Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الجزء الثامن عشر
((وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم، أى: وتقولون بأفواهكم أولا
تلوكه الأفواه، دون أن يكون معه بقية من علم أو بينة أو دليل.
ففى هاتين الجملتين زجر شديد لأولئك الذين خاضوا فى حديث الإفك.
بدون تدبر أو تعقل، حتى لكانهم - وقد أفلت منهم الزمام، واستزهم
الشيطان - ينطقون بما ينطقون به بأفواههم لا بوعبهم. وبألسنتهم لا بعقولهم
ولا بقلوبهم، وإنما هم يتفوهون بكلمات لا علم لهم بحقيقتها ، ولا دليل معهم
علی مدقها .
وهذا كله يتنافى مع ما يقتضيه الإيمان الصحيح من تثبت ومن حسن ظن
بالمؤمنين .
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما هو أشد فى الزجر والتهديد فق ل:
, وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم ،.
أى: وتحسبون أن ماخضتم فيه من كذب على الصديقة بنت الصديق شينا
هينا، والحال أن مافعلتموه ليس كذلك، بل هو عند الله - تعالى - وفى حكمه
شىء عظيم، تضج لهو له الأرض والسماء لأن ماخضتم فيه، يسىء إلى النبى
- صلى الله عليه وسلم - ويسيء إلى أهل بيته، ويسىء إلى صحابي جليل هو
صفوان، ويسيء إلى بيت الصديق - رضى الله عنه - بل ويسيء إلى الجماعة
الإسلامية كلها .
ثم يوجههم - سبحانه - مرة أخرى إلى ما كان يجب عليهم أن يفعلوه فى
مثل هذه الأحوال فيقول: ((ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم
بهذا، سبحانك هذا بهتان عظيم)).
وأصل معنى ((سبحانك، تنزبه الله - تعالى - عن كل نقص، ثم شاع
استعماله فى كل أمر يتعجب منه. وهذا المعنى هو المراد هنا.

١٢٢
سورة النور
والبهتان: هو الكذب الذى يبهت ويحمير سامعه اشناعته وفظاعنه.
يقال : بهت فلان فلانا إذا قال عليه مالم يقله وما لم يفعله .
أى: وهلا وقت أن سمعتم - أيها المؤمنون - حديث الإفك من افتراه
واخترعه، قلتم له على سبيل الزجر والردع والإخام ((ما يكون لنا أن نتكلم
هذا. أى: ما يصح منا إطلاقا أن نتكلم بهذا الحديث البالغ أقصى الدركات
فى الكذب والافتراء .
وقلتم له - أيضا - على سبيل التعجب من شناعة هذا الخبر(( سبحا ك،،
أى: نتعجب ياربنا من شفاعة ما سمعناه، فإن ما سمعناه عن أم المؤمنين عائشة.
كدب إبهت ويدهش من يسمعه، وهو فى الشناعة لانحيط بوصفه عبارة .
وهكذا يؤدب الله - تعالى - عباده المؤمنين بالأدب السامى، حيث
بأمرهم فى مثل هذه الأحوال، أن ينزهوا أسماءهم عن مجرد الاستماع إلى
ما بى. إلى المؤمنين، وأن يتحرجوا من مجرد النطق بمثل حديث الإفك،
وأن يستنكروا ذلك على من يتلفظ به.
ثم نهى - سبحانه - المؤمنين عن العودة إلى مثل هذا الأمر العظيم فقال:
. يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين)).
أى: يعظكم الله تعالى - أيها المؤمنون - بما يراق قلوبكم، ويحذركم من
العودة إلى الخوض فى حديث الإفك، أو فيم يشبهه من أحاديث باطلة،
وعليكم أن تمتثلوا ما آمركم به، وما أنهاكم عنه امتثالا كاملا، إن كنتم
مؤمنين إيمانا كاملا .
فقوله - تعالى - ((إن كنتم مؤمنين) من باب تهييجهم وإثارة حماستهم
الاستجابة لوعظه وتحذيره - سبحانه -.
وقوله - تعالى - ((ويبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم)) إبراز لما
تفضل به - سبحانه - عليهم من تعليم وتوجيه وحسن تربية .

١٢٣
الجزء الثامن عشر
أى: ويبين الله - تعالى - لكم الآيات التى تسعدكم فى دنياكم وآخر تكم
متى اتبعتم ما اشتملت عليه من آداب وأحكام، والله - تعالى-((عليم) بأحوال
خلقه (( حكيم ، فى جميع ما يأمر به ، أو ينهى عنه .
ثم يواصل القرآن الكريم توجيهاته الحكيمة للمؤمنين، فيهدد الذين
يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا بالعذاب الأليم، وينهى المؤمنين"
عن اتباع خطوات الشيطان ، قال - تعالى -:
(( إِنَّ الدينَ يُحْبُونَ أنْ تَشِيعَ الفاحِشَةُ فى الذِينَ آمَنُوا، لَهُم
عَذَابٌ أَلِيمٌ فى الدُّنيا والآخرةِ، والّهُ يعِلمُ وأنتم لا تعلمونَ (١٩)
ولولا فضلُ الهِ عليكم ورحمتُه وأنَّ اللهَ رَءُوفٌ رحيمٌ (٢٠) يأيها
الذينَ آمَنُوا لا تَتَِّعُوا خُطواتِ الشّيطانِ، ومَنْ يَتَّبَعْ خُطواتٍ فإنَّه
يأمر بالفحشاء والمنكر، ولولاَ فَضْلُ الله عليكم ورحمتُه ما زلَى
منكم من أحدٍ أبداً، ولكنَّ اللهيزَ لِّى من يشاء والله سميعٌ عليمٌ (٢١)
ولا يأتلِ أولوا الفَضْلِ منكُم والسّعةِ، أَنْ يُؤْتُوا أُولى القُربِى
والمساكين والمهاجرِين فى سبيلِ اللهِ، ولَيَعْقُوا وليَصفَحُوا، أَلاَ تُحِبُّون
أَنْ يَغْفِرّ اللهُ لكم ، والله غفورٌ رحيمٌ (٢٢)».
قال الإمام الرازى: «أعلم أنه - سبحانه - بعد أن بين ما على أهل الإفك،
وما على من سمع منهم، وما ينبغى أن يتمسك به المؤمنون من آداب، أتبعه
بقوله: (( إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة فى الذين آمنوا ... ، ليعلم أن
من أحب ذلك فقد شارك فى هذا الذم، كما شارك فيه من فعله ومن لم
ينكره، وليعلم أهل الإفك كما أن عليهم العقوبة فيما أظهروه، فكذلك

