Indexed OCR Text
Pages 481-500
التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسيره سُورَة القَصَصُرُ دكتور محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية مصر العربية مصــ الجزء العشرون الطبعة الثانية ١٤٠٨ ٥ - ١٩٨٨ ٢ حقوق الطبع محفوظة للمؤلف مَطْبَعَة السَّجَادَة ميدان أحمد ماهر - شارع احداوى رقم ١٢ س.ت ١١٩٩٧٠ تليفون ١٩٠٧٣٧٩ بسم الله الرحمن الرحيم ﴿رَبَّنَاَ تَفَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّبِعُ العَلِيمِ﴾ ((صدق الله العظيم)) مقدمة و تمهيد ١ - سورة القصص، هى السورة الثامنة والعشرون فى ترتيب المصحف، .وكان نزولها بعد سورة النمل . فترقيب نزولها موافق لترتيبها فى المصحف. وعدد آياتها ثمانون آية . ٢ - قال القرطى: وهى مكبة كلها فى قول الحسن، وعكرمة ، وعطاء. وقال إن عباس وقتادة: إلا آية نزلت بين مكة والمدينة . وقال ابن سلام: بالجحفة فى وقت هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، وهى قوله - تعالى -: ((إن الذى فرض عليك القرآن ارادك إلى معاد ... ،(١). فعن يحيى بن سلام قال: بلغنى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - حين هاجر، نزل عليه جبريل بالجحفة وهو متوجه من مكة إلى المدينة فقال له: أنشتاق يامحمد إلى بلدك التى ولدت فيها؟ قال: نعم، فقرأ عليه: ((إن الذى فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد ... )،(٢). ٣ - والمتدبر لهذه السورة الكريمة، يرى أكثر من نصفها، فى الحديث عن قصة موسى - عليه السلام -. فهى تبدأ بقوله - تعالى -: ((طسم. تلك آيات الكتاب المبين، فلو عليك من فيأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون ... )). (١) تفسير القرطبي : ١٣ ص ٠٢٤٧ (٢) تفسير الألوسى : ٢٠ ص ٠٤١ - ٤٨٦ - ٤ - ثم تحدثت السورة الكريمة بعد ذلك ، عما ألهم الله - (تعالى - به أم موسى بعد ولادتها له، وعن حالتها النفسية بعد أن عرفت أن إبنها فـ ألتقطة من ألم اأعداؤها، وعما قالته لأخته، وعن فضل الله - تعالى - عليها ورحمته بها، حيث أعاد إليها ابنها موسى، قال - تعالى -: «فرددناه إلى أمه كى تقر عينها ولا تحزن ، ولتعلم أن وعد الله حق ، ولكن أكثرم لا يعلمون ». ٥ - ثم بين - سبحانه - جانبا من مظاهر فضله على موسى - عليه السلام. بعد أن بلغ أشده واستوى ، وبعد أن قتل رجلا من أعدائه، وكيف أنه خرج من المدينة خائفاً بترقب، قال: «رب نجنى من القوم الظالمين)). وقد أجاب الله - تعالى - له دعاءه، فتجاه منهم، ويسر له الوصول إلى جهة مدين ، فعاش هناك عشر سنين، أجيراً عند شيخ كبير من أهلها ، وتزوج موسى - عليه السلام - بعد انقضاء تلك المدة، بإحدى ابنتى هذا الشيخ الكبير. قال - تعالى - حاكيا بعض ما قاله هذا الشيخ لموسى: ((قال إنى أريد أن أنكمك إحدى إبنى هاتين على أن تأجر ى تمانى حجج، فإنى أتممت عشرا فن عندك، وما أريد أن أشق عليك ستجدفى إن شاء اقه من الصالحين. قال ذلك بينى وبينك، أيما الأجلين قضيت فلا عدوان على، واقه على مانقول وکیل». ٦ - ثم بين - سبحانه - بعد ذلك، أن موسى بعد أن قضى المدة التى تعاقد عليها مع الرجل الصالح، وبعد أن تزوج بابنته، سار بها متجها إلى مصر، وفى الطريق رأى نارا , فلما ذهب