Indexed OCR Text
Pages 1-20
التفسير الوسيط للقرآن الكريم تفسير سورة المؤمنون دكتور محمد سيد طنطاوي مفتى جمهورية مصرالعربية الجزء الثامن عشر الطبعة الثالثة ٠١٤٠٨ - ١٩٨٧ م حقوق الطبع محفوظة للمؤلف مَطْبَعَة السَّعَادة ميدان أحمد ماهر- شارع الجداوى رقم ١٢ بر.ت ١١٩٩٧٠ تليفون ١٩٠٧٣٧٩ 7 بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ رَبَِّا تَقَبِّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَِّعُ القَلِيمِ﴾ (( صدق الله العظيم. ٠٠ أنْلِ لَّمِ الْحَمُ مقدمة وتمهيد ١ - سورة ((المؤمنون)) من السور المسكية، وعدد آياتها ثمان عشرة آية ومائة، وكان نزولها بعد سورة الأنبياء. ٢ - وقد افتتحت السورة الكريمة بالحديث من الصفات الكريمة التى وصف الله - تعالى - بها عباده المؤمنين، فذكر منها أنهم فى صلاتهم عاشعون وأنهم عن اللغو معرضون. وأنهم الزكاة فاعلون ... ثم ختمت السورة تلك الصفات الجليلة، ببيان ما أعده الخالق -عزوجل- لأصحاب هذه الصفات فقال: (( أولئك هم الوارثون. الذين يرثون الفردوس م فيها خالدون ». ٣ - ثم تنتقل السورة بعد ذلك إلى الحديث عن أطوار خلق الإنسان، فابتدأت ببيان أصل خلقه، وانتهت ببيان أنه سيموت، ثم سيبعث يوم القيامة ليحاسب على ماقدم وما أخر ، قال - تعالى -: (( ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين. ثم جعلناه قطفة فى قرار مكين . ثم خلقنا النطفة علقة، خلقنا العلقة مضغة، خلقنا المضغة حظاما. فكسونا العظام لحما. ثم أنشأناه خلقا آخر. فتبارك الله أحسن الخالقين . ثم إنكم بعد ذلك لميتون. ثم إنكم يوم القيامة تبعثون) . ٤ - وبعد أن أقام - سبحانه - الأدلة على قدرته على البعث عن طريق خلق الإنسان فى تلك الأطوار المتعددة، أتبع ذلك بهيان مظاهر قدرته -٦ - - تعالى - عن طريق خلق الكائنات المختلفة التى يراها الإنسان ويشاهدها وينتفع بها ... فقال - سبحانه -: (ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن : الخلق غافلين ». ((وأنزلنا من السماء ماء بقدر، فأسكناه فى الأرض، وإنا على ذهاب به لقادرون .... ٥ - ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك فيما يقرب من ثلاثين آية بعض قصص الأنبياء مع أقوامهم، فذكر جانبا من قصة نوح مع قومه ، ومن قصة موسى مع فرعون وقومه . ثم ختم هذه القصص ببيان مظاهر قدرته فى خلق عيسى من غير أب ، فقال - تعالى -: ((وجعلنا ابن مريم وأمه آية، وآوينا هما إلى ربوة ذات قرار ومعين ، ٠٠ ٦ - ثم وجه - سبحانه - بعد ذلك نداء عاما إلى الرسل - عليهم الصلاة والسلام - أمرهم فيه بالمواظبة على أكل الحلال الطيب، وعلى المداومة على العمل الصالح ، وبين - سبحانه - أن شريعة الأنبياء جميعا هى شريعة واحدة فى أصولها وعقائدها، فقال - تعالى -: ((وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون)). ٧ - ثم تحدثت السورة الكريمة حديثا طويلا عن موقف المشركين من الدعوة الإسلامية، وبينت مصير م يوم القيامة، وردت على شبهاتهم ودعاوام. الفاسدة ، ودافعت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعن دعوته، وختمت هذا الدفاع بما يسلى النبى - صلى الله عليه وسلم - ويثبت فؤاده. قال - تعالى -: ((وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم - وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون .... - ٧ - ٨ - ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا من الأدلة على وحدانية القه وقدرته، منها مايتعلق بخلق سمعهم وأبصارهم وأفئدتهم ، ومنها مايتعلق بنشأتهم من الأرض، ومنها ما يتعلق بإشهادهم على أنفسهم بأن خالق هذا الكون هو اقه - تعالى -. واستمع إلى قوله - تعالى -: ((قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون. سيقولون له، قال أفلا تذكرون. قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم . سية ولون لله قل أفلا تتقون . قل من بيده ملكوت كل شىء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون. سيقولون لله قل فأتى تسخرون ». ٩ - وبعد هذا الحديث المتنوع عن مظاهر قدرة الله - تعالى -، أمي - سبحانه - نبيه أن يلتجى. إليه من شرورهم ومن شرور الشياطين، وأمره أن يقابل سيئات هؤلاء المشركين بالتى هى أحسن، حتى يقضى الله أمراً . * كان مفعولا . قال - تعالى -: ((وقل رب إما ترينى مايوعدون . رب فلا تجعلنى فى القوم الظالمين . وإنا على أن نزيك مانعدم القادرون. أدفع بالتى هى أحسن السيئة، نحن أعلم بما يصفون . وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين .. وأعوذ بك رب أن يحضرون » . ١٠ - ثم صورت السورة الكريمة فى أواخرها أحوال المشركين عندما. يدركهم الموت، وكيف أنهم يتمنون العودة إلى الدنيا ولكن هذا التمنى لا يفيدهم شيئا، وكيف يوبخهم - سبحانه - على سخريتهم من المؤمنين فى الدنيا. قال - تعالى -: ((إنه كان فريق من عبادى يقولون. ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين . فاتخذتموم سخريا حتى أنسوكم ذكرى وكنتم منهم تضحكون. إنى جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون)). ١١ - ثم ختمت السورة الكريمة بهذه الآية التى يأمر أنه - تعالى - فيها - ٨ - نبيه - صلى الله عليه وسلم - بالمواظبة على طلب المزيد من رحمته ومغفرته - سبحانه - فقال - تعالى -: ((وقل رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين». ١٢ - وهكذا نرى سورة ((المؤمنون، قد طوفت بنا فى آفاق من شأنها أن تفرس الإيمان فى القلوب، وأن تهدى النفوس إلى ما يسعدها فى دينها ودنياها . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ صباح الأحد: ٢ من ربيع الأول سنة ١٤٠٥ هـ ١٩٨٤/١١/٢٠ م ١ كتبه الراجى عفو ربه محمد سيد طنطاوى مفتى الديار المصرية ,التفسير قال الله تعالى: ((قَدْ أفَلَحَ المؤمِنُونَ (١) الذِينَ مُ فِى صِلَّهِمْ غَشِعُونَ (٢) والذينَ هُمُ عن الّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) والذينَّ مُ الزَّكاة فاعِلُونَ (٤) والذينَّ مْ لِفُرُوجِهِم حافِظُون (٥) إلا على أزْوَاجِهِمْ أو مَ مَلَكَتْ أَيْنَانُهُم فإنَّهِم غيرُ مُلُومِينَ (٦) فَتَنِ ابْغَى وراء ذَلِكَ فأولئِكَ ◌ُ المادُونَ (٧) والذينَ مُمْ لأمانَتِهِمْ وَعَهْدِمِ راعُونَ (٨) والذينَ ثُمْ عَلَى صَلَوَانِمِ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ مُ الوَارِثُونَ (١٠) الذِينَ يَرِثُونَ الفِرْدَوْسَ ◌ُمْ فيها خالِدُونَ (١١))). أخرج الإمام أحمد والترمذى والنسائى عن عمر بن الخطاب - رضى الله عنه - قال : كان إذا نزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحى، نسمع عند وجهه كدوي النحل ، فأنزل عليه يوما، فكتنا ساعة فسرى عنه، فاستقبل القبلة، فرفع يديه فقال: «الهم زدنا ولا تنقصنا، وأكرمنا ولاتهنا، وأعطنا ولا تحرمنا، وآثرنا ولا تؤثر علينا، وارض عنا وارضنا)). ثم قال: لقد أنزلت على عشر آيات، من أقامهن دخل الجنة، ثم قرأ: ((قد أفلح المؤمنون) إلى قوله: (هم فيها خالدون)) (١). وأخرج النسائى عن يزيد بن باينوس قال : قلنا لعائشة: يا أم المؤمنين، كيف كمان خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقالت: كان خلقه القرآن (١) تفسير الآلوسى = ١٨ ص ٢. ١٠ سورة المؤمنون ثم قرأت: ،قد أفلح المؤمنون)، حتى انتهت إلى قوله - تعالى -: والذينهم على صلواتهم يحافظون، وقالت: هكذا كان خلق رسول الله - صلى الله عليه وسلم، ١١). والفلاح: الظفر بالمراد ، وإدراك المأمول من الخير والبرمع البقاء فيه . والخشوع: السكور والطمأنينة، ومعناه شرعا: خشية فى القلب من الله - تعالى - تظهر آثارها على الجوارح فتجعلها ساكنة مستشعرة أنها واقفة بين يدی الله - -- انه- والمعنى: قد فاز وظفر بالمطلوب ، أولئك المؤمنون الصادقون، الذين من صفاتهم أنهم فى صلاتهم خاشعون، بحيث لا يشغلهم شى. وهم فى الصلاة - عن مناجاة ربهم، وعن أدائها بأسمى درجات التذلل والطاعة. ومن مظاهر الخشوع: أن ينظر المصلى وهو قائم إلى موضع سجوده،. وأن يتحلى بالسكون والطمأنينة، وأن يترك كل ما يخل بخشوعها كالعبث بالثياب أو بشىء من جسده، فقد أبصر النبى - صلى الله عليه وسلم - رجلا يعبث بلحيته فى الصلاة فقال «لو خشع قلب هذا لخشعت جوارحه،. بقال القرعلى: «اختلف الناس فى الخشوع. هل هو من فرائض الصلاة أو مكملاتها على قولين، والصحيح الأول ومحله القلب ، وهو أول عمل يرفع من الناس ... (٢). وقوله - سبحانه -: ((والذين هم عن اللغو معرضون)) بيان لصفة ثانية من صفات هؤلاء المؤمنين . واللغو : مالا فائدة فيه من الأقوال والأعمال. فيدخل فيه اللهو والهزل. وكل ما يخل بالمروءة وبآداب الإسلام . (١) تفسير ابن كثير جـ ص ٤٥٤. (٢) تفسير القرطبى :١٢ ص ٣ ٠٢ ١١ ب الجزء الثامن عشر أى: أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم بنزهون أنفسهم عز الباطل والساقط من القول أو الفعل، ويعرضون عن ذلك فى كل أوقائم. لأنم لحسن صلتهم باقه - تعالى - اشتغلوا بعظائم الأمور وجليلها: لا بحقير ما وسفافها وهم كما وصفهم الله سبحانه - فى آية أخرى:, وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه .... وإذا مروا باللغو مروا كراما). أما الصفة الثالثة من صفاتهم فقد بينها - سبحانه - بقوله: (( والذين هم المزكاة فاعلون». ويرى أكثر العلماء: أن المراد بالزكاة هنا: زكاة لأموال.