Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
الجزء السابع عشر
((وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم)). وقال - سبحانه -:
, وكذلك جعلنا لكل فى عدوا شياطين الإنس والجن يوحى بعضهم إلى
بعض زخرف القول غرورا .. ،
وهذا كقولهم عند سماع قراءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - (دحرمت
عليكم الميتة والدم ... )): إن محمدا بحل ذبيحة نفسه ويحرم ما ذبه الله.
وكقولهم عند سماع قراءته لفوله - تعالى - ,إنكم وما تعبدون من دون الله
حصب جهنم .. )) إن عيسى قد عبد من دون الله، وكذلك الملائكة قدعبدوا
من دون الله ... ،(9) .
والآية الكريمة على هذا التفسير - أيضاً - واضحة المعنى، إذ المراد
بما يلقيه الشيطان فى قرأة الرسول أو الغى، تلك الشبه والأباطيل التى
يلقيها فى عقول الضالين ، فيجعلهم يؤلونها تأويلا سقيما ويفهمونها فهما
خاطئاً.
وقوله - تعالى - : ((فينسح الله ما يلقى الشيطان تم يحكم الله آياته
والله عليم حكيم)، بيان لسنته - سبحانه - التى لا تتخلف فى إحقاق الحق .
وإبطال الباطل .
وقوله (( فيفسخ)) من الفسح بمعنى الإزالة. يقال: نسخت الشمس الظل
إذا أز الته .
أى: فيزبل - سبحانه - بمقتضى قدرته وحكمته ما ألقاه الشيطان فى
القلوب التى شاء الله - تعالى- لها الإيمان والثبات على الحق. ثم بحكم - سبحانه-
آياته بأن يجعلها متقنة، لا تقبل الرد، ولا تحتمل الشك فى كونها من عنده
- عز وجل - واقه عليم بجميع شئون خلقه، حكيم فى كل أقواله وأفعاله
و تصرفاته.
(١) تفسير الآلوسي :١٧ ص ٠١٧٣

٤٢٢
سورة الحج
-
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك أن الحكمة فى إلقاء الشيطان لشبهبه وضلالته
هى إمتحان الناس فقال: «ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة الذين فى قلوبهم مرض.
والقاسية قلوبهم .
أى: فعل ما فعل - سبحانه - ليجعل ما يلقيه الشيطان من تلك الشبه فى
القلوب ، فتنة وإختبارا وإمتحانا، للذين فى قلوبهم مرض ، أى : شك
وإرتياب وهم المنافقون، وللذين قست قلوبهم ، وهم الكافرون والمجاهرون.
بالجحود بالعناد .
فقوله - تعالى: (( ليجمل٠٠، متعلق ((بألقى، أى: ألقى الشيطان فى أمنيه
الرسل والأنبياء ليجعل الله - تعالى- ذلك الإلقاء فتنة الذين فى قلوبهم مرض.
ومعنى كونه فتنة لهم : أنه سبب لتماديهم فى الضلال، وفى إصرارهم على
الفسوق والعصيان .
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة الفريقين فقال: ((وإن الظالمين، وهم من
فى قلوبهم مرض، ومن قست قلوبهم ((لفى شقاق بعيد، أى لفى خلاف للحق
شديد . بسبب نفاقهم وكفرهم .
ثم بين - سبحانه - حكمة أخرى لما فعله الشيطان من إلقاء الشبه والوساوس
فى القلوب فقال :
((وليعلم الذين أوتوا العلم أنه الحق من ربك فيؤمنوا به فتخبت له
قلوبهم ».
والضمير فى « أنه، يعود إلى ماجاء به الرسل والأنبياء من عند ربهم .
أى: وفعل مافعل - سبحانه - أيضا، ليعلم العلماء من عباده، الذين حيب-
سبحانه - إليهم الإيمان، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، أن ما جاء به
الرسل والأنبياء هو الحق الثابت من ربك، فيزدادوا إيمانا به «فتخبت لهم
قلوبهم، أى: فتخضع وتسكن وتطئن إليه نفوسهم.

٤٢٣
الجزء السابع عشر
و((وإن الله)) - تعالى - ((لهادى الذين آمنوا، به وصدقوا أنبياءه ورسله
((إلى صراط مستقيم)) يوصلهم إلى السعادة فى الدنيا والآخرة.
هذا، وقد أبطل العلماء - قديما وحديثا - قصة الغرانيق، ومن العلماء
القدماء الذين تصدوا لهذا الابطال الإمام الفخر الرازى، فقد قال ما ملخصه :
«قصة الغرانيق باطلة عند أهل التحقيق، واستدلوا على بطلانها بالقرآن
والسنة والمعقول .
أما القرآن فمن وجوه منها قوله - تعالى -: ((ولو تقول علينا بعض
الأقاويل . لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين)، وقوله - سبحانه -:
((وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى)): وقوله - عز وجل-
(( قل ما يكون لى أن أبدله من تلقاء نفسى، إن أتبع إلا ما يوحى إلى .. ))
وأما السنة، فقد قال الإمام البيهقى: هذه القصة غير ثابتة من جهة النقل.
وأيضا فقد روى البخارى فى صحيحه أن النى - صلى الله عليه وسلم - قر!
سورة (( النجم)) وسجد فيها المسلمون والمشركون والإنس والجن، وليس
فيه حديث الغرانيق. وروى هذا الحديث من طرق كثيرة وليس فيها ألبتة
حديث الغرانيق .
وأما المعقول فمن وجوه منها: أن من جوز على الرسول - صلى الله
عليه وسلم - تعظيم الأوثان فقد كفر، لأن من المعلوم بالضروة أن أعظم
سعيه - صلى الله عليه وسلم - كان فى نفى الأوثان .
A
ومنها : أننا لو جوزنا ذلك لارتفع الأمان عن شرعه .. فإنه لافرق
فى العقل بين النقصان من الوحى وبين الزبادة فيه .
فيهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال أن هذه القصة موضوعة. أكثر
ما فى الباب أن جمعا من المفسرين ذكرها . لكنهم ما بلغوا حد التواتر . وخبر
الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة،(١).
(١) راجع تفسير الفخر الرازى ج ٦ ص ١٦٧

