Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
الجزء التاسع عشر
فى المراد بمن فى النار: من هو قريب منها، وهو موسى - عليه السلام -
والمراد بمن حولها: الملائكة الحاضرون لهذا النداء، أو الأماكن
المجاورة لها.
أى: فلما وصل موسى- عليه السلام - إلى القرب من مكان النار، نودى
موسى من قبل الله - عز وجل - على سبيل التكريم والتحية : أن قدس وطهر
وأختير الرسالة من هو بالقرب منها وهو موسى - عليه السلام-، ومن حولها
من الملائكة ، أو الأماكن القريبة منها .
قال الآلوسى: (قوله: ((من فى النار ومن حولها، ذهب جماعة إلى أن فى
المکلام معنانا مقدرا فی موضعین . أی: من فى مكان النار ،ومنحول مكانها
قالوا: ومكانها البقعة التى حصلت فيها ، وهى البقعة المباركة ، المذكورة فى
قوله - تعالى -: (فلما أتاها - أى النار - نودى من شاطىء الوادى الأيمن فى
البقعة المباركة من الشجرة ....
وقيل: من فى النار: موسى -عليه السلام -، ومن حولها: الملائكة
الحاضرون ... وقيل: الأول الملائكة، والثانى موسى. وإستغنى بعضهم من
تقدير المضاف بجعل الظرفية مجازا عن القرب التام ... وأيا ما كان فالمراد
بذلك بشارة موسى - عليه السلام-،(١).
.وقال الشوكانى:((ومذهب المفسرين أن المراد بالنار -هنا - النور)، (٢).
وقوله - تعالى -: ((وسبحان الله رب العالمين) من تتمة الثداء، وخبرمنه
- تعالى - لمومى بالتنزيه. لئلا يتوهم من سماع كلامه - تعالى - التشبيه بما
البشر من كلام .
(١) تفسير الألوسى =١٩ ص ١٦٠ (٢) تقدير فتح القدير -٤ ص ١٢٧
(٢٦ - سورة النمل)

٤٠٢
سورة النمل
أى: وتنزه الله - عز وجل - وتقدس رب العالمين عن كل سوء ونقص
ومماثلة للحوادث.
وقوله - سبحانه: ((ياموسى إنه أنا الله العزيز الحكيم))" إعلام منه
- عز وجل - لعبده موسى بأن المخاطب له، إنما هو الله - تعالى - الذى عز
كل شىء وقهره وغلبه . والذى أحكم كل شىء خلقه .
والضمير فى قوله ((إنه، للشأن. وجملة (« أنا الله)) مبتدأ وخبر والعزيز
الحكيم صفتان لذاته - عز وجل -
أى: ياموسى إن الحال والشأن إنى أنا الله العزيز الحكيم، الذى
أخاطبك وأناجيك . فتنبه لما سآمرك به. ونفذ ما سأكلفك بفعله.
ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك بعض ما أمر به موسى - عليه السلام -
فقال : وألق عصاك .
والجملة الكريمة معطوفة على ماتضمنه النداء .
أى: نودى أن بورك من النار ومن حولها ... وفودى أن ألق عصاك
التى يدك .
وقوله: (( فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مديرا ولم يعقب .. ، معطوف
على كلام مقدر .
أى: فاستجاب موسى -عليه السلام-لأمر ربه فألقى عصاه فصارت حية،
فلما رآها تهتز .
أى: تضطرب وتتحرك بسرعة شديدة حتى لكأنها «جان» فى شدة
حركتها وسرعة تقلبها ((ولى مديرا، عنها من الخوف ((ولم يعقب)، أى: ولم
يرجع على عقبه. بل إستمر فى إدباره عنها دون أن يفكر فى الرجوع
إليها. يقال: عقب المقاتل. إذا كر على عدوه بعد الفرار منه.

٤٠٣
الجزء التاسع عشر
والجمان : الحية الصغيرة السريعة الحركة . أو الحية الكبيرة، والمراد
هنا: التشبيه بها فى شدة الحركة وسرعتها مع عظم حجمها.
وإنما ولى موسى مديرا عنها، لأنه لم يخطر بباله أن «صاه التى بيده؛
يحصل منها مارآه بعينه، من تحولها إلى حية تسعى وتضطرب وتتحرك
بسرعة كأنها جان، ومن طبيعة الإنسان أنه رأى أمرا غريبا اعتراه
الخوف منه، فما بالك بعصا تتحول إلى حية تسعى".
ثم بين - سبحانه - ما نادى به موسى على سبيل التثبيت وإدخال الطمأنينة
على قلبه، فقال: (( ياموسى لا تخف)).
أى: فلما ولى موسى ولم يعقب عندما ألقى عصاه فانقلبت حية، فاداور به
- تعالى - بقوله: يا موسى لا تخف مما رأيت، أو من شىء غيرى ما دمت
فی حضرئی.
وجملة (( إنى لا يخاف لدى المرسلون، تعليل للنهى عن الخوف، أى إنى
لايخاف عندى من اخترته لحل رسالتى ، وتبليغ دعونى.
وقوله - سبحانه -: «إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإنى غفور
رحيم ، استثناء منقطع مما قبله .
أى: إنى يا موسى لا يخاف لدى المرسلون، لكن من ظلم وار تكب فعلا
سينا من عبادى. ثم تاب إلى قوبة صادقة، بأن ترك العالم إلى العدل والشر
إلى الخير. والمعصية إلى الطاعة، فإنى أغفر له مافرط منه؛ لأفى أنا وحدى
الواسع المغفرة والرحمة .
قال ابن كثير: ((هذا استثناء منقطع، وفيه بشارة عظيمة للبشر، وذلك
أن من كان على شىء ثم أقلع عنه وتاب وأناب ، فإن الله يتوب عليه، كما قال
- تعالى -,وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اعتدى) قال-تعالى