قالوا: لأن . أصل الزكاة فرض بمكة قبل الهجرة ، وما فرضر بعد ذلك فى السنة الثانية من الهجرة هو مقاديرها، ومصارفها، وتفاصيل أحكامها. أى: أن من صفات هؤلاء المؤمنين أنهم يخرجون زكاة أموالهم عن طيب نفس . ويرى بعض العلماء: أن المراد بالزكاة هنا : زكاة النفس. أى : تطهيرها من الآثام والمعاصى. فهى كقوله - تعالى - ((قد أفلح من ز كاها . وقد خاب من دساها ، . . أى: أن من صفات هؤلاء المؤمنين، أنهم يفعلون ما يطهر نفوسهم ویز کیها . قال ابن كثير رحمه الله: ((ويحتمل أن يكون كلا الأمرينمرادا، وهوزكاة النفوس وز كاة الأموال ، فإنه من جملة زكاة النفوس، ولاؤمن الكال هو . الذى يتعاطى هذا وهذا))(١). ثم بين - سبحانه - الصفة الرابعة من صفاتهم فقال: «والذين ثم لفروجهم حافظون. إلا على أزواجهم أو ماملكت أيمانهم، فإنهم غير ملومين .. )). (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٥٧ ١٢ سورة المؤمنون أى: أن من صفات هؤلاء المؤمنين - أيضا- أنهم أعضاء مسكون لشهواتهم لا يستعملونها إلا مع زوجاتهم التى أحلها الله - تعالى - لهم، أو مع ما ملكت أيمانهم من الإيماء والسرارى، وذلك لأن من شأن الأمة المؤمنة إيمانا حقا، أن تصان فيها الأعراض، وأن يحافظ فيها على الأنساب، وأن توضع فيها الشهوات فى مواضعها التى شرعها الله - تعالى -: وأن يغضر فيها الرجال أبصارهم والنساء أبصار هن عن كل ما هو قبيح .... ٠ وما وجدت أمة انتشرت فيها الفاحشة، كالزنا واللواط وما يشبههما، إلا وكان أمرها فرطا، وعاقبتها خمرا، إذ فاحشة الزنا تؤدى إلى ضياع الأنساب. وانتشار الأمراض، وفساد النفوس من كل قيمة خلقية مقبولة. وفاحشة اللواط وما يشبهها تؤدى إلى شيوع الفاحشة فى الأمة ، وإلى . تحول من تأتى تلك الفاحشة من أفرادها إلى مخلوقات منكوسة، تؤثر الرذيلة على الفضيلة . وجملة: فإنهم غير ملومين ، تعليل للاستثناء. أى: م حافظون لفروجهم، فلا يستعملون شهواتهم إلا مع أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم، فإنهم غير مؤاخذين على ذلك، لأن معاشرة الأزواج وما ملكت الأيمان ، ما أحله الله تعالى. وقوله (، فمن ابتغى وراء ذلك، أى: فمن طلب خلاف ذلك الذى أُحله الله - تعالى -, فأولئك هم العادون، أى: المعتدون المتجاوزون حدوده - سبحانه -، الوالغون فى الحرام الذى نهى الله - تعالى - عنه. يقال: عدی فلان الشىء یعدوه عدوا، إذا جاوزه و تر که. أما الصفة الخامسة من صفات هؤلاء المفلحين، فقد عبر عنها - سبحانه- بقوله: ((والذین م لأماناتهم وعهدم راعون). والأمانات: جمع أمانة، وتشمل كل ما استودعك الله تعالى إياه، وأمرك بحفظه . ١٣ الجزء الثامن عشر فتشمل جميع التكاليف التى كلفنا لله - بأدائها، كما تشمل الأموال المودعة، والأيمان والنذور والعقود وما يشبه ذلك . والعهود: جميع عهد. ويتناول كل ما طلب منك الوفاء به من حقوق الله - تعالى - وحقوق الناس . قال القرطبى: (والأمانة والعهد، يجمع كل ما يحمله الإنسان من أمردينه ودنياه، قولا وفعلا ، وهذا يعم معاشرة الناس والمواعيد وغير ذلك. وغاية ذلك حفظه والقيام به. والأمانة أعم من العهد وكل عهد فهو أمانة فيما تقدم فیه قول أو فعل أو معتقد»(!). وراعون: من الرعى بمعنى الحفظ . يقال: رعى الأمير رعيته رعاية : إذا حفظها واهتم بشئونها . أى: أن من صفات هؤلاء المفلحين. أنهم يقومون بحفظ ما أتمنوا عليه من أمانات ، ويوفون بعمودهم مع الله - تعالى-ومع الناس، ويؤدون ما كلفوا بأدائه بدون تقصير أو تقاعس . وذلك لأنه لا تستقيم حياة أمة من الأمم. إلا إذا أديت فيها الأمانات، وحفظت فيها العهود، واطمأن فيها كل صاحب حق إلى وصول هذا الحق إليه . أما الصفة السادسة والأخيرة من صفات هؤلاء المؤمنين الصادقين، فهى قوله - تعالى - ((والذين هم على صلواتهم يحافظون)). أى: أن من صفاتهم أنهم يحافظون على الصلوات التى أمرهم اته بأدائها محافظة تامة، بأن يؤدوها فى أوقاتها كاملة الأركان والسنن والآداب والخشوع ولقد بدأ - سبحانه -صفات المؤمنين المفلحين بالخشوع فى الصلاة وختمها بالمحافظة عليها الدلالة على عظم مكانتها، وسمو منزلتها . (١) تفسير القرطبى : ١٢ ص ٠١٠٧ ١٤ سورة المؤمنون وبعد أن بين - سبحانه - تلك الصفات الكريمة التى تح لى بها أولئك المؤمنون المفلحون، وهى صفات تمثل الكمال الإنسانی فی أنقى صوره . بعد ذلك بين - سبحانه - ما أعد لهم من حسن الثواب فقال : ((أولئك ـم الوارثون . الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ،. والفردوس أعلى الجنات وأفضلها. وهو لفظ عربى يجمع على فراديس. وقبل: هو لفظ معرب معناه: الذى يجمع ما فى البساتين من ثمرات. وفى صحيح مسلم عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : . إذا سألتم الله فسلوه الفردوس ، فإنه أوسط الجنة، ومنه تفجر أنهار الجنة،. أى: أولئك الموصفون بتلك الصفات الجليلة، هم الجديرون بالفلاح فإنهم يرثون أعلا الجنات وأفضلها، وهم فيها خالدون خلوداً أبدياً لا يمسهم فيها نصب، ولا يمسهم فيها لغوب. ١ وعبر - سبحانه - عن حلولهم فى الجنة بقوله « يرثون، الإشعار بأن هذا النعيم الذى نزلوا به، قد أستحقوه بسبب أعمالهم الصالحة، كما يملك الوارث ما ورثه عن غيره ، ومن المعروف أن ما يملكه الإنسان عن طريق الميراث يعتبر أقوى أسباب المالك. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((وتلك الجنة التى أور ثتموها بما كنتم تعملون ) . وقوله - سبحانه - :(ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون» وحذف مفعول إسم الفاعل الذى هو «الوارثون، لدلالة قوله: (الذين يرثون الفردوس ، عليه . وبذلك نرى الآيات الكريمة فـ مدحت المؤمنين الصادقين مدما عظيما ١٥ الجزء الثامن عشر ووعدتهم بالفوز بأعلى الجنات وأفضلها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . وبعد الحديث عن صفات المؤمنين المفلحين، إنتقات السورة إلى الحديث عن أطوار خلق الإنسان ، وأطوار نموه ، ونها بة حياته، وبعثه للحساب يوم القيامة ، فقال - تعالى -: ((وَلَقَدْ خَلَقْنَ الإنسانَ من سُلَاَلَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعلناهُ نُطِفَةً فى قَرَارٍ مِكِينِ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النَّطفةَ عَلَقَةَ، فَخَلَقْنَاَ العَلَقَةَ مِضْغَةً، فَلَقْنَاَ لِضْغَةَ عِظاماً، فَكَسَوْنَا العِظامَ لَحْماً، ثُمَّ أَنْشَانَهُ خَلْقَاً آخر،. فتبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الخَالِقِينَ (١٤) ثمْ إنكُم ◌َعْدَ ذلكَ لَمُونَ (١٥) ثُمَّ إِنكُمْ يومَ القيامةِ تُعْتُونَ (١٦))). والمراد بالإنسان هنا: آدم - عليه السلام -. والسلالة: إسم لما سل من الشىء وإستخرج منه. تقول: سللت الشعرة من العجين ، إذا استخرجتها منه. ويقال: الولد سلالة أبيه. أى كأنه إنسل من ظهر أبيه . والمعنى: ولقد خلقنا أباكم آدم من جزء مستخرج من الطين . والتعبير بسلالة يشعر بالقلة، إذا لفظ الفعالة يدل على ذلك ، كقلامة الظفر ، ونحاتة الحجر ، وهى مايتساقط منه عند النحت. و((من)) فى الموضعين: إبتدائية إلا أن الأولى متعلقة «بخلقنا)، والثانية متعلقة بسلالة بمعنى مسلولة من الطين . والضمير المنصوب فى قوله (( ثم جعلناه نطفة فى قرار مكين)) يعود على النوع الإنسانى المتناسل من آدم - عليه السلام -. وأصل النطفة: الماء الصافى . أو القليل من الماء الذى يبقى فى الدلو ١٦ سورة المؤمنون أو القرية، وجمعها نطف ونطاق. يقال: نطقت القربة، إذا تقاطر ماؤها بقلة . والمراد بها هنا : المنى الذى يخرج من الرجل ، ويصب فى رحم المرأة . والمعنى : لقد خلقنا آباكم آدم بقدرتنا - أيضا - من منى يخرج من الرجل فيصب فى قرار مكين، أى: فى مستقر ثابت ثبوتا مكينا، وهو رحم المرأة. قال القرطى: ((قوله - تعالى -: (ولقد خلقنا الإنسان»: الإنسان هو آدم - عليه السلام - لأنه إستل من الطين. وبجىء الضمير فى قوله , ثم جعلناه، عائدا على ابن آدم، وإن كان لم يذكر لشهرة الأمر، فإن المعنى لا يصلح إلا له .... (). وشبيه بهاتين الآيتين قوله - تعالى -: «ذلك عالم الغيب والشهادة العزيز الرحيم . الذى أحسن كل شىء خلفه وبدأ خلق الإنسان من طين . ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ... » (٢) . وقوله - سبحانه -: «ألم نخلفكم من ماء مهين. جعلناه فى قرار مكين. إلى قدر معلوم. فقدرنا فنعم القادرون. ويل يومئذ للمكذبين)) (٢). ثم بين - سبحانه - أطوارا أخرى خلق الإنسان تدل على كمال قدرته - تعالى - فقال: «ثم خلقنا النطفة علقة، أى: ثم صيرنا النطفة البيضاء، علقة حمراء إذ العلقة عبارة عن الدم الجامد . ((خلقنا العلقة مضغة، أى: جعلنا بقدرتنا هذه العلقة قطعة من اللحم، معبه فى صغرها قطعة اللحم التى يمضغها الإنسان فى فه. , خلقنا المضغة عظاماً، أى: حولنا هذه المضغة من اللحم التى لم تظهر معالمها بعد، إلى عظم صغير دقيق، على حسب ما إقتضته حكمتنا فى خلقنا . (١) تفسير القرطى ج ١٣ ص٠ ٠١٠٩ (٢) سورة السجدة الآيات ٦ - ٠٨ (٣) سورة المرسلات الآيات من ٢٠ - ٢٤. ١٧ الجزء الثامن عشر ((فكسونا العظام لحما، أى: فكسونا هذه المضغة التى تحولت بقدرتنا إلى عظام دقيقة باللحم ، بحيث صار هذا اللحم ساترا للعظام ومحيط! بها . قال بعض العلماء: ((وهنا يقف الإنسان مدهوشا، أمام ما كشف عنه القرآن من حقيقة فى تكوين الجنين ، لم تعرف على وجه الدقة إلا أخيرا، بعد تقدم علم الأجنة التشريحى . ذلك أن خلايا العظام غير خلايا اللحم . وقد ثبت أن خلايا العظام هى التى تكون أولا من الجنين ولا تشاهد خلية واحدة من خلايا اللحم إلا بعد ظهور خلايا الهيكل العظمى للجنين . وهى التى يسجلها النص القرآ نى فى قوله - تعالى -: «فخلقنا المضغة عظاما، فكونا العظام لحما، فسبحانه العليم الخبير )،(١) وقوله - تعالى -: ( ثم أنشأناه خلقا آخر، بيان لما انتهت إليه أطوار خلق الإنسان . أى: ثم صيرنا هذا الإنسان بشرا سويا، بعد أن كان نطفة، فعلقة ، فضغة ، فعظاما، فلحما يكسو هذه العظام، وهذا كله يدل على كمال قدرة الله - تعالى -، وعلى أنه حق، إذ قدرته - سبحانه - لا يعجزها شىء. قال صاحب الكشاف: ((قوله - تعالى -: «ثم أنشأناه خلقا آخر، أى: خلقا مباينا للخلق الأول مباينة ما أبعدها ، حيث جعله حيوانا بعد أن كان جمادا، وناطقا وكان أبكم، وسميعا وكان أصم. وبصيرا وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره - بل كل عضو من أعضائه بل كل جزء من أجزائه - عجائب فطرته، وغرائب حكمته ، لا تدرك بوصف الواصف ، ولا تبلغ بشرح الشارح ... )، (٢) . (١) تفسير ((فى ظلال القرآن ) = ١٨ ص ١٧ (٢) تفسير الكشاف = ٣ ص ١٧٨ (٢ - سورة المؤمنون ) ١٨ سورة المؤمنون (( فتبارك الله أحسن الخالقين، أى: فكثر خير مسبحانهودام إحسائه وتقدس شأنه، فهو - عز وجل - أحسن الخالقين على الإطلاق، فقد أتقن كل شىء خلقه، وأحكم كل شىء صنعه . ولفظ«تبارك)) فعل ماض لا ينصرف، والأكثر إسناده إلى غير مؤنث . وهو مأخوذ من البركة بمعنى الكثرة من كل خير، أو بمعنى الثبات ولدوام وكل شىء دام وثبت فقد برك . ثم بين - سبحانه - حالهم بعد أن يكونوا خلقا آخر فقال: «ثم إنكم بعد ذلك لميتون . ثم إنكم يوم القيامة تبعثون)). أى: ثم إذكم بعد ذلك الذى ذكره - سبحانه - لكم من أطوار خلفكم تصيرون أطفالا ، فصبيانا فغلمانا ، فشبانا، فكهولا، فشيوخا .. ثم مصيركم بعد ذلك كله، أو خلال ذلك كله ، إلى الموت المحقوم الذى لا مفر لكم منه ، ولا مهرب لكم عنه. ثم إذكم يوم القيامة تبعثون من قبوركم للحساب والجزاء . وهكذا نجد هذه الآيات الكريمة تذكر الإنسان بأطوار نشأته. وبعلقات حياته . وبنهاية عمره. وبحتمية بعثه وفى هذا لتذكير مافيه من الاعتبار للمعتبرين ، ومن الاتعاظ للمتعظين ومن البراهين الساطعة على وحدانية الله - تعالى -. وبعد أن ساق - سبحانه - ما يدل على قدرته عن طريق خلق الإنسان فى تلك الأطوار المتعددة، أتبع ذلك بيان مظاهر قدرته عن طريق تلك . الكائنات المختلفة ، فقال - تعالى -: ((ولقَدْ خَلَقْنَ فَوْقَكُم سَبْعَ طرائِقَ، ومَا كُنَّا عن الخُلقِ غافِينَ (١٧) وأَنْزَلْناً من السَّماء ماءٍ بِقَدَرِ فَأَسْكَنَاهُ فى الأرضِ، وإنّا ١٩ الجزء الثامن عشر على ذهَبٍ بِهِ لقادِرُونَ (١٨) فَأَنْتَأْنَاَ لُكُم بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نخيلٍ وأعنَبٍ لَكُم