٤٢٤
سورة الحج
وقال بعض العلماء ما ملخصه: «أعلم أن مسألة الغراقيق مع إستحالتها شرعا
ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج به، وصرح
بعدم ثبوتها خلق كثير من عداء الحديث كما هو الصواب .
والحاصل: أن القرآن دل على بطلاقها، ولم تثبت من جهة النقل، مع
استحالة الإلقاء على لسانه - صلى الله عليه وسلم - شرعا ولو على سبيل السهو.
والذى يظهر لنا أنه الصواب : هو أن ما يلقيه الشيطان فى قراءة النى:
الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها - حر
أو شعر أو أساطير الأولين ...
والدليل على هذا المعنى: أن الله - تعالى - بين أن الحكمة فى الإلقاء
المذكور إمتحان الخلق، لأنه قال: (( ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى
قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ... ، ثم قال: «وليعلم الذين أوتوا العلم أنه
الحق من ربك ... ، فهذا يدل على أن الشيطان يلقى عليهم، أن الذى يقرؤه
التى ليس بحق، فيصدقه الأشقياء ، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم،
ويعدون أنه الحق لا الكذب، كما يزعم لهم الشيطان فى إلغاء» ... ،(١)
ثم بين - سبحانه - أن الكافرين سيستمرون على شكهم فى القرآن حتى
تأتيهم الساعة، وأنه - تعالى - سيحكم بين الناس يوم القيامة، فيجازى الذين
أساءوا بما عملوا. ويجازى الذين أحسنوا بالحسنى . فقال - عز وجل - :
(( ولا يزالُ الذينَ كفرُوا فِى مِرْبةٍ مِنْهُ حتى تأتيَهُم الساعةُ بغْتَةً
أوْ يأتيهُم عذابُ يومٍ عَقِيمٍ (٥٥) الملكُ يومئذٍ شَرِ يحكُم بينَهم،
فالدِينَ آمَنُوا وعمَلُوا الصَّالحاتِ فِى جَنَّاتِ النَّعيم (٥٦) والذينّ كَفَرُوا
(١) تفسير أضواء البيان = ٥ ص ٧٣١ لفضيلة الشيخ محمد الأمين الشنقيطى
وراجع تفسير الآلوسى = ١٧ من ١٧٥

٤٢٥
الجزء السابع عشر
وكذَّبوا بآياتِاَ فأولئِكَ لهم عذابٌ مُهِينٌ (٥٧) والذينَ هَاجّروا
فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أو مَآَتُوا لَيرزُفَنَّهِم اللهُ رِزْقَا حَسَناً وإنَّ الْهَ
لُوَ خِيرِ الرَّازِقِينَ (٥٨) لَيُدْخِلَنَّهُمْ مَدْخِلاَ يَرْضَونَهُ، وإنَّاللهَ
العَظيمٌ حَلِيم (٥٩))).
قال الجمل: ((لما ذكر - سبحانه - حال الكافرين أولا، ثم حال المؤمنين
ثانيا، عاد إلى شرح حال الكافرين، فهو رجوع لقوله: ((وإن الظالمين
افى شقاق بعيد، والمربة بالكسر والضم، لفتان مشهورتان، (١).
والضمير فى قوله: (( منه، يعود إلى القرآن الكريم، أو إلى ماجاء به
الرسول من عند ربه ، وقيل إلى ما ألقاء الشيطان .
وقد رجح ابن جرير كونه للقرآن فقال: ((وأولى الأقوال فى ذلك
بالصواب قول من قال: هى كناية عن ذكر القرآن الذى أحكم اله آبانه
وذلك أن ذلك من ذكر قوله: ((وليعلم الذين أوتوا العلم ... ، أقرب منه
من ذكر قوله(( فينسخ الله ما يلقى الشيطان ... ) (٢).
والمعنى: ولايزال الذين كفروا فى شك وريب مما أوحاه الله إليك من
قرآن، بسبب قسوة قلوبهم، واستيلاء الجحود والعناد على نفوسهم.
وسيستمرون على هذه الحال ، حتى تأنيهم الساعة، أى: القيامة «بغتة))
أى: نجاة (( أو يأتيهم عذاب يوم عقيم)) أى: لا مثل له فى هوله وشدة عذابه،
ولا يوم بعده، إذكل يوم يلد ما بعده من الأيام، إلا هذا اليوم وهو القيامة
فإنه لا يوم بعده .
قال ابن كثير: ((وقوله: (( أو يأتيهم عذاب يوم عقيم، قال مجاهد: قال
أبی ین کعب : هو يوم بدر .
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ٠١٧٦
(٢) تفسير ابن جرير جـ ١٧ ص ٠١٣٥