١٢٤
سورة النور
يستحقون العقوبة بما أسروه، من محبة إشاعة الفاحشة فى المؤمنين))(١).
ومعنى ((تشيع)): تنتشر وتكثر ، ومنه قولهم: شاع الحديث، إذا ظهر
بين الناس .
والفاحشة : هى الصفة البالغة أقصى دركات القبح . كالرمى بالزنا
وما يشبه ذلك .
وهى صفة لموصوف محذوف . أى: الخصلة الفاحشة. والمقصود بمحبة
شيوعها: محبة شيوع خبرها بين عامة الناس .
والمعنى: إن الذين يحبون أن تنتشر قالة السوء بين صفوف المؤمنين،
وفى شأنهمٍ، لكى يلحقوا الأذى بهم، هؤلاء الذين يحبون ذلك (لهم)» بسبب
نواياهم السيئة («عذاب أليم فى الدنيا، كإقامة الحد عليهم، وازدراء الأخيار
لهم، ولهم - أيضا - عذاب أليم ((فى الآخرة) وهو أشد وأبقى من عذاب
الدنيا .
((والله، تعالى وحده («يعلم)، ما ظهر وماخفى من الأمور والأحوال
(« وأنتم)) - أيها الناس ـ((لا تعلمون، إلا ما كان ظاهراً منها، فعاملوا
الناس على حسب ظواهرهم، واتركوا بواطنهم لخالقوم، فهو - سبحانه -
الذى يتولى محاسبتهم عليها ..
فالآية الكريمة يؤخذ منها : أن العزم على ارتكاب القبيح، مذكر يعاقب
عليه صاحبه، وأن محبة الفجور وشيوع الفواحش فى صفوف المؤمنين،
ذنب عظيم يؤدى إلى العذاب الأليم فى الدنيا والآخرة، لأن الله - تعالى -
علق الوعيد الشديد فى الدارين على محبة انتشار الفاحشة فى الذين آمنوا .
(١) تفسير الفخر الرازى = ٥ ص ٢٤٦.

١٢٥
الجزء الثامن عشر
ثم ذكر - سبحانه - المؤمنين بفضله عليهم مرة أخرى، لكى يزدادوا
إعتبارا واتماظا فقال (( ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله ر.وف رحيم).
وجواب ((لولا (( محذوف، كما أن خبر المبتدأ محذوف، والتقدير: ولولا
فضل الله عليكم، ورحمته بكم موجودان، لعاجلكم بالعقوبة. ولكنه
- سبحانه -لم يعاجلكم بها، لأنه شديد الرأفة والرحمة بعباده، ولو يؤاخذهم
بما كسبوا مازك عليها من دابة .
١
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى المؤمنين نهاهم فيه عن اتباع خطوات
الشيطان، فقال: (( يأيها الذين آمنوا لا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع
خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ... )).
والخطوات : جمع خطوة. وهى فى الأصل تطلق على ما بين القدمين .
والمراد بها هنا: طرقه ومسالكه ووساوسه، التى منها الإصغاء إلى حديث
الإفك، والخوض فيه. وما يشبه ذلك من الأقوال الباطلة، والأفعال القبيحة.
أى : يامن آمنتم بالله حق الإيمان، أحذروا أن تسلكوا المسالك الى
يغريكم بسلوكها الشيطان، فإن الشيطان وظيفته الإغراء بالشر لا بالخير ،
والأمر بالفحشاء والمنكر، وليس بالفضائل والمعروف.
وجواب الشرط فى قوله: ((ومن يتبع خطوات الشيطان .. ، محذوف،
والتقدير: ومن يتبع خطوات الشيطان يقع فى الضلال والعصيان ، فإن
الشيطان لا يأمر إلا بالفحشاء والمنكر.
وخاطبهم - سبحانه - بصفة الإيمان ، لتحريك قوة الإيمان فى قلوبهم ،
ولتهبيجهم على الاستجابة لما أرشدهم إليه - سبحانه -.
وقوله - سبحانه - «ولولا فضل الله عليكم ورحمته مازكى منكم من أحد
أبدا ... ، بيان لمظاهر فضله .. تعالى .. ولطفه بعباده المؤمنين.

