Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
الجزء الثامن عشر
فعلى العباد أن يستعظموا النعمة فى الماء. ويقيدوها بالشكر الدائم،
وبخافوا نفارها إذا لم تشكر،(١).
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه
ينابيع فى الأرض . ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه ... )(٢).
ثم بين - سبحانه - الآثار الجليلة المترتبة على إنزال الماء من السماء فقال:
, فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب ... ).
أى : فأوجدنا لكم بسبب نزول الماء على الأرض بساتين متنوعة ،
بعضها من نخيل، وبعضها من أعتاب، وبعضها منهما معا، وبعضها من
غيرهما .
وخص النخيل والأعناب بالذكر . لكثرة منافعهما، وانتشارهما فى
الجزيرة العربية ، أكثر من غيرهما .
((لكم فيها، أى: فى تلك الجنات, فواكه كثيرة)) تتلذ ذون بها فى ما كلكم
((ومنها)). أى: ومن هذه البساتين والجنات (, تأكلون ، ماتر بدون أكله منها
فى كل الأوقات .
والمراد بالشجرة فى قوله - تعالى - بعد ذلك: «وشجرة تخرج من طور
سيناء ... )، شجرة الزيتون. وهى معطوفة على ((جنات)) من عطف الخاص
على العام .
أى: فأنشأنا لكم بسبب هذا الماء النازل من السماء، جنات، وأنشأنا لكم
بسببه - أيضا - شجرة مباركة تخرج من هذا الوادى المقدس الذى كلم الله
- تعالى - عليه موسى- عليه السلام، وهو المعروف بطور سيناء. أى:
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ١٨٠
(٢) سورة الزمر الآية ٠٢١

٢٢
سورة المؤمنون
بالجبل المسمى بهذا الإسم فى منطقة سيناء ، ومكانتها معروف.
قالوا: وكلمة سيناء - بفتح السين والمد على الراجح - معناها: الحسن باللغة
النبطية. أو معناها: الجبل الملىء بالأشجار. وقيل: مأخوذة من السنا بمعنى
الإرتفاع.
وخصت شجرة الزيتون بالذكر : لأنها من أكثر الأشجار فائدة بزيتها
وطعامها وخشبها، ومن أقل الأشجار - أيضا - تكلفة لزارعها.
وخص طور سيناء بإنباتها فيه ، مع أنها تنبعث منه ومن غيره ، لأنها
أكثر ما تكون انتشارا فى تلك الأماكن، أو لأن منبتها الأصلى كان فى هذا
المكان ، ثم انتقلت منه إلى غيره من الأماكن .
وقوله: « قنبت بالدهن وصبغ للآكلين، بيان لمنافع هذه الشجرة على سبيل
المدح ، والتعليل لإفرادها بالذكر .
والدهن : عصارة كل شىء ذى دسم . والمراد به هنا: زيت الزيتون.
وقراءة الجمهور: ((تنبقت)) - بفتح التاء وضم الباء - على أنه مضارع
نبت الثلاثى .
فيكون المعنى : هذه الشجرة من مزاياها أنها تنبت مصحوبة وملتبسة
بالدهن الذى يستخرج من زيتونها . فالباء فى قوله ((بالدهن، للمصاحبة
والملابسة ، كما تقول: خرج فلان بسلاحه . أى: مصاحبا له ،
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: تنبت - بضم التاء وكسرالبا . - من أنبت بمعنى
فيت . أو: من أنبت المتعدى بالهمزة، كأنبت الله الزرع. والتقدير: تنبت
ثمارها مصحوبة بالدهن .
والصبغ فى الأصل : يطلق على الشىء الذى يصبغ به الثوب. والمراد به
هنا: الإدام لأنه يصبغ الخبز ، ويجعله كأنه مصبوغ به .

٢٣
الجزء الثامن عشر
أى: أن من فوائد هذه الشجرة المباركة أنها يتخذ منها الزيت الذي ينتفع
به، والإدام الذى يحلو معه أكل الخبز والطعام.
روى الإمام أحمد عن مالك بن ربيعة الساعدى ، أن رسول الله - صلى لقه
عليه وسلم - قال: ((كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة)).؟
وبعد أن بين - سبحانه - جانبا من مظاهر نعمه فى الماء والنبات أتبع
ذلك بيان جانب آخر من نعمه فى الأنعام والحيوان . فقال: (( وإن لكم فى
الأنعام لعبرة ....
والأنعام : تطلق على الإبل والبقر والغنم. وقد تطلق على الإبل
خاصة.
والعبرة: اسم من الاعتبار ، وهو الحالة التى تجعل الإنسان يعتبر ويتعظ
بما يراه وبسمعه.
أى: وإن لكم - أيها الناس - فيما خلق الله لكم من الأنعام لعبرة وعظة،
تجعلكم تخلصون العيادة لقه - تعالى - وتشكرونه على آلاته.
وقوله - سبحانه -: « نسقيكم ما فى بطونها، ولكم فيها منافع كثيرة،
ومنها تأكلون ... ) .. بيان لمواطن العبرة، وتعريف بأوجه النعمة.
أى: نسقيكم مما فى بطونها من ألبان خالصة ، تخرج من بين فرث ودم
ولكم فى هذه الأنعام منافع كثيرة، كأصوافمها وأوبارها وأشعارها، ومنها
تأكلون من لحومها ، بما يستخرج من ألبانها .
و(«عليها، أى: وعلى هذه الأنعام، والمراد بها هنا: الإبل خاصة
((وعلى الفلك، أى: السفن التى تجرى فى البحر «تحملون، بقدرتنا ومنتنا،
حيث تحمل هذه الإبل وتلك السفن، أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالخبه إلا
بشق الأنفس ...

