Indexed OCR Text

Pages 121-140

١٢١
الجزء السادس عشر
حية تسعى، ووصفها فى سورة الشعراء بأنها « ثعبان مبين)،(١) ووصفها
فى سورة النمل بأنها ((تهتز كأنها جان)،(٢).
ولا تنافى بين هذه الأوصاف ، لأن الحية اسم جنس يطلق على الصغير
والكبير ، والذكر والأنثى، والثعبان: هو العظيم منها، والجان: هو الحية
الصغيرة الجسم، السريعة الحركة .
وقد صرحت بعض الآيات أن موسى - عليه السلام - عندما رأى
عصاه قد تحولت إلى ذلك، ولى مديرا ولم يعقب . قال - تعالى -: «وأن
ألق عصاك فذا رآها تهتز كأنها جان ولى مديراً ولم يعقب ....
ولكن الله - تعالى - ثبت فؤاده، وطمأن نفسه وقال له: «خذها ولا تخف))
أى: هذه الحية التى تحولت عصاك إليها خذها ولا تخف منها، كما هو الشأن
فى الطبائع البشرية، فإنا «سنعيدها سيرتها الأولى، أى: سنعيد هذه الحية إلى
هيئتها الأولى التى كانت عليها قبل أن تصير حية تسعى ، وهى أن نعيدها بقدر تنا
التى لا يعجزها شىء إلى عصا كما كانت من قبل .
فالجملة الكريمة مسوقة لتعليل وجوب الامتثال للأمر وعدم الخوف، أى:
خذها ولا تخف منها ، فإن هذه الحية سنرجعها عصا كما كانت من قبل ،
وقوله - تعالى - «سيرتها، فعلة من السير، وهى الحالة والهيئة الويكون
عليها الإنسان، وهو منصوب بنزع الخافض . أى: سنعيدها إلى هيئها
وحالتها الأولى .
قالوا : ومن الحكم التى من أجلها حول الله - تعالى - العصا إلى حية تسعى:
توطين قلب موسى - عليه السلام - على ذلك، حتى لا يضطرب إذا ما تحوات
إلى تعبان عظيم عندما يلقيها أمام فرعون وقومه .
(١) الآية ٣٢
(٢) الآية ١٠

١٢٢
سورة طه
فقد جرت عادة الإنسان أن يقل اضطرابه من الشىء العجيب الغريب بعد
رؤيته له لأول مرة .
ثم وجه - سبحانه - أمراً آخر إلى هبده موسى فقال: واضمم يدك إلى
جناحك تخرج بيضاء من غير سوء آية أخرى».
والضم: الجمع. يقال ضم فلان أصابعه إذا جمعها. والجناح: يطلق على
العضد وعلى الجنب، وعلى الإبط ... وأصله جناح الطائر. وسمى بذلك لأنه
يجنحه، أى: يميله عند الطيران، ثم توسع فيه فأطلق على العضد وغيره .
والمراد باليد هنا : كف يده اليمنى.
والسوء: الردىء والقبيح من كل شىء، وكنى به هنا عن البرص لشدة قبحه.
والمعنى، وأضمم ـ ياموسى - يدك اليمنى إلى عضد يدك اليسرى بأن تجعلها
تحته عند الإبط. ثم أخرجها فإنها تخرج (( بيضاء من غير سوء)، أى: تخرج
منيرة مشرقة واضحة البياض ، دون أن يعلق بها أى سوء من برص أومرض
أو غيرهما، وإنما يكون بياضها بياضا مشرقا بقدرة الله - تعالى - وإرادته.
قال الحسن البصرى: أخرجها - واقه - كأنها مصباح، فعلم موسى نه
قد اقی ر به - تعالی . .
وقوله: (( تخرج بيضاء ... )) جواب الأمر وهو قوله ((واضعم يدك ..
وقوله ((من غير سوء)، احتراسى لدفع توهم أن يكون بياضها بسبب
مرض أو أذى ، وهو متعاق بتخرج.
وقوله ((آية أخرى)، أى: معجزة أخرى غير معجزة العصا التى سبق أن
منحناها لك .
كما قال - تعالى -: ((واضهم إليك جناحك من الرهب فذافك برمانان من
ربك إلى فرعون وملئه إنهم كانوا قوما فاسقين))(١) . ..
(١) سورة القصص الآية ٣٢ .
٦

١٢٣
الجزء السادس عشر
وقوله: ((لنربك من آياتنا الكبرى، تعليل لمحذوف: أى: فعلنا ما فعلنا
من إعطائك معجزة العصاو معجزة اليد، إنرك بها تير المعجز من بعض معجزاتنا
الكبرى ، الدالة على عظيم قدرتنا ، وانفرادنا بالربوبية والألوهية .
ثم صرح - سبحانه - بالمقصود من إعطاء موسى هاتين المعجز تين العظيم ين
فقال: ((اذهب إلى فرعون إنه طغى)، أى: اذهب ياموسى ومعك هاتان
المعجزتان، فادعه إلى عبادتى وحدى، ومره فليحسن إلى بنى إسرائيل ولا يعذبهم،
وأنهه عن التجبر والظلم ، فإنه قد طغى وبغى وتجاوز حدود الحق والعدل ،
وزعم الناس أنه ربهم الأعلى.
وهنا لنمس موسى - عليه السلام - العون من خالقه، لكى يتسنى له أداء
ما كاءه به فقال: ((رب اشرح لى صدرى، أى: أسألك يا إلهى أن توسع
صدرى بنور الإيمان والنبوة، وأن تجعله يتقبل تكاليفك بسرور وارتياح.
((ويسر لى أمرى، أى: وسهل لى ما أمرتنى به، فإنك إن لم تحطنى بهذا
التيسير ، فلا طاقة لى بحمل أعباء هذه الرسالة .
قال صاحب السكشاف: «لما أمره بالذهاب إلى فرعون الطاغى - لعنه الله -
عرف أنه كلف أمرا عظيما، وخطبا بحسبما يحتاج معه إلى احتمال مالا يحتمله
إلا ذو جأش راط ، وصدر فسيح ، فاستوهب ربه أن يشرح صدره، ويفسح
قلبه، ويجعله حليما حمولا يستقبل ماعسى يرد عليه من الشدائد، التى يذهب
معها صبر الصابر ... وأن يسهل عليه فى الجملة أمره الذى هوخلافة اقه فى أرضه،
وما يصحبها من مزاولة معاظم الشئون، ومقاساة جلال الخطوب ... ،(١).
وقوله (( واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولى، دعاء ثالث تضرع به إلى
خالقه - تعالى - أى: وأسألك يارب أن تحل عقدة من لساني حتى يفهم الناس
قولى لهم، وحديثى معهم ، فهما ينأتى منه المقصود. فمن للتبعيض، أى: واح الى
عقدة كائنة من عقده
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٦٠

