Indexed OCR Text
Pages 301-320
المقـدمة ١ - سورة الشعراء هى السورة السادسة والعشرون فى ترتيب المصحف، أما ترتيبها فى النزول فكان نزولها بعد سورة الواقعة . كما يقول صاحب الإتقان، أى: هى السادسة والأربعون فى ترتيب النزول . ٢ - قال القرطى : هى مكية فى قول الجمهور . وقال مقاتل : منها مدنى، الآية التى يذكر فيها الشعراء، وقوله: (( أو لم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بنى إسرائيل)). وقال ابن عباس وقتادة: مكية إلا أربع آيات منها نزلت بالمدينة من قوله - تعالى -: ((والشعراء يتبعهم الغاوون) إلى آخر السورة. وهى مائتان وسبع وعشرون آية. وفى رواية: وست وعشرون(!). ٣ - وسورة الشعراء تسمى - أيضا - بسورة ,الجامعة))، ويغلب على هذه السورة الكريمة ، الحديث عن قصص الأنبياء مع أقوامهم . فبعد أن تحدثت فى مطلعها عن سمو منزلة القرآن الكريم، وعن موقف المشركين من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أتبعت ذلك بالحديث عن قصة موسى مع فرعون ومع بنى إسرائيل، ثم عن قصة إبراهيم مع قومه ثم عن قصة نوح مع قومه، ثم عن قصة هود مع قومه، ثم عن قصة صالح مع قومه، ثم عن قصة لوط مع قومه ، ثم عن قصة شعيب مع قومه ... ٤- ثم تحدثت فى أواخرها عن نزول الروح الأمين بالقرآن الكريم على قلب النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ وساقت ألوانا من التسلية والتعزية (١) تفسير القرطبي = ١٣ ص ٠٨٧ - ٢٠٢ - الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسبب تكذيب الكافرين له، وأوشدته إلى ما يجب عليه نحو عشيرته الأقربين، ونحو المؤمنين، وبشرت أتباعه بالنصر وأنذرت أعداءه بسوء المصير، فقد ختمت بقوله - تعالى -: «إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وذكروا الله كثيراً، واقتصروا من بعد ماظلوا، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون،• ٥ - والدورة الكريمة بعد ذلك تمتاز بقصر آياتها، وبجمعها لموضوعات السور المكية، من إقامة الأدلة على وحدانية الله - تعالى-، وعلى أن البعث حق، وعلى صدق النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما يبلغه عن ربه، وعلى أنهذا. القرآن من عند الله . كمانرى أسلوبها يمتاز بالترغيب والترهيب، الترغيب للمؤمنين فى العمل الصالح، والترهيب للمشركين بسوء المصير إذا ما استمروا علی شرکهم . وقد ختمت كل قصة من قصص هذه السورة الكريمة بقوله - تعالى -: ((إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم)) وقد تكرر ذلك فيها ثمانى مرات ... وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ د. محمد سيد طنطاوى القاهرة - مدينة نصر، الأحد ٠١٤٠٥/٥/٥ ١٩٨٥/١/٢٧ م التفسير (( طَسم (١) تِلِكَ آيَاتُ الكتَابِ الُبِينُ (٢) لعلَّ بَاشِعٌ نَفْسَكَ أَلَّ يُكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣) إِنْ نَشَأْ مُنَزَّلْ عليهِمْ من السماءَ آيَةَ فَظَلَتْ : أَمْنَافُهم لها خَضِينَ (٤) وما يأتيهِمْ من ذِكْر من الرَّحمنِ محدَثٍ إلا كانُوا عنهُ مُعرِضِينَ (٥) فقد كَذِّبُوا فَسَيَاتِهِمْ أَنباه ما كانُوا بِهِ يَسْهزتُونَ (٦) أَوَلَمّ يَرّوا إِلَى الأرْضِ كَمْ أَثْبَتْنَاَ فيِها مِنْ كُلِّزَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إنَّ فى ذلكَ لَآيةً وما كانَ أَكَثْرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨) وإن رَبِكَ لَهُوَ العزيزُ الرحيمُ (٩))). سورة الشعراء من السور التى الفنتحت بحرف من الحروف المقطعة، وهو قوله - تعالى -: ((طسم )). وقد ذكرنا آراء العلماء فى تلك الحروف المقطعة بشىء من التفصيل عند تفسيرنا لسور : البقرة، وآل عمران، والأعراف، ويونس ... الخ. وقلنا ماخلاصته: لعل أقرب الأفوال إلى الصواب ، أن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت فى افتتاح بعض السور، على سبيل الإيقاظ والتنبيه ، الذين تحداهم القرآن. فكأن الله - تعالى - يقول لهؤلاء المعاندين والمعارضين فى أن القرآن من عند اته: ماكم القرآن ترونه مؤ لفامن كلام هو جنس ما تؤلفون منه كلامكم، ومنظوما من حروف هى من جنس الحروف الهجائية التى تنظمون منها حروفكم، فإن كنتم فى شك أنه من عند الله - تعالى - فماتوا مثله، ٣٠٤ سورة الشعراء أو عشر سور من مثله، أو سورة واحدة من مثله، فعجزوا وانقلبو اخاسرين» وثبت أن هذا القرآن من عند الله - تعالى -. واسم الإشارة ((تلك) يعود إلى الآيات القرآنية التى تضمنتها هذه السورة الكريمة أو إلى جميع آيات القرآن التى نزلت قبل ذلك . والمراد بالكتاب: القرآن الكريم الذى تكفل - سبحانه - بإنزاله على نبيه - صلى الله عليه وسلم -.. والمبين : اسم فاعل من أبان الذى هو بمعنى بان، مبالغة فى الوضوح والظهور . قال صاحب الصحاح: «يقال: بان الشىء يبين بيانا، أى: أتضح، فهو بين، وكذا أبان الشىء فهو مبين)،(!). ۔ أى: تلك الآيات القرآنية التى أزلناها عليك - أيها الرسول الكريم. والتى سنتزلها عليك تباعا حسب حكمتنا وإرادتنا، هى آيات الكتاب الواضح إعجازه، والظاهرة هداياته ودلالاته على أنه من عند الله - تعالى -، ولو كان من عند غيره - سبحانه - لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. ثم خاطب - سبحانه - رسوله - صلى الله عليه وسلم- بما يسليه عن تكذيب المشركين له، وبما يهون عليه أمرهم فقال - تعالى -: «لملك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين)). قال بعض العلماء ما ملخصه: «اعلم أن لفظة ((لعل)) تكونت للترجى فى المحبوب، والإشفاق فى المحذور . واستظهر أبو حيان فى تفسيره، أن ((لعل) هنا للاشفاق عليه - صلى الله عليه وسلم - أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم. (١) تفسير الآلوسي :١٤ ص ٠٣ ٣٠٥ الجزء التاسع عشر وقال بعضهم: إن ((لعل، هذا للنهى. أى: لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم. وهو الأظهر، لكثرة ورود النهى صريحا عن ذلك. قال - تعالى -: ((فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، (١) . وأمل البخع : أن تبلغ بالذبح البخاع - بكسر الباء - وهو عرق يجرى فى الرقبة، وهو أقصى حد الذبح، والمراد بالبخع هنا: كثرة الهم والحزن . يقال فلان بجمع نفسه بخعا وبخوعا. أى: قتلها من شدة الغيظ والألم. والمعنى: لملك - أيها الرسول الكريم - قائل نفسك هما وغما. بسبب تيكديب الكافرين لك، وعدم إيمانهم بدعوتك وإعراضهم عن رسالتك التى أرسلناك بها إليهم ... لا - أيها الرسول الكريم - لا تفعل ذلك، فإنى عليك البلاغ وعلينا الحساب، وإنك لا تستطيع هداية أحد ولكن الله - تعالى - يهدى من يشاء، وإننا (( إن نشأ فنزل عليهم من السماء آبة فظلت أعناقهم لها خاضعين). ومفعول المشيئة محذوف، والمراد بالآية هنا: المعجزة القاهرة التى تجعلهم لا يملكون انصر أخا معها عن الإيمان. والأعناق جمع عنق. وقد تطلق على وجوه الناس وزعمائهم. تقول: جاءنى عنق من الناس: أى: جماعة منهم أو من رؤسائهم والمقدمون فيهم . والمعنى : لا تحزن يا محمد لعدم إيمان كفار مكة بك، فإننا إن ندا إيمانهم. نزل عليهم آية ملجئة لهم إلى الإيمان. تجعلهم ينقادون له، ويدخلون فيه دخولا ملزمالهم، ولكنا لا نفعل ذلك، لأن حكمتنا قد اقتضت أن يكون دخول الناس فى الإيمان عن طريق الاختيار والرغبة، وليس عن طريق الإلجاء والقصر . (١) تفسير أضواء البيان ج ٤ ص ١٤ المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى. (٢٠ - سورة الشراء) ٣٠٦ سورة الشعراء وصور - سبحانه - هذه الآية بتلك الصورة الحسية ,فظلت أعناقهم لها خاضعين، للإشعار بأن هذه الآية لو أراد - سبحانه - إنزالها، لجعلتهم يخضعون خضوعا قاما لها، حتى لكأن أعناقهم على هيئة من الخضوع والذلة لا تملك معها الارتفاع أو الحركة . قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: كيف صح مجىء خاضعين خبرا عن الأعناق ؟ فلت: أصل الكلام: فظلوا لها خاضعين مأقحمت الأعناق لبيان موضع الخضوع، وترك الكلام على أصله. كقوله: ذهبت أهل اليمامة ، كان الأهل غير مذكر. أولما وصفت بالخضوع الذى هو للعقلاء ، قيل: خاضعين ... وقيل : أعناق الاس: رؤساؤهم ومقد. وهم شبهوا بالأعناق كل قيل لهم: عمارموس والنواصى والصدور ... وقيل: جماعات الناس.))(١). ثم بين - سبحانه - ما عليه هؤلاء الكافرون من صلف وجحود فقال: ((وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين)). أى: ولقد بلغ الجحود والجهل بهؤلاء الكافرين، أنهم كلما جاءهم قرآن محدث تزيله على نبيهم - صلى الله عليه وسلم - ومتجدد نزوله عليه - صلى انه عليه وسلم -، أعرضوا عنه إعراضا تاما. وعبر عن إعراضهم بصيغة النفى والاستثناء التى هى أقوى أدوات القصر، للإشارة إلى عقوهم فى الكفر والضلال، وإصرارهم على العناد والتكذيب. وفى ذكر اسم الرحمن هنا: إشارة إلى عظيم رحمته - سبحانه - بإنزال هذا الذكر، وتسجيل لأقصى دركات الجمالة عليهم، لأنهم أعرضواعن الهداء التى أولها الرحمن الرحيم لسعادته.، وحرموا أنفسهم مها وهم أحوج الناس إليه و((من)) الأولى لتأكيد عموم إعراضهم، والثانية لابتداء الغاية، وجملة ((إلا كانوا عنه معرضين)» حالية. (١) تفسير الكشاف مـ م س ٢٩٩ ٣٠٧ الجزء التاسع عشر ثم بين - سبحانه - سوء عاقبتهم فقال: « فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون)). أى: فقد كذب هؤلاء الجاحدون بالذكر الدى أتيتهم به - أيها الرسول الكريم - دون أن يكتفوا بالإعر ضر عنه، فاصبر فيأتيهم أنباء العذاب الذى كانوايستهزئون به عندما تحدثهم عنه وهو واقع بهم لاء حالة ولكن فى الوقت الذى يشاؤه - سبحانه - . وفى التعبير عن وقوع العذاب بهم، بإتيان أقبائه وأخباره . ثمو بل من شأن هذا العذاب ، وتحقيق لنزوله . أى : فيأتيهم لا محالة مصداق ما كانوا به يستهزئون، ويصيرون ثم أحاديث الناس بتحدثون بها . ويقد قلون أنباءها .. ثم وبخهم - سبحانه - على غفلتهم وعلى عدم التفاهم إلى ما فى هذا الكون من عظات وعبر، فقال - تعالى -:. أو لم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج کریم،. والاستفهام الإنكار والتوبيخ، والواو العطف على مقدر يقتضيه المقام. أى: أعمى هؤلاء الجاحدون عن مظاهر قدرة الله - صلى - ورحمته بهم، ولم يروا بأعينهم كيف أخرجنا النبات من الأرض ، وجعلنا فيها أصنافا وأنواعا لا تحصى من النباتات المكريمة الجميلة المشتملة على الذكر والأنثى. فالآية الكريمة توبيخ لهم على إعراضهم عن الآيات التكوينية، بعد توبيخهم على إعراضهم عن الآيات التنزيلية، وتحريض لهم على التأمل فيها فوق الأرض من نبات مختلف الأنواع والأشكال والثمار ... اهل هذا التأمل ينبه حسهم الخامد وذهنهم البليد وقلهم المطموس . قال صاحب الكشاف : وصف الزوج وهو الصنف من النبات بالكرم والكريم: صفة لكل مايرضى ويحمد فى بابه. يقال: وجه كريم، إذا رضى ٣٠٨ سورة الشعراء فى حسنه وجماله، وكتاب كريم . أى: مرضى فى معانيه وفوائده ... والنبات الكريم: المرضى فيما يتعلق به من المنافع ... فإن قلت: ما معنى الجمع بين كم وكل؟ قلت: قد دل ((كل) على الإحاطة بأزواج النبات على سبيل التفصيل. و«كم، على أن هذا المحيط متكاثر مفرط الکثرة، فهذا معنى الجمع بينهما ، و به فيه على كمال قدرته .. »(١) ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بآيتين تكررتا فى السورة الكريمة ثمانى مرات. ألا وهما قوله - تعالى -.. إن فى ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين. وإن ربك لهو العزيز الرحيم). أى : إن فى ذلك الذى ذكرناه عن إنباتنا لكل زوج كريم فى الأرض، ((لآية)) عظيمة الدلالة عى كال قدرتنا، وسعة رحمتنا، وما كان أكثر هؤلاء الكافرين مؤمنين، الإيثارهم العمى على الهدى، والغى على الرشد (( وإن ربك، - أيها الرسول الكريم -، لهو العزيز، أى: صاحب العزة والغلبة والقهر (( الرحيم، أى: الواسع الرحمه بعباده، حيث لم يعا جلهم بالعقوبة مع كفرهم. لعلهم يتوبون أو يعقلون . ٠ ثم حكى - سبحانه - جافباءن قصة موسى - عليه السلام - بأسلوب يتناسب مع ما اشتملت عليه السورة الكريمة من إنذار وتخويف . وبطريقة أحاطت بجوانب هذه القصة منذ أن ذهب موسى - عليه السلام - لفرعون وقومه إلى أن انتهت بهلا كهم وإغراقهم . لقد بدأ - سبحانه - هذه القصة بقوله - تعالى -: ((وَإِذْ نَدَى رَبُّكَ مُوسَى أَذِائتِ القومَ الظَّالِنَ (١٠) قومَ فِرْعَونَ (١) تفسير الكشاف + ٣ ص ٣٠٠ - ٣٠٩ الجزء التاسع عشر أَلاَ يَتَّقونَ (١١) قالَ ربِّ إنِّى أَخافُ أَنْ يَكَذِّبونِ (١٢) وَيَضِيقُ مَدْرِى ولا يَنْطَلِقُ إِسّانِى فَأَرْسِلْ إِلَى هارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَىَّ ذنبٌ فأخافُ أَنْ يقتلُونِ (١٤) قالَ كلاًّ فاذْهَباً بآياتِناَ إِنَّاسمُكُم مستِعُونَ(١٥) فَأْتِاً فِرِقَوْنَ فقولاً إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العَلمينَ (١٦) أَنْ أَرسِلْ ممناً بَنِى إسرائيل (١٧))). وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران، وينتهى نسبه إلى يعقوب ابن إسحاق بن إبراهيم - عليهم السلام - وبرجح المؤرخون أن ولادته كانت فى القرن الثالث عشر قبل ميلاد عيسى - عليه السلام -، وأن بعثته كانت فى عمد منفتاح بن رمسيس الثانى . وقد وردت قصة موسى مع فرعون وقومه ، ومع بن إسرائيل فى کثیر من سور القرآن الكريم، تارة بصورة فيها شىء من التفصيل، وقارة بصورة فيها شىء من الاختصار والتركيز، تبعا لمقتضى الحال الذى وردت من أجله. وقد وردت هنا وفى سورة الأعراف وفى سورة طه، وفى سورة القصص بأسلوب فيه بسطة وتفصيل . لقد افتتحت هنا بقوله - تعالى -: («وإذ نادى ربك موسى أن انت القوم الظالمين )). وهذا النداء كان بالوادى المقدس طوى، 5 جاء فى سورة طه(١) وفى سورة النازعات(٢) . أى: واذكر - أيها الرسول الكريم - وقت أن نادى ربك نبيه موسى (١) سورة طه الآية ٠١٢ (٢) سورة النازعات الآية ٠١٦ ٣١٠ سورة الشعراء موسى قائلا له : اذهب إلى القوم الظالمين لتبلغهم و العبادة لى . وقوله: ((قوم فرعون، بدد أو عطف بيان. ووصفهم لعبادتهم لغيره ولعدوانهم على بنى إسرائيل بقتل الذكور، والمكفاء الـ وقوله - تعالى -: ألا يتقون، تعجيب من حالهم . أى: أنتهم بش وقل لهم: ألا يتقون الله - تعالى -، ويخشون عقابه. ويكفون من كفره وظلهم . ثم حكى -سبحانه - رد موسى فقال: ((قال رب إنى أخاف أن يكذبون .. أى: قال -وسى فى الإجابة على ربه - عز وجل -: يارب إنى أعرف هؤلاء القوم وأعرف ماهم عليه من ظم وطغيار، وإنى أخاف تكذيبهم لى عندما أذهب إليهم لتبليغ وحيك.ويضيق صدرى)) أى: ويفتابنى الغم والهم بسبب تكديبهم لى .. , ولا ينطلق لسانى، أى: وليس عندى فصاحة اللسان التى تجعلنى أظهر ما فى نفسى من تفنيد لأباطيلهم ، ومن إزهاق اشبهاتج، خصوصا عند اشتداد غضبى عليهم . « فأرسل إلى هارون، أى: فأرسل وحيك الأمين إلى أخى هارون، ليكون معينا لى على تبليغ ما: كلهفى بتبليغه . ( ولهم على ذنب)، حيث إنى قتلت منهم نفسا، فأخاف أن يقتلون) عندما أذهب إليهم ، على سبيل القصاص منى . فأنت ترى أن موسى - عليه السلام - قد شكا إلى ربه خوفه من تكذيبهم وضيق صدرى من طغيانهم وعقدة فى لسانه ،وخشيته من قتلهم له عندمايرونه. وليس هذا من باب الامتناع عن أداء الرسالة، أو الاعتذار عن تبليغها. وإنما هو من باب طلب العون من الله - تعالى -. والاستعانة به - عز وجل- ٣١١ وشك قارون معه ليكون سهولة فى حال قتلهم ه ... فى تحمل مقـ ناله فى ثمـ 55. فته - سبحانه - فى سورة طه فى قوله