٢٤
سورة المؤمنون
وقريب من هاتين الآيتين فى المعنى قوله - تعالى -: ((أو لم يروا أنا خلقنا
لهم ما عملت أيدينا أنعاما. فهم لها « الكون. وذللناها لهم فمنها وكوبهم، ومنها
يأكلون. ولهم فيها منافع ومشارب أفلا يشكرون»(١).
وقوله - سبحانه -: ((والذى خلق الأزواج كلها، وجعل لكم من الفلك
والأنعام مازكبون. لقستووا على ظهورها ثم تذكروا فعمة ربكم إذا استويتم
عليه، وتقولوا سبحان الذى سخر لنا هذا، وماكنا له مقرنين، وإنا إلى
ربنا لمنقلبون ، (٧).
وبذلك زى الآيات الكريمة قد ذكرت لنا أنواعا من نعم الله - تعالى-
على عباده، هذه النعم التى تدل على كمال قدرته ، وعظيم رحمته .
وبعد أن بين - سبحانه - دلائل قدرته عن طريق خلق الإنسان ، وعن
طريق خلقه لهذه الكائنات التى يشاهدها الإنسان وينتفع بها ... أتبع ذلك
بالحديث عن بعض الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وعن موقف أقوامهم
منهم، وعن سوء عاقبة المكذبين لرسل الله - تعالى - وأنبيائه. واجداً
- سبحانه - الحديث من جانب من قصة نوح مع قومه ، فقال - تعالى -:
((ولقَدْ أَرْسَلنا نوحاً إلى قَوْمِه، فقالَ يا قَوْم اعبدوا الله ما لَكم
مِنْ إِلهِ غيرُهُ ، أَفَلاَ تَتَّقُون (٢٣) فقالَ الملأ الذينَ كفرُوا من قَوْمِهِ
ما هذَا إلَّ بِشَرٌ مِثْلُكُمْ يريدُ أنْ يَتَفَضَّل عَلَيْكُم، ولو شاء الله
لْأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِنًا بهذا فى آبائِاَ الأوَّينَ (٢٤) إِنْ هُو
إِلاَّ رجلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حتى حينٍ (٢٥) قالَ ربِّ انصَرْنى بما
كَذَّبونِ (٢٦) فَأُوْحَيْنَاَ إليهِ أنِ اصنَعِ الفُلك بأعينناَ وَوَحْيناً، فإذَا
(١) سورة يس الآيات من ٧١ - ٧٣.
((٢) سورة الزخرف، الآيات من ١٢ - ١٤

٢٥
الجزء الثامن عشر
جاء أَمرُنَ وفارَ التَُّّور فاسْلُك فِيها من كُلِّ زَوْجَيْنِ اثْنَين وأهلَكَ
إِلَّ مَنْ سَبَقَ عليْهِ القَوْل مِنْهم ، ولا تُخَطْفِ فى الذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُم
مُغْرَقُونَ (٢٧) فإِذَا اسْتَوَيتَ أَنْتَ ومن مّعكَ على الْقُلْكِ، فَقُلِ الحمدُ
شَهِ الَّذِى بِجَّانَ من القَوْمِ الظَّالِينَ (٢٨) وَقُلْ ربٌّ أنْزِلِى مِنْزَلاَ مُبَارَكاً
وَأَنْتَ خيرُ المنزِلِينَ (٢٩) إِنَّ فى ذلكَ لَآيَاتٍ وإِنْ كُنَّالمبْتَلِنَ (٣٠)).
تلك هى قصة نوح - عليه السلام - مع قومه، كما وردت فى هذه السورة
الكريمة ، وقد وردت بصورة أكثر تفصيلا فى سورتى هود ونوح.
وينتهى نسب نوح - عليه السلام - إلى شيك بن آدم - عليه السلام -.
وقد ذكر نوح فى القرآن فى ثلاث وأربعين موضعا .
قال الجمل فى حاشيته: وعاش نوح من العمر ألف سنة وخمسين، لأنه
أرسل على رأس الأربعين ومكث بدعو قومه ألف سنة إلا خمسين عاما،
وعاش بعد الطوفان ستين سنة ، وقدمت قصته هنا على غيره ، لتتصل بقصة
آدم المذكورة فى قوله: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين، للمناسبة
بينهما من حيث إن وحا يعتبر آدم الثانى ، لانحصار النوع الإنسانى بعده
فى نسله (١) .
وقوم الرجل: أقرباؤه الذين يجتمعون معه فى جد واحد. وقد يقيم الرجل
بين قوم ليس منهم فى نسبه ، فيسميهم قومه على سبيل المجاز ، لجاورته لهم .
وكان قوم نوح يعبدون الأصنام، فأرسل الله - تعالى - إليهم نوعا
لينهاهم عن ذلك، وليأمرهم بإخلاص العبادة لله - تعالى -.
واللام فى قوله - سبحانه -: ((ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه ... ، واقعة
فى جواب قسم محذوف .
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ١٨٨