١٢٦
سورة النور
والمراد بالتزكية هنا: التطهير من أرجاس الشرك، ومن الفسوق
والعصيان .
أى: ولولا فضل الله عليكم - أيها المؤمنون - ورحمته بكم. ما طهر أحد
منكم من دنس الذنوب والمعاصى طول حياته، ولكن الله - تعالى - بفضله
ورحمته يطهر من يشاء تطهيره من الأرجاس والأنجاس. بأن يقبل توبته،
ويغسل حويته .
(( والله، - تعالى - ((سميع)) لدعاء عباده ومناجاتهم إياه «عليم، بما يرونه
وما يعلفونه من أقوال وأفعال.
ثم حض - عز وجل - أصحاب النفوس النقية الطاهرة، على المواظبة على
ما تعودوه من سخاء وسماحة، فقال: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة،
أن يؤتوا أولى القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله وليمفو او ا صفحوا
ألا تحبون أن يغفر الله لكم، والله غفور رحيم)).
وقد صح أن هذه الآية الكريمة نزلت فى شأن أبى بكر - رضى الله عنه-
عندما أقسم أن لا يعطى مسطح بن أثاثة شيئا من النفقة أو الصدقة.
وكان مسطح قريبا لأبى بكر، وكان من الفقراء الذين تعهد أبو بكر
رضى الله عنه - بالانفاق عليهم لحاجتهم وهجرتهم وقرابتهم منه.
وقوله: (( ولا يأتل)) أى: ولا يحلف. يقال: آلى فلان وأعلى، إذا
حلف، ومنه قوله - تعالى -: ((الذين يؤلون من نسائهم٠٠٠، أى:
يحلفون.
أى: ولا يحلف « أولوا الفضل منكم والسعة، أى: أصحاب الزيادة
منكم فى قوة الدين، وفى سعة المال , أن يؤتوا أولى القربى ٠٠٠)
أى: على أن لا يعطوا أولى القربى والمسا كين والمها جرين فى سبيل الله،
ش:١٠ من أموالهم.

١٢٧
الجزء الثامن عشر
فالكلام فى قوله: ((أن يؤقوا، على تقدير حرف الجر، أى: لا يحلفوا
على أن لا يؤتوا، وحذف حرف الجر قبل المصدر المنسبك من أنّ رأن
وصلتهما مطرد. ومفعول «بؤتوا، الثانى محذوف. أى: أن يؤتوا أولى
القربى والمساكين والمها جرين فى سبيل الله، النفقة التى تعودوا أن يقدم وهالهم.
وقوله - تعالى -: ((وليعفوا وليصفحوا)) تحريض على العفو والصفح.
والعفو معناه التجاوز عن خطأ المخطىء ونسيانه، مأخوذ من عفت الرح
الأثر ، إذا طمسته وأزالته .
والصفح: مقابلة الإساءة بالإحسان ، فهو أعلى درجة من العفو.
أى: قابلوا - أيها المؤمنون - إساءة الموء بنيانها، وبمقابلتها
بالإحسان .
وقوله: (( ألا تحبون أن يغفر الله لكم، أى: ألا تحيون - أيها المؤمنون-
أن يغفر الله لكم ذنوبكم، بسبب عفوكم وصفحكم عمن أساء إليكم؟
فالجملة الكريمة ترغيب فى العفو والصفح بأبلغ أسلوب، وقد صح أن
أبا بكر - رضى الله عنه - لما سمع الآية قال: بلى والله ياربنا، إنا لنحب
أن تغفر لنا، وأعاد إلى مسطح نفقته، وفى رواية: أنه - رضى الله عنه -
ضاعف المسطح نفقته.
قال الآلوسي: ((وفى الآية من الحث على مكارم الأخلاق مافيها. واستدل
بها على فضل صديق - رضى الله عنه -، لأنه داخل فى أولى الفضل قط،!،
لأنه وحده أو مع جماعة سبب النزول، ولا يضر فى ذلك الحكم لجميع
المؤمنين كما هو الظاهر ... )(١).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يرفع من شأن العفو والصفح فعال:
((والله غفور رحيم)).
(١) تعسبر الآلوسي : ١٨ ص ١٢٦.

١٢٨
سورة النور
أى: والله - تعالى - كثير المغفرة، وواسع الرحمة بعباده، فكونوا
- أيها المؤمنون - أصحاب عفو وصفح عمن أساء إليكم.
وبعد أن أمر - سبحانه - المؤمنين بالعفو والصفح عمن استرهم
الشيطان، فخاضوا فى حديث الإفك ثم ندموا وتابوا، أتبع ذلك ببيان سو.
عاقبة المصرين على خبتهم وعلى محبة إشاعة الفاحشة فى صفوف الجماعة الإسلامية
فقال - تعالى - :
(( إِنَّ الذِينَ يَرْمُونَ المحصَناتِ الغَفلاتِ المؤمِنَت، لُعِنِوا فى الدُّنيا
والآخرةِ ولَهُم عذابٌ عظيمٌ (٢٣) يومَ نَشهَدُ عليهِمْ أَلسِفتهم وأَيديهِم
وأَرجُلُهم بما كانوا يَعُونَ (٢٤) يومئِذٍ يُوقّهم الله دِينَهم الحق،،
ويعلمونَ أَنَّ الله هُو الحقُّ المبينُ (٢٥) الحيِثَتُ للخبيثِينَ، وَالْيتُونَ
للخبيثاتٍ ، والطيباتُ للَّيِينَ وَالَّطَّيْبُونَ الطَّيِباتٍ، أُولئِكَ مَبَرَّونَ
مِمّ يقولُونَ، لَهُمْ منْفِرَةٌ وِزْقٌ كريمٌ (٢٦) ».
والمعنى: ((إن الذين يرمون) بالفاحشة النساء , المحصنات، أى: المانعات
أنفسهن عن كل سوء وريبة ((الغافلات)) أى: الغافلات عن أن تدور الفاحشة
بأذهانهن ، لأنهن طبعن على التخلق بالأخلاق الفاضلة الكريمة، فهن فوق
كونهن محصفات ، لا يخطر السوء بباطن لطهارة معدنهن ...
((المؤمنات، أى: الكاملات الإيمان بالله - تعالى -، وبصدق رسوله
- صلى الله عليه وسلم -، وبكل ما يجب الإيمان به.
وقوله - سبحانه -:: لعنوا فى الدنيا والآخرة، أى: طردوا من رحمة الله
- تعالى - فى الدنيا وفي الآخرة، وفوق كل ذلك .لهم، منه .. تعالى ... عذاب
عظيم ، لا تحيط العبارة بوصفه.
=