٤٠٤
سورة النمل ..
((ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله،يجد الله غفورارحم)،(١).
وقيل : إن الاستثناء متصل، فيكون المعنى: لايخاف لدى المرسلون،
إلا من ظلم منهم بأن وقع فى الصغائر التى لا يسلم منها أحد، ثم قاب منها
وأقلع عنها ، فإنى غفور رحيم.
قال الآلوسى: ((والظاهر - هنا - انقطاع الاستثناء، والأوفق بشأن
المرسلين، أن يراد بمن ظلم: من ارتكب ذنبا كبيرا أو صغيرا من غيرهم.
و ((ثم)) يحتمل أن تكون التراخى الزمانى فتفيد الآية المغفرة لمن يدل على
الفور من باب أولمة. ويحتمل أن تكون التراخى الرقبى، وهو ظاهر بين
الظلم والتبديل ... ،(٢).
وعبر - سبحانه - عن ترك الظلم بالتبديل، الإشارة إلى الإقلاع التام عن
هذا العالم، وإلى أن هذا الظلم قد حل محله العدل والطاعة والانقياد لأمره
- تعالى -.
ثم أرشد - سبحانه - موسى - عليه السلام - إلى معجزة أخرى. لتكون
دليلا على صدقه فى رسالته إلى من سيرسله إليهم فقال: ((وأدخل يدك فى
جيك تخرج بيضاء من غير سود» .
والمراد بجيبه: فتحة ثوبه أو قميصه عند مدخل رأسه، أو عند جانبه
الأيمن، وأصل الجيب: القطع. يقال: جاب الشىء إذا قطعه.
والمعنى: وأدخل ياموسى يدك اليمنى فى فتحة ثوبك، ثم أخرجهاتراها
تخرج بيضاء من غير سوء . أى: أخرج منيرة مشرقة واضحة البياخر، دون
(١) تفسير ابن كثير حـ٦ ص ١٩١
(٢) تفسير الآلوسي = ١٩ ص ٦

٤٠٥
الجزء التاسع عشر
أن يكون بها أى سوء من مرض أو برص أو غيرهما، وإنما يكون بياضها
بياضاً مشرقاً مصحوبا بالسلامة بقدرة الله - تعالى وإرادته.
قال الحسن البصرى: أخرجها - واقه - كأنها مصباح، فعلم موسى أنه
قد لقى ربه .
وقوله: ((تخرج، جواب الأمر فى قوله: ((وأدخل)، و ((بيضاء) حال من
فعل تخرج، و (من غير سوء)) يجوز أن يكون حالا أخرى، أوصفة لبيضاء.
والمراد بالبدهنا: كف يده اليمنى. والسوء الردىء والقبيح من كل
شىء ، وهو هنا كناية عن البرص لشدة قبحه .
وقوله - تعالى -: ((فى تسع آيات إلى فرعون وقومه، يصح أن يكون
«الا ثالثة من فاعل «تخرج)) فيكون المعنى: وأدخل ياموسى يدك فى جيبك
تخرج حالة كونها بيضاء، وحالة كونها من غيرسوء، وحالة كونها مندرجة
أو معدودة فى ضمن تسع آيات زودناك بها ، لتكون معجزات لك أمام
فرعون وقومه، على أنك صادق فيما تبلغه عن ربك .
قال الجمل: «وقوله: ((فى تسع آيات، فيه وجوه: أحدهما: أنه حال ثالثة
يعنى من فاعل تخرج، أى: آية فى تسع آيات. الثانى: أنه متعلق بمحذوف
أى: اذهب فى تسع آيات ... )) (١).
والمراد بالآيات التسع التى أعطاها الله - تعالى - موسى - عليه السلام -:
العصبا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع،
والدم . كما جاء ذلك عن ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم .
وقد جاء الحديث عن هذه الآيات فى مواضع أخرى من القرآن الكريم
منها قوله - تعالى -: « وألقى عصاه فإذا هى ثعبان مبين . ونزع يده فإذا هى
بيضاء للناظرين)(٢).
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ١ ٠٣
(٢) سورة الشعراء الآيتان: ٣٣٠٣٣

٤٠٦
سورة النمل
وقوله - سبحانه -: «ولقد أخذنا آل فرعون بالسنين ونقص من الثمرات
لعلهم يذكرون »(١) .
وقوله - عز وجل -: ((فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر
فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، (٢).
وقال - تعالى -: «فأرسلنا عليهم الطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع،
والدم .. )) (٣).
وتحديد الآيات بالتسع، لا يتفى أن هناك معجزات أخرى ، أعطاها الله
- تعالى - لموسى - عليه السلام - إذ من المعروف عند علماء الأصول أن
تحديد العدد بالذ کر ، لايدل على نفى الزائد عنه .
قال ابن كثير: ((وقد أوتى موسى - عليه السلام - آيات أخرى كثيرة،
منها ضربه الحجر بالعصا، وخروج الماء منه ... وغير ذلك . مما أو توه بنو
إسرائيل بعد خروجهم من مصر. ولكن ذكر هنا هذه الآيات التسع التى
شاهدها فرعون وقومه ، وكانت حجة عليهم خالفوها وعاندوما كفرا
وجحودا ،(٤) .
وقوله - تعالى -: (« إنهم كانواقوما فاسقين، استئناف مسوق لبيان سبب
إرسال موسى إلى فرعون وقومه.
أى: هذه الآيات التسع أرسلناك بها ياموسى إلى فرعون وقومه، لأنهم
كانواقوما فاسقين عن أمرنا، وخارجين على شرعنا، وعابدين لغير نامن مخلوقاتنا.
ثم بين - سبحانه - موقف فرعون وقومه من هذه المعجزات الدالة على
صدق موسى فقال :
(١) سورة الشعراء الآية ١٣٠
(٣) سورة الأعراف الآية ١٢٣
(٢) سورة الأعراف الآية ١٣٠
(٤) تفسير ابن كثير ٠ ٥ س٢٢١

٤٠٧
الجزء التاسع عشر
فلما جاءتهم آياتنا مبصرة قالوا هذا سحر مبين . وجحدوا بها وا- قيقتتها
أنفسهم ظلما وعلوا، فانظر كيف كان عاقبة المفسدين).
وقوله: ((مبصرة، من الإبصار والظهور. وهو اسم فاعل بمعنى أسم
المفعول، للاشعار بشدة وضوحها وإقارتها، حتى لكأنها تبصر نفسها
لو كانت ممايبصر، كما يقال: ماء دافق بمعنى مدفوق.
وقوله: ((وجحدوا بها)، من الجحود. وهو إنكار الحق مع العلم بأنه
حق، يقال : جحد فلان حق غيره، إذا أنكره مع علمه به .
وقوله: ((واستيقنتها، من الإيقان وهو الاعتقاد الجازم الذى لا يطرأ
عليه شمك وجىء بالسين لزيادة التأكيد.
والمعنى: وذهب موسى - عليه السلام - ومعه المعجزات الدالة على
صدقه، إلى فرعون وقومه ليدعوهم إلى إخلاص العبادة لله - تعالى -
وحده ، فلما جاءهم موسى بتلك المعجزات المضيئة الواضحة الدلالة على
صدقه ، قالوا على سبيل العناد والغرور ، هذا الذى نراه منك ياموسى ، سحر
بين وظاهر فى كونه سحرا .
وجحد فرعون وقومه هذه المعجزات التى جاء بها موسى من عند ربه
- تعالى -، مع أن أنفسهم قد علمت علما لا شك معه أنها معجزات وليست
سحرا، ولكنهم خالفوا عليهم ويقينهم ((ظلماء الآيات حيث أنزلوما عن
منزلتها الرفيعة وسموها سحرا ,وعلوا)) أى: ترفعا واستكبارا عن
الإيمان بها .
«فانظر، أيها العاقل ( كيف كان عاقبة المفسدين))؟ لقد كانت عاقبتهم
أن أغرقهم الله جميعا، بسبب كفرهم وظلمهم وجهودهم وفسادهم فى الأرض.
وفى التعبير بقوله: ((فلما جاءتهم آياتنا .. ، إشعار بأن هذه الآيات
الدالة على صدق موسى - عليه السلام - قد وصلت إليهم بدون أن

٤٠١
الجزء التاسع عشر
((ولقَدْ آتَيْنَاَ دَاودَ وسُلَيمانَ علماً، وقالاَ الحمدُ لله الذى فَضْلَنَاَ عَلَى
كثيرٍ مِنْ عِبادِهِ المؤمنينَ (١٥) وَوَرِثَ سليمانُ داودَ وقَالَ يأيُّها الناسُ
مُلْنَاَ مَنطِقَ الطَّيْرِ وأُوتِنَا مِنْ كُلِّشَىْءٍ، إِنَّ هِذَا لَهُوَ الفَضْلُ المبينُ (١٦)
وَحُثِرَ لِسْلَيمَانَ جنودُهُ من الْجِنَّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَنُونَ (١٧)
حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النّْلِ قَالَتْ عَلٌَّ يَأْيُهَا النَّعْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنُكُم
لا تَخْطِنكُم سليمانُ وجنودَهُ وَهُمْ لا يَشْعُرونَ (١٨) فتبْسَّمَ ضاحِكاً
مِنْ قَوْلهَاً، وقالَ رٍّ أَوْزِغْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعَمَتَكَ التى أَنْعَمَتَ عَىَّ
وَى وَالدىَّ ، وَأَنْ أَعملَ صَالِحًا ترْضَهُ ، وَأَدْخِلِ برحمتِكَ فى عِبَادِكَ
الصالحين (١٩))).
وقوله - سبحانه -: ((ولقد آتينا داود وسليمان علما، كلام مستأنف
مسوق لتقرير قوله - تعالى -: ((وإنك لتلقى القرآن من لدن حكم.
خبير ، إذ القرآن الكريم هو الذى قص الله - تعالى - فيه أخبار السابقين،
بالصدق والحق .
وداود هو ابن يسى ، من سبط يهوذا من بنى إسرائيل، وكانت ولاده
فى بيت لحم سنة ١٠٨٥ ق م - تقريبا -، وهو الذى قتل جالوت ، كما قال
- تعالى -: «فهزموهم بإذن الله وقتل داود جالوت وآقاه الله الملك والحكمة
وعلمه مما يشاء ٠٠٠ ،١). وكانت وفاته سنه ١٠٠٠ ق م تقريبا.
(١) سورة البقرة الآية ٠٢٥١
٫٠٫٠٠