٢٦
سورة المؤمنون
٠٠
أى: والله لقد أرسلنا نبينا نوعا - عليه السلام - إلى قومه، ليخرجهم
من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان
وقوله - سبحانه - (دفقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره .. ، حكاية
لما وجهه إليهم من نصائح وإرشادات .
أى: أرسلنا نوحا إلى قومه، فقال لهم ماقاله كل في : يا قوم اعبدوا الله
وحده، فإنكم لير نكم إله سواء، فهو الذى خلفكم، وهو الذى رزقكم.
وهو الذى يحييكم وهو الذى يميتكم، وكل معبود غيره - سبحانه-فهو بادل.
وفى ندائهم بقوله: (( ياقوم، تلطف فى الخطاب ، ليستميلهم إلى دعوته،
فكانه يقول لهم: أنتم أهلى وعشير تى يسرنى ما يسركم، ويؤ ذينى ما يؤذيكم،
فاقبلوا دعونى ، لأنى لكم ناصح أمين .
وقوله: ( أفلا تتقون، تحذير لهم من الإصرار على شركهم ، بعد ترغيبهم
فى عبادة الله - تعالى - وحده بألطف أسلوب.
أى: أفلا تتقون الله - تعالى - وتخافون عقوبته، بسبب عبادة كم اغيره،
مع أنه - سبحانه - هو الذى خلقكم . فالاستفهام للإنكار والتوبيخ.
ثم حكى - سبحانه - مارد به قوم نوح عليه فقال:". فقال الملأ الذين
كفروا من قومه ماهذا إلا بشر مثلكم . ..
والمراد بالملأ : أصحاب الجاه والغنى من قوم نوح. وهذا اللفظ اسم جمع
لا واحد له من لفظه - كرهط - وهو مأخوذ من قولهم: فلان ملی۔ بكذا،
إذا كان قادرا عليه. أو لأنهم مثالثون أى: متظاهرون متعاونون، أولأنهم
يملأون القلوب والعيون مهابة ...
وفى وصفهم بالكفر : تشنيع عليهم وذم لهم، وإشعار بأنهم عربقون فيه.
أى: فقال الأغنياء وأصحاب النفوذ الذين مردوا على الكفر ، فى الرد على
نبيهم نوح عليه السلام : ماهذا إلا بشر مثلكم .

٢٧
الجزء الثامن عشر
أى: قالوا لأنباعهم على سبيل التحذير من الاستماع إلى دعوة فييهم ،
ماهذا، أى: نوح عليه السلام - إلا بشر مثلكم، ومن جفسكم، ولا فرق
بينكم وبينه فكيف يكون نبيا .
ولم يقولوا: ما فوح إلا بشر مثلكم، بل أشاروا إليه بدون ذكر اسمه ،
لأنهم لجهلهم وغرورهم يقصدون تهوين شأه - عليه الصلاة والسلام - فى
أعين قومه .
وقولهم: ((يريد أن يتفضل عليكم، أى: أن نوحا جاء بما جاء به بقصد
الرياسة عليكم .
ومرادهم بهذا القول: تنفير الناس منه، وحضهم على عدوابه،
وقولهم: (( ولو شاء الله لأنزل ملائكة ، استبعاد منهم لكون الرسول
من البشر أى: ولو شاء الله أن يرسل رسولا أيأمرنا بعبادته وحده، لأرسل
ملائكة ليفعلوا ذلك، فهم - لانطماس بصائرهم وسوء تفكيرهم - يتوهمون
أن الرسول لا يكون من البشر، وإنما يكون من الملائكة.
ومفعول المشيئة محذوف. أى: ولوشاء الله عبادته وحده لأرسل ملائكة
ليأمرونا بذلك، فلما لم يفعل علمنا أنه ما أرسل رسولا، فنوح - فى زعمهم -
كاذب فی دعو اه.
وقولهم: ((ماسمعنا بهذا فى آباءنا الأولين)) أى: ما سمعنا بهذا الكلام الذى
جاءنا به نوح فى آباءنا الأولين، الذين ندين باتباعهم، وتقتدى بهم فى عبادتهم
لهذه الأصنام.
ثم هم لا يكتفون بهذا الجمود والتحجر ، بل يصفون نبيهم بما هو برى منه
فيقولون: إن هو إلا رجل به جنة، فتربصوا به حتى حين)).
والجنة: الجنون. يقال جن: فلان إذا أصيب بالجنون، أو إذا مسه
الجن فصار فى حالة خبل وجنون .

٢٨
سورة المؤمنون
والتربص: الانتظار والترقب، أى: مانوح - عليه السلام - الذى يدعى
النبوة، إلا رجل به حالة من الجنون والخبل، فانتظروا عليه إلى وقت شفائه
من هذا الجنون أو إلى وقت موته، وعندئذ تستريحون منه ، ومن دعوته
التى ما سمعنا بها فى آبائنا الأولين .
فأنت ترى أن القوم قد واجهوا نبيهم نوحا - عليه السلام - بأقبحمواجهة
حيث وصفوه بأنه يريد من وراء دعوته لهم السيادة عليهم ، وأنه ليس نبياً
لأن الأنبياء لا يكونون من البشر - فى زعمهم وأنه قد خالف ما ألفوه عن
آبائهم ، ومن خالف ما كان عليه آباؤهم لا يجوز الاستماع إليه ، وأنه مصاب
بالجنون وأنه عما قريب سيأخذه الموت، أو يشفى مما هو فيه .
وهكذا الجهل والغرور والجحود ... عندما يستولى على الناس، محول
فى نظرهم الإصلاح إلى إفساد ، والإخلاص إلى حب للرياسة ، والشى.
المعقول المقبول. إلى شىء غير معقول وغير مقبول، وكمال العقل ورجحانه،
إلى جنونه ونقصانه .
وصدق الله إذ يقول: «سأصرف عن آبانى الذين يتكهرون فى الأرض
بغير الحق، وإن يروا كل آية لا يؤمنوابها، وإن يروا سبيل الرشد لا يتخذوه
سبيلا، وإن يروا سبيل الغى يتخذوه سبيلا ... )،(١).
ثم يحكى القرآن بعد ذلك أن نوحا - عليه السلام - بعد أن استمع إلى
ما قاله قومه فى شأنه من ضلالات وسفاهات ، لجأ إلى ربه- عز وجل - يشكو
إليه ما أصابه منهم ويلتمس منه النصر عليهم. فقال - كما حكى القرآن عنه -:
((رب انصرنى بما كذبون)).
أى : قال نوح فى مناجاته لربه: يارب انصرنى على هؤلاء القوم الكافرين
بسبب تكذيبهم لى وتطاولهم على، وسخربتهم منى، وإصرارهم على عبادة غيرك.
وقد أجاب الله - تعالى - دعاء عبده نوح فقال: «فأوحينا إليه، أى:
فأوحينا إليه فى أعقاب دعائه وتصدعه .
(١) سورة الأعراف آية ١٤٦.