١٢٩
الجزء الثامن عشر
وحملة («يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون))
مقررة لمضمون ما قبلها ، مبينة لحلول وقت ذلك العذاب بهم .
أى: لهم عذاب عظيم يوم القيامة، يوم يقفون أمام الله - تعالى - للحساب
فتشمد عليهم ألسنتهم، وأيديهم ، وأرجلهم، ثم بما كانوا يعملونه فى الدنيامن
أعمال سيئة ، وبما كانوا يقولونه من أقوال قبيحة.
فالمراد بشهادة هذه الجوارح ، نطقها وإخبارها عما كانوا يعملونه فى
الدنيا .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «حتى إذا ماجاء وها شهد عليهم سمعهم
وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون. وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا، قالوا
أنطقنا الله الذى أنطق كل شىء .. ،(١).
وقوله - سبحانه - «اليوم نختم على أفرامهم وتكلمنا أيديهم وتشهد
أرجلهم بما كانوا يكسبون)(٢).
والمراد بالدين فى قوله - تعالى -: ((يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ... ))
الجزاء الذى يستحقونه بسبب آثامهم. ويوفيهم: ن التوفية بمعنى إعطاء الشىء
كاملا ووافيا. وقوله: (( يومئذ، ظرف ليوفيهم.
أى: فى هذا اليوم العظيم وهو القيامة . الذى تشهد فيه الجوار ح على
صاحها، يجازى الله - تعالى - هؤلاء الفاسقين الجزاء الحق العادل، الذى
يستحقونه بسبب رميهم النساء المحصنات العاقلات المؤمنات بالفاحشة.
(((وبعلمون)، علما لا مجال معه للشك أو الريب عندما يشاهدون العذاب
( أن الله)) - تعالى - هو الإله ((الحق، فى ذاته وصفاته وأفعاله، وأنه
- عز وجل - هو ((المبين)) أى: المظهر لما أبطنته النفوس، وخبأنه الضمائر ،
والقادر على مجازاة الذين أساءوا بما عملوا. وعلى مجازاة الذين أحسنوا بالحسنى.
(١) -ورة فسات. الآية ٢١، ٢٢ (٢) سورة يس الآية ٦٥.
(٩ - سورة النور )

١٣٠
سورة النور
ثم ختم - سبحانه - الآيات التى نزلت فى حديث الإفك، بتقرير سنته
الإلهية، التى نشاهدها فى واقع الناس - وهى أن شبيه الشىء منجذب إليه وأن
الأرواح جنود مجندة، فما تعارف منها ائتلف. وما تناكر منها اختلف)) :-
كما جاء فى الحديث الشريف - فقال - تعالى -: «الخبيثات للخبيثين، أى:
الخبيثات من النساء، مختصات بالخبيثين من الرجال ,والخبيثون، من الرجال
مختصون ((بالخبيثات) من النساء، ((والطيبات)، منهن «العطيين، منهم.
(((والطيبون)) - أيضا - منهم , للطيبات)) منهن.
وهكذا يألف الشكل شكله ، والطيور على أشكالها تقع ، وإذا كان النبى
- صلى الله عليه وسلم - هو أطيب الطيبين، فلا يمكن أن تكون زوجاته
- صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسهت عائشة، إلا من أطيب الطيبات من
النساء، وأطهر الطاهرات منهن .
ثم جاءت شهادة الله - تعالى - وهى تغنى عن كل شهادة - ما يثبت براءة
عائشة - رضى الله عنها - من كل ما افتراء عليها المفترون، جاء قوله- سبحانه-
((أولئك مبرءون بما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم)).
أى: «أولئك، الطيبون والطيبات، وعلى رأسهم رسول الله - صلى الله
عليه - وأهل بيته. وعلى رأس أهل بيته عائشة - رضى الله عنها -، مبرءون
مما يقولون)، أى: مما يقوله الخبيثون والخبيثات فى شأنهم .
وأولئك الطيبون والطيبات ((لهم مغفرة)) عظيمة من الله - تعالى - ولهم
«(رزق كريم، هو جنة عرضها السموات والأرض، جزاء إيمانهم وعملهم
الصالح ، وصبرهم على الأذى .
هذا هو حديث القرآن عن حديث الإفك. الذى أشاعه الفاسقون عن
السيدة عائشة - رضى الله عنها -، وكان مقصدهم الأكبر من وراء ذلك هو
الطعن فى نبوة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولكن الله - تعالى -رد عليهم
بما يكبهم ويخرس ألسنتهم.