١٢٤
سورة طه
وقد روى أنه كافت بلسانه حبة، والأرجح أن هذا هو الذى عناه،
ويؤيده قوله - تعالى - فى آية أخرى: ((وأخى مارون هو أنصح ه فى اسانا
فأرسله معى ردها يصدقنى، إنى أخاف أن يكذبون ،(١).
قال ابن كثير: « ذلك لما كان أصابه من اللشغ، حين عرض عليه - فرعون.
العمرة والجمرة، فأخذ الجمرة فوضعها على لسانه ... وما سأل أن يزول
ذلك بالكلية، بل حيث يزول لعى، ومحصل طم فيهم ما يريد منه وهو قدر
الحاجة ولو سأل الجميع لزال ، ولكن الأنبياء لا يسألون إلا بقدر الحاجة،
ولهذا بقيت بقية .
قال الحسن البصرى: سأل موسى ربه أن يحل عقدة واحدة من لسانه،
ولو سأل أكثر من ذلك لأعطى (٢).
وقوله - سبحانه -ـ «واجعل لى وزيراً من أهلى. هارون أخى . أشدد به
أزرى. وأشركه فى أمرى، دعاء آخر تضرع به إلى ربه فى أمر خارجى عنه،
بعد أن دعاه فى أمر يتعلق بصدره ولسانه ...
وقوله: «وزيرا، من الموازرة وهى المعاونة. يقال: وأزرت فلانا
موازرة، إذا أعنته على أمره. أو من الوزر - بفتح الواو والزاى - وهو الملجأ
الذى يعتصم به الإنسان لينجو من الهلاك .
أى: وأسألك - يا إلهى - أن تجعل لى («وزيرا، أى: معينا وظهيرا من أهلى
فى إبلاغ رسالتك، وهذا الوزير والمعين هو أخى هارون ، الذى أسألك أن
تقوى به ظهرى، وأن تجعله شريكا لى فى تبليغ رسالتك ، حتى ودبها على
الوجه الأكمل وكأن موسى - عليه السلام - قد علم من نفسه حدة الطبع،
وسرعة الانفعال، فالتجأ إلى ربه لكى يعينه بأخيه هارون، ليقويه ويقشاور
معه فى الأمر الجليل الذى هو مقدم عليه، وهو تبليغ رسالة الله إلى فرعون
الذى طغى وبغى وقال لقومه أنا ربكم الأعلى.
(١) سورة القصص الآية ٤ ٣
(٢) راجع تفسير ابن كثير + ٥ ص ٢٨٦

-
-
٠٠٠
١٢٥
الجزء السادس عشر
قال ابن عباس: فى هارون ساعتئذ حين نيء ،وسى.
وقوله: ((كى نسبحك كثيراً. ونذكرك كثيراً. إنك كنت بنا بصيراً))
تحليل الدعوات الصالحات التى تضرع بها موسى إلى ربه - تعالى - .
أى: أجب ـ يا إلهى - دعائى بأن تشرح صدرى ... وتشد بأخى هارون
وزرى، كى نسبحك تسبيحا كثيراً، ونذكرك ذكراً كثيراً، إنك. سبحانك.
كنت ومازلت بنا بصيراً، لا يخفى عليك شىء من أمرنا أو من أمر خلقك،
فأنت المطلع على حالنا وعلى ضعفنا، وأنت العليم بحاجتنا إليك وإلى عونك
ورعايتك .
بهذه الدعوات الخاشعات ابتهل موسى إلى ربه، وأطال الابتهال فى بسط
حاجته، وكشف ضعفه ... فماذا كانت النتيجة؟
لقد كافت الفقيجة أن أجاب الله له دعاءه، وحقق له مطالبه ، وذكره
ببعض مننه عليه فقال - تعالى -:
((قالَ قدْ أُوتِيتَ سؤلكَ يا مُوسَى (٣٦) ولقَدْ مَنًّّا عليكَ مرةً
أُخرى (٣٧) إِذْ أَ وحيناً إلى أُمّك ما يُوحَى (٣٨) أَنِ اقذفِيهٍ فى التابوتِ
فَاقْذِ فِيه فى اليَمِ، فَلْيُلِهِ اليمُّبالساحِلِ يأْخُذْه عدوٌّلِى وعدوّلهُ وألقيتُ
عليكَ محبةً مِنِّ ولتُصْنَع على عينى (٣٩) إِذْ تمشى أختكَ فتقولُ هَلْ
أدُلْكُم على من يكفُلهُ، فرَجمْنَكَ إلى أمَّكَ كَىْ تقرَّ عيْنُها ولا تحزنْ،
وقَتَّلتَ نَفْساً فَنَجِيْنَكَ من الغمِّ وفتنَّكَ فُتُونا ، فلبثْتَ سِنِينَ فى أهْلِ
مدينَ ثم جِئْتَ على قَدرِ يا مُوسى (٤٠) واصْطَنِعْتُكَ لنفْسِى (٤١)».
وقوله - سبحانه -: ((قال قد أوتيت سؤلك يا موسى، حكاية لما رد الله
- تعالى - به على نبيه موسى - عليه السلام - بعد أن تضرع إليه بتلك
الدعوات النافعات .