٤١٠
سورة النمل
وسليمان هو ابن داود - عليهما السلام - ولد بأور شليم حوالى سنة ١٠٤٣ قم:
وتوفى سنة ٩٧٥ ق م .
وقد جاء ذكرهما فى سور الأنبياء وسبأ وغيرهما.
ويعتبر عهدهما أزهى عهود بنى إسرائيل، فقد أعطاهما الله -تعالى- نعماجلية
والمعنى: والله لقد أعطينا داود وإبنه سليمان علما واسعا من عندنا)،
ومنحناهما بفضلنا وإحساننا معرفة غزيرة بعلوم الدين والدنيا .
أما داود فقد أعطاه - سبحانه - علم الزبور، فكان يقرؤه بصوت جميل،
كما علمه صناعة الدروع .. قال - تعالى -: ((ولقد آتينا دارد منا فضلا،
يا جبال أو بى معه والطير وألنا له الحديد .،(١).
وأما سليمان فقد آتاه -سبحانه - ملكا لا ينبغى لأحد من بعده، وعلمه
منطق الطير ، ورزق الحكم السديد بين الناس . قال - تعالى -: «وفهمناها
سليمان وكلا آتينا حكما وعلما، (٢).
. وقوله - سبحانه -: ((وقالا الحمد لله الذى فضلنا على كثير من عباده
المؤمنين)) بيان لموقفهما من نعم الله - تعالى - عليهما، وهو موقف يدل على
حن شكر هما لخالقهما .
والواو فى قوله ((وقالا)) للعطف على محذوف، أى: آتبناهما علما غزيراً
فعملا بمقتضاه وشكرا الله عليه، وقالا: الحمد لله الذى فضلنا بسبب ماآتا:
من علم ونعم، على كثير من عباده المؤمنين، الذين لم ينالوا ما نلنا من خيرا
وبره- سبحانه.
(١) سورة البقرة الآية ٣٥١
(٢) سورة سبأ الآية ١٠

٤١١
الجزء التاسع عشر
قال صاحب المكثانى: «وفى الآية دليل على شرف العلم، وإناقة محله،
ونقدم حملته وأهله ، وأن نعمة العلم من أجل النعم ، وأجزل القسم، وأنمن
أو تيه فقد أوتى فضلا على كثير من عباد الله ... )،(١).
وفى التعبير بقوله - تعالى - ,فضلنا على كثير ... ، دلالة على حسن
أدبهما، وتواضعهما، حيث لم يقولا فضلنا على جميع عباده.
والمراد بالوراثة فى قوله - تعالى -: «وورث سليمان داود ...
وراثة العلم والنبوة والملك، أى : وورث سليمان داود فى نبوته وعلمه
وملكـ .
قال ابن كثير: «وقوله: ((وورث سليمان داود)). أى: فى الملك و النبوة
وليس المراد وراثة المال، إذ لو كان كذلك، لم يخص سليمان وحده من بين
سائر أولاد داود .. ولكن المراد بذلك وراثة الملك والنبوة، بإن الأنبياء
لا نورث أموالهم، أخبر بذلك رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -:
(نحن معاشر الأنبياء لا تورث ما تركناه صدقة)،(٢).
ثم حكى - سبحانه - ما قاله سليمان على سبيل التحدث بنعم الله عليه،
فقال - تعالى -: «وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من
کل شیء .،
أى: وقال سليمان - عليه السلام - على سبيل الشكر لله - تعالى -: يا أيها
الناس: علمنا الله - تعالى - بفضله وإحسانه فهم ما يريده كل طائر إذا صوت
أو صاح، وأعطانا - سبحانه - من كل شىء نحتاجه وننتفع به فى ديننا
أو دنيانا .
وقدم فعمة تعليمه منطق الطير ، لأنها نعمة خاصة لا يشاركه فيها غيره ،
وتعتبر من معجزاته - عليه السلام-
(١) تفسير الكشاف = ٣ س ٣٥٣
(٢) تفسير ابن كثير ٦٠ ص ١٩٢