١٣١
الجزء الثامن عشر
هذا، ويؤخذ من هذه الآيات الكريمة جملة من الأحكام والآداب من
أهمها ما يأتي :
١ - غيرة الله - تعالى - على حرمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ودفاعه
- سبحانه - عن أوليائه، ورده لكيد المنافقين فى نحورهم .
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآيات: (( هذه الآيات نزات فى
شأن عائشة أم المؤمنين - رضى الله عنها - حين رماها أهل الإفك والبهتان من
المنافقين. بما قالوه من الكذب البحت والفرية التى غار الله - تعالى - لها،
ولنيه - صلوات الله وسلامه عليه - فأنزل - سبحانه - برامتها، صيانة اعرض
الرسول - صلى الله عليه وسلم-)،(١).
٢ - تسلية الله - تعالى - لعباده المؤمنين، عما أصابهم من هم رغم بسبب
هذا الحديث المفترى على الصديقة بنت الصديق - رضى الله عنهما -، وقد ظل
هذا الحديث يتردد فى جنبات المدينة، حتى نزلت هذه الآيات الكريمة ،
لا حقاق الحق وإبطال الباطل ..
ومن مظاهر هذه التسلية قوله - تعالى -: ((لا تحسبوه شرالكم بل هو
خير لكم ....
قال صاحب الكشاف: ،ومعنى كونه خيرالهم. أنهم اكتسبوافيه الثواب
العظيم، لأنه كان بلاء ومحنة ظاهرة. وأنه نزلت فيه ثمانى عشرة آية، كل
واحدة منها مستقلة، بما هو تعظيم الشأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
وتسلبة له. وتنزيه لأم المؤمنين - رضوان الله عليها - وتعابير لأهل البيت.
وتهويل لمن تكلم فى ذلك، أو سمع به فلم تمجه أذناه وعدة ألطاف السماء،ين
والتالين إلى يوم القيامة. وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخ فى على
هتأمليها ،(٢).
(١) تفسير ابن كثير جه ص ١٧.
(٢) تفسير الكهاف ج ٣ ص ٠٢١٧

١٣٢
سورة النور
٣ - إرشاد المؤمنين إلى أن من أنجمع الوسائل لمحاربة الإشاعات الكاذبة،
أن يحسن بعضهم الظن ببعض، وأن يكتموا هذه الإشاعات حتى تموت
فى مهدها، وأن يزجروا من يتفوه بها، أو من يعمل على ترويجها، وأن
يظهر وا له احتفارم ، وتفورهم من مجرد سماعها.
وهذا الإرشاد الحكيم، نراه فى آيات متعددة من هذه القصة، ومن ذلك
قوله - تعالى -: «لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خير،
وقالوا هذا إفك مبين)».
(ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكام بهذا. سبحانك هذا بهتان
عظيم ..
٤ - بيان جانب من مظاهر فضل الله - تعالى - ورحمنه بعباده المؤمنين،
الذين سبقتهم ألسنتهم بالخوض فى حديث الإفك، أو فى سماعه ... ثم قابوا
بعد ذلك مما وقعوا فيه .
. ويتجلى هذا الفضل العظيم، فى قوله - تعالى -: ((ولولا فضل الله عليكم
ورحمته فى الدنيا والآخرة، لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم ... ،.
((ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رءوف رحيم)).
, ولولا فضل الله عليكم ورحمته ماز كى منكم من أحد أبدا، ولكن الله
يزكى من يشاء، والله سميع عليم)).
• . تحذير المؤمنين تحذيرا شديدا، من مغبة الوقوع مرة أخرى ، في﴾
وقع فيه بعضهم من الخوض فى حديث الإفك، وفيما يشبهه من أحداث وبيان
أن ماحدث من بعضهم يتنافى مع ما يقتضيه الايمان، ومع آداب الاسلام .
من الآيات التى وردت فى هذا التحذير قوله - تعالى -: «يعظكم الله أن
تعودوا لمثله أبدا إن كنتم مؤمنين. ويبين الله لكم الآيات، والله عليم حكيم».
٦ - تهديد الذين افتروا حديث الإفك بخبث وبسوء نية، وبإصرار على

١٢٣
الجزء الثامن عشر
نشر قالة السوء فى صفوف المؤمنين ... تهديدهم بأشد ألوان العذاب فى الدنيا
والآخرة، ووصفهم بأقبح الصفات التى تدعو إلى نبذهم والبعد عنهم .
ومن الآيات التى وردت فى ذلك قوله - تعالى -: «لولا جاءوا عليه
بأربعة شهداء فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند أفقه هم الكاذبون)).
وقوله - سبحانه -: ((إن الذين يحبون أن تشبع الفاحشة فى الذين آمنوا
لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة ... ،
وقوله - عز وجل -: ((إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات،
امنوا فى الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم، يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم
وأرجلهم بما كانوا يعملون. يومئذ بوفيهم الله دينهم الحق، ويعدون أن الله
هو الحق المبين ).
قال صاحب الكشاف - رحمه الله - عند تفسيره لهذه الآيات ما ملخصا:
((ولو فليت القرآن كله)، وفتشت عما أوعد به العصاة، لم تراقه - تعالى - قدغاظ.
فى شىء تغليظه فى الإفك على عائشة - رضوان الله عليها -، وأنزل - سبحانه
من الآيات القوارع، المشحونة بالوعيد الشديد .. ما أنزل فى حديث الإفك،
ولو لم ينزل الله إلا هذه الثلاث - يعنى قوله - تعالى -: إن الذين يرمون المحصنات
الغافلات ... إلى قوله - سبحانه - ويعلمون أن الله هو الحق المبين -لكفىبها.
حيث جعل القذفة ملعونين فى الدارين جميعا، وبأن جوارحهم تشهد عليهم
بما أفكوا وبهتوا ... فأوجز - سبحانه - فى ذلك وأشبع، وفصل وأجل ،
وأكد وكرر ... وما ذاك إلا لإظهار على منزلة رسوله - صلى الله عليه وسلم
وففى التهمة عن حرمته .. ،(١) .
٧- توجيه المؤمنين الصادقين إلى العفو والصفح ، عمن شارك فى حديث
(١) تفسير الكشاف = ٣ ص ٠٢٢٣

