Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ الجزء السادس عشر أى: واذكر - أيها المخاطب وقت أن قلنا للملائكة اسجدوا لآدم سجود تكريم لا سجود عبادة، فامتثلوا أمرنا، إلا إبليس فإنه أبى السجود لآدم تكوا وغرورا وحيدا على التكريم. ثم حكى - سبحانه - ما قاله لآدم بعد إباء إبليس عن السجود له فقال: (((يا آدم إن هداء أى: إبليس ((عدولك ولزوجك)) بسبب حسده لكما وحقده عليكما (( فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى)) أى: فاحذر أن تطيعاه ، فإن ظاعتكما له ستؤدى بكما إلى الخروج من الجنة، فيترتب على ذلك شقاؤك ، أى: تعبك فى الحصول على مطالب حياتك . وأسند - سبحانه - إلى إبليس الإخراج لهما من الجنة، لأنه هو المتسبب فى ذلك، عن طريق الوسوسة لها، وطاعتهماله فيما حرضهما عليه وهو الأكل من الشجرة. وعبر عن التعب فى طلب المعيشة بالشقاء، لأنه بعد خروجه من الجنة سيقوم بحراثة الأرض وفلاحتها وزرعها وربها ... ثم حصدها ... ثم إعداد نتاجها للأكل ، وفى كل ذلك ما فيه من شقاء وكد وتعب . وقال - سبحانه - «فتشقى، ولم يقل فتشقيا كما قال , فلا يخرجنكما، لأن الكلام من أول القصة مع آدم وحده، أو لأن شقاء الرجل يدخل فيه شقاء أهله، كما أن فى سعادته سعادتهم، أو لأنه هو الذى يعود عليه التعب إذ هو المكلف بأن يقدم لها ما تحتاجه من مطالب الحياة. كالمسكن والملبس والمطعم والمشرب . قال القرطبى ما ملخصه: «قوله، فتشقى)، يعنى أنت وزوجك لأنهما فى استواء العلة واحد، ولم يقل: فقشقيا لأن المعنى معروف، وآدم - عليه السلام- هو المخاطب، وهو المقصود وأيضا لما كان هو الكاد عليها والكاسب لها كان بالشقاء أخص . وفى ذلك تعليم لنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج، فلما كانت نفقة حواء على آدم، كانت كذلك نفقات ٢٠٢ سورة طه بناتها على بنى آدم بحق الزوجية ... ، (١) وقوله - تعالى -:• إن لك أن لا تجوع فيها ولا تعرى، وأنك لا تظمأ فيها. ولا تضحى ، تعليل لما يوجبه النهى عن طاعة إبليس التى ستؤدى بهما إلى الإخراج من الجنة وإلى الشقاء فى الدنيا . والجوع: ضد الشبع. وقوله (( تعرى)) من العرى الذى هو خلاف اللبس . يقال: عرى فلان من ثيابه يعرى عربا، إذا تجرد منها. وقوله ((تضحى)) أي: لا يصيبك حر الشمس فى الضحى. يقال: ضحاء فلان يضحى ضحوا - كسعى - إذا كان بارزا لحر الشمس فى الضحا. أى: احذر يا آدم أن تطيع إبليس فيحل بك الشقاء، وتخرج من الجنة التى لا يصيبك فيها شىء من الجوع، ولاشىء من العرى أو الظمأ، ولا شىء من حر الشمس فى الضحا ... وإنما أنت فيها متمتع بكل مطالب الحياة. الهذيئة الناعمة الدائمة . قال صاحب الكشاف: ((الشبع والرى والكسوة والسكن - هذه الأربعة. هى الأقطاب التى يدور عليها كفاف الإنسان. فذكره استجماعها له فى الجنة وأنه مكفى لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا . وذكرها بلفظ النفى لنقائضها التى هى الجوع والعرى والظمأ والضحو ،. ليطرق سمعه بأسامى أصناف الشقوة الى حذره منها، حتى يتحامى السبب. الموقع فيها كراهة لها (٢). - (١) تفسير القرطبى : ١١ ص ٠٢٥٣ (٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص٠٩٢ ٢٠٣ الجزء السادس عشر ثم بين - سبحانه - أن آدم - عليه السلام - مع هذه النصائح والتحذيرات لم يستطع أن يستمر على الاستجابة لنهى ربه إياه عن الأكل من الشجرة، بل تغلب عليه ضعفه فاستمع إلى مكر الشيطان، قال - تعالى -: «فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى)). والوسوسة: الخطرة الرديئة، وأصلها من الوسوامر، وهو صوت الحلى، والخمس الخفى. والوسواس - بكسر الواو الأولى - مصدر، وبفتحها الاسم وهو من أسماء الشيطان، كما قال - تعالى -: (قل أعوذ برب الناس ملك الناس، إله الناس ، من شر الوسواس الخناس ، الذی یو سوس