٤١٢
سورة النمل
وقيل : إنه علم منطق جميع الحيوانات، وإنما ذكر الطير لأنه أظهر فى
النعمة ، ولأن الطير كان جندا من جنده ، يسير معه لتظليله من الشمس.
قال الآلوسي: ((والجملتان - علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شىء .
كالشرح الميراث.
وعن مقاتل: أنه أريد بما أوتيه النبوة والملك وتسخير الجن والإنس
والشياطين والريح .
وعن ابن عباس: هو مايريده من أمر الدنيا والآخرة))(١).
وعبر عن نعم الله - تعالى - عليه بنون العظمة فقال ((أوتينا)) ولم يقل
وأوتيت، للاشعار بأنه عبد من عباد الله المطاعين ، الذين سخر لهم جنود!
من الجن والإنس والطير، ليكونوا فى خدمته، وليستعملهم فى وجوه الخير
لا فى وجوه الشر، فهو لم يقل ذلك على سبيل التباهى والتعالى، وإنما قاله على
سبيل التحدث بنعمة الله .
.
وإسم الإشارة فى قوله - تعالى -: ((إن هذا لهو الفضل المبين ،يعود إلى
ما أعطاه الله - تعالى - إياه ؛ من العلم والملك وغيرهما .
أى: إن هذا الذى أعطافا إياه من العلم والملك، وكل شىء تدعو إليه
الحاجة ، لهو الفضل الواضح، والإحسان الظاهر منه - عز وجل -
ثم تنتقل السورة الكريمة إلى الحديث عن مظاهر ملك سليمان - عليه
السلام - فتقول: ((وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير
فهم يوزعون ).
والحشر: الجمع. يقابل: حشر القائد جنده إذا جمعهم لأمر من الأمور التى ترمه ..
وقوله : ((يوزعون، من الوزع بمعنى الكف والمنع. يقال ثم
وزعه عن الظلم وزعا، إذا كفه عنه .
(١) تفسير الألوسى «١٩ ص١٦٤

1
الجزء التاسع عشر
جـ
٤١٣
ومنه قول عثمان بن عفان - رضى الله عنه -: «إن الله ليزع بالسلطان
مالا يزع بالقرآن».
ومنه قول الشاعر:
ولا يزع النفس اللجوج عن الهوى من الناس ، إلا وافر العقل كامله
والمعنى: وجمع لسليمان - عليه السلام - عساكره وجنود من الجن والإنس
والطير (فهم يوزعون)) أى: فهم محبوسون ومجموعون بنظام وترتيب،
بحيث لا يتجاوز أحدهم مكانه أو منزلته أو وظيفته المسئول عنها
فالتعبير بقوله ((يوزعون)) يشعر بأن هؤلاء الجنود مع كثرتهم، لهم من
يزعهم عن الفوضى والاضطراب، إذ الوازع فى الحرب، هو من يدير أمور
الجيش ، وينظم صفوفه، ويرد من شذ من أفراده إلى حادة الصواب.
وقد ذكر بعض المفسرين هنا أقوالا فى عدد جيش سليمان ، رأينا أن
تضرب عنها صفحا، لضعفها ويكفينا أن نعلم بأن الله - تعالى- قد سخر اسليمان
جندأ من الجن والإنس والطير، إلا أن عدد هؤلاء الجنود مرد عامه إلى
الله - تعالى - وحده, وإن كان التعبير القرآنى يشعر بأن هؤلاء الجند
المجموعين ، يمثلون موكبا عظيما، وحشدا كبيرا.
.. ثم حكى - سبحانه - ماقالته نملة عند مارأت هذا الجيش العظيم المنظم،
فقال - تعالى: ((جتى إذا أقوا على وادى النمل ، قالت نملة يا أيها النمل أدخلوا
مساكنكم، لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون)».
و((حتى)) هنا ابتدائية. أى: يبتدأ بها الكلام، وقوله (قالت نملة))
واب إذا.
وقوله: ((يحطمنكم، من الحطم، وأصله: كسر الشىء. يقال: حطم
فلان الشىء إذا كسره، والمراد به هنا: الإهلاك والقتل.