٤٢٦
سورة الحج
وكذا قال عكرمة وسعيدبن جبير وقتادة وغير واحد واختاره ابن جرير.
1
وفى رواية عن عكرمة ومجاهد هو يوم القيامة لا ليلة له، وكذا قال
الضحاك والحسن .
وهذا القول هو الصحيح، وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به ،
لكن هذا هو المراد. ولهذا قال: (( الملك يومئذ لله يحكم بينهم، كقوله
(((مالك يوم الدين))(١) .
ثم بين - سبحانه - مظاهر قدرته، وشمول قهره لغيره فقال: « الملك
يومئذ الله يحكم بينهم .... والتنوين فى قوله (( يومئذ، عوض عن جملة.
أى: السلطان القاهر، والتصرف الكامل، يوم تأفيهم الساعة بغضة
أو يوم يأتيهم عذابها يكون لله - تعالى - وحده، كما أن الحكم بين الناس جميعا
يكون له وحده - سبحانه - ((فالذين آمنوا وعملوا، الأعمال ((الصالحات))
يكونون فى هذا اليوم ((فى جنات النعيم، ((والذين كفروا وكذبوا بآياتنا، التى
جاءتهم بها رسلنا , فأولئك لهم عذاب مهين، أى: لهم عذاب ينالون بسببه
ما ينالون من هو ان وذل .
(والذين هاجروا، من ديارهم ((فى سبيل، إعلاء كلمة ((اقه، ونصرة.
دينه , ثم قتلوا، أى: قتلهم الكفار فى الجهاد (( أو ماتوا، أى: على فراشهم.
هؤلاء وهؤلاء («ليرزقنهم الله)) - تعالى - بفضله وكرمه («رزقا حسنا)»
يرضيهم ويسرهم يوم يلقونه، حيث يبوثهم جنته.
قال - تعالى -: ((ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتا بل أحياء
عندربهم يرزقون .. )،(٢) .
وقال - سبحانه - ((ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٤٤٢.
(٢) سورة آل عمران آية ١٦٩

٢٧ ٤
الجزء السابع عشر
الموت فقد وقع أجره على اللّه ،(١).
وقوله - عز وجل -: ((وإن الله لهو خير الرازقين، تذيل قصد به بيان
أن عطاءه - سبحانه - فوق كل عطاء، لأنه يرزق من يشاء بغير حساب،
ويعطى من يشاء دون أن ينازعه منازع، أو يعارضه معارض، أو ينقص
عما عنده شيء .
وقوله - تعالى -: ((ليدخلتهم مدخلا يرضونه .. ، أستئناف مقرر لما
قبله. و((مدخلا، أى: إدخالا ، من أدخل يدخل - بضم الياء - وهو مصدر
ميعى للفعل الذى قبله ، والمفعول محذوف.
أى : ليدخلهم الجنة إدخالا يرضونه .
وقرأ نافع ((مدخلا) - بفتح الميم - على أنه اسم مكان أريد به الجنة .
أى : ليدخلهم مكانا يرضونه وهو الجنة.
((وإن الله)) - تعالى - ((لعليم، بالذى يرضيهم، وبالذى يستحقه كل
إنسان من خير أو شر(« حليم، فلا يعاجل بالعقوبة، بل يستر ويعفو
عن كثير .
ثم بشر - سبحانه - عباده الذين يقع عليهم العدوان بالنصر على من
ظلمهم ، فقال - تعالى -:
(( ذلكَ ومن عاقبَ بمثْلِ ما ذُوقِبَ بِهِ، ثُمَّ بُنِىَ عَلَيْهِ لِيَنْصُرَنَّه
اللهُ، إنَّ اللهَ لعفوٌ غَفُور (٦٠) ذلكَ بأنَّ اللهَ يولِجُ الَّيْل فى النهارِ،
ويولجُ النهارَ فِى الَّى وأنّ اللّهَ سميعٌ بَصِير (٦١) ذلِكَ بأنَّاللهَ هُو
الحقُّ، وأَنَّ ما يدعُونَ مِنْ دونِهِ هُو الباَطِلُ، وأنَّ اللهَ هُو العَلِىُّ
الكَبِيرُ (٦٣) )).
(١) سورة النساء آية ١٠٠

٤٢٨
سورة الحج
واسم الإشارة (( ذلك، فى قوله - تعالى - ,ذلك ومن عاقب بمثل
ماءوقب به .... ،
يعود إلى ماذكره - سبحانه - قبل ذلك من أن الملك له يوم القيامة،
ومن الرزق الحسن الذى منحه للمهاجرين فى سبيله ثم قتلوا أو ماتوا .
والعقاب: مأخوذ من التعاقب، وهو مجىء الشىء بعد غيره. والمراد به
هنا : مجازاة الظالم بمثل ظلمه .
قال القرطبى: قال مقاتل: نزلت هذه الآية فى قوم من مشر كي مكة .
لفوا قوما من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فقالوا: إن أصحاب محمد صلى الله
عليه وسلم - بكرهون القتال فى الشهر الحرام قاحلوا عليهم، فناشدهم المسلمون
أن لا يقاتلوهم فى الشهر الحرام، فأبى المشر كون إلا القتال، لحملوا عليهم
فثبت المسلمون ونصرهم الله على المشركين، وحصل فى أنفس المسلمين شىء
من القتال فى الشهر الحرام، فأنزل الله الآية ...
فمعنى ((من عاقب بمثل ماعوقب به، أى: من جازى الظالم بمثل ماظله،
فسمى جزاء العقوبة عقوبة لاستواء الفعلين فى الصورة. فهى مثل: «وجزاء
سيئة سيئة مثلها، (١).
وقوله (( ثم بغى عليه)) ى: أن الظالم المبتدى. بالظلم عاد مرة أخرى
فبغى على المظلوم وآذاه .
وقوله ((لينصرفه الله، وعد مؤكد منه - سبحانه - تنصرة المظلو).
والجملة جواب قسم محذوف . أى والله لينصرن - سبحانه - المظلوم على الظالم
فى الحال أو المآل .
وقوله: ((إن الله لعفو غفور)، تعليل للنصرة ، وبيان بأن المظلوم عندها
--
(١) تفسير القرطبى جـ ١٢ ص٠٩٠