فى صدور الناس من الجنة والناس ، . ويقال: وسوس فلان إلى فلان، أى: أوصلها إليه، ووسوس له، أى: من أجله أى فأوصل الشيطان وسوسته إلى آدم ، وأنهاها إليه، بأن قال له : يا آدم، هل أدلك على الشجرة التى من أكل منها عاش مخلدا لايدركه الموت، وصار صاحب ملك لا يفنى، ولا يصبح بائياً أبداً . وناداه باسمه، ليكون أكثر إقبالا عليه، وأمكن فى الاستماع إليه. وعرض عليه ما عرض فى صورة الاستفهام الذى بمعنى الحث والحض، الإشعره بأنه ناصح له وحريص على مصلحته ومنفعته. ثم أكدكل هذا التحريض بالقسم كما فى قوله - تعالى -: «وقاسمهما إنى لكما لمن الناصحين (١) ف.كانت نتيجة مكره بآدم وخداعه له ، أن أطاعه فى الأكل من الفجرة كما قال - تعالى - «فأ كلا منها، أى: فأ كل آدم وزوجه من الشجرة التى نهاه ربه عن الأ كل منها . ((فبدت لهما سوء اتهما، أى: عوراتهما، وسميت العورة سورة، لأن إنكشافها يسوء صاحبها ويحزنه. ويجعل الناس تنفر منه. (١) سورة الأعراف الآية ٢١ ٢٠٤ سورة طه ((وطفةا بخصفان عليهما من ورق الجنة ... ، أى: وشرعاً وأخذا بلزقان على أجسادهما من ورق الجنة ليسترا عورانهما . وكثير من المفسرين يقولون: إن ورق الجنة الذى أخذ آدم وحواء فى لزقه على أجسادهما هو ورق شجر التين لكبر حجه . وقد أخذ العلماء من ذلك وجوب ستر العورة، لأن قوله - تعالى - ((وطفقا يخصفاز عليهما من ورق الجنة، يدل على قبح انكشافها ، وأنه يجب بذل أقصى الجهد فى سترها . و قوله : ( وعصی آدم ربه فغوی ، أى: وخالف آدم أمر ر به فى اجتناب الأكل من الشجرة (( فقوى، أى: فأخطأ طريق الصواب، بسبب عدم طاعته ربه . قالوا : ولكن آدم فى عصيانه لربه كان متأولا ، لأنه اعتقد أن النهى عن شجرة معينة لا عن النوع كله ، وقالوا: وتسمية ذلك عصيانا لعلو منصبه . وقد قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين ، كما قالوا: إن من الأسباب التى حملت آدم على الأكل من الشجرة، أن إبليس أقسم له بالله إنه له ناصح، فصدقه آدم - عليه السلام - لاعتقاده أنه لا يمكن لأحد أن يقسم باله كاذبا، والمؤمن غر كريم ,والفاجر خب لشيم، كما جاء فى الحديث الشريف . وقوله - سبحانه -: « ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى، وبيان الفضل الله - تعالى - على آدم ، حيث قبل توبته، ورزقه المداومة عليها . والاجتباء: الاصطفاء واختيار، أى: ثم بعد أن أكل آدم من الشجرة، وندم على ما فعل هو وزوجه «اجتباه ربه)) أى: اصطفاه وقربه واختاره فتاب عليه، أى: فقبل توبته ((وهدى، أى: وهداه إلى الثبات عليها، وإلى المداومة على طاعة الله - تعالى -، فقد اعترف هو وزوجه بخطتهما، كما فى ٢٠٥ الجزء السادس عشر قوله - تعالى -: ((قالا ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين،(١). وقد أوحى الله - تعالى - إليه بكلمات كانت السبب فى قبول توبته، كما قال - سبحانه -: «فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم ،(٢) . ثم ختم - سبحانه - هذه الآيات ببيان ما آل إليه أمر آدم فقال - تعالى - ((قال أهبطا منها جميعا ... )). أى: انزلا من الجنة إلى الأرض مجتمعين، فألف الاثنين هنا تعود إلى آدم وحواء . أما الآيات الأخرى التى جاءت بضمير الجمع، والتى منها قوله - تعالى -: ((قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ... )،(٣) . فالضمير فيها يعود إلى آدم وزوجته وذريتهما . وقوله : « بعضكم لبعض عدو، أى: بعض ذريتكما لبعض عدو، بسبب التخاصم والتنازع والتدافع على حطام هذه الدنيا . (« فإما يأتينكم منى هدى، يابنى آدم عن طريق إرسال الرسل وإنزال الكتب فعليكم أن تتبعوا رسلى، وتعملوا بما اشتملت عليه كيتبى. ((فمن اتبع هدای)) بأن آمن برسلى وصدق بكتي. (( فلا يضل ولا يشقى، لا فى الدنيا ولا فى الآخرة، بسبب استمساكه بالعروة الوثقى التى