Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
الجزء الثامن عشر
صفاته الكريمة ، والهادية إلى الحق، وإلى مابه صلاح الناس فى دنياهم
وآخرتهم .
قال ابن كثير: «وقد ثبت فى الصحيحين عن ابن عباس قال : كان رسول
الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من الليل يقول: «اللهم لك الحمد أنت قيم
السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد. أنت نور السموات والأرض
ومن فيهن ... ».
وقال - صلى الله عليه وسلم - فى دعائه يوم آذاه المشركون من أهل الطائف:
«أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة،
أن يحل بى غضبك، أو ينزل بى سخطك، لك العتبى - أى الرجوع عن الذنب -
ولا حول ولا قوة إلا بك ،(١).
وأضاف - سبحانه - فوره إلى السموات والأرض، للدلالة على سعة
إشراق هذا النور ، وعموم سناته ، وتمام بهائه فى الكون كله .
ثم قرب - عز وجل - نوره إلى الأذهان فقال: ((مثل نوره كمشكاة فيها
مصباح ......
أى : صفة ثوره العجيبة الشأن فى الإضاءة والسطوع، كصفة مشكاة
- وهى الفتحة الصغيرة فى الجدار دون أن تكون نافذة فيه - هذه المشكاة فيها
مصباح، أى : سراج ضخم ثابت تشع منه الأنوار .
وقال - سبحانه -: ((مثل نوره كمشكاة فيها مصباح، لأن وجود المصباح
فى هذه المشكلة ، يكون أجمع لنوره، وأحصر اضيائه ، فيبدو قويا متألقا،
بخلاف ما لو كان المصباح فى مكان نافذ فإنه لا يكون كذلك .
((المصباح في زجاجة، أى: فى قنديل من الزجاج الصافى النقى، الذى يقيه
الريح ، ويزيده توهجا وتألقا .
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٦١
( ١١ - سورة النور)

١٦٢
سورة النور
هذه (( الزجاجة، فى ذاتها (( كأنها كوكب درى)) أى: شديد الإمارة،.
نسبة إلى الدر فى صفاته وسنائه وإشراقه وحسنه .
((( يوقد من شجرة مباركة زيتونة، أى: هذا المصباح يستمد فوره من
زيت شجرة مباركة أى : كثيرة المنافع، زيتونة أى : هى شجرة الزيتون.
لحرف ((من)) لابتداء الغاية، والكلام على حذف مضاف، أى: من
زيت شجرة، مباركة صفة لشجرة ، وزيتونة بدل أو عطف بيان من
شجرة .
ووصف - سبحانه - شجرة الزيتون بالبركة ، لطول عمرها، وتعدد
فوائدها التى من مظاهرها : الإنتفاع بزينها وخشبها وورقها وثمارها ...
قال - تعالى -: ((وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدمن وصبغ
للآ کاین » ..
وقوله - سبحانه -: «لا شرقية ولا غربية)) صفة أخرى لشجرة
الزيتون .
أى : أن هذه الشجرة ليست متميزة إلى مكان معين أو جهة معينة ، بلهى
مستقبلة للشمس طول النهار ، تسطع عليها عند شروقها وعند غروبها وما ين
ذلك ، فترقب على تعرضها للشمس طول النهار، امتداد حياتها، وعظم نماتها
و حسن ثمارها .
وقوله - تعالى -: «يكاد زيتها يضىء ولو لم تمسسه فار، صفة ثالثة لتلك
الشجرة .
أى أنها يكاد زيتها من شدة صفائه ونقائه يضيء دون أن تمسه النار،
فهو زيت من نوع خاص، بلغ من الشفافية أقصاها، ومن الجودة أعلاها.
قال بعض العلماء: ((وقد شبه فى لآية نور الله، بمعنى أدلته وآياته

١٦٣
الجزء الثامن عشر
- سبحانه - من حيث دلالتها على الهدى والحق، وعلى ما ينفع الخلق فى الحياةين
- شبه ذلك بغور المشكاة التى فيها زجاجة صافية، وفى ذلك الزجاجة مصباح
يتقد بزيت بلغ الغاية فى الصفاء والرقة والإشراق، حتى يكاد يضىء بنفسه
من غير أن تمسسه نار ، (١) .
وقوله - سبحانه -: ((نور على نور)، أى: هو فور عظوم متضاعف، كائن
على نور عظيم مثله، إذ أن نورالله - تعالى- لاحد لتضاعفه، ولانهاية لعمقه
بخلاف الأنوار الأخرى ، فإن لتضاعفها حدا محدودا مهما كان إشراقها
وضوؤها .
فقوله: ((نور)) خبر لمبتدأ محذوف، أى: هو فور. وقوله ((على فور))
متعلق بمحذوف هو صفة له ، مؤكدة لما أفاده التفكير من الفخامة. أى:
كائن على فور مثله .
ثم بين - سبحانه - سنة من سننه فقال: ((يهدى الله لنوره من يشاء)) أى:
يهدى الله - تعالى - لنوره العظيم من يشاء هدايته من عباده، بأن يوفقهم
الإيمان، وللعمل بتعاليم الإسلام، ولاسير على طريق الحق والرشاد .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: « ويضرب الله الأمثال للناس
واقه بكل شىء عليم، .
أى: ويضرب الله - تعالى - الأمثال للناس، لكى يقرب لهم الأمور.
وييسر لهم المسائل . ويبرز لهم المعقول فى صورة المحسوس، والله - تعالى -
بكل شىء عليم ، سواء أ كان هذا الشىء ظاهرا أم باطنا ، معقـولا أم
محسوسا ..
قال بعض العلماء ما ملخصه: «هذه الآية الكريمة، من الآيات التى صنفت
(١) صفوة البيان لماى القرآن لفضيلة الشيخ حسنين محمد مخلوف ج ٢ ص ٨٤