١٢٦
سورة طه
والسؤال هنا بمعنى المسئول ، كالأكل بمعنى المأكول.
قال الآلوسي: «والإبتاء: عبارة عن تعلق إرادته - تعالى - بوقوع تلك
المطالب وحصولها له - عليه السلام - ألبتة، وتقديره - تعالى - إياما حتما،
ف كلها حاصلة له - عليه السلام - ((وإن كان وقوع بعضها بالفعل مرقبا بعد،
كتيسير الأمر ، وشد الأزر .... ،(١).
أى: قل الله - تعالى - لموسى بعد أن ابتهل إليه - سبحانه - بما ابتهل:
لقد أجبنا دعاء ك يا موسى، وأعطيناك ما سألتنا إياه، فطب نفسا وقرحينا.
وقوله - تعالى - ((واقد منا عليك مرة أخرى، تذكير منه - سبحانه -
لموسى، بجانب من النعم التى أنعم بها عليه، حتى يزداد ثباتا وثقة بوعد الله
- تعالى - ولذا صدرت الجملة بالقسم.
أى: وعزتى وجلالى لقد مننا عليك. وأحسنا إليك «مرة أخرى)) قيل
ذلك، ومنحناك من رعايتنا قبل أن تلتمس منا أن نشرح لك صدرك، وأن
فيسر لك أمرك ...
ثم فصل - سبحانه - هذه المنن التى أمتن بها على عبده موسى، فذكر ثمانية
منها: أما أول هذه المنن فتتمثل فى قوله- تعالى-((إذا وحينا إلى أهلك ما يوحى).
و((إِذ)) ظرف لقوله ((مننا، والإيماء: الإعلام فى خفاء. وإيحاء إنه
- تعالى - إلى أم موسى كان عن طريق الإلهام أو المنام أو غيرهما.
قال صاحب الكشاف: ((الوحى إلى أم موسى: إما أن يكون على لسان
فى فى وقتها، كقوله - تعالى -: «وإذ أو حيت إلى الحواريين، أو يبعث إليها
ملكا لا على وجه النبوة وكما بعث إلى مريم. أو يريها ذلك فى المنام فتقنبه عليه
أو بلهمها كقوله - تعالى -: ((وأوحى ربك إلى النحل».
(١) تفسير الألوسى ج ١٦ ص ٠١٨٦

١٢٧
الجزء السادس عشر
أى: أوحينا إليها أمرا لاسبيل إلى التوصل إليه، ولا إلى العلم به، إلا
بالوحى .. (١).
والمعنى: ولقد مننا عليك باموسى مرة أخرى. وقت أن أوحينا إلى أ.لك
بما أوحينا من أمر عظيم الشأن ، يتعلق بنجاتك من بطش فرعون .
فالتعبير بالموصول فى قوله ما يوحى للتعظيم والتهويل، كما فى قوله - تعالى -
((فأوحى إلى عبده ما أوحى».
ثم وضح - سبحانه -ما أوحاه إلى أم موسى فقال: «أن القذافيه فى التابوت
فاقذفيه فى اليم، فليلقه اليم بالساحل ، يأخذه عدو لى وعدو له ... )).
و((أن)) فى قوله « أن (قذفيه، مفسرة، لأن الإيحاء فيه معنى القول دون
حروفه .
والمراد بالقذف هنا: الوضع، والمراد به فى قوله «فاقذ فيه فى اليم، الإلقاء
فى البحر وهو فيل مصر .
والتابوت: الصندوق الذى يوضع فيه الشىء.
والمعنى: لقد كان من رعايتنا لك يا موسى أن أوحينا إلى أمك عندما
خافت عليك القتل : أن ضعى إبنك فى التابوت ، ثم بعد ذلك اقذفى بالتابوت
فى البحر (وبأمرنا وقدرتنا يليق اليم بالتابوت على شاطئ البحر وساحله،
وفى هذه الحالة يأخذه عدو لى وعدو له، وهو فرعون الذى طغى وقال لقومه
أنا ربكم الأعلى .
والضمائر كلها تعود إلى موسى - عليه السلام - وقيل إن الضمير فى قوله
, فاقذفیه فی الیم ..
وفى قوله « فليلقه، يعود إلى التابوت، والأول أرحح، لأن تفريق
الضمائر هنا لاداعى له، بل الذى يقتضيه بلاغة القرآن الكريم. عودة الضمائر
إلى موسى - عليه السلام - .
(١) السير الكشاف = ١ ص ٦٢.