انفصام لها . (١) سورة الأعراف الآية ٢٣. (٢) سورة البقرة الآية ٣٧، (٣) سورة الأعراف الآية ٢٤. ٢٠٦ سورة طه وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: وقلنا اهبطوا منها جميعا، فإما يأتينكم منى هدى، فمن تبع هداى فلا خوف عليهم ولا م يحزنون)) (١). وبعد أن بين - سبحانه - حسن عاقبة من اتبع مداه، أقبع ذلك بيان سوء عاقبة من أعرض عن ذكره وماعته فقال - تعالى -: (( ومَنْ أعرَضَ عن ذِكْرِى فإِنَّ له معيشةَ مَنْكا ونحتُبرُه يومَ القيامةِ أخرى (١٢٤) قالَ ربٌ لم حشَرَفِى أْمَى وقد كنتُ بصيراً (١٢٥) قال كَذَلِكَ أثْكَ آيَاتُنَ فَنَسِبَهَا وَكَذَلِكَ اليومْ تَفْسَى (١٢٦) وكَذَلِكَ ◌َجْزِى من أسرَفَ ولم يُؤْمِنْ بآيَاتٍ ربِّه، ولعذاب الآخرةِ أشدُ وأبْقَى (١٢٧) أفلم يهدِ لهُم كم أملَكْناَ قبلَهُمْ مِنَ الْقُرونِ يمِشُونَ فى مَسَاكِنِهم إنَّ فى ذلكَّ لَآيَاتٍ لأولى النُّهَى (١٢٨) وأولا كميةٌ سبَقَت مِنْ ربِّكَ لكان لزاماً وأَجَل مُسمَّى (١٢٩))). وقوله: ((ضنكا، أى: شديدة الضيق . وكل شى. ضاق فهو ضنك. وهو مصدر يستوى فيه المذكر والمؤنث، والواحد والجمع بقال: ضنك - ككرم - عيش فلان ضنكا وضفاكه إذا ضاق. والمعنى : من اقبع هداى الذى جاءت به رسلى فلن يضل وان يشقى، أما من أعرض عن ((ذكرى) أى: عن مداى الذى جاءت به رسلى، واشتمات عليه كتبى ((فإن له معيشة ضنكا)). أى: فإن لهذا المعرض معيشة ضيقة مليئة بالهم والغم والأحزان وسوء العاقبة، حتى ولو ملك المال الوفير، والحطام الكثير ... فإن المعيشة العطيبة لاتكون إلا مع طاعة الله، وإمتثال أمره، واجتناب نهيه ... (١) سورة البقرة الآية ٣٨. ٢٠٧ الجزء السادس عشر قال - تعالى -: ((من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ... . قال الإمام ابن كثير: ((قوله (( فإن له معيشة ضنكا، أى: فى الدنيا فلا طمأنينة له ، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق لضلاله ، وإن تنعم ظاهره وابس ما شاء، وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء، فإن قلبه مالم يعخاص إلى اليقين والهدى . فهو فى قلق وحيرة وشك ، فلا يزال فى ريبة يتردد فهذا من ضنك المعيشة ... وقال سفيان بن عيينة ، عن أبى حازم ، عن أبى سلمة ، عن أبى سعيد فى قوله (( معيشة ضنكا، قال: يضيق عليه قبره. حتى تختلف أضلاعه) (١). والمراد بالعمى فى قوله - سبحانه - ((ونحشره يوم القيامة أعمى): عمى البصر، بدليل قوله - تعالى - بعد ذلك: ((قال رب لم حشر تنى أعمى وقد كنت بصيرا، . وقوله - سبحانه - فى آية أخرى: ((ومن يهد الله فهو المهتد، ومن يضلل فان تجد لهم أولياء من دونه وتحشرهم يوم القيامة على وجوههم عميا وبكما وصا ... ، (٢) وقيل: المراد بالعمى هنا: أنه لاحجة له يدافع بها عن نفسه. وقيل: المراد به : العمى عن كل شىء سوى جهنم . والذى يبدو لنا أن الرأى الأول أقرب إلى الحق، لأنه هو الظاهر من الآية الكريمة . ولا قرينة تمنع من إرادة هذا الظاهر. ويجمع بين هذه الآية وما يشبهها وبين الآيات الأخرى التى تدل على أن الكفار يبصرون ويسمعون ويتكلمون يوم القيامة، والتى منها قوله -تعالى -: (((أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا ... )) (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢١٦. (٢) سورة الإسراء الآية ٩٧. ٢٠٨ سورة طه أقول: يجمع بين هذه الآية وما يشبهها. وبين الآيات الأخرى بوجود منها: أن عماهم وصممهم يكون فى أول حشرهم، ثم يردالله - تعالى - عليهم بعد ذلك أبصارهم وسمعهم ، فيرون الغار: ويسمعون مايحزنهم قال الجمل: ((قوله: (( أعمى، حال من الها فى تحشره، والمرادعمى البصر وذلك فى المحشر، فإذا دخل النار زال عنه عماه ليرى محله وحاله ، فهو أعمى فى ماء. أخرى(١). ومنها : تنزيل سمعهم وبصرهم وكلامهم منزلة العدم لعدم انتفاءهم بذلك فقد قال - تعالى - فى شأر المنافقين: ٠ صم بكم عمى)) بتنزيل سماعه وكلامهم وإبصارهم منزلة العدم، حيث إنهم لم ينتفعوا بهذه الحواس. وقوله - سبحانه -: قال رب لم حشر تني أعمى وقد كنت بصيرا، استئناف سبق لبيان ما يقوله ذلك المعرض عن طاعة الله يوم القيامة. أى قال ذلك الكافر الذى حشره الله - تعالى - يوم القيامة أعمى، يارب لماذا حشرةنى على هذه الحال مع أبى كنت فى الدنيا بصيرا!؟ وهنا يأتيه الجواب الذى يخرسه، والذى حكاه الله - تعالى - فى قوله: (( قال كذلك)،، أى: قال الله - تعالى - فى الرد عليه: الأمر كذلك، فإنك «آتك آياتنا، الدالة على وحدانيتنا وقدرتنا,فنسيتها، أى: فتركتها وأعرضت عنها «وكذلك اليوم تنسى)، أى: كما تركت آياتنا فى الدنياوأعرضت عنها ، نتركك أيوم فى النار وفى العمى جزاء وفاقا . ثم ساق - سبحانه - سنة من سننه التى لانتخلف فقال: « وكذلك يخزى من أسرف ولم يؤمن بآيات ربه واعذاب الآخرة أشد وأبقى». أى: ومثل ذلك الجزاء الأليم الذى أنزلناه بهؤلاء المعرضين عن ذكرنا تجاوز كل من أصرف فى إرتكاب السيئات والموبقات ، وكل من لم يؤمن (١) حافية الجمل على الجلالين جـ ٣ من ١١٦ ٢٠٩ الجزء السادس عشر بآيات ربه، كذب بها وأعرض عنها، ولعذاب الآخرة أشد من عذاب الدنيا، ((وأبقى، أى: وأكثر بقاء، وأطول زمانا من عذاب الدنيا. ثم وبخ - سبحانه - أولئك الذين لم ينتفعوا بآياته فقال: « أقام يهدهمك أهلكنا قبلهم من الفرون يمدوز فى مساكنهم ... » والهمزة للاستفهام الإنكارى التوبيخى، والفاء للمطف على مقدر. والمعنى: أبلغت الغفلة والجهالة بهؤلاء المشركين، أنهم لم يتبين لهم ، أننا أهلكنا كثيرا من أهل القرون الماضية، الذين كانوا يمشون آمنين لادين فى مساكنهم . وكان إهلاكنا لهم بسبب إيثارهم الكفر على الإيمان ، والغى على الرشد، والعمى على الهدى . فالآية الكريمة تقريع وتوبيخ للكفار مكا الذين لم يعتبر واما أصاب أمثالهم من الأمم السابقة ، كقوم نوح وعاد وثمود ... قال الآلوسى: ((وقوله: ((يمشون فى مساكنهم، حال من ((القرون،أومن مفعول (( أهلكنا، أى: أهلكناهم وهم فى حال أمن وتقلب فى ديارهم. واختار بعضهم كونه حالاً من الضمير فى «لهم ، مؤكدا للإنكار، والعامل فيه ديهده. أى: أفلم يهد للمشركين حال كونهم ماشين فى مساكن من أهلكنامن القرون السالفة من أصحاب الحجر، وثمود، وقوم لوط ، مشاهدين لآثار هلاكهم إذا سافروا إلى بلاد الشام وغيرها ... . (١). وقوله - سبحانه -: ((إن فى ذلك لآيات لأولى النهى)، تذييل قصد به تعليل الإنكار، أى: إن فى ذلك الذى أخبر ناهم به. وأطلعناهم عليه من إهلاك المكذبين السابقين، ((لآيات، عظيمة. وعبر كثيرة، ودلائل واضحة لأصحاب العقول السليمة ، التى تنهى أصحابها عن القبائح والآثام . (١) تفسير الآلوسى + ١٦ ص ٠ ٥٨٠ ( ١٤ - سورة طه) ٢١٠ سورة طه والنهى: جمع بهيه - بضم النون وإسكان الهاء - سمى العقل بها لنهيه عن القبائح . ثم بين - سبحانه - بعض مظاهر فضله على هؤلاء المشركين الذين أرسل الرسول - صلى الله عليه وسلم - لإنقاذهم من الكفر والضلالة فقال - تعالى -: ((ولولا كلمة سبقت من ربك، لمكان لزاما وأجل مسمى)). والمراد بالكلمة السابقة. ما تفضل الله - تعالى - به من تأخير عذاب الاستئصال عن هذه الأمة التى بعث فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - كماقال - تعالى -: « وما كان اه ليهذبهم وأنت فيهم ... )). أو الآن من نسلهم من يؤمن بالله حق الإيمان، أو لحكم أخرى يعلمها - سبحانه - ولزاما: مصدر بمعنى اسم الفاعل ، وفعله لازم كقاتل . وقوله: (( وأجل مسمى، معطوف على ((كلمة)). والمعنى: ولولا الوعد السابق منا بتأخير العذاب عن هؤلاء المشركين إلى يوم "قيامة. ولولا الأجل المسمى المحدد فى علنا لانتهاء أعمارهم، لما تأخر عذابهم أصلا، بل لكان