١٣٤
سورة النور
الإفك بالقول ، أو بالسماع، أو بالرضا به. مادام هؤلاء المشاركون قدتابوا
وندموا على ما وقع منهم، ندما يدل على حسن توبتهم، كأن يعترفو إخطئهم
أو يعتذروا عما فرط منهم.
ويشهد لهذا التوجيه قوله - تعالى - فى شأن أبى بكر الصديق، بعد أن أقسم
أن لا ينفق على مسطح - ((ولا بأقل أولوأ الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولى
القربى والمساكين والمهاجرين فى سبيل الله، وليعفوا وايصفحوا، ألا تحبون
أن يغفر الله لكم، والله غفور رحيم)).
٨ - تكريم عائشة - رضى الله عنها - تكريما يظل ملازما لها إلى أن
يرث الله - تعالى - الأرض ومن عليها فقد برأها - سبحانه - مما افتراه عليها.
المفترون. وشهد بحضافتها وغفلتها عن السوء، وقوة إيمانها، وطيب عنصرها،
وأنزل فى شأنها قرآنا يتلى إلى يوم القيامة ، ويكفيها خرا قوله - تعالى -:
((أولئك مبرءون مما يقولون. لهم مغفرة ورزق كريم)).
وقد ساق بعض العلماء كثيرا من الأحاديث التى تدل على فضلها وعلى
حب النبي - صلى الله عليه وسلم - لها، فقال ما ملخصه: «وفى الجملة فإن أهل
السنة مجمعون على تعظيم عائشة. وعلى محبة النبي -صلى الله عليه وسلم -ها، ففى
الصحيح عن عمرو بن العاص قال: قلت يارسول الله. أى النساء أحب إليك؟
قال : عائشة .... .
وثبت فى الصحيح - أيضا - أن الناس كانوا يتحرون بهداياهم يوم عائشة،
لما يعلمون من محبته - صلى الله عليه وسلم - إياها ... وكان فى مرضه الذى
مات فيه يقول: أين أنا اليوم؟ استبطاء ليوم عائشة. ثم استأذن نا ...
رضى الله عنهن - أن يمرض فى بيتها، وفيه توفى فى حجرماء(١) .
(١) راجع تفسير القاسمى = ١٢ ص ٠٤٤٩٤
م

١٣٥
الجزء الثامن عشر
هذه بعض الأحكام والآداب التى تؤخذ من هذه الآيات، ومن أراد
المزيد فليرجع إلى أمهات كتب التفسير، ففيها ما يشبع وينفع.
وبعد أن بين - سبحانه - قبح جريمة الزنا، وشناعة جريمة القذف))
وعقوبة كل من يقع فى هاتين الجريمتين ، اتبع ذلك بيان الآداب التى تحمل
المتمسك بها على التحلى بالفضيلة والفقاء والطهر ... وبدأ - سبحانه - بآداب
الاستئذان فقال - تعالى - :
(((يأيها الذين آمنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتً غيرَ بيوتِكُم حتى تستأنسوا
وُسَلموا عَلَى أَهلهاَ، ذلِكُم خيرٌ لكُم لعلكُم تذكَرُونَ (٢٧) فإن
لم تَجِدُوا فيها أحداً فلا تَدْخلوهاَ حتَّى يُؤْذَنَ لِكُم، وإنْ قِيلَ لِكُم
ارجِعُوا فارجِعُوا هو أَزلَى لكُم، واللهُ بما تعمُلُونَ عليمٌ (٢٨) ليسّ
عليكُ جناحٌ أن تَدْخُلوا بيوتاً غيرَ مَسْكونةٍ فيها متاعٌ لكُمُ، والله
يُعَلَمُ مَا تُبُدُونَ وما تكتُمُونَ (٢٩)).
ذكر المفرون فى سبب نزول هذه الآيات، أن امرأة من الأنصار جاءت
إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يارسول الله، إنى أكون فى بيتى على
حال لا أحب أن يرانى عليها أحد، لا والد ولا ولد، فيأتي الأب فيدخل على
وإنه لا يزال يدخل على رجل من أهلى وأنا على تلك الحال، فكيف أصنع؟
فنزل قوله - تعالى -: ((يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتما غير بيوتكم حتى
تستأنسوا ...
فقال أبو بكر - رضى الله عنه -: يارسول الله، أفرأيت الخانات
والمساكن فى طرق الشام، ليس فيها ساكن، فأنزل الله - تعالى -: ( ليس