١٢٨
سورة طه
قال بعض العلماء: وصيغة الأمر فى قوله «فليلقه اليم بالساحل، فيها وجهان
معروفان عند العلماء :
أحدهما: أن صيغة الأمر معناها الخبر. قال أبو حيان فى البحر: ((وقوله
« فليلقه، أمر معناه الخبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع
الأفعال وأوجبها .
الثانى: أن صيغة الأمر فى قوله (( فليلفه)) أريد بها الأمر الكونى القدرى
كقوله: ((إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون، فالبحر لابدأن
بلقيه بالساحل، لأن الله - تعالى - أمره بذلك كونا وقدرا .. )(١).
وقوله ((يأخذه، مجزوم فى جواب الطلب وهو قوله، فليلقه ... ، إلا
أنه على الوجه الأول يكون الطلب باعتبار لفظه وصيغته.
وقوله - سبحانه - «وألقيت عليك محبة منى. بيان للمنة الثانية.
قال الآلوسي: ((وكلمة ((مز) متعلقة بمحذوف وقع صفة لحذوف مؤكدة
لما فى تفكيرها من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية. أى : وألقيت عليك
محبة عظيمة كائنة منى؟ لامن غيرى - قد زرعتها فى القلوب، فكل من رآ ك
أحبك ... ،(٢).
ولقد كان من آثار هذه المحبة : عطف امرأة فرعون عليه، وطلبها منه
عدم قتله ، وطلبها منه كذلك أن يتخذه ولدا .
وكان من آثار هذه المحبة أن يعيش موسى فى صغره معززا مكر ما فى بيات
فرعون، مع أنه فى المستقبل سيكون عدوا له .
وهكذا رعاية الله - تعالى - ومحبيه لموسى جعلته يعيش بين قوى الشر
والطغيان آمناً مطمئنا .
(١) أضواء البيان ج ٥ ص ٤٠٦.
(٢) تفسير الآلومى = ١٦ ص ١٨٩.

١٢٩
الجزء السادس عشر
قال ابن عباس: أحب الله - تعالى - موسى، وحببه إلى خلقه.
وقوله - تعالى -: ((ولتصنع على عينى بيان للمنة الثالثة.
أى : أوحيت إلى أمك بما أوحيت من أجل مصلحتك ومنفعتك
وألقيت عليك محبة منى، ليحبك الناس ، ولتصنع على عينى، أى: ولقربى
وأنت محاط بالحنو والشفقة تحت رغابتى وعناتى وعبنى، كما يراعى الإنسان
بعينه من يحبه ويهتم بأمره.
وهذا ماحدث لموسى فعلا، فقد عاش فى طفولته تحت عين فرعون.
وهو عدو الله - تعالى - ومع ذلك لم تستطع عين فرعون أن تمتد بسوء
إلى موسى، لأن عين الله - تعالى - كانت ترعاه وتحميه من بعاش
فرعون وشيعته .
فالجملة الكريمة فيها من الرفق بموسى - عليه السلام - ومن الرعاية له،
ما يعجز القلم عن وصفه .
وكيف يستطيع القلم وصف حال إنسان قال الله فى شأنه , واتصنع
على عينى » .
قال صاحب الكشاف: (أى: ولتربى ويحسن إليك وأنا مراعيك ورافيك
كما يراعى الرجل الشىء بعينه إذا اعتنى به ، وتقول للصانع: اصنع هذا على
عینی إنى أنظر إليك لئلا تخالف به عن مرادى وبغيتى.
وقوله: « ولتصنع ، معطوف على علة مضمرة مثل: ليتعطف عليك ...
أو حذف معلله أى: ((ولتصنع على عينى فعلت ذلك»(١).
ثم بين - سبحانه - المنة الرابعة على موسى فقال: ((إذ تمشى أختك
فتقول هل أدلكم على من يكفله، فرجعناك إلى أمك كى تقر عينها .
ولا تحزن ... )).
(١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٦٣.
( ٩ - سورة طه

١٣٠
سورة طه
وكان ذلك بعد أن التقط آل فرعون موسى من فوق الشاطئ.، وبعد أن.
أمتنع عن الرضاعة من أى امرأة سوى أمه .
أى: وكان من مظاهر إلغاء محبتى عليك، ورعايتى لك، أن أختك بعد
أن أمرتها أمك بمعرفة خبرك، سارت فى طرقات مصر فأبصرتك فى بيت فرعون
وأنت متنع عن الرضاعة من أى امرأة، فقالت أختك لفرعون وامر أته
«هل أدلكم على من يكفله».
أى: ألا تريدون أن أرشدكم إلى امرأة يقبل هذا الطفل الرضاعة منها.،
وتحفظه وترعاه .
والفاء فى قوله : فرجهناك إلى أمك كى تقر عينها ولا تحزن، هى النصيحة
أى : التى تفصح عن كلام مقدر .
والمعنى: بعد أن قالت أختك لفرعون وامرأته: هل أدلكم على من يكن له،
أجابوها قولهم: دلينا عليها، فجاءت بأمك فرجعنا إليك كى تسر برجوعك،
ويمتلىء قلبها فرحا لقائها بعد أن ألفتك فى الم ، ولا تحزن بسبب
فراقك عنها .
ثم حكى - سبحانه - المنة الخامسة فقال: ((وقتلت نفسا فنجيناك من الغم،
وكان ذلك عند ما استنصر به رجل من قومه على رجل من أعدائه .
أى: وقتلت نفسا هى نفس القبطى، عند ما استعان بك عليه الإسرائيلى
فنجيناك من الغم الذى نزل بك بسبب هذا القتل .
قال الآلوسي: ((وقد حصل له هذا الفم من وجهين: خوف عقاب الله - تعالى-
حيث لم يقع القتل بأمره - سبحانه - وخوف القصاص، وقد نجاه الله من
ذلك بالمغفرة حين قال: «رب إنى ظلمت نفسى فاغفر لى فغفر له)) وبالمهاجرة
إلى مدين ...
والغم فى الأصل: ستر الشىء، ومنه الغمام لستره ضوء الشمس . ويقال:

١٣١
الجزء السادس عشر
لما يغم القلب بسبب خوف أو فوات مقصود ... )(!).
وقوله - عز وجل -: ((وفتناك فتونا، بيان للمنة السادسة التى امتن الله
- تعالى - بها على موسى - عليه السلام -.
والفتون: جمع فتن كالظنون جمع ظن. والفتن: الاختبار والابتلاء،
تقول: فتنت الذهب بالنار ، أى : أدخلته فيها لتعلم جودته من رداءته .
والمعنى: واختبرفاك وابتليناك - يا موسى - بألوان من الفتن والمحن.
ونظم - سبحانه - هذا الفتن والاختبار فى سلك المنن، باعتبار أن الله
- تعالى - ابتلاه بالفتن ثم نجاه منها، ونجاه من شرورها .
وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية حديثا طويلاسماء بحديث
الفتون، ذکر فیه قصة مولد موسى، وإلقائه فىالم ، وتر يته فى بيت فرعون ،
وقتله القبطى، وهروبه إلى مدين، وعودته منها إلى مصر. وتكليف اللّه
- تعالى - له بالذهاب إلى فرعون، ودعوته إلى عبادة الله وحده .. الخ(١).
وقوله - تعالى -: ((فلبثت سنين فى أهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى))
أى: فابلت عشر سنين فى قرية أهل مدين، تعمل كأجير عند الرجل الصالح.
ثم جئت بعد ذلك إلى المكان الذى نادينك فيه ,على قدر، أى على وفق الوقت
هذى قدر ناء نحينك، وحددناه لتكليمك واستنيائك، دون أن تتقدم أو
تتأخر، لأن كل شىء عندنا محدد ومقدر بوقت لا يتخلف عنه.
قال - تعالى -: ((إنا كل شيء خلقناه بقدر)، وقال - سبحانه -: ((وكل
شىء عنده بمقدار، وقال ـ عز وجل ـ((وكان أمراة قدرا مقدورا)).
ثم حكى - سبحانه - المنه الثامنة. فقال: ((واصطنعتك لنفسى) أي :
(١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص ١٩٢.
(٢) راجع تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٢٧٩ وما بعدها.

١٣٢
سورة طه
وجعلتك محل صنيعتى وإحسانى، حيث اخترتك واصطفيتك لحل رسالتى
وتبليغها إلى فرعون وقومه، وإلى قومك بنى إسرائيل.
فالآية الكريمة تكريم عظيم لموسى - عليه السلام - حيث اختاره أقه
- تعالى - واجتباه من بين خلقه لحمل رسالته إلى فرعون وبنى إسرائيل.
هذه ثمانى منن ساقها - تعالى - هنا مجملة، وقد ساقها - سبحانه - فى سورة.
القصص بصورة أكثر تفصيلا، ومن ذلك قوله - تعالى -: ((وأوحينا إلى
أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه فى البم ولا تخافى ولا تحزنى،
إذا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. فالتقطه آل فرعون ليكون لهم
عدوا وحزنا إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا خاطئين . وقالت امرأة
فرعون قرة عين لى ولك لا نقتلوه عسى أن ينفعنا أو تتخذه ولدا وم
لايشعرون ... )(١) .
وبعد أن ذكر - سبحانه - بعض المنن التى امتن بها على نبيه موسى.
- عليه السلام - أنبع ذلك بذكر بعض التوجيهات التى أمره بفعلها ، حيث
كلفه بتبليغ الدعوة إلى فرعون، فقال - تعالى -:
((إِذْهَبْ أَنتَ وأَخُوكَ بِآيَنى ولا تَفِياَ فِى ذِ كْرِى (٤٢) اذْ هِبَ إِلى
فرعونَ إِنَّهَ طَنَى (٤٣) فَقُولاً لهُ قَوْلاً لَيْنَاً لَعَلَّهُ يَتَذكَرُ أَوْ يُخْتَى (٤٤)
قالا ربَّ إِنَّنَا نخافُ أنْ يفرُطَ عَلَيْنَ أَوْ أنْ يُطْغَى (٤٥) قالَ لا تخافاً.
إِنَّى معكما أسمَعُ وَأَرَى (٤٦) فأنِياً، فقولاً إنَّا رَسُولاً رَبِّكَ فَأُرسِلْ
معَنَاً بنى إِسْرائيلَ وَلاَ ثُمَذِّبْهُم، قد جِشْتَكَ بَآيَة مِنْ رَبِّكَ والسَّلامُ عَلَى
مَنِ اذَّعِ الْحُدَى (٤٧) إِنَّا قدْ أُوحِىَ إِلَيْاَ أنَّ العَذابَ عَلَى من
كَذَّبَ وتولَّى (٤٨))).
(١) سورة القصص الآيات من ٧ - ٩.

١٢٣
الجزء السادس عشر
وقوله - سبحانه ــ ((ولا تنياء فعل مضارع مصدره الونى - بفتح الواو
وسكون النون - بمعنى. الضعف والفتور والتراخى فى الأمر .
يقال: ونى فلان فى الأمر ینیونیا - كوعد يعد وعدا - إذا ضعف وتراخى
فى فصل .
وقوله: (( أخوك، فاعل لفعل محذوف. أى: وليذهب .. ك أخوك.
والمراد بالآيات : المعجزات الدالة على صدق موسى - عليه السلام -،
وعلى رأسها عصاء التى ألقاها فإذا هى حية تسعى، ويده التى ضمها إلى جناحه
تخرجت بيضاء من غير سوء .
والمعنى: إذهب با موسى أنت وأخوك إلى حيث آمر كما متسلحين بآياتى
ومعجزانى ، ولا تضعفا أو تتراخيا فى ذكرى وتسبيحى وتقديسى بما بطيق
بذافى وصفانى من العبادات والقربات، فإن ذكر كمالى هو عدتكما وسلاح كا
وسندكما فى كل أمر تقدمان عليه.
فالآية الكريمة تدعو موسى وهارون ، كما تدعو كل مسلم فى كل زمان
ومكان إلى المداومة على ذكر الله - تعالى- فى كل موطن، بقوة لا ضعف معها
وبعزيمة صادقة لا فتور فيها ولا كلال .
وقد مدح - سبحانه - المداومين على تسبيحه و نحمیده و تقديسه فی کل
أحوالهم فقال: (( إن فى خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار
لآيات لأولى الألباب. الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم،(١).
قال صاحب الكشاف: ((قوله ((ولا تنيا فى ذكرى)) الونى: الفتور
والتقصير .. أى: لا تنسيانى ولا أزال منكما على ذكر حيث تقلبتما، وإضا
ذكرى جناحا تصيران به مستمدين بذلك العون والتأييد منى، معتقدير أن
أمراً من الأمور لن يتمشى لأحد إلا بذكرى. ويجوز أن يريد بالذكر: تبليغ
.(١) سورة آل عمران الآيتان ١٩٠، ١٩١.