العذاب لازما لهم فى الدنيا، ونازلا بهم كما نزل بالسابقين من أمثالهم فى الكفر والضلال ثم أمر الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - بالمداومة على الصبر، وعلى الإكثار من ذكره - تعالى - ونهاه عن التطلع إلى زينة الحياة الدنيا .. فقال - تعالى - : ((فاصبِرْ عَلَى ما يقولُونَ وسَبِّح بَحَدِ ربِّك قبلَ طُلُوعِ الشَّفْسِ وقبلَ غُرُوبِها، ومن آناء الليلِ فَسَبِّح وأَطرافَ النَّهارِ لتَّكَّ تَرْضَى (١٣٠) ولا تحدَّنَّ عَيْنَيَّك إلى ما مثَّعناَ بهِ أَزْ وَاجاً مِنْهُمُ زهرَةً الحياةِ الدُّنْيَاَ لَنَفْتِنَهم فيه، ورِزْقُ ربَّكَ خِيْرٌ وأَبقَى (١٣١) وأُمُرْ. أَهلَكَ بالصَّلاةِ واصطَّبِرْ عَليْها لا نَسْأَلُكَ رِزْقاً نحنُ نْزُقُكَ والعاقبةُ للتَّقوى (١٣٢)». ٢١١ الجزء السادس عشر والفاء فى قوله - تعالى -: (فاصبر على ما يقولون ... ، فصيحة، أى: إذا كان الأمر كما ذكرنا لك - أيها الرسول الكريم - من أن تأخير عذاب أعدائك الإمهال وليس للإعمال ... فاصبر على ما يقولونه فى شأنك من أنك ساحر أو مجنون ... وسر فى طريقك دون أن تلفت إلى إيذائهم أو مكرم واستهزاتهم . ثم أرشده - سبحانه - إلى ما يشرح صدره، ويجلو همه فقال: «وسيح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، ومن آناء الليل فسبح وأطراف النهار لملك ترضى». أى: وعليك - أيها الرسول الكريم - أن تكثر من تسبيح ربك وتحميده وقزيهه. قبل طلوع الشمس وقبل غروبها ، وفى ساعات الليل وفى · أطراف النهار». أى: فى الوقت الذى يجمع الطرفين، وهو وقت الزوال، إذهونهاية النصف الأول من النهار ، وبداية النصف الثانى منه، إذ فى هذا التسبيح والتحميد والتنزيه الله - تعالى - والثناء عليه بما هو أهله، جلاء الصدور ، وتفريج الكروب وأنس النفوس ، واطمئنان القلوب . ويرى كثير من المفسرين ، أن المراد بالتسبيح هنا: إقامة الصلاة والمداومة عليها . قال ابن كثير: ((قوله، وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس)) يعنى صلاة الفجر ((وقبل غروبها)) يعنى صلاة العصر، كما جاء فى الصحيحين، عن جرير ابن عبدالله البحلى قال: كناجلوسا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنظر إلى القمر ليلة البدر فقال: إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامود فى رؤيته - أى: لا ينالكم ضيم، بأن يراه بعضكم دون بعض - فإن استطعتم أن لا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا، ثم قرأ هذه الآية .. ٢١٢ سورة طه وقوله (( ومن آناء الليل فسبح، أى: من ساعاته فتهجدبه، وحمله بعضهم على المغرب والعشاء. ((وأطراف النهار، فى مقابلة آناء الليل, لعلك ترضى، كما قال - سبحانه - («ولسوف يعطيك ربك فترضى))(١). وبعد هذا الأمر بالتسبيح ، جاء النهى عن الإعجاب بالدنيا وزينتها فقال - تعالى - ,ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا. لتفتنهم فيه ..... أى: أكثر - أيها الرسول الكريم - من الاتجاه إلى ربك، ومن تسبيحه وتنزيهه ومن المداومة على الصلاة ولا تطل نظر عينيك بقصد الرغبة والميل إلى ما متعنا به (« أزواجأ منهم)). أى: إلى ما متعنا به أصنافا من هؤلاء المشركين . بأن منحنام الجماه والمال والولد . وما جعلناه لهم فى هذه الدنيا بمثابة الزهرة التى سرعان ما تلع ثم تذبل. وتزول . قال الآلوسى ماملخصه: (قوله ((أزواجا منهم، أى: أصنافا من الكفرة. وهو مفعول ((متعنا، قدم عليه الجار والمجرور للاعتناء به ... وقيل الخطاب له - صلى الله عليه وسلم - والمراد أمته، لأنه كان أبعد الناس عن إطالة النظر. إليها، وهو القائل: «الدنيا ملعونة، ملعون مافيها، إلا ما أريد به وجه اليه - تعالى -، وكان - صلى الله عليه وسلم - شديد النهى عن الاغترار بها. ويؤخذ من الآية أن النظر الغير الممدود معفو منه، وكأن