١٦٤
سورة النور
فيها مصنفات، منها «مشكاة الأنوار) للإمام الغزالى ... ومنها ماقاله الإمام
ابن القيم عنها فى كتابه «الجيوش الإسلامية)) ...
فقد قال - رحمه الله -: سمى الله - تعالى - نفسه فورا، وجعل كتابه نوراة
ورسوله - صلى الله عليه وسلم - ورا، ودينه فورا، واحتجب عن خلقه بالنور
وجعل دار أوليائه نورا، يتلألأ. قال - تعالى -: «الله نور السموات والأرض»
وقد فسر بكونه منور السموات والأرض. وهادى أهل السموات والأرض»
فبنوره اهتدى أهل السموات والأرض. وهذا إنماهو فعله. وإلا فالنور الذى
هو من أوصافه قائم به. ومنه اشتق اسم النور الذى هو أحد الأسماء
الحسنى .... ،(١).
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أكثر الأماكن والأشخاص انتفاعا بذوره،
فقال - تعالى -: ((فى بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه، يسبح له فيها
بالغدو والآصال. رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكرالله ....
وقوله ((فى بيوت)) متعلق بقوله: ((يسبح)). والمراد بهذه البيوت:
المساجد كلها، وعلى رأسها المسجد الحرام ، والمسجد النبوى ، والمسجد
الأقصى .
و (( أذن ، بمعنى أمر وقضى، وفاعل (« يسبح، قوله ((رجال).
والغدو والغداء : من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. والآصال جمع
أصيل، وهو مابين العصر وغروب الشمس .
أى: هذا هو نور الله - تعالى - الذى يهدى إليه من يشاء من عباده، وعلى
رأس أولئك العباد الذى هداهم الله - سبحانه - إلى مايحبه ويرضاه، هؤلاء
الرجال الذين يعبدونه ويقدسونه فى تلك المساجد التى أمر - سبحانه - بتدييدها
وتعظيم قدرها، وصيانتها من كل سوء أو نجس، إنهم يسبحونه وينزهو فهعن
(١) راجع تفسير القاسمى : ١٢ ص ٠٤٥٢٦

١٦٥
الجزء الثامن عشر
كل نقص، ويتقربون إليه بالصلوات وبالطاعات، فى تلك المساجد فى أول
النهار وفى آخره، وفى غير ذلك من الأوقات .
وخص - سبحانه - أوقات الغدو والآصال بالذكر، لشرفها وكونها أشهر
ما تقع فيه العبادات .
وقوله - تعالى -: («رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله ... ، مدح
وتكريم لهؤلاء الرجال .
أى: يسبح لله - تعالى - فى تلك المساجد بالغدو والآصال، رجال من
شأنهم ومن صفاتهم، أنهم لا تشغلهم، تجارة، مهما عظمت (( ولا بيع ، مهما
اشتدت حاجتهم إليه، عن ذكر الله)) أى: عن تسبيحه وتحميده وتكبيره
وتمجيده وطاعته .
١
ولا تشغلهم - أيضا- هذه التجارات والبيوع عن ((إقام الصلاة، فى مواقيتها
بخشوع وإخلاص، ومن ((إيتاء الزكاة، للمستحقين لها.
وذلك لأنهم ((يخافون يوما)) هائلا شديدا هو يوم القيامة الذى (( تتقلب
فيه القلوب والأبصار، أى: تضطرب فيه القلوب والأبصار فلا تثبت من
شدة الطول والفزع على شىء .
ثم بين - سبحانه - الأسباب التى حملتهم على الإكثار من هذه الطاعات
فقال: ((ليجزيهم الله أحسن ماعملوا ويزيدهم من فضله» ...
أُی : إنهم ،یکثرون من تسبیح اته بالغدو والآصال ، دون أن يشغلهمعن
ذلك أى شاغل، لأنهم برجون منه - سبحانه - أن يجزيهم أحسن الجزاء على
الحمالهم، وأن يزيدهم من فضله وإحسانه ، بما يليق بكرمه وامتنانه.
((واقه) - تعالى - ((يرزق من يشاء، أن يرزقه ,بغير حساب، أى:

١٦٦
سورة النور
بدون حدود ولا قيود ، وبدون حصر لما يعيطيه لأن خزائنه لا تنقص
ولا تنفد، حتى يحتاج إلى عد وحساب لما يخرج منها.
فانجملة الكريمة تذبيل قصد به التقرير الزبادة التى يتطلع إليها هؤلاء
الرجال الصالحين ، ووعد منه - عز وجل - بأنه سيرزقهم رزقا بزيد
عما يتوقعونه .
وپذلك نرى الآيات قد طوفت بنا مع نور الله - عز وجل - ومثلت له بما
من شأنه أن يجعل النفوس يشتد استمساكها بالحق الذى جاء به رسول الله
- صلى الله عليه وسلم - من عند ربه، ومدحت مدحا عظيما أولئك الرجال
الأخبار ، الذين يكثرون من طاعة الله - تعالى - فى بيوته التى أمر برفعها ،
دون أن يشغلهم عن ذلك شاغل، وبشرتهم بالعطاء الواسع الذى سيعطيهم الله
إياه بفضله وكرمه .
وبعد تلك الصورة المشرفة التى بينها - سبحانه - لمن هداهم لنوره، أقبع
ذلك بضرب مثلين لأعمال الكفار ، فقال - تعالى -:
((والذينَ كَفَرُوا أعمالهم كسرَابٍ بقيعةٍ يحسبُهُ الظمآنُ ماء حتى
إذَا جاءه لم يُحِدْهُ شيئاً ووجَد اللّهَ عندَه فوقَّاه حسابُهُ، والله سَرِيعُ
الحسابِ (٣٩) أو كُظُلمآتٍ فى بحرِ لُجْىِّ يَفْشَاه موجٌ مِنْ فوقه موجٌ
مِنْ فوقهِ سحابٌ ، ظلماتٌ بعضُها فَوْقَ بعضٍ، إذا أُخْرَجِ يدَه لم
يَكَذْ يراهاً، ومَنْ لم يحملِ الله له نوراً فما لهُ من نورٍ (٤٠))).
قال الألوسى: (قوله - تعالى -: ((والذين كفروا أعمالهم كسراب ....
عطف على ماقبله ، من باب عطف القصة على القصة ، أو على مقدر ينساق إليه
ماقبله، كأنه قيل: الذين آمنوا أعمالهم حالا ومآلا كما وصف، والذين كفروا

١٦٧
الجزء الثامن عشر
أعمالهم كسراب بقيعة .... (٩).
والمراد بأعمالهم هنا : الأعمال الصالحة التى كانوا يعملونها فى الدنيا
كالإحسان إلى الفقراء، وصلة الأرحام وما يشبه ذلك .
والسراب: هو الشعاع الذى يتراءى للناظر من بعيد كأنه ماء. ويكون
ذلك فى وسط النهار عند اشتداد الحر، فى الأماكن الواسعة . وسمى سرابا
لأنه يرى من بعيد يتسرب فوق الأرض كأنه ماء، مع أنه ليس بماء
ولا غیر».
والباء فى قوله «بقيعة، بمعنى فى. والقيمة: جمع قاع وهو ما انبسط وانسع
من الأرض . دون أن يكون فيه زرع، وفوقه يتراءى السراب . والجار
والمجرور متعلق بمحذوف ، صفة السراب .
أى: والذين كفروا بالحق لما جاءهم. أعمالهم الصالحة فى الدنيا الى
يتوقعون الخير من ورائها، تكون بالنسبة لهم يوم القيامة. كسراب كائن
فى صحراء واسعة، ((يحسبه الظمآن ماء)).
أى: يظن الشخص الذى اشتد به العطش أنه ما . .
وخص - سبحانه - هذا الحسبان بالظمآر، مع أن كل من يراه يظنه ماء
لأن هذا الذى اشتد به اعطش أشد حرصا على طلبه من غيره، فالقدبيه به أتم
وأكل .
و((حتى)، فى قوله - سبحانه -: (( لم يجده شيئا، غاية المحذوف والتقدير:
هذا السراب يظنه الظمآن ماء فيسرع نحوه، حتى إذا ما وصل إليه ، لم يجد
ما حسبه ماء وعلق عليه آ ماله شيئا أصلا، لاماء ولا غيره،
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد شبه ما يعمله الكافرون من أعمال البر
فى الدنيا، التى يظنونها نافعة لهم - شبه هذه الأعمال من حيث خيبة أملهم فيها
(١) تفسير الآلوسي ج ١٨ ص ٠١٧٩

١٦٨
سورة النور
بسراب يحسبه الظمآن ماء. فيذهب إليه ليردى عطشه، فإذا ما وصل إليه لم
يحده شيئا، فيخيب أمله ، وتشتد حسرته .
قال الإمام الرازى: ((فإن قيل: قوله: « حتى إذا جاءه، يدل على كونه
شيئا، وقوله: (( لم يجده شيئا، مناقض له ؟
قلنا: الجواب عنه من وجوه ثلاثه: الأول: المراد معناه أنه لم يجدشيئا.
نافعا، كما يقال : فلان ماعمل شيئا وإن كان قد اجتهد الثانى: حتى إذا جاءه
أى : جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئا، فاكتفى بذكر السراب عن
ذكر موضعه . الثالث : السكفاية للسراب، لأن السراب يرى من بعيد بسبب
الكثافة كأنه ضباب وهباء، وإذا قرب منه رق واقنثر وصار كالهوا.،(١).
وقوله - سبحانه -: ((ووجد الله عنده فوفاه حسابه)) معطوف على جملة
(((لم يجده)، فهو داخل فى التشبيه. أى: ووجد الظمآن حكم الله - تعالى -
وقضاءه فيه عند السراب، فوفاه - سبحانه - حسابه الذى يستحقه كاملا غير
منقوص .
وفى هذه الجملة الكريمة من التصوير المرعب للكافر ما فيها . حيث شبهته
بالظمآن الذى ذهب مسرعا ليروى ظمآه ما ظنه ماء، فلما وصل إليه لم يجد
ماء، وإنما وجد الله - تعالى - الذى كفر به وجحد وحدانيته عنده، فونه
حسابه الذى يستحقه من العذاب بدلا من وجود الماء الذى أتعب نفسه
فى السعى إليه .
(( والله - تعالى - سريع الحساب، لأنه لا يشغله حساب عن حساب،
ولا عمل عن عمل ، بل حساب الناس جميعا عنده - عز وجل - كحساب
النفس الواحدة .
وقوله - تعالى -: « أو كظلمات فى بحر لجي، يغشاه موج، من فوقه
(١) تفسير الفخر الرازى : ص ٢٩٠.