١٣٤
سورة طـه
الرسالة، فإن الذكر بقع على سائر العبادات. وتبليغ الرسالة من أجلها وأعظمها
فكان جديرً بأن يطلق عليه اسم الذكر .... (١)
وقال ابن كثير: ((والمراد بقوله (( ولاتنيا فى ذكرى)): أنهما لا يفتران
فى ذكر الله، بل يذكران الله فى حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر أنه
عونا لهماعليه، وقوة له). وسلطانا كاسرا له، كما جاء فى الحديث «إن عبدى
كل عبدى الذى يذكرنى وهو مناجز قرنه ، (٢).
ثم أرشدهما - سبحانه - إلى الوجهة التى يتوجهان إليها فقال:« إذهبا إلى
فرعون إنه طفى)).
أى: إذهبا إلى فرعون لتبلغاه دعوتى، ولتأمراء بعبادنى، فإنه قدطفى
وتجاوز حدوده، وأفسد فى الأرض، وقال لقومه: أنا ربكم الأعلى، وقال
لهم - أيضا - ما علمت لكم من إله غيرى.
قال الجمل: وقوله:( إذهبا إلى فرعون، جمعهما فى صيغة أمر الحاضر - مع
أن هارون لم يكن حاضرا محل المناجاة بل كان فى ذلك الوقت بمصر - التغليب
فغلب الحاضر على غيره، وكذا الحال فى صيغة النهى. أى: قوله ((ولا تنا))
روى أنه - تعالى- أوحى إلى هارون وهو بمصر أن يتلقى موسى - عليه السلام ..
وقيل: سمع بإقباله فتلقاه ... (٢)
وقوله - تعالى -: ((فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى)، إرشاد منه
- سبحانه - إلى الطريقة التى ينبغى لها أن يسلكاما فى مخاطبة فرعون -
أى اذهبا إليه، وادعواه إلى ترك ماهو فيه من كفر وطغيان، وخاطباه
بالقول اللين ، وبالكلام الرقيق ، فإن الكلام السهل اللطيف من شأنه أن
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٦٥.
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ٠٢٨٧
(٣) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٠٩٣

١٣٥
الجزء السادس عشر
بكسر حدة الغضب، وأن يوقظ القلب للتذكر ، كأن يحمله على الخشية من
سوء عاقبة الكفر والطغيان .
وهذا القول اللين الذى أمرهما الله - تعالى - به هنا قد جاء ما يفسره فى
آيات أخرى، وهى قوله - تعالى -: «اذهب إلى فرعون إنه طغى. فقل هل
لك. إلى أن تزكى، وأهديك إلى ربك فتخشى ....
فأنت ترى أن هذه الآيات الكريمة قد اشتمات على ألطف أساليب
الخاطبة وأرقها وألينها وأحكمها .
- قال ابن كثير: «قوله. فقولا له قولا لينا ... ، هذه الآية فيها عبرة
عظيمة ، وهى أن فرعون كان فى غاية العقر والاستكبار، وموسى كان صفوة
أنه من خلقه إذ ذك، ومع هذا أمر أن لاتخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين
كما قال يزيد الرقاشى عند قراءته لهذه الآية: يامن يتحبب إلى من يعاديه،
فكيف بمن يتولاه ويناديه ؟
والحاصل أن دعوتهما له تكون بكلام رقيق لين قريب سهل ، ليكون
أوقع فى النفوس وأبلغ وأنجمع، كما قال - تعالى -, أدع إلى سبيل ربك بالحكمة
والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتى هى أحسن ... )،(!).
والترجى فى قوله - تعالى- ((لعله يتذكر أو يخشى)) على بابه إلا أنه يعود
إلى موسى وهارون .
أى: إذهبا إليه، والينا له القول، وباشرا الأمر معه مباشرة من يرجو
ويطمع فى نجاح سعيه ، وحسن نتيجة قوله .
وإلى هذا المعنى أشار صاحب الكشاف بقوله: ((والترجى له). أى :
إذهبا على رجائكما وطمعكما وباشرا الأمر مباشرة من يرجو أن يثمر عمله
. فهو يجتهد بطوقه، ويحتشد - أى - يستعد ويتأهب - بأقصى وسعه وجدوى
إرساله) إليه مع العلم أنه لن يؤمن، إلزام الحجة، وقطع المعذرة. كما قال
(١) آلسیر این کثیر ہ ہ ص ٠٢٨٨