المنهى عنه فى الحقيقة هو الإعجاب بذلك، والرغبة فيه، والميل إليه. وقوله ((زهرة الحياة الدنيا ، أى: زينتها وبهجتها . وهو منصوب بمحذوف يدل عليه ((مثعنا)). (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٩ ٢١٣ الجزء السادس عشر أى: جعلنا لهم زهرة، أو على أنه مفعول ثان، بتضمين متعنافه فى أعطينا، فأزواجا مفعول أول. وزهرة هو المفعول الثانى .... ) (١). وقوله، لنفتنهم فيه، بيان الحكمة من هذا التمتيع والعطاء أى متعناهؤلاء الكافرين بالأموال والأولاد ... لنعاملهم معاملة من يبتليهم ويختبر بهذا المتاع، فإذا آمنوا وشكروا زدناهم من خيرنا، وإذا استمروا فى طغيانهم وجحودهم، وكفرهم ، أخذنام أخذ عزيز مقتدر . فالجملة الكريمة تنفر العقلاء من التطلع إلى ما بين أيدى الكفار من متاع، لأن هذا المتاع سى العاقبة، إذا لم يستعمل فى طاعة الله - تعالى -. وقوله - سبحانه -: ((ورزق ربك خير وأبقى، تذييل قصد به الترغيب فيما عند الله - تعالى - من طيبات. أى: وما رزقك الله إياه - أيها الرسول الكريم -فى هذه الدنيامن طيبات وما أدخر لك فى الآخرة من حسنات، خير وأبقى مما متع به هؤلاء الكافرين من متاع زائل سيحاسبهم الله - تعالى - عليه يوم القيامة حسابا عسيرا، لأنهم لم يقابلوا أنعم الله عليهم بالشكر، بل قابلوها بالجحود والكفران. والمتأمل فى هذه الآية الكريمة يراها قد رسمت للمؤمن أفضل الطرق وأحكمها، لكى يحيا حياة فاضلة طيبة، حياة يعتز فيها صاحبها بالمعانى الشريفة الباقية ، ويعرض عن المظاهر والزخارف الزائلة . ثم كلف الله - تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يأمر أهل بيته بالمداومة على إقامة الصلاة فقال: ((وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)). والمراد بأهل بيته - صلى الله عليه وسلم -: أزواجه وبناته؛ وقيل: ما يشملهم ويشمل معهم جميع المؤمنين من بنى هاشم . وقيل المراد بهم : جمیع أتباعه من أمته . ٠ (١) تفسير الآلوسى =١٦ ص٢٨٣. ٢١٤ سورة طه .٣ أى: وأمر - أيها الرسول الكريم - أهل بيتك بالمداومة على إقامة الصلاة خشوع وإخلاص وإطمئنان، واصطبر على تكاليفها ومشاقها، وعلى إقامتها كاملة غير منقوصة ، وعلى تحقيق آثارها الطيبة فى نفسك . وقد ساق بعض المفسرين عند تفسيره لهذه الآية أحاديث منها ما أخرجه البيهقى عن عبد الله بن سلام قال: كان النبى - صلى الله عليه وسلم - إذا: نزلت بأهله شدة أو ضيق أمرهم بالصلاة، وتلا هذه الآية: «وأمر أهلك. بالصلاة ..... وأخرج مالك والبيهقى عن أسلم قال: كان عمر بن الخطاب يصل من الليل. ما شاء الله - تعالى - أن يصلى حتى إذا كان آخر الميل أيقظ أهله للصلاة ويقول لهم: تصلاة الصلاة ويتلو هذه الآية ... ، (١). وقوله - سبحانه - ((لا نسألك رزقا نحن نرزقك والعاقبة للتقوى، تلجيم وتحريض للمؤمنين على إقامة الصلاة، ودفع لما يتوهمه البعض من أن المداومة. على إقامة الصلاة قد تشغل الإنسان عن السعى فى طلب المعاش . أى: مر - أيها الرسول الكريم - أهلك بالمداومة على الصلاة، وأصطهر على تكاليفها ، فهذه الصلاة هى من أركان العبادات التى خلقك الله وخلق عباده من أجلها ، ولا يصح أن يشغلكم عنها أى شاغل من سعى فى طلب الرزق أو غيره، فنحن لا نسكلفكم أن ترزقوا أنفسكم أو غيركم، وإنما نحن الذين نرزقكم وترزق الخلق جميعا قال - تعالى -: ((وما من دابة فى الأرض إلا على الله رزقها ... )) وقال - سبحانه -: ((وكاين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم، . (١) تفسير الآلوسي : ١٦ ص ٠٢٨٥ ٢١٥ الجزء السادس عشر وقوله ((والعاقبة للتقوى)، أى: والعاقبة الحميدة لأهل التقوى والخشية من الله - تعالى - الذين لا تليهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة ... روى الترمذى وابن ماجه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول الله - تعالى -: ((يابن آدم . تفرغ لعبادتى املأ صدرك عنى، وأسد فقرك، وإن لم تفعل .