه الدنيا وما فيها من متاع، هى شىء زهيد وضئيل
بالنسبة لما ادخره - عزوجل- لعباده الصالحين من خيرات، فقال:«وما أنيتم
من شىء فتاع الحياة الدنيا وزينتها ... ))
أى: وما أعطيتموه - أيها الناس - من خير، وما أصبتموه من مال، فهو
متاع زائل من أعراض الحياة الدنيا الزائلة وحطامها الذى لادوام له ، ومهما
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٢٥٨

٥٥٨
سورة القصص
كثر فهو إلى نفاد، ومهما طال فله نهاية، فأنتم تتمتعون بزينة الحياة الدنيا
ثم تتركونها لغيركم .
(((وما عند أقه - تعالى -، من ثواب وعطاء جزيل فى الآخرة، هو فى
نفسه ((خير وأبقى، لأن لذته خالصة من الشوائب والأكدار، وبهجيته
لا تنتهى ولا تزول .
((أفلا تعقلون)، هذه التوجيهات الحكيمة، وتعملون بمقتضاها، فإن من
شأن العقلاء أن يؤثروا الباقى على الفانى ، والذى هو خير على الذى هو أدنى.
ثم نفى -سبحانه - التسوية بين أهل الجنة وأهل النار بأبلغ أسلوب فقال:
(( أفمن وعدفاه وعدا حسنا فهو لاقيه، كما متعناه متاع الحياة الدنيا ... )).
فالاستفهام للإنكار ونفى المساواة بين الفريقين، والمراد بالوعد: الموعود
به وهو الجنة ونعيمها .
أى: إنه لا يستوى فى عرف أى عاقل، حال المؤمنين الذين وعدناهم وعدا
حسنا بالجنة ونعيمها، وهم سيظفرون بما وعدناهم به لا محالة ، وحال أولئك
الكافرين والفاسقين الذين متعناهم إلى حين بمتح الدنيا الزائلة .
وقوله - سبحانه -: «ثم هو يوم القيامة من المحضرين)»معطوف على
(«متعناه، وداخل معه فى حيز الصلة، ومؤكد لإنكار المساواة .
أى : ثم هو الذى متعناه بمتاع الحياة الدنيا الزائل، من المحضرين لعذابنا
فى النار. والمحضرين: جمع حضر. اسم مفعول من أحضره.
وهذا التعبير بشعر بإحضاره إلى النار وهو مكره خائف ، من العذاب
المهين الذى أعدله، فالآية الكريمة قد نفت - بأبلغ أسلوب - المساواة بين
المؤمنين والكافرين .

٠٠٩
الجزء العشرون
ثم حكى- سبحانه - جانبا من أقوال المشركين يوم القيامة، ومن أحوالهم
السيئة، ورد أمرهم وأمر غيرهم إليه وحده - عز وجل - فقال:
((ويوْمَ يُنَدِيهِمْ فيقولُ أينَ شُركابِىّ الذِينَ كُنْتُم تزعُمُونَ (٦٢)
قال الذينَ حقَّ عليهم القولُ، ربَّنا هؤلاء الذينَ أَغْوَيْنَا، أَغْوَيناُ
كماغويْناً، تبرأَنَ إليكَ، ما كانوا إِيّانَ يعبدُونَ (٦٣) وقيلَ ادْعُوا
شُركاءهُم فدعَوْمَ فَلَمْ يستجيبوا لهم ، ورأَوْا العذابَ لو أَنَّهم كانوا
يهتدُونَ (٦٤) ويوْمَ ينادِيهِمْ فَيَقولُ ماذَا أَجِبْم المُرسلينَ (٦٥) فعِيتْ
عليهِمُ الأنباءُ يومَئِذٍ فَهُم لا يتساءلُونَ (٦٦) فأمَّا من تابَ وَآمَن وعملَ
صالحاً، فعسى أن يكونَ من المفلحينَ (٦٧) وربُّكَ يُخْلُقُ ما يشاء ويختارُ
ما كانَ لهم الخيرَةَ، سُبحانَ اللهِ وتعالى عمَّا يُشرِكُونَ (٦٨) وربُّكَ يعلمُ
ما تُكِنْ صَدُورُمُ وما يَعلِنُونَ (٦٩) وهُو اللهُ لا إلهَ إلاَّ هُولهُ الحمدُّ
فى الأولى والآخرةِ، وله الحُكُمُ وإليهُ تُرجِعُونَ (٧٠))).
والظرف فى قوله - سبحانه -: (( يوم يناديهم ... )) منصوب بفعل مقدر،
وفداؤهم نداء إهانة وتمقير . والنداء صادر عن الله - تعالى -.
أى: واذكر - أيها المخاطب - لتتعظ وتعتبر، حال أولئك الظالمين، يوم
يناديهم الله - تعالى فيقول لهم: ((أين شركائى الذين كنتم دعمون، أى: أين
شركاتى الذين كنتم فى الدنيا تزعمونهم شركانى ، لكى ينصروكم أو يدفعوا
عنكم العذاب .
فمفعولا (( تزعمون)) محذوفان، لدلالة الكلام عليهما. والمقصود بهذا
الاستفهام (( أبن شركائى)): الخزى والفضيحة، إذ من من المعلوم أنه لاشركا.
عنه _ تعالى لا فى ذاتة ولا فى صفاته .

٥٦٠
سورة القصص
=
والمراد بالذين حق عليهم القول فى قوله - تعالى -: ((قال الذين حق
عليهم القول ... رؤساؤهم فى الكفر، ودعاتهم إليه كالشياطين، ومن
يشبهونهم فى التحريض على الضلال .
أى قال رؤساؤهم ودعاتهم إلى الكفر، الذين ثبت عليهم العذاب بسبب
إصرارهم على الفسوق والجحود .
((ربنا هؤلاء الذين أغوينا .. )) أى: ياربنا هؤلاءهم أتباعنا الدين أضللناهم.
«أغويناهم كما غوينا، أى: دعوناهم إلى الضلالة التى كنا عليها فأطاعونا
فيما دعو ناهم إليه .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله:((هؤلاء)، مبتدأ، و((الذين أغوينا،
صفته، والراجع إلى الموصول محذوف و((أغويناهم)) الخبر. والكاوصفة
المصدر محذوف تقديره: أغويناهم فعووا غيا مثل ماغوينا، يعنون أنا لم نغو
إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوبن أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أودعونا إلى
الغى وسولوه لنا، فهؤلاء كذلك غوواباختيارهم، لأن إغراء قالهم، لم يكن إلا
وسوسة وتسويلا. إ قرأ أو إلجاء ((فلا فرق إذا بين غينا وغيهم ... ))(١)
وقوله - سبحانه -. تبر أنا إليك ما كانوا إيانا يعبدون)، من كلام الرؤساء
والشياطين ، فهو مقرر لما قبله ، ومؤكد له .
أى: تبر أنا إليك منهم، ومن ادعائهم أننا أجبر ناهم على الضلالة والغواية
والحق أنهم ما كانوا يعبدوننا ، بل كانوا يعبدون ما سولته لهم أهواؤهم
وشهواتهم الباطلة .
فالآية الكريمة تحكى تبرؤ رءوس الكفر من اتباعهم يوم القيامة ، ومن
الآيات التى وردت فى هذا المعنى قوله - تعالى -: (( وقال الشيطان لما قضى الأمر
(١) تفسير الكشاف = ٣ ص ٤٢٦