-
٢٩
الجزء الثامن عشر
, أن أصنع الفلك بأعيننا ووحينا، أى: أوحينا إليه أن أبتدىء يا نوح
فى صنع السفينة وأنت تحت رعايتنا وحفظها، وسنرسل إليك روحنا
لير شدك إلى ما أنت فى حاجة إليه من إتقان صنع السفينة، ومن غير ذلك
من شئون.
وفى التعبير بقوله - سبحانه -ـ((أن أصنع، إشارة إلى أن نوحا - عليه
السلام - قد باشر بنفسه صنع السفينة التى هى وسيلة النجاة له والمؤمنين معه.
وفى قوله - تعالى -: ((بأعيننا ووحينا، إشارة إلى أن نوحابجانب مباشرته
الصنع بنفسه، كان مزودا من الله - تعالى - بالعناية والرعاية وبحسن التوجيه
والإرشاد عن طريق الوحى الأمين .
وذلك لأن سنة لقه - تعالى - قد إقتضت ، أن لا يضيع عمل عباده
المخلصين، الذين يبذلون أقصى جهدهم فى الوصول إلى غاياتهم الشريفة.
والباء فى قوله ((بأعيننا)) للملابسة. والجار والمجرور فى موضع الحال
من ضمير إصنع .
والفاء فى قوله - سبحانه - ((فإذا جاء أمرنا، لترتيب مضمون ما بعدها
على إتمام صنع السفينة .
والمراد بالأمر هنا: العذاب الذى أعده الله - تعالى - لهؤلاء الظالمين من
قوم نوح - عليه السلام -. ويشهد لذلك قوله - سبحانه - فى آية أخرى
((لا عاصم اليوم من أمر الله، أى: من عذابه (( إلا من رحم))
والمراد بمجىء هذا الأمر: إقتراب وقته، ودفو ساعته، وظهور علاماته
وقوله - تعالى: «وفار التنور، بيان وتفسير مجىء هذا الأمر، وحلول وقت
إهلاكهم .
وقوله: «فار، من الفوران ، بمعنى شدة الغليان للماء وغيره. يقال للماء

٣٠
سورة المؤمنون
فار إذا إشتد غليانه. ويقال للنار فارت إذا عظم هيحانها. ومنه قوله
- تعالى -: ((إذا ألقوا فيها سمعوا لها شهيقا وهى تفور)).
وللمفرين فى المراد بلفظه التنور، أقول منها: أن المراد به الشىء الذى
يخبز فيه الخبز، وهو ما يسمى بالموة - أو الفرن.
ومنها أن المراد به وجه الأرض. أو موضع إجتماع الماء فى السفينة،
أو طلوع الفجر ... وقد رجح الإمام ابن جرير القول الأول فقال: وأولى
الأقوال بالصواب قول من قال: هو التنور الذى يخبز فيه، لأن هذا هو
المعروف من كلام العرب ... »(١) .
ويبدو أن فوران التنور كان علامة لنوح على أن موعد إهلاك الكافرين
من قومه قد اقترب .
أى: فإذا إقترب موعد إهلاك قومك الظالمين يافوح، ومن علامة ذلك
أن ينبع الماء من التنور ويفور فورانا شديدا،فاسلك فيها، فأدخل فى
السفينة ((من كل زوجين إثنين)) ولفظ « زوجين)) تثنية زوج. والمراد به
هنا : الذكر والأنثى من كل نوع .
وقراءة الجمهور: ((من كل زوجين إثنين)) بدون تقوين للفظ كل،
وبإضافته إلى زوجين.
وقر أ حفص ((من كل زوجين إثنين)) بتنوين كل، وهو تنوين عوض
عن مضاف إليه. والتقدير: «أدخل فى السفينة من كل نوع من أنواع
المخلوقات التى أنت فى حاجة إليها ذكرا وأشى. ويكون لفظ «زوجين»
مفعولا لقول (,فالك)، ولفظ إثنين: صفة له.
(١) تفسير ابن جرير : ١٢ ص ٢٥.