١٦٩
الجزء الثامن عشر
موج، من فوقه سحاب، ظلمات بعضها فوق بعض .. )) مثال آخر لأعمال
الكافرين التى لا ينتفعون بها مع أنهم يعتقدون أنها ستنفعهم.
حرف (( أو)) للتقسيم، وما بعدها معطوف على قوله - سبحانه - قبل ذلك،
, كسراب بقيعة».
والمعنى: أو أن الأعمال الحسنة فى الدنيا لهؤلاء الكافرين، مثلها من
حيث خلوها عن فور الحق وعن النفع، كمثل (( ظلمات، كثيفة ، فى بحر لجى))
أى: عميق الماء كثيرة. من اللج وهو معظم ماء البحر.
(((يغشاه موج، أى: هذا البحر اللجى. يغطيه وإستره ويعلوه موج عظيم
( من فوقه موج، آخر أشد منه ((من فوقه سحاب)) أى: من فوق تلك
الأمواج الهائلة الشديدة ، سحاب كثيف تراكم قائم.
(( ظلمات بعضها فوق بعض، أى: هذه الأمواج المتلاطمة، وتحتها البحر
العميق المظلم، وفوقها السحب الفاتحة الداكنة، هى ظلمات بعضها فوق بعض،
« إذا أخرج يده لم يكد يراما، أى: إذا أخرج الواقع فى تلك الظلمات بده
التى هى جزء منه، لم يكد يراها من شدة تراكم الظلمات .
قال الألوسى: ((إذا أخرج)، أى: من ابتلى بهذه الظلمات ديده)، وجعلها
بمرأى منه، قريبة من عينيه لينظر إليه « لم يكد يراها، أى: لم يقرب من
رؤبها، وهى أقرب شىء إليه، فضلا عن أن يراها ... (١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة ببيان سنة من سننه التى لا تتخلف فقال:
(( ومن لم يجعل الله له فورا فما له من نور)).
والمعنى: وأى إنسان لم يشأ الله - تعالى - أن يجعل له نورا يهديه إلى
الصراط المستقيم ، فما لهذا الإنسان من فور يهديه إلى الحق والخير ، من
(١) تفسير الألوسى : ١٨ ص ٠١٨٣

١٧٠
-ورة النور
أى مخلوق كائنا من كان، إذ أن الذى يملك منح النور الهادى إنما هو الله.
- تعالی ۔ وحده
قال الإمام ابن كثير عنده تصيره هاتين الآيتين ماملخصه: «هذان مثلان.
ضربهما الله - تعالى - النوعى الكفار ... فأما المثال الأول، فهو للكفار
الدعاة إلى كفرهم ، الذين يحسبون أنهم على شىء من الأعمال والاعتقادات.
وليسوا فى نفس الأمر على شىء، فمثلهم فى ذلك كالسراب الذى يرى فى القيعان.
من الأرض عن بعد كأنه بحر طام ...
وهذا المثال مثال لذوى الجهل المركب - أى الذين يعتقدون الباطل ويزعمون
أنه الحق - فأما أصحاب الجهل البسيط، وهم الأغشام والمقلدون لأئمة الكفر
فمثلهم كما قال - تعالى -: ((أو كظلمات فى بحر لجي ... ،(١) .
وبعد أن أورد - سبحانه - هذين المثلين الذين كفروا وأعمالهم، أقبع
ذلك ببيان أن الكون كله يسبح بحمد الله - تعالى - وأن الكون كله فى ملكه
وقبضته ، فقال - تعالى -:
((أَلم ترَ أَنَّ الله يسبِّح لَهُ مَنْ فى السمواتِ والأرضِ، والطَّيرُ
صافَّاتٍ ، كلٌّ قد عِلِمَ صلاته وتسبيحهُ، واللّهَ عليمٌ بما يَفعلونَ (٤١)
وقُهِ مِلْكُ السمواتِ والأرضِ وإلى اللهِ المصيرُ (٤٢))).
والاستفهام فى قوله - تعالى -: ((ألم تر ٠٠٠، للتقرير. والرؤية :
بمعنى العلم .
والتسبيح: مشتق من السبح ، وهو المر السريع فى الماء أو فى الهواء .
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٧٧