١٣٦
سورة طه
- تعالى -: ((ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لو أرسلت إلينا
رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى)،(١).
ويرى بعضهم أن الترجى هنا للتعليل. أى: فقولا له قولالينا لأجل أن
يتذكر أو يخشى.
قال الآلوسي: ((قال الفراء، ، لعل، هنا بمعنى كى التعليلية ... ومن
الوافدى: أن جميع ما فى القرآن من «لعل، فإنها للتعليل، إلا قوله - تعالى -
(وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون)) فإنها للتشبيه - أى: كأنكم تخلدون .. ، (٢).
ثم حکی - سبحانه - ما قاله موسى وهارون عند أمرهما - جل جلاله -
بذلك فقال: فالا ربنا إننا نخاف أن يفرط عليها أو أن يطغى)).
أى: قال موسى وهارون بعد أن أمرهما ربهما بالذهاب إلى فرعون
لتبليغه دعوة الحق: ياربنا إننا نخاف ((أن يفرط علينا، أى يعاجلنا بالعقوبة
قبل أن ننتهى من الحديث معه فى الأمر .
يقال: فرط فلان يفرط إذا عاجله بالعقوبة وأذاه بدون قبل ، ومنه
قولهم : فرس فارط ، أى سابق لغيره من الخيل .
((أو أن يطفى، أى يزداد طفيانه، فيقول فى حقك يا ربنا مالا تزيد
أن نسمعه، ويقول فى حقنا مانحن براء منه، ويفعل معنا ما يؤذينا.
وقد جمع - سبحانه - بين القولين اللذين حكاهما عنهما، لأن الطغيان
أشمل من الإفراط، إذ الجملة الأولى تدل على الإسراع بالأذى لأول وهلة،
أما الثانية فتشمل الإسراع بالأذى ، وتشمل غيره من ألوان الاعتداء سواء
أ كان فى الحال أم فى الاستقبال .
وهنا يجيبهما الخالق - جل وعلا - بما يثبت فؤادهما، ويزيل خوفهما
وقال لاتخافا إننى معكما أسمع وأرى)).
(١) تفسير الكشاف ج م ص ٦٥ (٢) تفسير الآلوسى = ١٦ ص ١٩٥

١٣٧
اجرء السادس عشر
أى: قال الله - تعالى - لهما لا تخانا من بطش فرعون، إننى معكما
بقوتى وقدرتى ورعايتى، وإننى أسمع كلامكما وكلامه، وأرى فعلكما وفعله .
لا يخفى على شىء من حالكما وحاله ، فاطمئنا أننى معكما بحفظى ونصرى
وتأييدى، وأن هذا الطاغية ناصيته بيدى، ولا يستطيع أن يتحرك أو يقنفس
إلا بإذنى ...
ثم رسم لهما - سبحانه - طريق الدعوة فقال: «فأتياه فقولا إنا
رسولا ربك .....
أى: فأنيا فرعون، وأدخلا عليه داره أو مكان سلطانه، وقولا له بلا
خوف أو وجل «إنا رسولا ربك، الذى خلقك فسواك فعدلك.
وكان البدء بهذه الجملة، لتوضيح أساس رسالتهما، ولإحقاق الحق من
أول الأمر، ولإشعاره منذ اللحظة الأولى بأنها قد أرسلهما ربه وربهما ورب
العالمين. لدعوته إلى الدين الحق، وإلى إخلاص العبادة لله الواحد القهار،
وإلى التخلى من الكفر والطغيان. وأنهما لم يأتياه بدافع شخصى منهما، وإنما
أتياه بتكليف من ربه ورب العالمين.
أما الجملة الثانية التى أمرهما الله - تعالى - أن يقولاها لفرعون، فقد حكاها
- سبحانه - بقوله: ((فأرسل معنا بنى إسرائيل ولا تعذبهم)) أى: فأطلق سراح
بنى إسرائيل، ودعهم يعيشون أحرارا فى دولتك، ولا تعذبهم باستعباده
وقورهم ، وقتل أبنائهم ، واستحياء نسائهم ...
قال - تعالى -: ((وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء
العذاب، يذبحون أبناءكم، ويستحيون نساءكم ، وفى ذلكم بلاء من ربكم
عظيم)،(!).
(١) سورة البقرة الآية ٠٤٩

١٣٨
سورة طه
- قال الألوسى: والمراد بالإرسال: إطلاقهم من الأسر، وإخراجهم من
نحت يده العادية، لا تكليفهم أن يذهبوا معهما إلى الشام، كما ينى- عنه قوله
- سبحانه - ((ولا تعذبهم)) أى: بإبقائهم على ما كانولعليه من العذاب،
.«فإنهم كانوا تحت سيطرة القبط، يستخدمونهم فى الأشغال الشاقة كالمفر
والبناء ... (١).
وقوله - تعالى - «قد جئناك بآية من ربك، جملة ثالثة تدل على صدقهما
فى رسالتهما ).
والمراد بالآية هنا : جنسها ، فتشمل العصا واليد وغيرهما عن المعجزات
التى أعطاها الله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام -.
أى: قد جئناك بمعجزة من ربك تثبت صدقنا، ونؤيد مدعانا، وتشهد
بأ اق أرسلنا الله - تعالى - إليك لهدايتك ودعوتك أنت وقومك إلى الدخول
فى الدين الحق .
فالجملة الكريمة تقرير لما تضمنه الكلام السابق من كونهما رسولين من
رب العالمين، وتعليل لوجوب إطلاق بنى إسرائيل، وكف الأذى عنهم.
أما الجملة الرابعة الى أمرهما الله - تعالى - بأن يقولاها لفرعون فهى قوله
- سبحانه -: ((والسلام على من اتبع الهدى)).
٨
أى : وقولا له - أيضاً - السلامة من العذاب فى الدارين لمن اتبع الهدى
بأن آمن بالله - تعالى - وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ...
فالسلام. صدر بمعنى السلامة، وعلى بمعنى اللام، ويفهم من الآية الكريمة
أن من لم يقبع الهدى، لاسلامة له، ولا أمان عليه .
وفى هذه الجملة من الترغيب فى الدخول فى الدين الحق مافيها، ولذا استعملها
النبى - صلى الله عليه وسلم - فى كثير من كتبه، ومن ذلك قوله - صلى الله عليه
(١) تفسير الآنوسى = ١٦ ص