٣١
الجزء الثامن عشر
والمراد بأهله فى قوله - تعالى -,وأملك)): أهل بيته كزوجته وأولاده
المؤمنين ، ويدخل فيهم كل من آمن به - عليه السلام - سواء أكان من ذوى
قرابته أم من غيرهم، بدليل قوله - تعالى - فى سورة هود: ((قلنا أحمل فيها من
كل زوجين إثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول ومن آمن ، وما آمن من معه
إلا قليل ».
وجملة: (( إلا من سبق عليه القول منهم، إستثناء من الأهل. والمرادمن
سبق عليه القول منهم: من بقى على كفره ولم يؤمن برسالة نوح- عليه السلام-
کزوجته وابنه کنعان .
أى : أدخل فى السفينة ذكرا وأنثى من أنواع المخلوقات ، وأدخل فيها
- أيضا - المؤمنين من أهلك ومن غيرهم ، إلا الذين سبق منا القول بهلاكهم
بسبب إصرارهم على الكفر، فلا تدخلهم فى السفينة، بل اتركهم خارجها
ليغرقوا مع المغرقين .
قال الألوسى: ((وجىء بعلى فى قوله: ((إلا من سبق عليه القول منهم، لكون
السابق ضارا، كماجىء باللام فى قوله: ((إن الذين سبقت لهم منا الحسنى))
لكون السابق نافعا،(١).
وقوله - تعالى -: ( ولا تخاطبنى فى الذين ظلموا إنهم مغرقون، نهى منه
- سبحانه - لنوح - عليه السلام - عن الشفاعة لهؤلاء الكافرين، أو عن طلب
تأخير العذاب المهلك لهم .
اى: أترك يانوح هؤلاء الظالمين، ولا تكلمنى فى شأنهم، كأن تطلب
الشفاعة لهم أو تأخير العذاب عنهم، فإنهم مقضى عليهم بالإغراق لا محالة ،
ولا مبدل حکی أو إرادتى .
ويبدو - والله أعلم - أن هذه الجملة الكريمة، كانت نهيا من الله - تعالى-
لنوح، عن الشفاعة فى إبنه الذى غرق مع المغرقين. والذى حكى القرآن فى
(١) تفسير الآلوسى =١٨ ص ٢٧.

٣٢
سورة المؤمنون
سورة هود أن نوحا قد قال فى شأنه: «رب إن ابنى من أهلى، وإن وعدك
الحق ، وأنت أحكم الحاكمين ..
ثم أرشد الله - تعالى - نبيه نوحا إلى ما بقوله بعد أن يستقر فى السفينة
فقال - سبحانه -: (( فإذا استويت أنت ومن معك، من أهلك وأتباعك
المؤمنين ((على الفلك».
أى: السفينة التى علمناك عن طريق وحينا كيفية صنعها بإحكام وإتقان
(فقل: يا نوح على سبيل الشكر لنا، والتقدير لذاتنا, الحمد لله الذى نجانا،
بفضله وكرمه «من القوم الظالمين، الذين إستحبو االعمى على الهدى، وآثروا
الضلالة على الهداية ، وتطاولوا على نبيهم الذى جاء لسعادتهم .
((وقل) - أيضا - يانوح ((رب أنزلنى منزلا مباركا، أى: أولنى إنزالا
أو مكان إنزال مباركا. أى مليئا بالخيرات والبركات، خاليا ما حل
بالظالمين من إغراق وإهلاك . . وأنت، يا إلهى ((خير المنزلين، بفضلك
وكرمك فى المكان الطيب المبارك .
ثم عقب - سبحانه - على ما اشتملت عليه قصة نوح من حكم وآداب بقوله
((إن فى ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين))
أى: إن فى ذلك الذى ذكر ناه لك - أيها الرسول الكريم - عن نوح
وقومه ((لآيات)، بينات، ودلالات واضحات، على أن هذا القرآن من عندنا
لامن عند غيرنا، وعلى أن العاقبة للمؤمنين، وسوء المنقلب للكافرين .
و((إن)) فى قوله، وإن كنا، هى المخففة من الثقيلة، واللام فى قوله
((المبتلين)) هى الفارقة بينها وبين إن النافية، والجملة حالية. والإبتلاء:
الاختبار والامتحان .
أى: إن فى ذلك الذى ذكر ناه عن نوح وقومه لآيات واضحات على
وحدانيتنا وقدرتنا، والحال والشأن أن من سنتنا أن نبتلى الناس بالنعم

٣٣
الجزء الثامن عشر
وبالنقم: وبالخير وبالشر. ليتبين من يعتبر ويتعظ، وليتميز الخبيث من
الطيب، وليهلك من هلك عن بينة، ويحمي من حى عن بينة، وإن الله
لسميع عليم
ثم تمضى السورة فى حديثها عن قصص الأولين ، فتحكى لناقصة أقوام
آخرين مع فى من أنبياتهم فتقول :
(( ثمَّ أنشأْنَ مِنْ بَعدم قرناً آخَرِين (٣١) فأرسلناَ فيهم رسولاً
مِنْهم، أَنِ اعبدُوا الله ما لكُم مِنْ إليهِ غيرُه. أفلا تتَّقون (٣٢) وقالَ
الملّمِنْ قَومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرةِ وَأَثْرَ فنام فى الحياةِ
الدُّنيا، ما هذَا إلا بشرٌ مِثْلُكُم، يأكلُ عَمَاتَأَ كُلُّون مِنْهُ ويَشْرِب ممّا
تَشْرَبُون (٣٣) ولئنْ أَطَعَتَّ بشراً مثْلَكُم إنكم إذاً لخاسِرُون (٣٤)
أيمدىثم أَنكُم إذا مِثْم وكُنتُم تراباً وعِظَامًاً أنكُم مخرَ جُون (٣٥)
هيهاتَ هيهاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٧) إن هِىَ إلاَّ حياتناَ الدّنيا نموتُ
وتَحْيَاَ وما نحنُ بِبْعُوتِين (٣٧) إنْ هُو إلاَّ رجلٌ افتَرَى على اللّهِ كَذِبًاً
وما نحنُ لُهُ بمُؤْمِنِينَ (٣٨) قَالَ ربِّ انْصُرْفِى بما كَذِّبُونِ (٣٩) قَالَ
عمّ قليلٍ ليصبِحُنَّ نادِمِينَ (٤٠) فأخذَتْهُم الصِّحَةُ بالحقُّ فجعَلْنَاهُ غُثَه،
فُقْداً للْقَومِ التَّظَالمِينَ (٤١))).
أى : ثم أنشأنا من بعد أولئك القوم المغرقين الذين كذبوا نيهم أو حا
- عليه السلام -، «قرنا آخرين، غيرهم. وهم على الأرجح - قوم هود.
- عليه السلام - بدليل قوله - تعالى - فى آية أخرى فى شأنهم: ((واذكروا
إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ... ،(١).
(١) سورة الأعراف آية ٦٩ ،
( ٣ - سورة المؤمنون )