٤٢٩
الجزء السابع عشر
ترك السنو عن الظالم، لا يؤاخذه - سبحانه - على ذلك، مادام لم يتجاوز فى رد
العدوان الحدود المشروعه، وهى الاقتصار على القصاص بالمثل:
أى: إن الله - تعالى - لكثير العفو عن عباده، وكثير المغفرة
لذهوبهم وخطا يام .
ثم بين - سبحانه - أن نصره للمظلوم مرجعه إلى شمول قدرته على كل
شىء، فقال - تعالى -: «ذلك بأن القه يولج الميل فى النهار ويولج النهار
فى الليل ٠٥٠)).
ومعنى: يوج: يدخل يقال: ولج فلان منزله إذا دخله.
أى ؛ ذلك الذى فعلناه من نصرة المبغى عليه على الباغى، كان بسبب
أن قدرتنا لايعجز ها شىء، ومن مظاهر ذلك: أننا يدخل جزءا من
الليل فى النهار فيقصر الليل ويزيد النهار . وتدخل جزءا من النهار فى الليل
فيحصل العكس . وأنتم ترون ذلك بأعينكم وتشاهدون كيف يسيران بهذا
النظام البديع .
(( وأن الله سميع عليم، أى: وأن الله - تعالى - سميع لكل المسموعات،
بصير بكل المبصرات، لا يخفى عليه شىء فى الأرض ولا في السماء
و قوله - سبحانه - : « ذلك بأن الله هو الحق وأن مايدعون من دونه هو
الباطل ... ، بيان لحقيته - عز وجل - للعبادة والطاعة والخضوع التام.
واسم الإشارة يعود إلى ما وصف به نفسه قبل ذلك من صفات القذرة
الباهرة والعلم التام ..
أى: ذلك الذى تراه - أيها العاقل - فى هذا الكون من مخلوقات، ومن
نصر المظلوم، ومن إدخال الليل فى النهار وإدخال النهار فى الليل ، سببه أن
الله - تعالى - هو الإله الحق الذى يحب أن تعنو له الوجوه. وأن ما عداه من
معبودات آلهة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان .

٤٢٠
سورة الحج
(, وأن الله - تعالى - وحده ,هو العلى، أى: العالى على جميع الكائنات
بقدرته، وكل شىء دينه ((الكبير) أى: العظيم الذى لا يدانيه فى
عظمته أحد.
«أنت ترى أن هذه الآيات الكريمة، قد وصفت الله - تعالى - بما هو
أهل له من صفات الجلال والمكمال .
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على سعة فضله ورحمته بعباده فقال:
((ألَمَ تَرَ أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ من السَّماءِ ماء فَتُصْبِحِ الأرضُ مخصَّرَّةً،
إِنَّ اللهَ لطيفٌ خبيرٌ (٦٣) لهُ ما فى السَّمواتِ وما فى الأرضِ وإِنَّ الله
لهُوّ الْغَنِىُّ الحميد (٦٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخْرَ لكُم ما فى الأرضِ،
والفقُلْكَ تَجْرِى فى البَحْرِ بِأَمْرِه، ويُْسِك السَّماءِ أنْ تَقعَ عَلَى الأرضِ
إلّ بإذنِهِ، إنَّ الله بِالنَّاسِ لرَءُوفٌ رحيمٌ (٦٥) وهُو الذى أَخْيَاكُمْ
ثمَّ يمِتِكُمْ ثُمْ يُحْيِيكُم، إنَّ الإنسانَ لَكْفُورٌ (٦٦)».
والاستفهام فى قوله: «ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض
مخضرة ... ، للتقرير.
وقوله: (( مخضرة) أى: ذات خضرة بسبب النبات الذى ينبته الله فيها
بعد نزول المطر عليها .
والمعنى: لقد رأيت ببصرك، أيها المخاطب، أن الله - تعالى - قد أنزل
من السماء ماء، فتصير الأرض بسببه ذات خضرة، وفى ذلك أعظم الأدلة
على كمال قدرته ، وعظيم رحمته بعباده.
وقال - سبحانه - ((فتصبح)) بصيغة المضارع، لاستحضار صورة
الاخضرار ، الذى اتصفت به الأرض بعد نزول المطر عليها، وصيغة الماضى
لا تفيد دوام استحضارها، لأن الفعل الماض فد انتملاء الا