وشبيه تعالى -: « اذهب إلى فرعون إنه طفى. قال رب اشرح لى صدرى. يقر لى أمرى . واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولى . واجعل لى وزيرا من أهل : هارون أخى. أشدد به أزرى. وأشركه فى أمرى. كى نسبحك كثيرا. وند كرك كثيرا إنك كنت بنا بصيرا .. وقد رد الله - تعالى - على فيه موسى - عليه السلام - ردا حاسما لإزالة الخوف ، ومزهقا لكل ما يحتمل أن يساور نفسه من عدوان عليه، فقال - تعالى -: قال: ((كلا فاذهبا آياتنا إنا معكم مستمعون) ... أى: قال الله - تعالى - لمومى على سبيل الإرشاد والتعليم: كلا، لا تخف أن يكتبوك أو أن يضيق صدرك، أو أن لايخطلق لسانك، أو أن يقتلوك. كلا لا تخف من شىء من ذلك، فأنا .. كما برعمايتى ومادام الأمر كذلكفاذهب أنت وأخوك بآياتنا الدالة على وحدانيتنا فإننا معكم ملعون لما تقولانه لهم ولما سيقولونه لكما وعبر - سبحانه - بكلا المفيدة الزجر، لزيادة إدعال الطمأنينة على قلب موسى - عليه السلام - والمراد بالآيات هنا: المعجزات التى أعطاها - سبحانه - لموسى وعلى رأسها العشاء .. وقال - سبحانه - « إنا معكم، مع أنهما إثنان، تعظيما اعلنهما، أو لكون الإثنين أقل الجمع. أو المراد هما ومن أرسلا إليه. والتعبير بقوله (( إنا معكم مستمعون)) بصيغة التأكيد والمعية والاستماع فيه مافيه من العناية بشأنهما والرعاة لهما. واتأييد لأمرهما. ٣١٢ سورة الشعراء والفاء فى قوله : (( فأتيا فرعون فقولا: إنا رسول رب العالمين. أن أرسل معنا بنى إسرائيل، لترتيب ما بعدها على ما قبلها من الوعد برعايتهما. و((أن)) فى قوله ((أن أرسل، مفسرة لتضمن الإرسال المفهوم من الرسول معنى القول . أى: إذهبا وأنتما متسلحان بآياتنا الدالة على صدقكما، فنحن معكم برعايتنا وقدرتنا. فأتيا فرعون بدون خوف أو وجل منه «فقولا ،له بكل شجاعة وجراءة ، إنا رسول رب العالمين، أى: رب جميع العوالم التى من بينها عالم الجن . وعالم الملائكة ... وقد أرسلنا - سبحانه - إليك، لكى تطلق سراح بنى إسرائيل من ظلمك وبغيك، ونتركهم يذهبون معنا إلى أرض الله الواسعة لكى يعبدوا الله - تعالى - وحده . قال الألوسى: ((وإفراد الرسول فى قوله ((إنا رسول رب العالمين، لأنه مصدر بحسب الأصل، وصف به كما يوصف بغيره من المصادر للمبالغة، كرجل عل ... أو لوحدة المرسل أو المرسل :٩ - أى: لأنهما ذهبا برسالة واحدة وفى مهمة واحدة)»(١). وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد قصت علينا، ما أمر الله - تعالى - به نبيه موسى - عليه السلام . ومازوده به - سبحانه - من إرشاد وتعليم، بعد أن التمس منه - سبحانه - العون والتأييد . ثم حکی - سبحانه - بعد ذلك ما دار بين موسى وفرعون من محاورات فقال - تعالى - : (١) تفسير الألوسى ج١٩ ص٠٦٦ ٣١٣ الجزء التاسع عشر ((قالَ أَلَمَّ زُرَبِّكَ فِينَا وليداً، ولبثتَ فِيناً من مُرُكَ سنينَ (١٨) وفعلتَ فْلَتكَ التى فعلتَ وأنتَ مِنَ الكَافِرِينَ (١٩) قالَ فعلتُهَاَ إذاَ وَأَنَ مِنَ الضالِّينَ (٣٠) فقررتُ مِنكُم لما خِفَتَكُمْ فوهَب لِ ربى حُكْمًا وجَعلِى من المرسَطِينَ (٢١) وَتِلكَ نِعمةٌ تَمنْها علىَّ أَنْ عَبَّدَتَّ بنى إسرائيلَ (٢٢) قالَ فِعونُ وماربُ العالمين (٢٣) قال: رب السموات والأرضِ وما بينَهُمَاَ إنْ كنتُ موقنين (٢٤) قالَ لمن حولَهُ أَلاّ استِعُونَ (٢٥) قالَ ربِكُم وربُ آبائِكُمْ الأولينَ (٢٦) قالَ إِنَّ رسولكُم الذى أُرسِلٍ إليكُمْ لمجُنُونٌ (٣٧) قالَ ربُّ المشرقِ والمغربِ وما ينَهُما إن كنتُم تعقِلُون (٢٨) قالَ لمن اتخذتَ لها غيرى لأجملتَكَ من المسجُونِينَ (٢٩) قالَ أُولَوا جئتُكَ بشىءٍ مُبينٍ (٣٠) قالَ فَأْتٍ بِهِ إنْ كنتَ من الصادِقِينَ (٣١) فألقى عصاءُ فإذَا هِىَّ ثعبانٌ (٣٢) وُزْعَ يدَهُ فإذَا هِىَ بيضاء النَّاظِرِينَ (٣٣)» أى: قال فرعون موسى بعد أن عرفه، وبعد أن طلب منه