١٧١
الجزء الثامن عشر
فالمسبح: مسرع فى تنزيه الله - تعالى - وتقديسه، وإثبات ما يليق بجلاله من
صفات الكمال .
والمعنى: لقد علمت أنها الرسول الكريم علما يشبه المشاهدة فى اليقين،
أن الله - تعالى - يسبحه ويقدسه وينزهه عن كل مالا يليق به - عز وجل-،
جميع من فى السموات، وجميع من فى الأرض .
وقوله - تعالى -: ((والطير صافات)) برفع ,والطير، على أنه معطوف
على ((من، وينصب (( صافات)) على أنه حال.
أى: والطير - أيضا - تسبح قه - تعالى - حال كونها صافات أجنحتها فى
الجو. دون أن يمسكها أحد إلا هو - سبحانه -.
وخص الطيور بالذكر مع أنها مندرجة تحت من فى السموات والأرض.
لعدم استقرارها بصفة دائمة على الأرض، فهى - فى مجموعها - قارة على
الأرض ، وتارة فى الجو .
وذكرها فى حال بسطها لأجنحتها لأن هذه الحالة من أعجب أحوالها،
۔
حيث تكون فى الجو باسطة لأجنحتها بدون تحريك ، ما يدل على بديع
صنع الله فى خلقه .
وصدق الله إذ يقول: (( أو لم يروا إلى الطير فوقهم صافات ويقبض،
ما يمسكهن إلا الرحمن إنه بكل شىء بصير».
وقوله - تعالى -: «كل قد علم صلاته وتسبيحه، استئناف لبيان · ظهر
من مظاهر قدرة الله - تعالى - وحكمته ، حيث ألهم - سبحانه - كل مخلوق من
مخلوقاته كيفية النسبح خالقه - عز وجل - .
والتنوين فى «كل، عوض عن المضاف إليه، والضمير المحذوف الذى
هو فاعل ((علم، يعود على المصلى والمسيح.
. أى: كل واحد ممن يصلى الله - تعالى - ويسبح بحمده - سبحانه-، قد على

١٧٢
سورة النور
معنى صلاته ومعنى تسبيحه فهو لم يعبد الله اتفاقا أو بلا روية، وإنما عبده
- تعالى - عن قصدونية، ولكن بكيفية نفوض معرفتها إلى الخالق
- عز وجل - وحده .
ومنهم من يرى أن الضمير فى «على، يعود إلى الله - تعالى - فيكون المعنى:
كل واحد من هؤلاء المصلين والمسبحين ، قد علم - سبحانه - صلاتهم وتسبيحهم
له علما قاماً شاملا .
قال بعض العلماء ما ملخصه: (( واعلم أن الأظهر أن يكون ضمير الفاعل
المحذوف فى قوله، كل قد علم صلاته وتسبيحه، راجعاً إلى المصلين والمسبحين
أى: كل من المصلين قد علم صلاة نفسه، وكل من المسبحين قد علم تسبيح
نفسه، لأنه على هذا القول يكون قوله - تعالى - ((والله عليم بما يفعلون، من
باب التأسيس . أما على القول بأن الضمير يعود إلى الله - تعالى -.
أى: كل واحد منهم قد علم الله صلاته وتسبيحه، فيكون قوله - تعالى -:
(((والله عليم بما يفعلون)، من باب التأكيد اللفظى، والتأسيس للأحكام أولى
من التأكيد لها .
والظاهر أن الطير تسبح وتصلى صلاة وتسبیحاً یعلمهما انه،ونحن لا نعلمهما،
كما قال - تعالى - ,وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون
تسبيحهم ... )(١).
وبعد أن بين - سبحانه - أن جميع مخلوقاته تسبح بحمده، وأنه - تعالى -
عليم بأفعالهم لا يخفى عليه شيء منها، أقبع ذلك ببيان أن هذا الكون ملك له
وحده، فقال: ((ولله ملك السموات والأرض، لا لأحد غيره، لا استقلالا
ولا اشتراكا، بل هو وحده - سبحانه - المالك لهما ولمن فيهما, وإلى الله
(١) تفسير أضواء البيان ج ٦ ص ٢٤٥ المرحوم الشيخ محمد الأمين الشنقيطى.

١٧٣
الجزء الثامن عشر
المصير، أى: وإليه وحده مصيرم ورجوعهم بعد موتهم، فيجازى كل مخلوق
من مخلوقاته بما يستحق من نواب أو عقاب.
٥
ثم لفت - سبحانه - بعد ذلك أنظار عباده إلى مظاهر قدرته فى هذا
المكون، حيث يزجى السحاب، ثم يؤلفه يجعله ركاما ... وحيث نوع
مخلوقاته مع أنها جميعا من أصل واحد فقال - تعالى -:
(أَلم ترَ أنّ اللهَ يَرْجِى سحاباً، ثم يؤلفُ بِينَه، ثم يجعلُه ركاماً،
فترَى الْوَذْقَ يُخْرُج من خِلالِهِ، وينزِّلُ من السماء مِنْ جِبالٍ فِيهاَ مِنْ
بردٍ، فيصيبُ بهِ مَنْ يِشَاءِ، ويَصْرِفِه عمَّن يشاه، يكادُ سنَابِرْقِهِ يذهب
بالأبْصَار (٤٣) يقلِّبُ الله الليلَ والنهارَ إنَّ فى ذلكَ لِبرةً لأولى
الْأَبْصَار (٤٤) والله خَلَقَ كلَّ دابةٍ مِنْ ماءِ، فمنهم مَنْ يَشِى عَلَى
رِجِلَيْن، ومنهم مَنْ يمشِى عَلَى أَرْبع، يخلقُ الله ما يشاء، إنّ الله على
كل شىء قديرٍ (٤٥))) .
وقوله - تعالى -: «يزجى، من الإزجاء بمعنى الدفع بأناة ورفق. يقال:
زجى الراعى إبله تزجية ، إذا ساقها برفق . وأزجت الريح السحاب،
أى : دفعته .
والمعنى: لقد علمت - أيها العاقل -، ورأيت بعينيك، أن الله - تعالى -
يسوق بقدرته السحاب الذى فى الجو، سوقا رفيقا إلى حيث يريد.
« ثم يؤلف بينه، أى: يسوق - سبحانه - السحاب سوقا هادئا سهلا، ثم
بعد ذلك بصل بعضه ببعض، ويجمع بعضه مع بعض، ثم بعد ذلك , يجعله