٤٣١
الجزء السابع عشر
ولم ينصب هذا الفعل المضارع فى جواب الاستفهام، لأن الاستفهام
تقریری فهو فى معنى الخبر، والخبر لا جواب له، فكأنه قيل: لقد رأيت،
ولأن السببية هنا غير متحققة ، إذ الرؤية لا يتسبب عنها إخضرار الأرض ،
وإنما اخضرارها يكون بسبب نزول المطر .
وقد أشار صاحب الكشاف إلى ذلك فقال: «فإن قلت: ملاقيل: فأصبحت؟
ولم صرف إلى لفظ المضارع ؟
قلت: لنكتة فيه وهى إفادة بقاء أثر المطر زمانا بعد زمان ، كما تقول:
أنعم على فلان عام كذا، فأروح وأغدو شاكراً له. ولوقلت: فرحت وغدوت
لم يقع ذلك الموقع. فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جوابا للاستفهام؟
قلت: لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض، لأن معناه إثبات الاخضرار
فينقلب بالنصب إلى نفى الإخضرار. شاله أن تقول لصاحبك ألم تر أنى
أنعمت عليك فتشكر، إن نصبته فأنت ناف لشكره. شاك تفريطه فيه، وإن
وفعته فأنت مثبت الشكر. وهذا وأمثاله بما يجب أن يرغب له من اقسم العلم
فى علم الإعراب وتوقير أهله ،(١) .
وقال بعض العلماء ما ملخصه: فإن قيل: كيف قال فتصبح مع أن أخضرار
الأرض قد يتأخر عن صبيحة المطر ؟
فالجواب: أن تصبح هنا بمعنى تصير ، والعرب تقول: فلان أصبح غنياً،
أى : صار غنيا. أو أن الفاء للتعقيب، وتعقيب كل شىء بحسبه، كقوله
- تعالى -: «ثم خلقنا النطفة علقة، خلقنا العلقة مضغة، خلقنا المضغة عظاما .. »
مع أن بين كل شيئين أربعين يوما، جاء فى الحديث الصحيح ... )، (٢).
ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله: ((إن الله لطيف خير، أى: إن الله
- تعالى - لطيف بعباده.
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠١٦٨
(٢) قسم أضواء الممان جـ ٥ =٠٧١٢٠

٤٢٢
سورة الحج
ومن مظاهر لطفه بهم، إزاله المطر على الأرض للانتفاع بما تنبته من
كل زوج بهيج ، وهو - تعالى - خبير بأحوال عباده. لا يعزب عن علمه مثقال
ذرة من هذه الأحوال .
فإنه - سبحانه - (( له ما فى السموات وما في الأرض)) خلقا وملكا
وتصرفا((وإن الله لهو الغنى، عن كل ماسواه «الحميد)) أى: المستوجب للحمد
من كل خلقه .
وقوله - تعالى -: «ألم تر أن الله سخر لكم ما فى الأرض، والفلك بحرى
فى البحر بأمره ، ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه ... ) بيان
لألوان أخرى من النعم التي أنعم بها على بنى آدم .
أى: لقد علمت - أيضا - أيها العاقل، أن الله - تعالى - سخر لكم ـ يابنى
آدم - ما فى الأرض من دواب وشجر وأنهار ، وغير ذلك مما تحتاجونه لحياتكم،
وسخر لمنفعتكم السفن التى تجرى فى البحر بتقديره وإرادته وإذنه.
وهو - سبحانه - الذى يملك السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض،
فتلك من فيها ولو شاء لأذن لها فى الوقوع فسقطت على الأرض فأملكت
من علیها .
قال الجمل: ((وقوله: (( إلا بإذنه،: الظاهر أنه استثناء مفرغ من أعم
الأحوال، وهو لا يقع إلا فى الكلام الموجب، إلا أن قوله: «ويمسك السماء
أن تقع على الأرض ، فى قوة النفى. أى: لا يتركها تقع فى حالة من الأحوال
إلا فى حالة كونها ملتبسة بمشيئة الله - تعالى - ((فالياء الملابسة)) (١).
وقوله - سبحانه -: إن الله بالناس لرءوف رحيم، أى: لكثير الرأفة
والرحمة بهم، ومن علامات ذلك أنه سخر لهم مافى الأرض، وسخر لهم الفلك.
وأمسك السماء عنهم، ولم يسقطها عليهم.
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٣ ص ١٧٨.

٤٣٣
الجزء السابع عشر
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: «إن الله يمسك السموات والأرض أن
نزولا. ولئن زالنا إن أمسكهما من أحد من بعده، إنه كان حلما غفوراء(١).
ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بما هو أجلها وأعظمها فقال: ((وهو الذى
أحيا كم)) أى. بعد أن كنتم أمواتا فى بطون أمهاتكم، وقبل أن بنفخ بقدرته
الروح فيكم .
((ثم يحييكم)) أى: عند البعث والحساب.
((إن الإنسان لكفور)، أى: الكثير الجحود والكفران لنعم ربه
التی لا تحصى .
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد ذكرت أنواما متعددة من الأدلة
على قدرته - سبحانه -، كما ذكرت ألوانا من نعمه على عباده، ومن ذلك إنزال
الماء من السماء فتصبح الأرض مخضرة بعد أن كانت بائسة. وتسخير مافى
الأرض الإنسان، وتسخير الفلك لخدمته ومنفعته، وإمساك السماء أن تقع
على الأرض إلا بمشبته - تعالى - وإيجادنا من العدم بقدرته ورحمته.
وبعد أن عرضت السورة الكريمة دلائل قدرة الله -تعالى- ورحمته بعباده
أتبعت ذلك ببيان أنه - سبحانه - قد جعل لكل أمة شرعة ومنهاجا، وأمرت
الغبى - صلى الله عليه وسلم - أن يمضى فى طريقه لتبليغ رسالة الله - تعالى-
دون أن يلتفت إلى مار المشركين له، وأن يفوض الحكم فيهم إليه - سبحانه-
فهو العليم بكل شىء، فقال - تعالى - :
((لكلٌ أُمةٍ جعلْناَ منْسَكَاَ م ناسِكُوه، فلا ينَزَهُتَّك فى الأمر،
وادعُ إلى ربِّكَ إِنكَ لعَلَى هُدَى مُسْقِيمٍ (٦٢) وإنْ جَادِلُوكَ فَقُلِ اللهُ
أعلَمُ بما تعملُونَ (٦٨) اللهُ بحكُم بَينَكُم يومَ القيامةِ فيما كنُ فِيهِ
(١) سورة فاطر الآية ٤١.
(٢٨ - سورة الحج)