لأت صدرك شغلا، ولم أسد فقرك)). وروى ابن ماجه عن زيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: من كانت الدنيا همه، فرق الله عليه أمره، وجعل فقره بين عينيه، ولم يأته من الدنيا إلا ما كتب له. ومن كانت الآخرة نيته ، جمعله أمره، وجعل غناء فى قلبه، وأنته الدنيا وهى راغمة (١). ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بإيراد بعض الشبهات التى أثارها المشركون حول النبى - صلى الله عليه وسلم - ورد عليها بما يبطلها فقال - تعالى -: (( وقالُوا لولاَ يأتيناَ بآيةٍ مِنْ ربِّهِ، أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيْنَهُ مافى الصُّحفِ الأولى (١٣٣) ولو أنَّا أَهْلَكْنَهُم بَعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لقالُوا رَبَّنَاَ لوْلاً أرْسَلْتَ إِلَيْاَ رَسُولاً فَنَفْسِعِ آيَاتِكَ مِنْ قبلٍ أنْ نَذِلَّ وتَخْزَى (١٣٤) قُلْ كلٌ متربْصٌ فتربَّصَوا، فستَعْلَمُونَ من أصحابُ الصِّرَاطِ السَّوىِّ ومَنِ اهْتَدَى (١٣٥)» . ومرادهم بالآية فى قوله - سبحانه -: ((وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه، معجزة حسية من المعجزات التى اقترحوها عليه - صلى الله عليه وسلم - كتفجير الأنهار حول مكة ، وكرفيه إلى السماء، وكنزول الملائكة معه .. أى: وقال الكافرون على سبيل التعنت والعناد للرسول - صلى الله عليه وسلم - هلا أقيت لنا يا محمد بآية من الآيات التى طلبناها منك، أو بآية من (١) تفسير ابن كثير جـ , ص ٢٠٢. ٢١٦ سورة طه الآيات التى أتى بها الأنبياء من قبلك، كالعصا بالنسبة لموسى، والناقة بالنسبة لصالح . فهم - كما يقول الآلوسى -: ((بلغوا من المكابرة والعناد إلى حيث لم يعدوا. ما شاهدوا من المعجزات التى تخر لها صم الجبال، من قبيل الآيات ، حتى اجترؤًا على التفوه بهذه العظيمة الشنعاء . وقوله - سبحانه -: ((أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الأولى، رد على جهالاتهم وجحودهم . والمراد بالبيئة القرآن الكريم الذى هو أم الآيات، ورأس المعجزات. والمراد بالصحف الأولى : الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل والزبور . والواو العطف على مقدر يقتضيه المقام ، والاستفهام لتقرير الإتيان وثبوته . والمعنى: أجهلوا ولم يكفهم اشتمال القرآن الذى جئت به - أيها الرسول الكريم - على بيان ما فى الصحف الأولى التى أنزلناها على الرسل السابقين، ولم يكفهم ذلك فى كونه معجزة حتى طلبوا غيرها ؟ قال صاحب الكشاف: ((اقترحوا على عادتهم فى التعنت آية على النبوة، فقيل لهم : أو لم تأتكم آية هى أم الآبات وأعظمها فى باب الإعجاز، يعنى القرآن، من جهة أن القرآن برهان ما فى سائر الكتب المنزلة، ودليل صحته لأنه معجزة، وتلك ليست بمعجزات، فهى مفتقرة إلى شهادته على صحة ما فيها، افتقار المحتج عليه إلى شهادة الحجة ... ، (١). وقال ابن كثير: قوله: ((أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الأولى، يغنى: القرآن العظيم، الذى أنزله الله - تعالى عليه - صلى الله عليه وسلم -، وقد جاء (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٩٩ ٢١٧ الجزء السادس عشر فيه أخبار الأواين بما كان منهم فى سالف الدهور، بما يوافقه عليه الكتب المتقدمة الصحيحة منها ، فإن القرآن مهيمن عليها ... وهذه الآية كقوله - تعالى -: ((وقالوا لولا أنزل عليه آيات من ربه، قل إنما الآيات عندائه وإنما أنا نذير مبين. أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم، إن فى ذلك لرحمة وذ کری لقوم يؤمنون » . وفى الصحيح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (( ما من فى إلا وقد أوفى من