إليها، أمره ربه- تعالى - بأن يذهب إلى فرعون وقومه أيأمرعم بإخلاص العبادة له - عز وجل -، وذهب موسى -عليه السلام- إليهم، وبلغهم رسالة ربه، ولكنهم كذبوه، فكانت غاقبتهم كما قال- تعالى -: ((فأخذناء وجنوده فنبذناهم فى اليم فانظر كيف كان عاقبة الظالمين .. ». - ٤٨٧ - ٧ - وبعد هذا الحديث المفصل عن قصة موسى - عليه السلام - أخذت السورة الكريمة فى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - عما أصابه من قومه، فذكرت له بدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - وأمرته أنت يتحدى المشركين به، وبينت له أنه - عليه الصلاة والسلام - لا يستطيع أن يهدى من يحبه ,ولكن الله هو الذى يهدى من يشاء هدايته، وحكت جانيا من أقوال المشركين وردت عليها ، كما حكت جانبا من المصير السىء الذى سيكونون عليه يوم القيامة، فقال - تعالى -: ((ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين، فعميت عليهم الأنبياء يومئذ فهم لايتساءلون٢٠٠. ((ويوم يناديهم فيقول: أين شركائى الذين كنتم تزعمون . ونزعنا من كل أمة شهيدا فقلنا هاتوا برهانكم، فعلوا أن الحق لله، وضل عنهم ما كانوا يفترون)». ٨ - ثم عادت السورة بعد ذلك للحديث عن قصة تتعلق برجل كان من قوم موسى: وهو قارون ، فأخبرتنا بجانب من النعم التى أنعم الله - تعالى - بها عليه، وكيف أنه قابل هذه النعم بالجحود والكنود، دون أن يستمع إلى نصح الناصمين ، أو وعظ الواعظين ، وكيف أن الذين يريدون الحياة الدنيا تمنوا أن يكونوا مثله («وكيف أن الذين أوتواالعلم قالوا لهم على سبيل الزجر: ((ويلكم، ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا، ولا يلقاها إلا الصابرون»، وكيف أن الذين يريدون الحياة الدنيا قالوا بعد أن رأوا مصرع قارون: ((لولا أن من الله علينا لخف بنا ... )). ثم ختم - سبحانه - هذه القصة، ببيان سنة من سفنه التى لا تتخلف فقال - تعالى -: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فى الأرض ولا فساداً ، والعاقبة للمتقين) . ٩ - وبعد أن انتهت السورة الكريمة، من الحديث المتنوع عن قصص - ٤٨٨ - السابقين ، ومن التعقيبات الحكيمة عنها ... بعد كل ذلك، جاء الأمر من الله - تعالى - بإخلاص العبادة له، والنهى عن الإشراك به، فقال - سبحانه - ((ولاتدع مع الله إلها آخر لا إله إلاهو، كل شىء هالك إلا وجهه ، له الحسكم وإليه ترجعون). ١٠ - وبعد، فإذا عرض مجمل لما اشتملت عليه سورة القصص من مقاصد وأهداف، ومن هذا العرض، نرى أن السورة الكريمة قد اهتمت بأمور من أهمها ما يأتي : (١) أثبيت المؤمنين، وتقوية عزائمهم، وتبشيرهم بأن العاقبة لهم، وبأن الله - تعالى - سيجعل من ضعفهم قوة، ومن قلتهم كثرة، كما جعل من موسى وقومه أمة منتصرة بعد أن كانت مهزومة ، وغالبة بعد أن كانت مغلوبة . نرى هذه التقوية والإشارة فى مثل قوله - تعالى -، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض وتجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. وتمكن لهم فى الأرض وترى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون)). (ب) أن السورة الكريمة تعطينا صورة زاخرة بالمعانى الكريمة والمؤثرة، عن حياة موسى - عليه السلام - فهى تحكى لنا حالة أمه. وأحاسيسها، وخلجات قلبها، وخوفها ، عند ولادته، وبعد ولادته، وبعد إلقائه فى اليم، وبعد أن علمت بالتقاط آل فرعون له، وبعد رد الله - تعالى - إليها ابنها ، فضلا منه - سبحانه - ورحمة . كما تحكى لنا ما جبل عليه موسى - عليه السلام - من مروءة عالية جملته يأبى أن يرى مظلوما فلا ينصره، ومحتاجا فلا يعينه. فعند ما رأى امرأتين عاجزين عن سقى غنمهما، قال له): (( ما خطبكما قالتا لا نسقى حتى يصدر الرعاء، وأبونا شيخ كبير، فسق لهما ... )). وعند ما رأى مظلوما يستنصره، ما كان منه إلا أن نصره، وقال: «رميه بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين». - ٤٨٩ - (جـ) تأكيد أن هذا القرآن من عند الله، بدليل أن هذا القرآن قد قص على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى الناس، قصصا لا علم لهم بحقيقتها قبل أن يقصها عليهم . قال - تعالى -: «وما كنت بجانب الغربى، إذ قضينا إلى موسى الأمر، وما كنت من الشاهدين ... وما كنت بجانب الطور إذ نادينا، ولكن رحمة من ربك، لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك لعلهم يتذكرون». (د) اهتمت السورة اهتماما واضحا، ببيان مظاهر قدرة الله - تعالى .. فى هذا الكون، هذه القدرة التى تراها فى إهلاك الظالمين والمغرورين ، حتى ولو ساندتهم جميع قوى الأرض .. كما نراها فى الرد على كفار مكة الذين زعموا، أن اتباعهم للحق يؤدى إلى تخطفهم والاعتداء عليهم، «وقالوا إن نقبع الهدى معك تتخطف من أرضنا، أو لم يمكن لهم حرما آنا يجبى إليه ثمرات كل شىء رزقا من لدنا، ولكن أكثرهم لا يعلمون وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها، فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا، وكنا نحن الوارثين ، وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث فى أمها رسولا يتلو عليهم آياتنا، وما كنا مهلكى القرى إلا وأهلها ظالمون .... والخلاصة، أن سورة القصص على رأس السور المكية، الى حضت المؤمنين على الثبات والصبر، وساقت لهم من أخبار السابقين، ما يريدم إيمانا على إيمانهم. ويقينا على يقينهم، بأن الله - تعالى - سيجعل العاقبة لهم ... المؤلف د. محمد سيد طنطاوى القاهرة . مدينة نصر صباح السبت : ٢ من رجب سنة ١٤٠٥ هـ ١٩٨٥/٢/٢٣م التفسير قال الله تعالى: ((طَسَمَ (١) تِلْكَ آياتُ الكتابِ الُبِينِ (٢) تَتْلُوا عليكَ مِنْ تَبَامُوسَى وفِرْعَونَ بالحقِّ لقومٍ يُؤْمِنُونَ (٣) إِنَّ فِرِعونَ علاَ فى الأرضِ وجَعَلَ أَهلها شِيعًا، يَسْتَضعفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ، يُذَبِّحُ أبناءهُ، ويَسْتَحْيِ نِساءهُ، إنّهُ كانَ من المفسِدِينَ (٤) وزُرِيدُ أَنْ نَنَّ عَلَى الذينَ اسْتُضِفُوا فى الأرضِ وَتَجمَلَهُمْ أَلَّةً وَنَجْعْلَهُم الوارثين (٥) وتُمكِّنَ لَهُمْ فى الأرضِ ، ونُرِىَ فِرْءَونَ وهَمَانَ وجُنودَهما مِنْهُم ما كانوا يَحْذَرُونَ (٦))). سورة القصص من السور التى افتتحت بعض الحروف الهجائية .. وقد رجحنا أن هذه الحروف ، قد افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم ، الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن الكريم . فكان الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعارضين فى أن القرآن من عند الله - تعالى -: هاكم القرآن ترونه مؤلفا من حروف هى من جنس الحروف الهجائية ، ومنظوما من كلام هو من جنس ما تؤ لفون منه كلامكم. فإن كنتم فى شك فى كون هذا القرآن من عند الله، فها توا مثله، أو عشر سور من مثله، وادعوا من شئتم من الخلق لكى يعاونكم فى ذلك . فلما عجزوا - وهم أهل الفصاحة والبيان - ثبت أن غيرهم أعجز، وأن هذا القرآن من عند الله - تعالى -. و«تلك، اسم إشارة، والمشار إليه الآيات. والمراد بها آيات القرآن الكريم، ويندرج فيها آيات هذه السورة التى معنا . ٤٩١ الجزء العشرون والكتاب: مصدر كتب كالكتب. وأصله ضم أديم إلى آخر بالخياطة، واستعمل عرفا فى ضم الحروف بعضها إلى بعض بالخط. والمراد به: القرآن الكريم. والمبين: أى: الواضح المظهر للحق من الباطل، من أبان بمعنى أظهر. أى: تلك الآيات التى أنزلناها عليك - أيها الرسول الكريم - هى آيات الكتاب المظهر الحق من الباطل، والموضح للخير من الشر، والكاشف عن حقائق الأمور ، وعن قصص الأولين . ثم بين - سبحانه - ما سيقصه على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى هذه السورة فقال: ((فتلو عليك من نبأ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون)). وقوله - تعالى - ((فتلو)) من التلاوة بمعنى القراءة المرآلة التى يقصد منها التذكير والإرشاد . والنبأ : الخبر العظيم المشتمل على أمور من شأنها أن يهتم الناس بها. وموسى - عليه السلام -: هو ابن عمران بن يصهر بن ماهيث بن لاوى ابن يعقوب - عليه السلام - وكانت ولادة موسى فى حوالى القرن الثالث عشر قبل الميلاد . وفرعون: اسم كان يطلق فى القديم على كل ملك مصر، كما يقال لملك الروم : قيصر، ولملك اليمن : تبع . ويرى كثير من المؤرخين أن فرعون مصر، الذى ولد وبعث فى عبده موسى عليه السلام - ((منفتاح) ابن الملك رمسيس الثانى. قال الآلومى ما ملخصه: (والظاهر أن ((من)) فى قوله ,نتلو عليك من نبأ موسى وفرعون ... ، تبعيضية. والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لمفعول ((نتلو)) المحذوف. وقوله ((بالحق، حال من فاعل ((فتلو)، أى: ٤٩٢ سورة القصص تتلو ملتبسين بالحق، أو من مفعوله، أى: نتلو شيئا من نبئهما ملتبا بالحق ... )(١) . والمعنى : نتلو علیك ۔ أيها الرسول الكريم - تلاوة كلها حق وصدق، شيئا عجيبا، وخبرا هاما، يتعلق بقصة موسى - عليه السلام -، وبقصة فرعون. وقوله - سبحانه -: ((لقوم يؤمنون)، أى: فتلو عليك هذه الآيات، لقوم يؤمنون بها، وينتفعون بما اشتملت عليه من هدايات وعبر وعظات. وقوله - تعالى -: ((إن فرعون علا فى الأرض، وجعل أهلها شيما .... كلام مستأنف لتفصيل ما أجمله من النبأ . وقوله (( علا فى الأرض)) أى تكبر فيها وطغى، من العلو بمعنى الارتفاع. والمقصود أنه جاوز كل حد فى غروره وظلمه وعدوانه. والمراد بالأرض: أرض مصر وما يتبعها من بلاد. و «شيعاء جمع شيعة، وهم الأتباع والجماعات، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعته . أى: إن فرعون طغى وبغى وتجبر فى الأرض، وجعل أهلها شيعا وأتباعا له، وصار يستعمل كل طائفة منهم، فيما يريده من أموردولته، فهذه الطائفة للبناء، وتلك للسحر ، وثالثة لخدمته ومناصرته على