١٧٤
سورة النور
ركاما ، أى: متراكما بعضه فوق بعض . يقال ركم فلان الشىء یرکمه ركما، إذا
جمعه، وألقى بعضه على بعض، ومنه: الرمل المتراكم، أى: المجتمع.
وهذا الذى حكاه القرآن من سوق الله - تعالى - للسحب ثم تجميعها، ثم
تحويلها إلى قطع ضخمة متراكمة متكاثفة كقطع الجبال، براء الراكب
للطائرات بوضوح وتسليم بقدرة الله - تعالى -، الذى أحسن كل شىء خلقه.
وقوله - سبحانه -: ((فترى الودق يخرج من خلاله)) بيان لما يترتب على
هذا السوق الرفيق ، والتجمع الدقيق من آثار.
والودق: المطر. وهو فى الأصل مصدر ودق السحاب يدق ودقاً، إذا
نزل منه المطر . والخلال: جمع خلل - كجبال وجبل - والمراد بها الفتوق
والشقوق .
قال القرطبى: (( فى ((الودق، قولان: أحدهما: أنه البرق. والثانى:
أنه المطر. وهو قول الجمهور يقال: ودقت السحابة فهى وادقة. وودق
المطر بدق ودقا. أى: قطر (١).
أى : بسوق الله - تعالى - السحاب إلى حيث يشاء بقدرته، ثم يؤلف
بينه، ثم يجعله متراكما بعضه فوق بعض، فترى - أيها العاقل - المطر يخرج
من فتوق هذا السحاب المتراكم ومن فروجه ، تارة بشدة وعنف ، وتارة
بهدوء ورفق .
وقوله - تعالى -: «وينزل من السماء من جيال فيها من برد، فيصيب به
من يشاء. ويصرفه عمن يشاء ... )) بيان لمظهر آخر من مظاهر قدرته
- سبحانه - .
أى: وينزل - سبحانه - من جهة السماء قطعا من السحاب كانها القطع من
(١) تفسير القرطبي ج ١٣ ص ٠٢٨٩

١٧٥
الجزء الثامن عشر
الجمال فى عظمها وضخامتها، ((فيها من برد، أى: فى تلك القطع من السحاب
الكثير من البرد ، وهو شىء ينزل من السحاب يشبه الحصى، ويسمى حب
الغمام : وحب المزن .
قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: ما الفرق بين ((من، الأولى والثانية،
والثالثة فى قوله (( من السماء من جبال .. من برد))؟
قلت الأولى لابتداء الغاية، والثانية للتبعيض، والثالثة للبيان. أو الأوليان
للابتداء . والآخرة للتبعيض .
.
فإن قلت: ما معنى (( من جبال فيها من برد؟ قلت: فيه معنيان: أحدهما:
أن يخلق الله فى السماء جبال برد. كما فى الأرض جبال حجر. والثاني: أن
يريد الكثرة بذكر الجبال، كما يقال: فلان يملك جبالا من ذهب(١).
وقوله - تعالى -: «فيصيب به من يشاء ويصرفه عمن يشاء، أى: فيصيب
بالذى ينزله من هذا البرد من يشاء إصابته من عبادة ويصرفه عمن يشاء صرفه
عنهم، إذ الإصابة والصرف بمقتضى حكمته وإرادته .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بقوله: «يكادسفارقه يذهب الأبصار.
والمنا : شدة الضوء. يقال: هذا الشىء يسنو سنا، إذا أضاء.
أى: يكاد ضوء برق السحاب الموصوف بما مر من الإزجاء والتأليف
والتراكم ... يخطف الأبصار من شدة إضافته، وزيادة لمعانه وسرعة
توهجه .
وبعد أن ساق - سبحانه - هذا الدليل العلوى على وحدانيته وقدرته .
أتبعه بدليل زمنى يحسه الناس ويشاهدونه فى حياءم فقال: «يقلب الله الليل
والهار .. ، أى: يعاقب بينهما فيأتى بهذا، ويذهب بذاك، وينقص أحدهما
ويزيد فى الآخر ، ويحمل أولهما وقتا لحلول نعمه والثاني لنزول نقمه أو
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٦).