١٣٦
سورة النور
عليكم جناح أن تدخلوا بيوتما غير مسكونة فيها متاع لكم .. ، (١).
والمراد بالبيوت فى قوله - تعالى -٠, لا تدخلوا بيوتا٠٠)،، البيوت
المسكونة من أصحابها، بدليل قوله - سبحانه - بعد ذلك.« ليس عليكم جناح
أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة .. ،.
وقوله - تعالى -: (تستأنسوا، من الاستئناس بمعنى الاستعلام
والاستكشاف، فهو من آنس الشىء إذا أبصره ظاهرا مكشوفا، ومنه قوله
- تعالى - ,فلما قضى موسى الأجل وسار بأهله آن من جانب الطور قارا،
قال لأهله أمكنوا إنى آنست نارا .. ، أى: قال لأهله إنى رأيت فارا ..
ويصح أن يكون من الاستئناس الذى هو ضد الاستبحاش لأن الذى
يقرع باب غيره لا يدرى أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء المال
عليه، فإذا أذن له أهل البيت فى الدخول، زالت وحشته ، ودخل وهو
مر تاح النفس .
وعلى هذا المعنى يكون الكلام من باب المجاز، حيث أطلق اللازم وهو
الاستئناس، وأربد الملزوم وهو الإذن فى الدخول .
والمعنى: يا من آمنتم باقه - تعالى - حق الإيمان، لا تدخلوا بيوتا غير
بيوتكم التى تسكنونها، والتى هى مسكونة لمواكم، حتى تستأنسوا، أى:
حتى تعلموا أن صاحب البيت قد أذن لكم، ورضيت نفسه بدخولكم
((وتملوا على أهلها، أى: وتسلموا السلام الشرعى على أهل هذه البيوت
السا كنين فيها .
وعبر - سبحانه - عن الاستئذان فى الدخول بالاستقماس، لأنه يوحى
بأن القادم قد استأفس بمن يريد الدخول عليهم وهم قد أنسوابه ، واستعدوا
لاستقباله، فهو يدخل عليهم بعد ذلك وهم متهئون لحسن لقائه. فإذا ما صاحب
كل ذلك التسليم عليهم. كان حسن اللقاء أنم وأكمل).
(١) تفسير القرطبى ج ١٢ ص ٠٢١٣

١٣٧
الجزء الثامن عشر
وقوله (( ذلكم، أى: الاستئناس والقسليم قبل الدخول ((خير لكم،٠ن
الدخول بدون استقماس أو استثدان أو تسليم .
وقوله: ((لعلكم تذكرون)) متعلق بمحذوف، ولعل هنا للتعليل. أى:
أرشد ناكم إلى هذا الأدب السامى، وبيناه لكم ، كى تعملوا به ، وتكونوا
دائما متذكربن له ، وتتركوا اقتحام بيوت غيركم بدون استئذان منهم .
ثم بين - سبحانه - حالة أخرى توجب عليهم الاستئذان، فقال: « فإن
لم تجدوا فيها أحداً فلا تدخلوا حتى يؤذن لكم ...
أى: فإن لم تجدوا فى هذه البيوت أحدا، بأن كانت خالية من سكانها
الظرف من الظروف، فلا يصح لكم - أيضا - أن تدخلوها، حتى يؤذن
لكم فى دخولها من يملك الإذن بذلك .
قال صاحب الكشاف: ((وذلك أن الاستئذان لم يشرع لتلا يطلع الدامر
- أى الداخل بغير إذن - على عورة، ولا تسبق عينه إلى ما لا يحل النظر إليه
فقط، وإنما شرع لثلا يوقف على الأحوال التى يطويها الناس فى العادة عن
غيرهم ، ويتحفظون من اطلاع أحد عليها، ولأنه تصرف فى ملك غيرك،
فلابد من أن يكون برضاه، وإلا أشبه الغصب والتغلب،(!).
فالآ ية الأولى لبيان حكم دخول البيوت المسكونة بأهلها ، وهذه ابيان
حكم دخول البيوت الخالية من سكانها .
وقوله - تعالى -: ((وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم))
بيان لما يجب عليهم فى حالة عدم الإذن لهم بالدخول.
أی: وإن قيل لكم من جهة أهل البيت ارجعوا ولا قدخلوا، فارجعوا
ولاتلحوا فى طلب الدخول، فإن هذا الرجوع هو أطهر لأخلاقكم، وأبقى
(١) تفسير الكشاف ج٣ ص ٠٢٢٨