٤٢٤
سورة الحج
تَخْتَلِفُون (٦٩) أَلَمْ تَعلَم أنَّ اللهَ يعَم مافى السَّماءِ والأرضِ إنّ ذلِكَ فى
كتَبٍ، إِنَّ ذلكَ عَلَى اللهِ يسيرٍ (٧٠) )).
قال الآلوسي: ((قوله - تعالى -: (( لكل أمة جعلنا منسكاهم ناسكوه .. ،
كلام مستأنف جىء به لزجر معاصريه - صلى الله عليه وسلم - من أهل الأديان
السماوية عن منازعته، بيان حال ما تمسكوا به الشرائع، وإظهار خطتهم،(١).
والمراد بالأمة هنا : القوم الذين يدينون بشريعة معينة. والمراد بالمنك
المنهج والشريعة التى يتبعونها فى عقيدتهم وفى معاملاتهم ..
أى: شرعنا لكل أمة من الأمم السابقة منهجا يسيرون عليه فى اعتقادهم
وفى طريقة حياتهم ، فالأمة التى وجدت من مبعث موسى إلى مبعث عيسى
- عليهما السلام - شريعتها التوراة، والأمة التى وجدت من مبعث عيسى حى
مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - شريعتها الإنجيل. والأمة التى وجدت منذ
مبعث محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم القيامة شريعتها القرآن ..
وعلى كل أمة أدركت بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم - أن تتبعه فيما جاءبه
من عندربه، لأن شريعته هى الشريعة الناسخة لما قبلها ، والمهيمنة عليها .
ويرى بعضهم أن المراد بالمنسك منا: المكان الذى يذبحون فيه ذبائحهم
تقربا إلى الله - تعالى - .
وقد رجح الإمام ابن جرير ذلك فقال ما ملخصه: ((وأصل المنسك فى كلام
العرب: الموضع المعتاد الذى يعتاده الرجل ويألفه لخير أو شر. يقال: إن
لفلان منسكا يعتاده، يراد مكانا بغشاه ويألفه لخير أو شر. وقد اختلف أهل
التأويل فى معنى المفسك هنا: فقيل: عيدا، وقيل: إراقة الدم ... والصواب
من القول فى ذلك أن يقال : عنى بذلك إراقة الدم أيام النحر يمنى ، لأن
المناسك الى كان المشركون جادلوا فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
(١) تفسير ابن جرير : ١٧ ص ١٢٨

٤٣٥
الجزء السابع عشر
كانت إراقة الدم فى هذه الأيام» .. ولذلك قلنا: عنى بالمنسك فى هذا
الموضع: الذبح .... (١).
ويبدو لنا أن القول الأول، وهو تفسير المنسك بالشريعة الخاصة أقرب
إلى الصواب لشموله للذبح وغيره .
والضمير فى قوله: (هم ناسكوه، يعود لكل أمة.
أى: جعلنا لكل أمة شريعة تسير على تعاليمها، وتنهج على نهجها . .
والغاء فى قوله - تعالى -: ((فـلا ينازعك فى الأمر)) لتر قيب النهى
على ماقبلها .
والمنازعة : المجادلة والمخاصمة. والمراد بالأمر: ماجاء به النبى - صلى الله
عليه وسلم - من عند ربه - تعالى - من تشريعات وأحكام .
أى: قد جعلنا لكل أمه من الأمم السابقة شريعة تتبع تعاليمها، ومادام
الأمر كذلك، فاسلك أنت وأتباعك - أيها الرسول الكريم - الشريعة التى
أوحيناها إليك، وأمر فاك باتباعها، ولا تلتفت إلى مخاصمة من ينازعك فى
ذلك من اليهود أو النصارى أو غيرهم، فإن منازعتهم لك فيما جئت به من عند
ربك، يدل على جهلهم وسوء تفكيرهم. لأن ماجئت به من عند ربك مصدق
لشريعتهم . ومهيمين عليها وفاسخ لها.
ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يجب عليه نحو دينه فقال: ((وادع إلى ربك
إتك لعلى هدى مستقيم).
: أى: وادع هؤلاء الذين يناز عونك فيما جئتهم به من الحق، وادع غيرهم
معهم إلى ترك التنازع والتخاصم، وإلى الدخول فى دين الإسلام، فإنك
أنت على الصراط المستقيم، الذى لا إعوجاح فيه ولا التباس .
ثم بين له - سبحانه - ما يفعله إذا ما جادلوا فى منازعتهم له فقال: ((.وإن
جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون)).
(١) تفسر الآلوسي = ١٧ ص ٠١١٥