٣٤
سورة المؤمنون
كما أن قصة هود مع قومه، كثيرا ما تأ"، بعد قصة نوح مع قومه.
وقيل : هم قوم صالح - عليه السلام -.
وعلى أية حال فإن سورة ((المؤمنون) فى عرضها لقصص الأنبياء، تحرض
على بيان أن استقبال المكذبين لأنبيائهم كان متشابها فى القبح والتكذيب .
وقال - سبحانه - ((قرنا آخرين، للإشعار بأنهم كانوا يعيشون زمان
واحد مع نبيهم، وأنهم كانوا معاصرين له، ومشاهدين لأحواله قبل
البعثة وبعدها.
ثم بين - سبحانه - أنه أمتن عليهم بإرسال رسول فيهم فقال :. فأرسلنا
فيهم رسولا منهم أن اعبدوا الله مالكم من إله غيره ٠٠٠،
أى : كان من مظاهر رحمتنا ومنتنا على هؤلاء القوم الآخرين الذين جاءوا
بعد إهلاك قوم نوح، أن أرسلنا فيهم رسولا منهم نشأ بين أظهرهم، وعرفوا
حسبه ونسبه، فقال لهم ماقاله كل نبى لقومه: اعبدوا الله وحده، فإنكم
ليس لكم من إله سواه، لأنه - سبحانه - هو الذى أوجدكم فى هذه الحياة ..
( أفلا تتقون)، بأسه وعقابه إذا ما عبدتم غيره ؟!
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ماردبه هؤلاء المشر كون الجاحدون على نبيهم
فقال: ( وقال الملأ من قومه الذين كفروا وكذبوا بلقاء الآخرة، وأترفنام
فى الحياة الدنيا ، ما هذا إلا بشر مثلكم ....
أى: وقال الأغنياء والزعماء من قوم هذا النبى، الذين كفروا بالحق
لما جاءهم، وكذبوا بالبعث والجزاء الذى يكون فى الآخرة، والذين أطرتهم
النعمة التى أنعمنا عليهم بها فى دنيام ...
قالوا لنييهم بجفاء وسوء أدب لكى يصرفوا غيرهم عن الإيمان به: ماهذا
الذى يدعى النبوة ((إلا بشر مثلكم، وكأنهم برون - لغبائهم وانطماس
عقولهم - أن الرسول لا يكون من البشر، أو يرون جواز كونه من البشر.
إلا أنهم قالوا ذلك على سبيل المكر ليصدوا أتباعهم وعامة الناس عن دعوته

٣٥
الجزء الثامن عشر
ثم أضافوا إلى هذا القول الباطل ما ؤ كده فى نفوس الناس فقالوا:« أكل
مما تأكلون منه، من طعام، وغداء «ويشرب مما تشربون)) منه من ماء
وما يشبه الماء.
ثم أضافوا إلى ذلك قولهم (ولئن أطعم، أيها الناس، بشراً مثلكم)) فى
المأكل والمشرب والملبس والعادات ٠٠٠. إنكم إذا، بسبب هذه الطاعة
الخاصرون، خسارة ليس بعدها خسارة.
والمتأمل فى هذه الآيات الكريمة يرى أن الله - تعالى -وصف هؤلاء
الجاحدين بالغنى والجاه، وأنهم من قوم هذا النبى فازداد حسدهم له وحقدهم
عليه، وأنهم أصلاء فى الكفر ، وفى التكذيب باليوم الآخر، وأنهم - فوق
كل ذلك - من المترفين الذين عاشوا حياتهم فى اللهو واللعب والتقلب فى ألوان
الملذات .... ولا شىء يفسد الفطرة، ويطمس القلوب ، ويعمى النفوس
والمشاعر عن سماع كلمة الحق، كالترف والتمرغ فى شهوات الحياة .
لذا تراهم فى شبهتهم الأولى يحاولون أن يصرفوا الناس عن هذا النبى،
بزعمهم أنه بشر، يأكل مما يأكل منه الناس، ويشرب مما يشربون منه
والعقلاء فى زعمهم - لا يتبعون نبيا من البشر، لأن اتباعه يؤدى إلى الخسران
المبين .
ولقد تهجوا فى قولهم الباطل هذا، نهج قوم نوح من قبلهم ، فقد قالوا
فى شأنه: ((ماهذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ....
أما شبهتهم الثانية التى أثاروها لصرف الناس عن الحق ، فقد حكاها
القرآن فى قوله عنهم: ((أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم
مخرجون ... )، أى: أيعدكم هذا الذى يدعى النبوة وهو بشر مثلكم، أنكم
إذا فا قتم هذه الحياة وصريم أمواتا، وصارت بعض أجزاء أجسامكم ترابا
وبعضها عظاما فخرة، أنكم مخرجون من قبوركم إلى الحياة مرة أخرى
للحساب والجزاء .