١٣٨
الجزء الثامن عشر
لمر. وتكم. من الإلحاح فى الاستئذان، ومن الوقوف على أبواب أصحابهـا
فقد تكون أحوالهم لا تسمح لكم بالدخول عليهم.
وقوله - سبحانه -: (( والله بما تعملون عليم، تذييل قصد به التحذير من
مخالفة ما أمر اقه - تعالى - به، وما نهى - سبحانه - عنه :
أى: والله -تعالى- لا تخفى عليه خافية من أعمالكم، فأصلحوها، والتزموا
بإتباع ما أمرك به، وما نها كم عنه، فإنه - سبحانه - سيجاز بكم عليها بما
تستحقون من ثواب أو عقاب .
فالمقصود من هذا الاخبار ، إفادة لازمه وهو المجازاة على هذه الأعمال.
وقوله - - سبحانه -: ، ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة
فيها متاع لكم)، بمنزلة الاستثناء من الأحكام التى اشتملت عليها الآيتان
السابقتان .
فقد ذكر المفسرون أنه لما نزلت آية الاستئذان، قال بعض الصحابة:
يارسول الله. كيف بالبيوت التى بين مكة والمدينة والشام وبيت المقدس»
وهى على ظهر الطريق، وليس فيها ساكن من أربابها ، فزلت هذه.
والمراد بالمتاع: التمتع والانتفاع بها.
أى: ليس عليكم - أيها المؤمنون - حرج أو إثم فى أن تدخلوا بغير
استئذان بيوتا غير معدة لسكنى طائفة معينة من الناس، بل هى معدة ليفتفع
بها من يحتاج إليها من دون أن يتخذها مسكنا له، كالرباطات، والفنادق،
والحوانيت، والحمامات ، وغير ذلك من الأماكن المعدة الراحة المؤقتة لا للسكن
والإقامة .
وقوله: (( فيها متاع لكم، أى: فيها حق تمتع وانتفاع لكم ، كالوقاية
من الحر والبرد، وكتبادل المنافع فيما بينكم بالبيع أو الشراء ، وغير ذلك
بما يتناسب مع وظيفة هذه البيوت غير المسكونة .

١٣٩
الجزء الثامن عشر
و قوله - سبحانه - : «والله يعلم ما تبدون وما تكتمون، وعيد وتحذير
آخر لأولئك الذين يدخلون البيوت ولا برعون حرمتها، بل يبيدون لعيونهم
ولجوارحهم، ما لم تبحه آداب الإسلام، وتعاليمه. كالتطلع إلى الدورات.
وما يشبه ذلك من المقاصد السيئة.
أُی : و اله ۔ تعالی ۔ و حدہ یعلم مانظهر ونه وما تخفو نه من أقوال وأعمال
,وسيحاسبكم عليها، فاحذروا أن تسلكوا مسلمكا لا يرضى خالقكم
كم.
هذا ، ومن الأحكام والآداب الى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى:
١ - أن على كل إنسان - سواء أ كان رجلا أم أمر أة - أن يستأذن ويسلم
قبل الدخول على غيره فى بيته، لأن الله - تعالى - يقول: (( يأيها الذين آمنوا
لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلوا على أهلها ... ، فهذا
تهى صريح عن الدخول بدون استئذان .
إلا أن جمهور الفقهاء يرون أن الطلب فى الاستئناس على سبيل الوجوب
وفى السلام على سبيل الندب ، كما هو حكم السلام فى غير هذا الموطن .
٢ - يرى بعض العلماء أن القادم يبدأ بالاستئذان قبل السلام، كما جاء
فى الآية الكريمة، ويرى كثير منهم تقديم السلام على الاستئذان ، لأن الواو
لا تستلزم الترتيب، ولأن هناك أحاديث متعددة ، تفيد أن السلام مقدم على
الاستئذان ، ومنها ما أخرجه الترمذى عن جابر أن رسول الله - صلى الله
عليه وسلم - قال: «السلام قبل السكلام، (١).
وبعض العلماء فصل فى هذه المسألة فقال: إن كان القادم يرى أحداً من
أهل البيت، سلم أولا ثم استأذن فى الدخول، وإن كان لا يرى أحداً منهم
قدم الاستئذان على السلام .
(١) تفسير ابن كثير ج ٦ ص ٠٩

١٤٠
سورة النور
وهذا الرأى وجاهته ظاهرة، لأن فيه جمعا بين الأدلة .
٣ - لاصحة لما ذكره بعضهم من أن أصل الآية (حتى تستأذنوا)، وأن
الكاتبين أخطأوا فى كتابتهم فكتبوا (حتى تستأنسوا)، وذلك لأن جميع
الصحابة أجمعوا على كتابة (حتى تستأنوا) فى جميع نسخ المصحف العثمانى،
وعلى تلاوة الآية بلفظ (تستأنسوا) ومضى على ذلك إجماع المسلمين فى كل
مكان، سواء فى كتابتهم للمصحف أم فى قراءتهم له .
قال القرطبى: إن مصاحف الإسلام كلها ، قد ثبت فيها (حتى تستأنسوا)
وصح الإجماع فيها من لدن عثمان، فهى التى لا تجوز مخالفتها، وإطلاق الخطأ
والوهم على الكاتب فى لفظ أجمع الصحابة عليه قول لا يصح ... وقد قال الله
- تعالى - ( لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد)
وقال - سبحانه - (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)(١).
٤ - ظاهر قوله - تعالى -: ( حتى تستأنسوا٠٠) أن الاستثدان غير
مقيد بعدد ، إلا أن السنة الصحيحة قد بينت أن الاستمدان يكون ثلاث مرات
فإن لم يؤذن له بعدها انصرف .
٠
د
ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى مارواه البخارى عن أبى سعيد
الخدرى قال: كنت فى مجلس من مجالس الأنصار. إذا جاء أبو موسى - كأنه
مدعوربـ فقال: استأذنت على عمر ثلاثا فلم يؤذن لى فرجعت . وقال رسول
الله - صلى الله عليه وسلم -: (إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فايرجع).
فقال لى : لتأتين بالبينة . فهل منكم أحد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم -
يقول ذلك؟ فقام معه أبى بن كعب، فأخبر عمر أن النبى - صلى الله عليه وسلم-
قال ذلك .
(١) راجع تفسير: القرطبى : ١٢ ص ٢١٤
٠