٤٣٦
سورة الحج
أى: وإن أبوا إلا مجادلتك بعد أن ظهر الحق، ولزمتهم الحجة، فقل طم
- أيها الرسول الكريم: أمرى وأمركم إلى الله - تعالى -، فهو الذى يتولى
الحكم بينى وبينكم يوم القيامة، لأنه - سبحانه - هو العليم بحالى وحالكم.
وهذه الجملة الكريمة قد تضمنت تهديدهم على استمرارهم فى جداله.
بعد أن تبين لهم الحق ، كما تضمنت وجوب إعراض الرسول - صلى الله عليه
وسلم - عنهم.
ثم أكد - سبحانه - هذا التهديد والإعراض فقال: « الله يحكم بينكم)
أما المدون وبين هؤلاء الكافرين (« يوم القيامة فيما كنتم فيه، فى لدنيا
((مختلفون، من أمر هذا الدين وحينئذ يتبين من هو على الحق ومن هو على
الباطل، وسيجازى - سبحانه - كل فريق بما يستحقه من أواب أو عقاب.
ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات بتأكيد علمه بكل شىء فقال:« ألم تعلم أن
الله يعلم ما فى السماء والأرض ... )
أى: لقد علمت - أيها الرسول الكريم - وتيقنت، أن الله - تعالى -
لا يعزب عن علمه مثقال ذرة مما يحصل فى السموات والأرض من أقوال أو أفعال.
(((إن ذلك، الذى يجرى فى السموات والأرض كائن وثابت ((فى كتاب»
هو اللوح المحفوظ المشتمل على جميع أحوال الخلق.
(((إن ذلك، الذى ذكر ناه لك من الحكم بين الناس. وعن العلم بأحوالهم
ومن تسجیل أعماهم « على الله ، - تعالى - (( بسیر ، وهین ، لأنه - سبحانه-
له الخلق والأمر ، تبارك الله رب العالمين .
ثم وبخ - سبحانه - الكافرين على جهلهم، حث عبدوار دونه، الاينفعهم
ولا يضرهم. وحيث كرهوا الحق وأصحابه، فقال - تعالى -:
((ويَعَبدُونَ من دونِ القُهِ مَالَمْ يُنْزِّلْ بهِ سلطانً، وما ليسَ لهُم
به علمٌّ وَمَا لَّظَالميْنَ مِنْ نَصِير (٧١) ،اذَا تَتَ عِلْْ كَاتُنَاَ بِذَآت

٤٣٧
الجزء السابع عشر
تعرفُ فى وجُوهِ الذينَ كَفَرُوا المنكرَ، يكادُونَ يَسْطُونَ بالذينَ
يتْلُونَ عليهِمْ آيَاتِاَ، قَلْ أَفْبئْكُمْ بَشَرٌّ من ذلِكُم ، النارُ وعدّها
اللهُ الذِينَ كَفَرُوا وبْسَ المصيرُ (٧٢))).
. أن. هؤلاء المشركين الذين ينازعونك فيما جئتهم به من عندربك،
يتر دونه وهم إليه - أيها الرسول الكريم - من إخلاص العبادة لله - تعالى-
ويعبدون من دونه - سبحانه - آلهة أخرى. لا دليل لهم على عبادتها من
عقل أو نقل.
إذ قوله - سبحانه -: «ما لم ينزل به سلطانا منفى لأن يكون لهم دليل سمى
على عبادتها وقوله - تعالى - ((وما ليس لهم به على، ففى لأن يكون لهم عقل
على عبادتها .
والتفكير فى قوله « سلطانا وعلم، للتقليل. أى: لا دليل لهم أصلا
لا من جهة السمع، ولا من جهة العقل، ومع ذلك يتمسكون بهذه العبادة
الباطلة .
وقوله - تعالى - ((وما للظالمين من نصير، ثمديد بسوء المصير لهؤلاء
المشركين .
1
أى: وما للظالمين الذين وضعوا العبادة فى غير موضعها، من نصير ينصرهم
من عقاب الله وعذابه، لأنهم بسبب عبادتهم لغير الله - تعالى -، قد قطعوا
عن أنفسهم كل رحمة ومغفرة .
ثم بين - سبحانه - أنهم بجانب ضلالهم، تأخذهم العزة بالإثم إذاما نصحم
الناصحون بالإقلاع عن هذا الضلال فقال: ((وإذا قتلى عليهم آياتنا بينات
تعرف فى وجوه الذين كفروا المنكر ، يكادون يسطون بالذين يتلون
عليهم آياتنا ... ).
وقوله: «يسطون، من السطو، بمعنى الوثب والبطش بالغير. يقال:
سطا فلان على فلان، إذا بطش به بضرب أو شتم أو سرقة أو ما يشبه ذلك.

٤٣٨
سورة الحج
أى: وإذا قتلى على هؤلاء الظالمين، آياتنا الدالة على وحدانيتنا وقدر تناء
من قبل عبادنا المؤمنين ((تعرف . - أيها الرسول الكريم -" فى وجوه الذين
كفروا، هذه الآيات البينات ((المنكر، أى: ترى فى وجوههم الإنكارلها،
والغضب منها ومن قارئها ، والكرامية والعبوس عند سماعها.
بل ويكادرن فوق ذلك، يبطشون بالمؤمنين الذين يتلون عليهم آياتنا،
ويعتدون عليهم بالسب قارة . وبالضرب تارة أخرى .
٠
وذلك لأن هؤلاء الظالمين، حين عجزوا عن مقارعة الحجة بالحجة، لجأوا
إلى السطو والعدوان ، وهذا شأن الطغاة الجاهلين فى كل زمان ومكان .
ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول لهؤلاء
الطغاة على سبيل التهديد والوعيد، مامن شأنه أن يردعهم عن سطوهم وبغيهم
فقال : دقل أفاتبئكم بشر من ذلكم ..
أى: قل -أيها الرسول الكريم - هؤلاء الظالمين ألا أخبركم بما هو أشدألما
من غيظكم على من يتلو عليكم آياته ، ومن همكم بالسطو عليه؟
أشد من كل ذلك ((النار)) التى «وعدها اللّه الذين كفروا، أى: وعدهم
١ بدخولها، وباصطلاء بسعيرها«وبئس المصير، مصير هؤلاء الكافرين.
قال الجمل: «وقوله: ((النار)) خبر مبتدأ محذوف، كأن سائلا سأل فقال:
وا الأشر؟ فقيل: الغار، أى: هو النار. وحينئذ فالوقف على ذلكم، أو
على النار .
ويصح أن يكون لفظ النار مبتدأ، والخبر: وعدها الله. وعلى هذا
فالوقف على: كفروا ٠٠. ، !! ).
ثم وجه - سبحانه - نداء إلى الناس . بين فيه أن كل آلهة تعيد من دونه
- عز وجل - فهى باطلة وهى أعجز من أن تدافع عن نفسها، وأن كل عابد
لها هو جاهل ظالم . فقال - تعالى -:
(١) حاشية الجمل على الجلالين + ٣ ص ٠١٨