٣٦
سورة المؤمنون
والاستفهام فى قوله «أيعدكم، الإنكار والتحذير من اتباع هذا النبى،
والجملة مستأنفة مقررة لمضمون ما قبلها من الصد عن الاستماع إلى ما جاءهم به
قبيهم ، لأنه - فى زعمهم - يؤدى إلى الخسر ان .
وكرر - سبحانه - لفظ، أنكم، لبيان حرصهم على تأكيد أقوالهم
الباطلة فى نفوس الناس ، حتى يفروا من وجه نبيهم .
ثم حكى - سبحانه - أنهم لم يكتفوا بكل ما أثاروه من شبه الصرف
أتباعهم عن الحق بل أضافوا إلى ذلك، أن ما يقوله هذا النى مستبعد فى العقول،
وأنه رجل افترى على الله كذبا ...
فقال - تعالى -: «هيهات هيهات لما توعدون. إن هى إلا حياتنا الدنيا
نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين . إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا
وما نحن له بمؤمنين)).
ولفظ «هيهات)، أسم فعل ماض، معناه: بعداً شديداً. والغالب فى استعمال
هذا اللفظ مكرراً، ويكون اللفظ الثانى مؤكدا تأ كيدا لفظيا الأول.
أى : قال الملأ من قوم هذا الذى لغيرهم. على سبيل التحذير من أتباعه:
بعد بعدا كبيرا ما يعد كم به هذا الرجل من أن هناك بعثنا وحسابا وجزاء بعد
الموت ، وأن هناك جنة ونارا يوم القيامة.
قال الآلومى: ((وقوله - سبحانه -: ((هيهات)) اسم بمعنى بعد.
وهو فى الأصل اسم صوت ، وفاعله مستتر فيه يرجع للتصديق أو للصحة
أو الوقوع أو نحو ذلك مما يفهم من السياق. والغالب فى هذه الكلمة
مجيتها مكررة ... وقوله: ((لما توعدون)) بيان مرجع ذلك الضمير، فاللام
متعلقة بمقدر، كما فى قولهم: سقيا له. أى: التصديق أو الوقوع المتصف
بالبعد كان لما توعدون ... ))(١).
(١) تفسير الألوسى حـ ١٨ ص ٠٣١

٢٧
الجزء الثامن عشر
وقوله - سبحانه -: «إن هى إلا حياتنا .... بيان لماديهم فى جحودهم
وجهلهم وغرورم .
أى: أنهم لم يكتفوا باستبعاد حصول البعث والجزاء يوم القيامة بل أضافوا
إلى ذلك الإنكار الشديد لحصولهما فقالوا : الحياة الحقيقية التى لا حياة بعدها
إلا حياتنا الدنيا التى نحياها، ولا وجود لحياة أخرى كما يقول هذا الغبى
فنحن نموت كما مات آباؤنا . نحى كما يولد أبناؤنا . وهكذا الدنيا فيها موت
لبعض الناس، وفيها حياة لغيرهم ((وما نحن بمبعوثين)، بعد الموت على
الإطلاق . .
ثم أضافوا إلى إنكارهم هذا الدار الآخرة، تطاولا على نبيهم، واتها ماله
بما هو بريء منه، فقالوا: ((إن هو إلا رجل افترى على الله كذبا ... )، أى:
ماهذا النبى الذى أمركم بترك عبادة آلهتكم، وأخبركم بأن هناك بعثاو حسابا.
إلا رجل اختلق على الله الكذب فیما يقوله ويدهو إلیه « وما نحن له مؤمنين)
فى يوم من الأيام . فكونوا مثلنا - أيها الناس - فى عدم الإيمان به، وفى
الانصراف عنه .
وهكذا يصور لنا القرآن الكريم بأسلوبه البليغ ، موقف الطغاة من دعوة
الحق، وكيف أنهم لا يكتفون بالانصراف عنها وحدهم ، بل يؤلبون غيرم
بكل وسيلة على الانقياد لهم ، وعلى محاربة من جاء بهذه الدعوة بمختلف السبل،
وشى الطرق .
ثم يحكى لنا القرآن به ذلك موقف النبى الذى أرسله الله - تعالى- لهؤلاء
القوم الظالمين فيقول : (( قال رب انصرنى بما كذبون)).
أى: قال ماقاله أخوه نوح من قبله : رب انصرنى على هؤلاء الجاحدين،
فأنت تعلم - يا إلهى - أنهم كذبوا ما جئتهم به من عندك.
وجاءت الإستجابة من الله - تعالى - لهذا النبى، كما جاءت لأخيه نوح من
قبله، ويحكى القرآن ذلك فيقول: ((قال: عما قليل ليصبحن نادمين)).

٣٨
سورة المؤمنون
أى: قال الله - عز وجل - لنبيه: لقد أجبنا دعاءك أيها التى الكريم،
وبعد وقت قليل من الزمان ، ليصبحن نادمين أشد الندم على أقوالهم الباطلة ،
وأفعالهم القبيحة، ولكن هذا الندم لن ينفعهم لأنه جاء فى غير أو انه.
والجار والمجرور فى قوله ((عما قليل، متعلق بقوله: ليصبحن نادمين.
أی : ليصبحن عن زمن قلیل نادمین . وعن هنا بمعنى بعد ، و « ما » جىء بها
لتأكيد معنى القلة
وأكد - سبحانه - قوله ((ليصبحن) بلام القسم وفون التوكيد، لبيان
أن هذا الوعيدآت لا ريب فيه، وفى وقت قريب .
وجاء الوعيد فعلا. وأخبر - سبحانه - عن ذلك فقال: «فأخذتهم
الصيحة بالحق ... ))
أى: فأهلكتهم إهلا كاتاما (( الصيحة، التى صاحبها بهم جبريل - عليه
السلام - حيث صاح بهم مع الريح العاقية التى أرسلها الله عليهم قدمر وأتدميرا.
وذكر - سبحانه - هنا الصيحة فقط. مع أن قوم هود قد أهلكوا بها
وبالريح الصرصر العانية للإشعار بأن إحدى هاتين العقوبتين أو انفردت
. كافية لإهلاكهم ، فقد قال - سبحانه - فى شأن الريح التى أرسلها عليهم:
«قدمر كل شىء بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم كذلك نجزى القوم
الحرمين ، (٩) .
وقوله ((بالحق، حال من الصيحة، وهو متعلق بمحذوف، والتقدير.
فأخذتهم الصيحة حالة كونها بالعدل الذى لا ظلم معه، وإنماهم الذين ظلموا
أنفسهم بتكذيبهم النبيهم .
(١) سورة الأحقاف الآية ٢٥.