الآيات ما آمن على مثله البشر. وإنما كان الذى أوتيته , حيا أوحاه الله إلى. وإنى لأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة، (١). ومنهم من يرى أن المراد بالبيئة: الكتب السماوية السابقة . فيكون المعنى: أو لم يكف هؤلاء الجاهلين أن الكتب السماوية السابقة كالتوراة والإنجيل قد بشرت بك. وبينت نعوتك وصفاتك، وم معترفون بصدقها ، فكيف لا يقرون بنبوتك . قال الفرطى: (قوله: ((أو لم تأتهم بينة ما فى الصحف الأولى)) يربد التوراة والإنجيل والكتب المتقدمة، وذلك أعظم آية إذ أخبر بما فيها . وقيل: أو لم تأتهم الآية الدالة على نبوته بما وجدوه فى الكتب المتقدمة من البشارة ... (٢). وعلى كلا التفسيرين فالآية الكريمة شهادة من الله - تعالى - بصدق التى - صلى الله عليه وسلم - فيما بلغه عنه، ورد مبطل الشبهات الكافرين ولأقوالهم الباطلة، وإن كان تفسير البينة هنا بالقرآن أظهر وأوضح . وقوله - تعالى -: ((ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسات إلينا رسولا فنتبع آيانك من قبل أن تذل وفخزى، كلام مستأنف لتقرير ما قبله من أن القرآن الكريم هو معجزة المعجزات، وآية الآيات. وأرضها وأنفعها . (١) تفسير ابن کثیر + ٥ ص ٣٢٣ (٢) تفسير القرطی + ١١ ص ٢٦٤ ٢١٨ سورة طه أى: ولو أنا أهلكنا هؤلاء الكافرين بعذاب الاستئصال ، من قبل مجى: الرسول - صلى الله عليه وسلم - إليهم ومعه هذا القرآن الكريم معجزة له، لقالوا على سبيل الإعتذار يوم القيامة: باربنا ملا أرسلت إلينا فى الدفيار-ولا من عندك ومعه المعجزات التى تدل على صدقه ، فكنا فى هذه الحالة اتبعنا آياتك التي جاءفا بها وصدقناه وآمنا به ، من قبل أن يحصل لنا الذل والهوان والخزى والافتضاح فى الآخرة . والمقصود من الآية الكريمة قطع أعذارهم، أى : لو أنا أهلكنام قبل ذلك، فقالوا ما قالوا ، ولمكنا لم نهلكهم بل أرسلنا إليهم رسولنا، فبلغهم. ما أرسلنا به، فانقطع عذرهم ، وبطلت حجتهم. وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : ((ولولا أن تصيبهم مصيبة بما قدمت أيديهم ، فيقولواربنا لولا أرسلت إلينا رسولا ، فنتبع آياتك ونكون من. المؤمنين)(١) . ثم ختم - سبحانه السورة الكريمة بهذه الآية التى أمر فيها رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يهددهم بسوء العاقبة، إذا ما استمروا فى طغيانهم يعمهون،. فقال - تعالى -: ((قل كل متربص فتربصوا فستعلمون من أصحاب الصراط السوی و من اهتدى )». أى: قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين: كل واحد منا ومنكم متربص بالآخر، ومنتظر لما يؤول إليه أمر صاحبه. وما دام الأمر كذلك، فتربصوا، وانتظروا ما يؤول إليه حالنا وحالكم (فستعدون » بعد زمن قريب . ((من، هم ((أصحاب الصراط السوى، أى: الطريق الواضح المستقيم الذى لا اعوجاج فيه و«من، هم الذين تجنبوا الضلالة، واهتدوا إلى ما يسعدهم فى دينهم وفى دنياهم وفى آخر تهم . (١) سورة القصص الآية ٤٧، ٢١٩ الجزء السادس عشر وقريب من هذه الآية فى المعنى قوله -تعالى-((سيعلمون غدا من الكذاب الأثر ،(١) . وقوله - سبحانه -: «وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا)،(٢). ٠٠ وبعد فهذه سورة طه، وهذا تفسير تحايلى لها ، وكما أنها قد افتتحت بنفى إرادة الشقاء للنى - صلى الله عليه وسلم -، فقد اختتمت بهذه البشارة له. - صلى الله عليه وسلم - ولأتباعه، وبهذه التهديد لأعدائهم ... نسأل الله - تعالى - أن يجعل القرآن الكريم ربيع قلوبنا، وأنى نفوسنا وبهجة صدورنا، وشفيعنا يوم الدين (« يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى .. الله بقلب سليم .. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ د / محمد سيد طنطاوى مفتى جمهورية مصر العربية (١) سورة القمر آية ٢٦ (٢) سورة الفرقان آية ٤٢