١٧٦
سورة النور
العكس، فهو - سبحانه - صاحبهما والمتصرف فيها (((إن فى ذلك، التقليب
والإزجاء والتأليف، وغير ذلك من مظاهر قدرته المبثوثة فى الآفاق ,لآ يات،
عظيمة ((لأولى الأبصار، التى تبصر قدرة الله - تعالى - وتعتبر بها، فتخاص
له العبادة والطاعة .
ثم ساق - سبحانه - دليلا ثالثا من واقع خلق كل دابة، وبديع صنعه فيما
خلقه فقال: ((واقه خلق كل دابة من ماء ... )).
والدابة: اسم لكل حيوان ذى روح ، سواء أكان من العقلاء أم من
غيرهم . وهذا اللفظ مأخوذ من الدبيب ، بمعنى المشى الخفيف .
وتطلق الدابة فى العرف على ذوات الأربع، والمراد بها هنا ماهو أعم
من ذلك .
قال بعض العلماء: ((وهذه الحقيقة الضخمة التى يعرضها القرآن بهذه البساطة.
حقيقة أن كل دابة خلقت من ماء، قد تعنى وحدة للعنصر الأساسى فى تركيب
الأحياء جميعها، وهو الماء، وقد تعنى ما يحاول العلم الحديث أن يتبعه
من أن الحياة خرجت من البحر ، ونشأت أصلافى الماء، ثم تنوعت الأنواع
وتفرعت الأجناس .
ولكنا نحن على طريقتنا فى عدم تعليق الحقائق القرآنية الثابتة على
النظريات العلمية القابلة للتعديل والتبديل ... لاتزيد على هذه الإشارة شيئا،
مكتفين بإثبات الحقيقة القرآنية، وهى أن الله - تعالى - خلق الأحياء كلها
من الماء، فهى ذات أصل واحد ، ثم هى - كما ترى العين - متنوعة
الأشكال .... (١) .
وقال الإمام الرازى: ((فإن قيل لماذا فكر الماء هنا، وجاء معرفا فى قوله
- تعالى -: ((وجعلنا من الماء كل شيء حي))؟
والجواب: إنما جاء هنا مفكرا، لأن المعنى، أنه خلق كل دابة من نوع
(١ ) فى ظلال القرآن ج ١٨ ص ٠١١١

١٧٧
الجزء الثامن عشر
من الماء يختص بتلك الدابة. وإنما جاء معرفا فى قوله (وجعلنا من الماء .. ))
لأن المقصود هناك، كونهم مخلوقين من هذا الجنس ، وههنا بيان أن ذلك
الجنس، وههنا بيان أن ذلك الجنس ينقسم إلى أنواع كثيرة ،( !! ).
وقوله - تعالى -: ((فمنهم من عشى على بطنه .. ، تفصيل لهذه المخلوقات
. الى خلقت من الماء.
والضمير فى (( منهم)) يعود إلى ((كل)) باعتبار معناه، وفيه تغليب العاقل
على غيره .
أى: فمن هذه الدواب من يمشى على بطنه كالزواحف وما يشبهها، ((ومنهم
من مشى على رجلين ، كالإنس والطير ((ومنهم من يمشى على أربع، كالأنعام
والوحوش ((يخلق أنه)) - تعالى - «مايشاء) خلقه من دواب وغيرها على
وفق إرادته وحكمته ((إن الله على كل شيء قدير، فلا يعجزه-سبحانه -
خلق ما يريد خلقه، ولا يمنعه من ذلك مانع، بل كل شىء خاضع لقدرته
- عز وجل.
وبذلك نرى هذه الآيات الكريمة قد ساقت ألوانا من الأدلة على قدرة
الله - تعالى -، منها ما يتعك بالكائن العلوى، ومنها ما يتعلق بالزمان، ومنها
ما يتعلق بخلق أنواع الدواب على اختلاف أشكالها .
٥
وبعد أن ساقت السورة ما ساقت من الأحكام والآداب ومن الأدلة على
وحدانية الله - تعالى - وقدرته، أتبعت ذلك بالحديث عن طائفة المضافةين،
الذين لم ينتفعوا بآيات الله، ولم يتأدبوا بأدب المؤمنين ... فقال - تعالى -:
((لَقَدْ أَنْزَلْنا آياتٍ مبيِّنَاتٍ، واله يَهْدِى من يشاء إلى صِرَاطٍ
(١) تفسير الفخر الرازى ج ١ ص ٢٩٦.
(١٢ - سورة النور )
٠

١٧٨
سورة النور
مُسْتَقِيمٍ (٤٦) ويقولونَ آمنًا بالله وبالرَّسُول وأَطَعْنَاً، ثم يتولّى فريقٌ
منهم مِنْ بَعَدِ ذلِكَ، وما أولئِكَ بالمؤْمنِينَ (٤٧) وإذَا دُهُوا إلى اللهِ
ورسولهٍ ليحكم بينهم إذا فريقٌ منهم مُعرِ ضون (٤٨) وإن يكن لهم
الحقُّ يأْتُوا إِليه مُذعِنِين (٤٩) أفى قلوبهم مرَضٌ أم ارتابوا أمْ يخافُونَ
أن يحيفَ الله عليهِمْ ورسولهُ، بل أُولئكَ مُ الْظَالُونَ (٥٠) إنَّا كَانَ
قولَ المؤمنِنَ إذا دُوا إِلى اللهِ ورسُولِهِ، ليحُكُم بينَهم، أنْ يقولوا
سَمِنا وَأَطِعْناً، وأولئكَ ثُمُ المفلِحُون (٥١) ومَنْ يُطِع الله ورسوله
ويَخْش الله ويَتَّقِهِ فأولئِكَ م الفائِزُونَ (٥٢) وأقسمُوا بالله جهْدَ أيمانِم
لْ أمرْتَهم ليخرجُنَّ، قلْ لا تُقَسِموا، طاعةٌ معروفةٌ، إنَّ الله خبيرٌ
بما تعملونَ (٥٣) قلْ أَطِيعُوا الله وأطيعُوا الرَّسُولَ، فإنْ تولّوا فإنّما
عليه ما تَُّل وعليكم ما يُّم، وإنْ تَطِيعوه تهتدُوا، وما عَلَّى
الرسولِ إلا البلاغُ المبينُ (٥٤))).
وقوله - سبحانه -: ((مبينات)) قرأها بعض القراء السبعة، بفتح الباء
المشددة ، - بصيغة اسم المفعول - فيكون المعنى: بالله لقد أنزلنا على عبدنا
محمد - صلى الله عليه وسلم - آيات بيناها ووضحناها، وجعلناها خلية من
اللبس والغموض.
وقرأها الباقون بكر الباء المشددة - بصيغة اسم الفاعل - فيكون المعنى:
لقد أنزلنا آيات مبينات الأحكام والحدود والآداب التي شرعها الله - تعالى-
فعلى هذه القراءة يكون المفعول محذوفا.
وقوله - تعالى -: ((والله يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم، أى: واقه