١٣٩
قمر سادس عشر
وسلم - فى رسالته إلى هرقل ملك الروم: بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد
رسول الله إلى هرقل عظيم الروم . سلام على من اتبع الهدى ..
ثم حكى :- سبحانه - الجملة الخامسة التى أمر موسى وهارون أن يخاطبا بها
، فرعون!فقال: ((إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من كذب وتولى)).
أى: وقولا له « إنا قد أوحى إلينا، من عند ربنا وعالقنا «أن العذاب»
فى الدنيا والآخرة ((على من كذب، بآياته وحججه - سبحانه -ـ ,وتر لى)»
عنها . وأعرض عن الاستجابة لها .
وبذلك زى فى هذه الآيات الكريمة أسمى ألوان الدعوة إلى الحق وأحكمها،
فهى قد بدأت بالأساس الذى تقوم عليه كل رسالة سماوية. إنا رسولا ربك))
وثنت بيان أهم ماأرسل موسى وهارون من أجله «فأرسل معنا بنى إسرائيل
ولا تعذبهم، وثلثت بإقامة الأدلة على صدقهما ,قد جئناك بآية من ربك)،
وربعت بالترغيب والاستمالة ((والسلام على من اتبع الهدى))
ثم ختمت بالتحذير من المخالفة («إنا قد أوحى إلينا أن العذاب على من
کذب و تولی » .
وبعد أن غرس - سبحانه - الطمأنينة فى قلب موسى وهارون وز: دهما
بأحكم الوسائل وأنجعها فى الدعوة إلى الحق .. أتبع ذلك بحكاية جانب من الحوار
الذى دار بينهما وبين فرعون بعد أن التقوا جميعا وجها لوجه فقال - تعالى -:
((قالَ فَنْ رَبْكُما يَا مُوسَى (٤٩) قالَ ربَُّاَ الذى أعْطَى كُلَّ شىءٍ
خَلْقَهِ ثُمَّ هدَى (٥٠) قال فما بالُ القُرونِ الأولَى (٥١) قالَ علمها عندَ
رِى فى كتابٍ لا يَضِلُّ رَبِّ ولا يَنْسَى (٥٢) الذى جعل لكم الأرضَ
مَهْدًا وسلكَ لكُم فيها سُبُلاً، وأنْزَلَ مِنَ السماء ماء فأخْرَجْنا به
أزواجاً من نباتٍ شتَّى (٥٣) كَلُوا وارعَوْا أنعاملكم إنَّ فى ذلكَ لآياتٍ
لأولِ النُّعَى (٥٤) منها خَلَقنا كُم وفيها نعيدُ لُم، ومنها نُخْرِجُكم تارةً

١٤٠
سورة طه
أخرى (٥٥) ولقدْ أَرَيناء آياتِناَ كلّها فكدّب وأبَى (٥٦) قَالَ أجِثْنَناً
لُخْرِجَنا من أرْضِنا بِسِحْرِك يا موسَى (٥٧) فَلَنْتبنَّكَ بسحرِ مِثله
فاجْعَلْ بينناَ وبَيْنْكَ موعداً لا نخلِفُهُ نحن ولا أنتَ مكاناً سُوَّى (٥٨)
قال مَوْعِد ◌ُ يومُ الزّينةِ وأن يُحْشَرِ الناسُ مَنُحِّى (٥٩) فَتَولَى فرعونُ
فجَمَعَ كَيدَهُ ثم أَنَى (٦٠))).
فقوله - تعالى -: ((قال فمن ربكما ياموسى، حكاية لما قاله فرعون لموسى
وهارون، بعد أن ذهبا إليه ليبلغا، دعوة الحق كما أمر هما ربهما - سبحانه -.
ولم تذكر السورة الكريمة كيف وصلا إليه ... لأن القرآن لايهتم
بجزئيات الأحداث التى لاتتوقف عليها العبروالعظات، وإنما يهتم بذكر
الجوهر واللباب من الأحداث .
والمعنى: قال فرعون لموسى وهارون بعد أن دخلا عليه. وأبلغاه
ما أمر عما ربهما بتبليغه. من ربكما ياموسى الذى أرسلكما إلى؟
وكأنه - لطفيانه وبجوره - لا يريد أن يعترف بأن رب موسى وهارون
هو ربه وخالقه . كما قالا له قبل ذلك («إنا رسولا ربك)).
وخص موسى بالنداء مع أنه وجه الخطاب إليهما اظنه أن موسى
- عليه السلام - هو الأصل فى حمل رسالة الحق إليه، وأن هارون هو وزيره
ومعاونه، وأنه خبثه ومكره. تجنب مخاطبة هارون لمله أنه أفصح لسانا
من موسى - عليهما السلام -.
قال صاحب الكشاف: ((خاطب - فرعون - الاثنين، ووجه النداء إلى
أحدهما وهو موسى، لأنه الأصل فى النبوة، وهارون وزيره وتابعه، ويحتمل
أن يحمله خبثه ودعارته - أى فسقه - على إستدعاء كلام موسى دون كلام
أخيه، لما عرف من فصاحة هارون، والرئة فى لسان موسى، ويدل عليه
قوله (( أم أنا خير من هذا الذى هو مهين ولا يكاد لين)،(١).
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٠٦٧