مايزيد ... وجملة ، يستضعف طائفة منهم، لبيان حال الذين جعلهم شيعا وأحزابا. والمراد بهذه الطائفة: بنو إسرائيل . أى: أنه بعد أن جعل أهل مملكته شيعا وأحزابا، اختص طائفة منهم بالإذلال والقهر والظلم، فصار يذبح أبناءهم ويستحى نساءهم، أى: يذبح الذكور من بنى إسرائيل بمجرد ولادتهم، ويترك الإناث أحياء. (١) تفسير الآتومى = ٢٠ ص ٤٢ ٤٩٣ الجزء العشرون قال الإمام الرازى ما ملخصه: ((وفى ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه: أحدها : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال، وذلك يقتضى انقطاع الفل ... ثانيها: أن هلاك الذكور يقتضى فساده صالح النساء فى أمر المعيشة، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال ... ثالثها : أن فضل الذكور عقب الحمل الطريق، وتحمل المكد ، والرجاء القوى فى الانتفاع:»، من أعظم العذاب ... رابعها : أن بقاء النساء بدون الذكر ان من أقاربهم، يؤدى إلى صير ورتهن ستعرشات الأعداء، وذلك نهاية الذل والهو ان، (١). قالوا : وإنما كان فرعون يذبح الذكور من بنى إسرائيل دون الإناث، لأن الكهنه أخبروه، بأن مولودا سيولد من بنى إسرائيل، يكون ذهاب ملك فرعرن على يده . وقوله - سبحانه -: ((إنه كان من المفسدين، تعليل وتأكيد لما كان عليه فرعون من تجبر وطغيان . أى: إن فرعون كان من الراسخين فى الفساد والإفساد، ولذلك فعل ما فعل من ظلم لغيره، ومن تطاول جعله يقول للناس: (( أنا ربكم الأعلى)). ثم بين - سبحانه - ما اقتضته إرادته وحكمته، من تنفيذ وعيده فى القوم الظالمين، مهما احتاطوا وحذروا، ومن إنقاذه للمظلومين بعد أن أصابهممن الظلم ما أصبابهم فقال: ((ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض، ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم فى الأرض ، ونرى فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون)). (١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٣٥٨ ٤٩٤ سورة القصص - وقوله ((نمن)) من المن بمعنى التفضل، ومن قوله - تعالى -: « لقد من اله على المؤمنين ... ، أى : لقد تفضل عليهم ، وأحسن إليهم. وقوله: ((ونمكن لهم فى الأرض، من التمكين، وأصله: أن نجعل للشوء مكانا يستقر فيه، ويحل به. ثم استعير للتسليط والحصول على القوة بعد الضعف ، وللعز بعد الذل . وقوله: ((يحذرون)) من الحذر، بمعنى الاحتراس والاحتراز من الوقوع فى الأمر المخيف . يقال: حذر فلان فلانا، إذا خافه واحترس منه. قال الشوكانى ((والواو، فى قوله ( ونريد أن نمن العطف على جملة، إن فرعون علا فى الأرض، لأن بينهما تناسبا من حيث إن كل واحدة منهما، للتفسير والبيان للنبا. ويجوز أن تكون حالا من فاعل ((يستضعف، بتقدير مبتدأ . أى: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا فى الأرض ... والأول أولى ،(١) والمعنى: لقد طفا فرعون وبغى، ونحن بإرادتنا وقدر تنا « نريدأن نمن)) ونتفضل على بنى إسرائيل ((الذين استضعفوا فى الأرض)) بأن تنجيهم من ظلمه، وننقذهم من قهره وبغیه. ,ونجعلهم أنمة » يقتدى بهم المقتدون فى أمور الدين والدنيا ، التى يحبها الله وبرضاها . ((ونجعلهم الوارثين، الأرض المباركة، التى نعطيهم إياها متى آمنوا وأصلحوا ، کما قال - تعالى -: ((وأورثنا القومالذین کانو ایستضعفونمشارق الأرض ومغاربها التي باركنا فيها، وتمت كلمة ربك الحسنى على بنى إسرائيل بما صبروا، ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون،(٢). (١) تفسير فتح القدير ج ٤ ص ١٥٩ (٢) سورة الأعراف الآية ١٣٧ ٤٩٥ الجزء العشرون وقوله - تعالى - ,ونمكن لهم فى الأرض، أى: ونجعلهم أقوياء راسخى الأقسام فى الأرض التى فورثهم إياها ، بعد القوم الظالمين . ((وزى فرعون وهامان وجنودهما، أى: ونطلع فرعون وهامان- وهو وزير فرعون - وجنودهما التابعين لهما (( منهم، أى: من بنى إسرائيل المستضعفين فى الأرض , ما كانوا يحذرون)) أى ما كانوا يحاولون دفعه وانقاءه، فقد كان فرعون وجنده يقتلون الذكور من بنى إسرائيل، خوفا من ظهور غلام منهم يكون هلاكفـ عون على يده. قال ابن كثير: «أراد فرعون بحوله وقوته، أن ينجو من موسى، فما نفعه ذلك، بل نفذ الله - تعالى - حكمه ، بأن يكون إهلاك فرعون على يد موسى، بل يكون هذا الغلام الذى احترزت من وجوده - يافرعون -، وقتلت بسببه ألونا من الولدان، إنما منشؤه ومرباه على فراشك وفى دارك ... وهلاكك وهلاك جندك على يديه ، لتعلم أن رب السموات العلا، هو القاهر الغالب العظيم، الذى ما يشاء كان، وما لم يشأ لم يكن،(١). وهكذا فعلمن السورة الكريمة فى مطلعها، أن ما أراده الله - تعالى - لابد أن يتم، أمام أعين فرعون وجنده، مهما احتاطوا ومهما احترسوا، «واقه غالب على أمره. ولكن أكثر الناس لا يعلمون). ثم فصل - سبحانه - الحديث عن موسى - عليه السلام - فذكر ما ألهمه لأمه عند ولادته. وما قالته امرأة فرعون له عند النقاط آل فرعون لموسى، وما كانت عليه أم موسى من حيرة وقلق، وما قالته لأخته، وكيف رد الله - تعالى - بفضله وكرمه موسى إلى أمه . . (١) تفسير ابن كثير ٦٥ ص ٢٣١ ٤٩٦ سورة القصص لنستمع إلى السورة الكريمة، وهى تفصل هذه الأحداث، بأسلوبها البديع المؤثر فتقول : ((وأَوْحَينَ إِلى أمِّ مُوسَى أنْ أَرْضِيهِ، فإذَا خِفْتِ عليهِ فألقيهِ فى البَمِّ وَلا تَخَفى ولا تَخْزَّفِى، إذَا رَادُوهُ إلَيكِ وجامِلُوهُ مِنَ المرسَلِينَ (٧) فَتَّقَطَّهُ آلُ فِرْعَونَ لِيكُونَ لَهُمْ عَدوَّا وحزّناً، إنَّ فِرِعَونَ وهامانَ وَجُنُودَهما كانوا خَطِئِينَ (٨) وقالتٍ امرأةٌ فرعَونَ قرةُ عَيْنٍ لِ وَلَكَ، لا تَقتلوهُ عسَى أَنْ يَنفَعَنَاَ أو تَتَّخِذَهُ ولداً ومُ لا يَشْعُرُونَ (٩) وأصبَحَ فْزَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِعَا إِنْ كَادَتْ لْتُبدِى بِهِ، لولاَ أنْ رَبَطْنَا عَلَى قلبِهاَ لِتَكُونَ مِنَّ المؤْمِنِينَ (١٠) وقالتْ لأختِه قُصِّيه، فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وم لا يَشْعُرُونَ (١١) وحَرَّمنا عليهٍ المَرَاضِعَ من قبلُ، فقالتْ هَلْ أَدُلْكُمْ عَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهَ لِكُم وهمُ له ناسِحُونَ (١٢) فرَدَدْنَهُ إلى أُمْهِ كَىْ تَقَّرَّ ◌َيْهَاَ وَلاَ تَحزن، وِلِتَعْلَمَ أَنْ وَعدَ اللهِ حَقٌّ، ولكنَّ أ كثَرمُ لا يَعْلَمُونَ (١٣))). قال الإمام الرازى: أعلم أنه - تعالى - لما قال: «ونريد أن نمن على الذين استضعفوا، ابتدأ بذكر أوائل نعمه فى هذا الباب فقال: ((وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه .. ، (١) . والوحى إلى أم موسى ، يجوز أن يكون عن طريق الإلهام ، كما فى قوله - تعالى -: «وأوحى ربك إلى الفحل .. ، أو عن طريق المثام، أو عن طريق. إرسال ملك أخبرها بذلك. (١) تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ٠٤٢٦ ٤٩٧ الجزء العشرون قال الآلومى: ((والظاهر أن الإيحاء إليها كان بإرسال ملك، ولا ينافى ذلك الإجماع على عدم نبوتها، لما أن الملائكة - عليهم السلام - قد ترسل إلى غير الأنبياء وتكلمهم .. والظاهر - أيضا - أن هذا الإيحاء كان بعد الولادة .. وقيل: كان قبلها ... ))(١). و(( أن) فى قوله «أنت أرضعيه، مفسرة، لأن الوحى فيه معنى القول دون حروفه . والخوف: حالة نفسية تعترى الإنسان، فتجعله مضطربة المشاعر، لتوقمه حصول أمر بكرهه .. ، والحزن: اكتتاب نفسى يحدث الإنسان من أجل وقوع ما يكرهه، كبوت عزيز لديه . أو فقده لشى. يحبه .. وفى الكلام حذف يعرف من السياق، والتقدير : وحملت أم موسى به فى الوقت الذى كان فرعون يذبح الأبناء، ويستحى النساء، وأخفت حملها عن غيرها،َ فلما وضعته أصابها ما أصابها من خوف وفزع على مصير ابنها ، وهنا ألهمناها يقدرتنا وإرادتنا، وقذفَنا فى قلبها أن أرضعيه فى خفاء وكتمان ,فإذا خفت عليه، من فرعون وحاشيته أن يقتلوه كما قتلوا غيره من أبناء بنى إسرائيل. , فألقبه فى اليم، أى: فى البحر والمراد به نهر النيل، وسمى بحرا لاتساعه، وإن كان الغالب إطلاق البحر على المياه غير العذبة . ,ولاتخانی ولاتحزنی:أی: ولا تخافیعلیهمنحصول مكروه له، ولاتحزنى لمفارقته لك ، فهو فى رعايتنا وحمايتنا، ومن رعاه الله - تعالى - وحماه، فلا خوف علیه ولا حزن . (١) تفسير الآلوسى = ٢٠ ص ٤٥ (٣٢ - سورة القصص) ٤٩٨ سورة القصص وجملة (( إنارادوه إليك وجاعلوه من المرسلين)) تعليل النهى عن الخوف والحزن ، و تبشیر ھابأن ابنها سيعودإليها،وسیکون منرسل اله -عز وجل .. قال صاحب الكشاف: فإن قلت ما المراد بالخوفين - فى الآية - حتى أوجب أحدهما ونهى عن الآخر ؟ قلت : أما الأول، فالخوف عليه من القتل، لأنه كان إذا صاح خافيته أن يسمع الجيران صوته، فينموا عليه، وأما الثانى: فالخوف عليه من الغرق ومن الضياع، ومن الوقوع فى يد بعض العيون المبثوثة من قبل فرعون فى تطلب الولدان . فإن قلت: ما الفرق بين الخوف والحزن؟ قلت: الخوف، غم يلحق الإنسان لشىء متوقع . والحزن: غم يلحقه لشىء وقع ، فنهيت عنهما جميعا وأمنت بالوحى إليها، ووعدت بما يسليها، ويطمئن قلبها، ويملؤها غبطة وسرورا، وهو وده إليها ، وجعله من المرسلين .. ،(١) وهكذا نجد الآية الكريمة قد اشتملت على أبلغ الأساليب وأبدعها، فى بیان قدرة الله - تعالی ۔ ورعایته من یرید رعايته . قالوا : مدح الأصمعى أمرأة لإنشادها شعراً حسنا ، فقرأت هذه الآية الكريمة ثم قالت له: أبعد هذه الآية فصاحة، لقد اشتملت على أمرين وهما ((أرضعيه وألقيه، وبهيين وهما (( لا تخافى ولا تحزنى)) وخبرين ((إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين، وبشارتين فى ضمن الخبرين، وهما: الردو الجعل المذكوران . والفاء فى قوله: ((فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا ... » هى الفصيحة . (١) تفسير