٤١٤
سورةالنمل
والمعنى: وحشر لسليمان جنوده، فسار هؤلاء الجنود فى قوة ونظام،
(«حتى إذا أتوا على وادى النمل، أى: على مكان يعيش فيه النمل فى مملكة
سليمان ((قالت فملة)، على سبيل النصح والتحذير بعد أن رأت سليمان وجنوده.
((يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم، أى: ادخلوا أماكن سكناكم، وابتعدوا
عن طريق هذا الجيش الكبير، وانجوا بأنفسكم، كى لا يعطمنكم سليمان
وجنوده، وهم لا يشعرون بكم .
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: لم عدى ((أقوا)) بعلى؟ قلت: يتوجه
على معنين: أحدهما: أن إتيانهم كان من فوق، فأتى بحرف الاستعلاء ...
والثانى: أن يراد قطع الوادى وبلوغ آخره، من قولهم أتى على الشىء، إذا
أنفذه وبلغ آخره ...
فإن قلت: ((لا يحطمنكم، ما هو؟ قلت: يحتمل أن يكون جواباً للأمر،
وأن يكون نهيا بدلا من الأمر . والذى جوز أن يكون بدلا منه: أنه فى معنى:
لا تکر نوا حیث أنتم فيحطمكم، على طريقه: لا أرینك مهنا،(١).
أى : لا تحضرها هنا بحيث أراك .
ثم بين - سبحانه - ما فعله سليمان بعد أن أدرك ما قالته النملة لأفرادجنسها،
فقال - تعالى -: ((فتبسم ضاحكا من قولها)) أى: فسمع قولها السابق فاهتزت
نفسه، وقبسم ضاحكا من قولها، لفطنتها إلى تحذير أبناء جنسها ، ولسروره
بما قالته عنه وعن جيشه، حيث وصفتهم بأنهم لا يقدمون على إملاكالنمل،
إلا بسبب عدم شعورم بهم.
وقوله (( ضاحكا، حال مؤكدة لأنه قد فهم الضحك من التبسم. وقيل
التبسم أول الضحك .
(١) تفسير الكشاف + ٣ ص٣٥٦

٤١٥
الجزء التاسع عشر
ثم حکی - سبحانه - مانطق به سلمان بعد ذلك فقال: « و قال رب أو زعنى
أن أشكر نعمتك التى أنعمت على وعلى والدى ... » .
أى: وقال سليمان: يارب ألهمنى المداومة على شكرك والامتناع عن جهود
نعمك، والكف عن كل ما يؤدى إلى كفر ان مننك التى أفضتها على وعلى والدى.
ووفقنى كذلك لأن «أعمل، عملا ((صالحا، ترضاه عنى وتقبله منى
((وأدخلنى، يا إلهى برحمتك وإحسانك ((فى عبادك الصالحين)) الذين رضيت
عنهم ورضوا عنك .
وهكذا جمع سليمان - عليه السلام - فى هذا الدعاء البليغ المؤثر، أسمى
ألوان الخشية من الله - تعالى - والشكر له - سبحانه - على نعمه، والرجاء فى
رضاه وعطائه الجزيل .
٠٠ ٠
ثم تحكى السورة الكريمة بعد ذلك مادار بين سليمان - عليه السلام - وبين
جندى من جنود مملكته وهو الهدهد ، فقال - تعالى -:
((وَتَفقَّدَ الطِيْرَ فقالَ مالىَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الغائبينَ (٣٠)
لْأمَذِّبَنَّهُ عذاباً شديداً أو لأذبحَنَّهُ، أو ليأتينى بسلطانٍ مبينٍ (١٢)
فمكتَ غَيرَ بعيدٍ فقالَ أَحَطْتُ بمَ لَمْ تَحِطْ بِهِ وجئتُكَ مِنْ سَبَإٍ بقبًا
يقينٍ (٢٢) إِنِّى وَجَدْتُ امرَأَةً تَلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ منْ كل شىءٍ وَاَ
عرشٌ عظيمٌ (٢٣) وَجَدتُهاَ وَقومَهَا يَسْجِدُونَ الشَّمسِ مِنْ دُونِ اللهِ،
وَزِيَّنَ لَهُم الشيطانُ أَعمالهُم، فصدَّهُ عن السبيلِ فُهُم لا يهتدُونَ (٢٤)
أَلّ يسجدُوا لهِ الذى يُخْرِجُ الْبْء فى السمواتِ وَالْأَرْضِ، وَيَعْلَمُ
ما تُحُقُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥) وَالُهُ لاَ إِلهَ إِلَّ هُوَ رَبَّ العَرْشِ
ر العَظيم (٢٦))).

٠٤١٦
سورة النمل
والتفقد: تطلب الشىء ومعرفة أحواله، ومنه قوم: تفقد القائد
جنوده، أى: تطلب أحوالهم ليعرف حاضرهم من غائبهم.
والطير: اسم جنس لكل ما يطير، ومفرده طائر. والمراد بالهدهد
هذا : طائر معين وليس الجنس .
و((أم ) منقطعة بمعنى بل.
أى: وأشرف سليمان - عليه السلام - على أفراد مملكته ليعرف
أحوالها، فقال بعد أن نظر فى أحوال الطير: ((مالى لا أرى الهدهد، أى:
ما الذى حال بينى وبين رؤبة الهدهد، ثم تأكد من غيا به فقال بل هو من الغائبين.
قال الآلوسى: ((والظاهر أن قوله - عليه السلام - ذلك ، مبنى على أنه غظن
حضوره ومنع مانع له من رؤيته ، أى: عدم رؤيتى إياه مع حضوره، لأى
سبب؟ ألساتر أم لغيره. ثم لاح له أنه غائب، فأضرب عن ذلك وأخذ يقول:
((أم كان من الغائبين، كأنه يسأل عن صحة مالاح له. فأم هى المنقطعة، كما
فى قولهم: (( إنها لابل أم شاء ... )،(١).
وقوله - تعالى -: ((لأعذبنه عذاباً شديدا أو لأذبحنه أو ليأتينى بسلطان
مبين)) بيان للحكم الذى أصدره سليمان - عليه السلام - على الهدهد بسبب
غيابه بدون إذن .
أى: لأعذبن الهدهد عذابا شديدا يؤلمه، أو لأذبحنه، أو ليأتى بحجة
قوية توضع سبب عذره، وتقنعنى بالصفح عنه، وبترك تعذيبه، أو ذبحه.
فأنت ترى أن سليمان - عليه السلام - وهو النبى الملك الحكيم العادل
ـ يقيد تعذيب الهدهد أو ذبحه . بعدم إتيانه بالعذر المقبول لسبب غيابه،
أما إذا أتى بهذا العذر فإنه سيعفو عنه، ويترك عقا به.
فكأنه - عليه السلام - يقول: هذا الهدهد الغائب إما أن أعذبه عذاباًشديدا،
(١) تفسير الآلوسي ج١٩ ص ١٨٢