٤٣٩
الجزء السابع عشر
(يأيُّها الناسُ ضُرب مثلٌّ فلسْتَحِوالهُ، إنّ الذينَ تدعُونَ مِنْ
، دونِ اللهِ لَنْ يُخْلُقُوا ذُبابًا ولوِ اجْتَمعوا لهُ، وإنْ يَسْلِبْهم الدُّبَابِ شَيْئَةَ
لا يَسْتنقِذُوه منهُ نُفَ الطَّالبُ والمطلوبُ (٢٣) ماقدَّرُوا الله حقّ
قَدْرِهِ ، إنَّ اللهَ لقوِىٌّ عزيزٌ (٧٤) اللهَ يَصْطفى مِنَ الملائِكَةِ رُسُلاً
ومِنَ النّاسِ إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ بِصِيرٌ (٧٥) يعلَمَ ما بين أيديهمْ وما خلْقَهم
وإلى اللهِ تُرجِعُ الْأُمُور (٧٦)».
والمثل: الشبيه والنظير، ثم أطلق على القول السائر المعروف، لمائلة
مضربه - وهو الذى يضرب فيه - مورده وهو الذى ورد فيه أولا : ولا يكون
إلا لما فيه غرابة .
وإنما تضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفي ، وتقريب الشىء المعقول من
الشىء المحسوس، وعرض الغائب فى صورة الشاهد، فيكون المعنى ضرب
له المثل أوقع فى القلوب ، وأثبت فى النفوس.
وسمى الله - تعالى - ماساقه فى هذه الآية الكريمة مثلا. لأن ما يفعله
المشركون من عبادتهم لآلهة عاجزة، يشبه المثل فى غرابته وفى التعجب من فعله.
قال صاحب الكشاف: ((فإن قلت: الذى جاء به - سبحانه - ليس بمثل،
فكيف سماء مثلا ؟
قلت : قد سميت الصفة أو القصة الرائعة الملتقاة بالاستغراب مثلا،
تشبيها لها بعض الأمثال المسيرة، لكونها مستحسنة مستغربة عندهم،(١).
والمعنى: بأيها الناس لقد بينا لكم قصة مستغربة. وحالا عجيبة، لما يعبد
من دون الله - تعالى - فاستمعوا إليها بتدبر وتعقل.
وقوله: (( إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا
له ... ، بيان للمثل وتفسير له .
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠١٧١
---

٤٤٠
سورة الحج
والذباب : اسم جنس واحدة ذبابة - وهى حشرة معروفة بعايشها وضعفها
وقدارتها .
أى: إن المعبودات الباطلة التى تعبدونها أيها المشركون، لن تستطيع أن
١
تخلق ذبابة واحدة، حتى لو اشتركت جميعها فى محاولة خلق هذه الذبابة .
قال صاحب «الكشاف: وهذا من أبلغ ما أنزله الله فى تجهل قريش،
واستركاك عقولهم . والشهادة على أن الشيطان قد خزمهم بخزائمه - أى قدر
ربطهم برباطه، حيث وصفوا بالإلهية - التى تقتضى الاقتدار على المقدورات
كلها - صوراوتماثيل، يستحيل منها أن تقدر على أقل ما خلقه وأذله وأصغره
وأحقره، ولو اجتمعوا لذلك وتساندوا ... ، !! ).
وقوله - سبحانه -: ((وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه، بان
لعجز تلك الآلهة الباطلة عن أمر آخر سوى الخلق .
أى: وفضلا عن عجز تلك الأصنام مجتعمة عن خلق ذبابة ، فإنها إذا
اختطف الذباب منهاشيئا من الأشياء لا تستطيع استرداده منه لعجز هاعن ذلك.
قال القرطى: «وخص الذباب لأربعة أمور تخصه: لمهافته وضعفه ،
ولاستقذاره وكثرته. وإذا كان هذا الذى هو أضعف الحيوان وأحقره،
لا يقدر من عبدوه من دون الله - تعالى - على خلق مثله، ودفع أذيته، فكيف
يجوز أن يكونوا آلهة معبودين، وأربابا مطاعين، وهذا من أقوى حجة
وأوضح برهان،(٢).
ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما على عجز الخاطف والمخطوف منه
فقال: ((ضعف الطالب والمطلوب)).
قال الألوسى: ((والطالب: عابد غير الله - تعالى - والمطلوب الآلهة. وكون
عابد ذلك طالب لدعائه إياه ، واعتقاده نفعه، وضعفه لطلبه النفع من غير
جهته ، وكون الآخر مطلوبا ظاهرا كضعفه.
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠١٧١
(٢) تفسير القرطبى : ١٢ ص ٩٧.