فيها فواكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْاَ أكُلُونَ (١٩) وشجَرةً تخرجُ من طُورٍ سَيْنَ تَنْبتُ بِالدُّهْنِ وصِبْغِ للإِكِينَ (٢٠) وإنَّ لكُم فى الأنمامِ لَيِبْرَةً، نُسْقِيكُ مَا فِى بُطَويهاَ ، ولَكُمُ فيهاَ منافعُ ومِنْهاَ تَأْكُونَ (٢١) وعَلَيْهاَ وَى الْقُلْكِ تُحمِلُونَ (٢٢))). والطرائق : جمع طريقة. والمراد بها السموات السبع، وسميت طرائق لأن كل سماء فوق الأخرى. والعرب نسمى كل شىء فوق شىء طريقة بمعنى مطروقه . وهو مأخوذ من قولهم : فلان طرق النعل، إذا ركب بعضها فوق بعض. فالآية الكريمة فى معنى قوله - تعالى -: «الذى خلق سبع سموات طباقا .... . وقيل : سميت طرائق، لأنها طرق الملائكة فى الزول والعروج. أى: ولقد خلقنا فوقكم ـ أيها الناس - سبع سماوات بعضهن فوق بعض ((وما كنا، فى وقت من الأوقات (( عن الخلق غالين، بل نحن معهم بقدرتنا ورعایتنا و حفظنا ، ندبر لهم أمور معاشهم ، و نیسر هم شئون حياتهم، دون أن نغفل عن شىء - مهما صغر - ن أحوالهم، لأننا لا تأخذنا سنة ولا نوم، ولا يعترينا ما يعترى البشر من سهو أو غفلة . ثم بين - سبحانه - بعض النعم التى تأتينا من جهة هذه الطرائق فقال: (( وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه فى الأرض ... )). أى: وأنزلنا لكم - أيها الناس - بقدرتنا ورحمتنا، ما. بقدر. أى أنزلناه بمقدار معين ، بحيث لا يكون طوفانا فيغرتكم ، ولا يكون قليلا سورة المؤمنون فيحصل لكم الجدب والجوع والعطش. وإنما أنزلناه بتقدير مناسب لجلب المنافع، ودفع المضار، كما قال - سبحانه - فى آية أخرى: ((وماننزله إلا بقدر معلوم » . وقوله: ((فأسكناه فى الأرض، أى: هذا الماء النازل من السماء بتقدير. معين منا تقتضيه حكمتنا، جعلناه ماكنا مستقرا فى الأرض، لتنعموابه عن طريق استخراجه من الآبار والعيون وغيرها. وفى هذه الجملة السكريمة إشارة إلى أن المياه الجوفية الموجودة فى باطن الأرض ، مستمدة من المياه النازلة من السحاب عن طريق المطر. وهذا ماقررته النظريات العلمية الحديثة بعد مئات السنين من نزول القرآن الكريم . وبعد أن بقى العلماء دهورا طويلة، يظنون أن المياه التى فى جوف الأرض، لا علاقة لها بالمياه النازلة على الأرض عن طريق المطر. وقوله - سبحانه -: (( وإنا على ذهاب به لقادرون ، بيان لمظهر من مظاهر قدر ته ور أفته ورحمته - تعالى - بعباده . أى: وإنا على إذهاب هذا الماء الذى أسكناه فى باطن الأرض لقادرون، بأن نجعله يتسرب إلى أسفل طبقات الأرض فلا تستطيعون الوصول إليه، أو بأن نزيله من الأرض إزالة قامة، لأن القادر على إنزاله قادر على إزالته وإذهابه، ولكنا لم نفعل ذلك رحمة بكم، وشفقة عليكم، فاشكر ونا على نعمنا وضعوها فى مواضعها الصحيحة . قال صاحب الكشاف: ((قوله: ((على ذهاب به، من أوقع النكرات وأحزما للمفصل. والمعنى: على وجه من وجوه الذهاب به ، وطريق من طرقه، وفيه إيذان باقتدار المذهب، وأنه لا يتعابى عليه شىء إذا أراده، وهو أبلغ فى الإبعاد، من قوله: ((قل أرأيتم إن أصبح ماؤكم غورا لمن يأتيكم بماء معين)).