٤١٧
الجزء التاسع عشر
وإما أن أذبحه بعد حضوره ، وإما أن يأتينى بعذر مقبول عن سبب غيابه،
وفى هذه الحالة فأنا سأعفو عنه .
ثم يحكى القرآن بعد ذلك ما كان من الهدهد فقال: ((فمكث غير بعيد))
أى فمكث الهدهد زمانا غير بعيد من تهديد سلمان له، ثم أتاه فقال له: «أحطت
بما لم تحط به، أى: علمت أشياء أنت لم تعلمها. وابتدأ كلامه بهذه الجملة التى
فيها ما فيها من المفاجأة لترغيبه فى الإصغاء إليه، ولاستمالة قلبه لقبول عذره
بعد ذلك .
قال صاحب الكشاف: (( ألهم الله الهدهد فكافح سليمان بهذا الكلام،
على ما أوفى من فضل النبوة والحكمة والعلوم الحجة ، والإحاطة بالمعلومات
الكثيرة ، ابتلاء له فى علمه ، وقفبيها على أن فى أدنى خلقه وأضعفه من أحاط
علما بما لم يخط به، لتتحاقر إليه نفسه، ويتصاغر إليه علمه، ويكون
لطفا له فى ترك الإعجاب الذى هو فتنة العداء ... ))(١)
وقوله: ، وجئتك من سبأ بنبأ يقين، يغسير وتوضيح لقوله قبل ذلك :
أحطت بما لم تحط به وسبأ فى الأصل: اسم لسبأ بن يشجب بن يعرب بن
قحطان، ثم صار بعد ذلك اسما لحى من الناس سموا باسم أبيهم، أوصار اسما
القبيلة، أو لمدينة تعرف بمأرب باليمن. بينها وبين صنعاء مسيرة ثلاث ليال.
وقد قرأ بعضهم هذا اللفظ بالتنوين باعتباره اسم رجل ، وقرأه آخرون
بغير تنوين لأنه ممنوع من الصرف للعدية والتأنيث .
أى: قال الهدهد لسليمان بادنا حديثه بما يشير إلى قبول عذره: علمت
شيئا أنت لم تعلمه، وجئتك من جهة قبيلة سبأ بنبأ عظيم خطير ، أنا متيقن
من صدقه .
ثم قص عليه ما رآه فقال: ((إنى وجدت امرأة تملكهم، والمراد بهذه
(١) تفسير الكشاف + ٣ ص ٣٥٩
( ٢٧ - سورة النمل)

٤١٨
ـــ
سورة النمل
المرأة: بلقيس بنت شراچيل بن مالك بن ربان ... ورثت الملك
عن أبيها .
أى: إنى وجدت قبلة سبا تحكمها امرأة، وتتصرف فى أمورهم دون أن
يعترض عليها معترض ، أو ينافها منافس ..
وقوله , وأوتيت من كل شىء ، معطوف على ما قبله . أى : وبين يديها
جميع الأشياء التى تحتاجها لتصريف شئون مملكتها ، والمحافظة على قوتها
واستقرارها ...
وفضلا عن كل ذلك: ((لها عرش عظيم)، أى: لها سرير ملك لحم ضخم.
بدل على غناها وترفها، ورقى لكنها فى الصناعة وغيرها .
والمراد أن لها ءرشا عظيما بالنسبة إلى أمثالها من ملوك الدنيا .
ثم أضاف إلى ذلك قوله: ((وجدتها وقومها يسحدونت للشمس من
دون اقه . .. ،
أى: والأهم من كل، ذلك أنى وجدت هذه المرأة ومعها قومها يتر كون
عبادة الله - تعالى -، ويعبدون الشمس التى هى من خلو قاته - عز وجل -.
«وزين لهم الشيطان أعمالهم، التى هى عبادتهم الشمس، وما يشبهها من
ألوان الكفر والفسوق عن أمر الله - تعالى -.
(فصدهم، أى: فمعهم الشيطان ((عن السبيل) الجق (( فهم)) بسبب ذلك
(((لايهتدون)) إلى عبادة الله - تعالى - الذى لا معبود بحق سواء.
وقوله: « ألا يسجدوا لله الذى يخرج الخبء فى السموات والأرضب))
بيان لمما ترتب على إغواء الشيطان لهم. وقد قرأ عامة القراء (ألا) - بتشديد
اللام - و« يسجدوا، فعل مضارع منصوب بأن المدغمة فى لفظه لا ، وهو
مع ناسبه فى تأويل مصدر ، فى محل نصب على أنه مفعول لأجله .
والمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم من أجل أن يتركوا السجودته - تعالى.