الكشاف ج٣ ص ٠٣٩٣ ٤٩٩ الجزء العشرون والالتقاط : وجود الشىء والحصول عليه من غير طلب ولا قصد. والمراد بآل فرعون: جنوده وأتباعه الذين عثروا على التابوت الذى به موسى، وحملوه إلى فرعون. والحزن - بالتحريك وبضم فسكون - نقيض السرور ، وفعله كفرح . يقال: حزنه الأمر وأحزنه، أى : جعله حزينا . واللام فى قوله : ( ليكون٠٠) هى لام العاقبة والصيرورة . قال القرطبى: ((قوله - تعالى - (فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا) لما كان التقاطه إياه يؤدى إلى كونه عدوالهم وحزنا، فاللام فى ( ليكون ) لام العاقبة والصيرورة، لأنهم إنما أخذوه ليكون لهم قرة عين ، فيكان عاقبة ذلك أن كان لهم عدوا وحزنا ، فذكر الحال بالمآل كما فى قول الشاعر : : ودورنا لخراب الدهر نبنيها. وللمنايا تربى كل مرضعة أى: فعافية البناء: الخراب، وإن كان فى الحال مفروحابه)، (١). ويرى بعضهم أن اللام منا يصح أن تكون للتعليل، بمعنى، أن انته. - تعالى - بمدينته وإرادته فرعون وآله، لإلتقاط موسى، ليجعله لهم عدوا وحزنا، فكانه - سبحانه - يقول: قدرنا عليهم التقاطه بمكتنا وإرادتنا، ليكون لهم عدوا وحزنا . وإلى هذا المعنى أشار الإمام ابن كثير بقوله: قال محمد بن إسحاق وغيره اللام هنا لام العاقبة لالام التعليل، لأنهم لم يريدوا بالتقاطه ذلك - أى : لم يريدوا بالتقاطه العداوة والحزن - ، ولا شك أن ظاهر اللفظ يقتضى ما قالوا، ولكن إذا نظرنا إلى معنى السباق، فإنه تبقى اللام للتعليل، لأن معناه: أن الله - تعالى - قيضهم لإلتقاطه ليجعله لهم عدوا وحزنا، فيكون (١) تفسير القرطبى : ١٣ ص ٢٥٢. ٥٠٠ سورة القصص أبلغ فى إبطال حذرهم منه ... (١) وعع وجاهة الرأيين، إلا أننا نميل إلى الرأى الثانى، لأنه - كما قال الإمام ابن كثير - أبلغ فى إبطال حذرهم منه، ولأن قوله - تعالى -: «إنفرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين، يشير إلى أن اللام للتعليل. والمعنى: ونفذت أم موسى ما أوحيناه إليها، فأرضعت إبنها موسى، وألقته فى اليم حين خافت عليه القتل ، فالتقطه آل فرعون من الم، ليكون. لهم عدوا وحزنا، وليعلموا أن ما أردفاه لا بدأن يتم مهما إحترسوا واحتاطوا وحذروا، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وقوله - تعالى - ((إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاط ين، تعليل لما قبله، و«خاطئين» أى: مرتكبين الخطيئة التى هى الذنب العظيم، كقوله - تعالى - فی قوم نوح - عليه السلام - : « عما خطیئاتهم أغرقوا فادخلوا فارا ..... وكقوله - سبحانه- فى شأن الكافرين «بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته . فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون». أى: فعلنا ما فعلنا من جعل موسى عدوا وحزنا لفرعون وآله، لأن , فرعون، ووزيره هامان، وجنودهما الذين يناصرونهما، كانوا مرتكبین. للذنوب العظيمة فى كل ما يأتون ويذرون ، ومن مظاهر ذلك قتلهم الذكور بنى إسرائيل، وإبائهم لإمائهم. وقوله - سبحانه: (وقالت امرأة فرعون قرة عين لى ولك، لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ... ، بيان لما أنطق الله به امرأة فرعون للدفاع عن موسى - عليه السلام .. (١) المسير إن كثير ٦٥ ص٢٠٢. ٠٠