٢٩
الجزء الثامن عشر
وقوله - تعالى - سبحانه -: «جعلناهم غثاء فبعدا للقوم الظالمين، بيان
لمصيرم الأليم .
والغشاء: الرميم الهامد الذى يحمله السيل من ورق الشجر وغيره يقال:
غذا الوادى يمثو إذا كثر غشاؤه .
أى: فصير ناهم ملكى هامدين كغثاء السيل البالى ، الذى اختلط بزبده،
فهلا كا وبعدا لهؤلاء القوم الظالمين، كما هلك وبعد من قبلهم قوم نوح
- عليه السلام - .
ثم تمضى السورة فى إستعراضها - على سبيل الإجمال - القصص بعض
الأنبياء ، قال - تعالى - :
((ثم أنشأْنَاً مِنْ بعدم ◌ُرُونَا آخرِينَ (٤٢) ما تسبِقُ مِنْ أمةٍ أجلها
وما يستأخِرُونَ (٤٣) ثم أرسْنَا رَسُلناَ تَثْرَى، كلّاً جاءتْ أمةً
رسُولُهَا كَذَّبوه، فأتْبَعنا بعضهم بعضاً وجَعَلْنَام أحاديثَ فَبعداً لقَومٍ
لا يؤمنون (٤٤) ثم أرْسَلنا موسَى وأخاهُ هارُونَ بِآيَاتِناً وسلطان
مبينٍ (٤٥) إلى فِرْعونَ ومَلَئِهِ فاسْتكبَرُوا وكانوا قوماً عالينّ (٤٦) فقالوا
أنؤْمِنُ لِبَشَرِيْنِ مِثلثاً، وقَومهاَ لنَاَ عابِدُون (٤٧) فكَذَّبوهُماً فكانُوا
من المُهْلَكِينَ (٤٨) ولقَدْ آتَيْنَ موسَى الكِتابَ لعلَّهِمْ يِهِتَّدُون (٤٩)
وجعلناَ ابْنّ مريمَ وأمَّهُ آيةً، وآقَبْناً هما إلى ربْوَةِذات قَرَارٍ ومَعينٍ(٥٠)
بأيّا الرُّسَلُ كُلُوا من الطَّياتِ واعملُوا صالحاً إِنِى بما تعمَلُونَ
عليمٌ (٥١) وإنَّ هذهٍ أُمّتَكُم أمةً واحِدةً، وأنا ربكُم فاتَّقُونِ (٥٢)».
أى: «ثم أنشأناء من بعد قوم نوح وقوم هود («قرونا آخرين، أى:
أقواما آخرين من الناس، كل قوم كانوا مجتمعين فى زمان واحد ، كقوم
صالح، وقوم لوط ، وقوم شعيب وغيرهم .

٠٠
سورة المؤمنون
وقوله - عز وجل -: (( ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون، بيان
لمظهر من مظاهر قدرة الله - تعالى -، وإحكامه لشئون خلقه.
أى: ما تسبق أمة من الأمم أجلها الذى قدر ناه لها ساعة من الزمان ،
ولا تستأخر عنه ساعة ، بل الكل نهلكه ونميته فى الوقت الذى حددناه
بقدرتنا وحكتنا .
و ((من)، فى قوله, من أمة، مزيدة للتأكيد. قال - تعالى -: ((ولكل أمة
أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)،(١).
ثم بين - سبحانه - على سبيل الإجمال، أن حكمته قد اقتضت أن يرسل
رسلا آخرين، متتابعين فى إرسالهم. كل واحد يأتى فى أعقاب أخيه،
ليخرجوا الناس من الظلمات إلى النور، فقال - تعالى -: (ثم أرسلنا رسلنا
تترئ ....
ولفظ (( تترى)) مصدر كدعوى، وألفه للتأنيث وأصله: وترى فقلبت
الواو تاء، وهو منصوب على الحال من رسلنا .
أى: ثم أرسلنا بعد ذلك وسلا متواترين متتابعين واحدا بعد الآخر،
مع فترة ومهلة من الزمان بينهما.
قال القرطبى: ومعنى, تقرى، تتواتر، ويتبع بعضهم بعضا زغيبا
وترھیا.
قال الأصمعى: واترت كتبى عليه، أتبعت بعضها بعضا إلا أن بين كل
واحد منها وبين الآخر مهلة ... وقرأ ابن كثير وأبو عمرو( تثرى))
بالتنوين على أنه مصدر أدخل فيه التفرين على فتح الراء ، كقولك : حمدا
وشكرا .... (٢).
(١) سورة الأعراف الآية ٣٤
(٢) السير القرطبى : ١٢ ص ٠١٢٥