٤١٩
الجزء التاسع عشر
((الذى يخرج الخبء، أى: الذى يظهر الشىء الخبر. فى السموات والأرض،
كائنا ما كان هذا الشىء، لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شيء فيهما .
قال الآلوسي: وقوله - تعالى -: ((أن لا يجدواته، أى: لئلا يجدوافته
واللام للتعليل، وهو متعلق بصدم أو بزين. والفاء فى ((فصدهم، لا يلزم أن
تكون سببية لجواز كونها تفريعية أو تفصيلية، أى: فصدهم عن ذلك لأجل
أن لا يسجدوا لله -عز وجل -. أو زين لهم ذلك لأجل أن لا يسجدوا
4 - تعالى -.
ثم قال: وقرأ الكائى ، ألا)) - بتخفيف اللام- على أنها حرف استفتاح.
وقلبيه. و«يا، حرف نداء، والمنادى محذوف، والتقدير: ألا با قوم
اسجدواته .... (١) .
وقوله - تعالى -: (( ويعلم ما تخفون وما تعلنون)) معطوف على ماقبله.
والمعنى: وزين لهم الشيطان أعمالهم لئلا يسجدوا لله الذى يعلم المخبوء
والمستور فى السموات والأرض، ويعلم ما تخفون من أسرار، وما تعلنون
من أقوال .
قال بعض العلماء : (« واعلم أن التحقيق أن آية النمل هذه، محل سجدة على
كلتنا القراءتين، لأن قراءة الكسائى فيها الأمر بالسجود، وقراءة الجمهور
فيها ذم تارك السجود وتوبيخه)،(٢) .
وقوله- تعالى .. «الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم، فى معنى التعليل
حقيقة السجود ته - تعالى - وحده .
أى: اجملوا سجودكم لله - تعالى - وحده، واتركوا السجود لغيره، لأنه
- سبحانه - لا إله بحق سواه، وهو - سبحانه - صاحب العرش العظيم، الذى
لا يدانيه ولا يشبههه شىء ما يطلق عليه هذا اللفظ .
(١) راجع تفسير الآلوسي ١٩٥ ص ١٩٠
.(٢) تصير أضواء لبيان الشيخ الشنقيطى ج ٦ ص ٤٠٥

٤٢٠
سورة النمل
ثم تحكى السورة بعد ذلك ما كان من سليمان - عليه السلام - وما كان
من ملكة سبأ بعد أن وصلها كتابه، فقال - تعالى -:
· كنتَ مِن الكاذِبِينَ (٢٧) اذهب
(((قالَ سَنَنْظر أُصَدقتَ
بِكِتَبِى هَذَا فألقِهِ إليهِمْ ، ثم تولَّ عنهُم فانْظَر ماذا يرجِعُونَ (٢٨)
قالَتْ بَأيُهاَ الَلَا إِنَّى أَلْقِىَ إلىَّ كِتَابٌ كريمٌ (٢٩) إِنَّه من سُلَيمَانَ وإنَّه
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣٠) أنْ لا تَتْلُوا عَلَّىَّ وَأُتُونِى مُسْلمينَ (٣١)
قَالَتَ بَأيُّها المَلاَ أَفْتُونِى فَى أَمْرِى ما كَنْتَ قاطعةً أَمِراً حَقّ
نَشْهدونِ (٣٢) قَالُوا نحنُ أُولُوا قَّوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شديدٍ والأمرُ إليك
فانظُرى ماذَا تَأْمِرِينَ (٣٣) قالَتْ إِنَّ الملوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْبَةً أفسدُوهَا
وبَجَعَلُّوا أَعِزَّةَ أَهلِها أَذِلةٌ وكذلِكَ يفتُلُونَ (٣٤) وإِنِّى مُرْسِلةٌ إليهمْ
بِهَدِيةٍ، فَنَظِرَةٌ بَ يِرْ جِعُ المرسَلُونَ (٣٥)).
وقوله - سبحانه -: ((قال سننظر ... ، حكاية لما قاله سليمان - عليه
السلام - فى رده على الهدهد، الذى قال له فى تبرير عذره: «أحطت بما
لم تحط به . . الخ)).
والفعل. ننظر، من النظر بمعنى التأمل فى الأمور، والتدبر فى أحوالها،
والسين للتأكيد .
أى: قال سليمان للمعهد بعد أن استمع إلى حجته: سننظر - أيها الهدهد.
فى أقوالك ، وترى أكنت صادقا فيها ، أم أفت من الكاذبين .
وهكذا نرى نبى الله سليمان - وهو العافل الحكيم - لا يتسرع فى تصديق
الهدهد أو تكذببه، ولا يخرجه النبأ العظيم الذى جاءه به الهدهد، عن اتزانه
ووقاره، وإنما يبنى احكامه على ما ساسفر عنهتحققه من صدق خبره أو كذبه.