موسى أن يرسل معه بنو إسرائيل. قال له ياموسى ( ألم تربك فينا وليدا. أى: ألم يسبق لك أنك عشت فى منزلنا، ورعيناك وأنت طفل صغير عندما قالت امرأتى (« لا نقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا ... )). , ولبقت فينا، أى: فى كنفنا وتحت سقف بيتنا(( من عمرك سنين)) عددا . ((وفعلت فعلتك التى فعلت، وهى قتلك لرجل من شبعتى ((وأنت من الكافرين) . ٣١٤ سورة الشعراء أى: وأنت من الجاحدين بعد ذلك لنعمتى التى أنعمتها عليك، فى حال طفولتك، وفى حال صباك ، وفى حال شباك . لأنك جئتنى أنت وأخوك بما يخالف ديننا، وطلبما منا أن نرسل معكا بنى إسرائيل . فهل هذا جزاء إحماى إليك؟ وهكذا نرى فرعون يوجه إلى موسى - عليه السلام - تلك الأسئلة على سبيل الإنكار عليه لما جاء به، متوهما أنه قد قطع عليه طريق الإجابة. ولكن موسى - عليه السلام - وقد استجاب الله - تعالى - دعاءه وأزال عقدة لسانه، رد عليه ردا حكيما، فقال - كما حكى القرآن عن .: قال فعلتها إذا وأنا من الضالين ) . أى قال موسى فى جوابه على فرعون: أنا لا أفكر أنى قد فعلت هذه الفعلة التى تذكر فى بها، ولكنى فعلتها وأنا فى ذلك الوقت من الضالين، أى: فعلت ذلك قبل أن يشرفنى الله بوحيه، ويكلفنى بحمل رسالته، وفضلا عن ذلك فأنا كنت أجهل أن هذه الوكزة ؤدى إلى قتل ذلك الرجل من شيعتك ، لأفى ما قصدت قتله، وإنما قصدت تأديبه ومنعه من الظلم لغيره. فالمراد بالضلال هنا: الجهل بالشىء، والذهاب عن معرفة حقيقته . وقوله: (( ففررت منكم لما خفتكم، بيان لما ترتب على فعلته التى فعلها. أى: وبعد هذه الفعلة التى فعلتها وأنا من الضالين، توقعت الشر منكم ، ففررت من وجوهكم حين خشيت منكم على نفسى ، فكانت النتيجة أن وهبغى ((ربى حكما، أى: علما نافعا, وجعلنى من المرسلين)) الذين اصطفاهم الله -تعالى- لحمل رسالته. والتشرف بنبوته . ثم أضاف موسى - عليه السلام - إلى هذا الرد الملزم لفرعون. ردا آخر أشد إلزاما وتوبيخا فقال :. وتلك نعمة ثمنها على أن عبدت بنى إسرائيل)). واسم الإشارة (( تلك)) يعود إلى التربية المفهومة من قوله - تعالى - قبل. ذلك: (( ألم تربك فينا وليدا ... الخ)). ٣١٥ الجزء التاسع عشر وقوله ، ثمنها. من المن بمعنى الإنعام بق ل: من فلاز على فلا_ منة إذا أنعم عليه بنعمة . وعبدت : أى اتخذتهم عيدالكتحرم لخدمتك. قال الجمل: ((و,تلك، مبتدأ. و((قصة)) خبر، ومتمنها، صفة للخبر. و(( أن عبدت)، عطف بيان للمبتدأ موضح له. وهذا الكلام من موسى - عليه السلام - يرى بعضهم أنه قاله عز جهة الاعتراف له بالنعمة، فكأنه يقول له: تلك التربية الى وينها لى نعمة منك على، ولكن ذلك لا يمنع من أن أكون رسولا من الله - تع الى - إليك، لكى تقلع عن كفرك، ولكى ترسل معنا فى إسرائيل. ويرى آخرون أن هذا الكلام من موسى لفرعون، إنما قاله . إلى سبيل التهكم به، والإسكان عليه فيما امتن به عليه، فكأنه يقول له : إن ماتمتن به على هو فى الحقيقة نقمة، وإلا فأية منه لك على فى استعبادك القومى وأنا واحد منهم: إن خوف أمى من قتلك لى هو الذى حملها على أن نلقى بى فى البحر، وتربيتى فى بيتك كانت لأسباب خارجة عن قدرتك ... ويبدء لنا أن هذا الرأى أقرب إلى الصواب، لأنه هو المناسب الساق القصة، ولذا قال صاحب الكشاف عند تفسيره لهذه الآية: « ثم كر موسى على امتنان فرعون عليه بالتربية فأبطله من أصله ، واستأصله من نسخه -أى: من أساسه -، وأبى أن يسمى نعمته إلا نقمه . - بث بين أن حقيقة إنعامه عليه تعبيد بنى إسرائيل، لأن تعيدهم وقصده بالذبح لأبنائهم هو السبب فى حصوله عنده وتربيته ، فكأنه امتن عليه بتعبيد قومه، وقد ليلهم واتخاذهم خدما له .. ،(١) . وبهذا الجواب التوبيخى للحم موسى - عليه السلام - فرعون، وجعله (١) تفسير الكشاف +٣ ص ٠٢٠٦ ٢١٦ سورة الشعراء يحول الحديث عن هذه المسألة التى تتعلق بتربيته لموسى إلى الحديث عن شىء آخر حكاه القرآن فى قوله: « قال فرعون ومارب العالمين، أى قال فرعون لموسى: أى شىء رب العالمين الذى أنت وأخوك جئتما لتبلغا رسالته إلى، و ما صفته؟ وهذا السؤال يدل على طغيان فرعون - قبحه الله - ونجاوزه كل حد فى الفجور، فإن هذا السؤال يحمل فى طياته استنكار أن يكون هناك إله سواء، كما حكى عنه القرآن فى آية أخرى قوله: «وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غیری ... ،(١) . فهو ينكر رسالة موسى - عليه السلام- من أساسها ... وهنا يرد عليه موسى - بقوله: (قال رب السموات والأرض ومابينهما إن كنتم موقنين». أى: قال موسى: ربنا - بافرعون - هو رب السموات ورب الأرض، ورب مابينهما من أجرام وهواء . وإن كنتم موقنين بشىء من الأشياء، فإيمانكم بهذا الخالق العظيم وإخلاصكم العبادة له أولى من كل بقين سواء. وفى هذا الجواب إستصغار لشأن فرعون . وتحقير لمزاعمه، فكأنه يقول له: إن ربنا هو رب هذا الكون الهائل العظيم، أما ربوبيتك أنت - فمع بطلانها - هى ربوبية لقوم معينين خدعتهم بدعواك الألوهية، فأطاعوك لسفاهتهم وفسقهم ... وهنا يلتفت فرعون إلى من حوله ليشاركوه التعجيب ما قاله موسى ، وليصرفهم عن التأثر بما سمعوه منه، فيقول لهم: ((ألا تستمعون)) أى: ألا تستمعون إلى هذا القول الغريب الذى بقوله موسى . والذى لا عهد لنابه. ولا قبول عندنا له . ولا صبر لنا عليه ... (١) سورة القصص الآية ٠٣٨ ٢١٧ الجزء التاسع عشر ولكن موسى - عليه السلام - لم يمهلهم حتى يردوا على فرعون بل أكد لهم وحدانية الله - تعالى - وهيمنته على هذا الكون بقوله: (ربكم ورب : آبائكم الأولين». أى: ربنا الذى هو رب السموات والأرض وما بينهما، هو ربكم أقم - أيضا - وهو رب آبائكم الأولين، فكيف تتر كون عبادته، وتعبدون عبدأ من عباده ومخلوقا من مخلوقاته هو فرعون؟ وهنا لم يملك فرعون إلا الرد الدال على إفلاسه وعجزه، فقال ملتفتا إلى من حوله: (( إن رسولكم الذى أرسل إليكم مجنون)). أى : قال فرعون - على سبيل السخرية بموسى - مخاطبا أشراف قومه: ((إن رسولكم الذى أرسل إليكم، بما سمعتما مجنون، لأنه يتكلم بكلام لا تقبله عقولنا، ولا تصدقه آذاننا وسماه رسولا على سبيل الاستهزاء، وجعل رسالته إليهم لا إليه، لأنه - فى زعم نفسه - أكبر من أن يرسل إليه رسول، ولكى يهيجهم حتى ينكروا على موسى قوله ... ولكن موسى - عليه السلام - لم يؤثر ماقاله فرعون فى نفسه ، بل رد عليه وعليهم بكل شجاعة وغلظة فقال : «رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون ، . أى: قال موسى: ربنا رب السموات والأرض وما بينهما. وربكم ورب آبائكم الأولين . ورب المشرق الذى هو جهة طلوع الشمس وطلوع النهار . ورب المغرب الذى هو جهة غروب الشمس وغروب النهار . وخعنهما بالذكر. لأنهما من أوضح الأدلة على وحدانية الله - تعالى - • وقدرته ولأن فرعون أو غيره من الطغاة لا يجر. ولا يملك إدعاء تصريفهما أو التحكم فيهما على تلك الصورة البديعة المطردة. والتى لا اختلال فيها ولا اضطراب ... ٢١٨ سورة الشعراء - كما قال إبراهيم الذى حاجه فى ربه: ((إن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب ، فبهت الذي كفر ..... وجملة (( إن كنتم تعقلون، حض لهم على التعقل والتدبر، وتحذير لهم من التمادى فى الجحود والعناد . أى : ربنا وربكم هو رب هذه الكائنات كلها، فأخلصوا العبادة له، إن كانت لكم عقول ماقلته لكم. ونفهم ما أرشدتكم إليه. وهكذا انتقل بم موسى من دليل إلى دليل على وحدانية الله وقدرته، ومن حجه إلى حجة، ومن أسلوب إلى أسلوب لكى لا يترك مجالا فى عقولهم للتردد فى قبول دعوته ... ولكن فرعون - وقد شعر بأن حجة موسى قد ألقمه حجرا انتقل من أسلوب المحاورة فى شأن رسالة موسى إلى التهديد والوعيد - شأن الطغاة عندما يعجزون عن دفع الحجة بالحجة - فقال لموسى عليه السلام -: «لن اتخذت إلها غيرى لأجعلنك من المسجونين ، أى : قال فرء ن لموسى بثورة وغضب : لمن اتخذت إلهاغيرى ياموسى ليكون معبودا لك من دوفى، لأجعلتك واحدا من جملة المسجونين فى سجنى فهذا شأنى مع كل من يتمرد على عبادتى، ويخالف أمرى ... قال صاحب الكشاف: فإن قلت: ألم يكن لأسجنتك أخصر من (( لأجعلك من المسجونين)، ومؤديا، ودار؟ قلت: أماكونه أخصر فنعم وأما كونه مؤديافؤاده فلا، لأن معناه : , لأ جملنك واحدا من عرفت حالهم فی سجونی.و کان من عادته أن تأخذمن يريد سجنه فيطرحه فى هوة ذاهبة فى الأرض. بعيدة العمق. لا يبصر فيها ولا يسمع فكان ذلك أشد من القتل» (١) .. (٠) قبرهكشاف ج ٣ ص ٠٢٠٨ ٣١٩ الجزء التاسع عشر ولكن موسى - عليه السلام - لم يخفه هذا التهديد والوعيد ... بل رد عليه ردا حكيما فقال له (( أو لو جئتك بشى. مبين)). والاستفهام للإنكار، والواو العطف على كلام مقدر يستدعيه المقام، والمعنى: أتفعل ذلك ، بأن جعلنى من المسجونين، ولو جئتك بشىء مبين، ود! دلالة واضحة على صدقى فى رسالتى وعلى أبى رسول من رب العالمين. وعبر عن المعجزة لتى أيده الله بها بأنها ((شىء مبين، للتهويل من شأنها، والتفخيم من أمرها وامل مقصد موسى - عليه السلام - بهذا الكلام، أن يحر فرعون مرة أخرى إلى الحديث فى شأر الرسالة التى جاءه من أجلها بعد أن رآه: يد أن يحول مجرى الحديث عنها إلى التهديد والوعيد، وأن يعد منافذ الهروب عليه أمام قومه ولذا نجد فرعون لا يملك أمام موسى إلا أن يقول له: ، فأت به إن كنت من الصادقين)). أى: فأت بهذا الشىء المبين، إن كنت - يا موسى - من الصادقين فى كلامك السابق . وهذا كشف موسى - عليه السلام - عما أيده الله -تعالى- به من معجزات حسية خارقة، فألقى عصاه، على الأرض أمام فرعون وقومه ((فإذا هى ثعبان مبين ، . أى : فإذا هى حية عظيمة فى غاية الجلاء والوضوح على أنهاحية حقيقية، لاشائبة معها للتخييل أو التمويه كما يفعل السحرة ... ولم يكتف موسى بذلك فى الدلالة على صدقه . بل ((نزع يده، أى: من جيبه ((فإذا هى بيضاء للناظرين)) أى: فإذا هى بيضاء بياضا يخالف لون جسمه - عليه السلام - ، فهى تتلألأ كأنها قطعة من القمر، ولها شعاع يكاد يغشى الأبصار، وليس فيها ما يشير إلى أن بها سوءا أو مرض. وهنا أحس فرعون بالرعب يسرى فى أوصاله ، وبأن ألوهيته المزعومة ٢٢٠ سورة الشعراء قد أوشكت على الانكشاف، وبأن معجزة موسى توشك أن تجعل الناس يؤمنون به، فالتفت إليهم وكأنه يحاول جذبهم إليه، واستطلاع رأيهم فيما شاهدوه، ويحكى القرآن ذلك بأسلوبه البليغ فيقول : ((قالَ للملاحولَه إِنَّ هذَا لساحرٌ عليمٌ (٣٤) يريدُ أَنْ يُخرِجُكُم من أَرْضِكُم بِسحْرِهِ فَذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قالُوا أَرجِهْ وأخاهُ وَابْمَتْ فى الَدَأْنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يأْتُوكَ بكلّ سخَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمعَ السحرةُ لميقاتٍ يومٍ معلوم. (٣٨) وقيلَ الناسِ هَلْ أنتَّ مُجتمعونَ (٣٠) لعلَّاً تتبعُ السَّحرةَ إِنْ كَانُوا مُ الغالبينَ (٤٠) فلمَّا جاء السحرةُ قالُوا. لِفِرِعونَ أَنَّ اذَاَ لْأجراً إنْ كَنَّا نحنُ النَلِبينَ (٤١) قالَ نعَمْ وإنكُم إذاً مِنَ المقرَّبيِنْ)). أى: قال فرعون الملأ المحيطين به - بعد أن زلزلته معجزة موسى - « إن هذا لساحر عليم)،. أى: لساحر بارع فى فن السحر، فهو مع إعترافه بضخامة ما أتى به موسى ، يسميه سحرا . ثم يضيف إلى ذلك قوله لهم: «يريد أن يخرجكم)) هذا الساحر, من أرضكم ، التى نشأنم عليها,فماذاتأمرون، أى: فبأى شىء تشيرون على واقم حاشینی و محل ثفتی؟ وفى هذه الجملة الكريمة تصوير بديع لنفس هذا الطاغية وأمثاله ... إنه منذ قليل كان يرغى ويزبد . وإذا به بعد أن فاجأه موسى بمعجزةه، يصاب بالذعر ويقول لمن زعم أنه ربهم الأعلى ((فماذا تأمرون،؟