١٧٩
الجزء الثامن عشر
- تعالى - بفضله وإحسانه يهدى من يشاء هدايته إلى الصراط المستقيم، الذى
هو طريق الإسلام . وسبيل الحق والرشاد .
والضمير فى قوله - تعالى -: ((ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا)،
يعود على طائفة من الذين لم يهدهم - سبحانه - إلى الصراط المستقيم،
وم المنافقون .
أى: أن هؤلاء المنافقين يقولون بالسلتهم فقط: آمنا بالله وبالرسول،
وأطعنا الله والرسول فى كل أمر أو نهى .
ثم بين - سبحانه - أنهم كاذبون فى دعواهم الإيمان والطاعة فقال: « ثم
یتولی فریق منهم من بعد ذلك ».
أى: يدعون أنهم يؤمنون باه وبالرسول، ويطيعون أحكامهما، وحالهم
أن عدداً كبيراً منهم يعرضون عما يقتضيه الإيمان والطاعة، من أدب مع الله
- تعالى - ومع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ومن انقياد لأحكام الإسلام.
وقوله - سبحانه -: (وما أولئك بالمؤمنين)) نفى لدعواهم الإيمان. وتوبيخ
لهم على أقو الهم التى يكذبها واقعهم . أى: وما أولئك المنافقون الذى يقولون
آمنا بالله وبالرسول وأطعنا، بالمؤمنين على الحقيقة، لأنهم يقولون بألسنتهم
ما ليس فى قلوبهم، ولأنهم لو كانوا يؤمنون حقا. لما أعرضوا عن أحكام
الله - تعالى -، وعن طاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم ..
ثم بين - سبحانه - حالة أخرى من أحوالهم الذميمة فقال: « وإذا دعوا
إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون)).
أى: أن هؤلاء المنافقين من صفاتهم - أيضاً - أنهم إذا ما دعهم داع إلى
أن يجعلوا شريعة الله - تعالى - هى الحكم بينه وبين خصومهم، إذا فريق
كبير منهم يعرض عن هذا الداعى، ويسرع إلى التحاكم إلى الطاغوت كمافى

١٨٠
سورة النور
قوله - تعالى -: « ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أزل
من قبلك)، يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا ،،،
ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيداً .....
والتعبير عنهم بقوله (( إذا فريق منهم معرضون، إشعار بأنهمجرد
دعوتهم إلى الحق ، بنفرون من الداعى تفورا شديدا بدون تدبر أو تمهل ،
لأنهم يعلمون علم اليقين أن الحق عليهم لالهم، أما إن لاح لهم أن الحق لهم
لاعليهم، فإنهم يهرولون نحو الرسول - صلى الله عليه وسلم - يطلبون حكمه))
ولذا قال - تعالى -: ((وإن يكن لهم الحق، يأتوا إليه مذعنين».
والإذعان: الانقياد والطاعة . يقال: أُذعن فلان لفلان، إذا انقاده
وخضع لأمره .
- أى: وإن يكن هؤلاء المنافقين الحق على غيرهم، يأتوا إلى الرسول
- صلى الله عليه وسلم - منقادين طائعين راضين بحكمه، لأنهم واثقون من أنه
- صلى الله عليه وسلم - لن يبخهم شيئا من حقوقهم. فهم لا يأتون إليه مذعنين
فى كل الأحوال، وإنما يأتون إليه - صلى الله عليه وسلم - مذعنين لحكمه
عندما يكونون أصحاب حق فى قضية من القضايا الدنيوية التى تحصل به مم
وبين غيرم .
ثم يعقب القرآن الكريم على تصرفاتهم القبيحة بإثبات نفاقهم، وبالتمدوب:
من ترددهم وريبهم، وباستنكار ماهم عليه من خلق ذميم فيقول: «'فى قلوبهم
مرض، أم أوتابوا، أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ٠٠٠؟ !! .
وقوله:« يحيف، من الحيف. وهو الميل إلى أحد الجانبين. يقال:
حاف فلان فى قضائه ، إذا جار وظلم .
أى: ما بال هؤلاء المنافقين يعرضون عن أحكام الإسلام ولا يقبلون
على حكم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا إذا كانت لهم حقوق عند غيرهم ؟