Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
الجزء السادس عشر
أو على أن البعث حق، وعلى أن ماجاء به رسولنا - صلى الله عليه وسلم -
حق وصدق ...
ولم يكتف بهذا الكفر ، بل قال بكل تبجح ، وإصرار على الباطل،
واستهزاء بالدين الحق: والله ((لأو تین» فى الآخزة (( مالا وولدا ، كما هو
حالى فى الدنيا .
فأنت ترى أن هذا الكافر لم يكتف بكفره، بل أضاف إليه القول الباطل
المصحوب بالقسم الكاذب . وبالتهكم بالدين الحق .
وقرأحمزة والكسائى: «لأوتين مالا وولدا) - بضم الواو الثانية وسكون
اللام -، وقرأ الباقون بفتحهما. قالوا: والقراءتان بمعنى واحد كالعرب
والعرب . ويرى بعضهم الولد بالفتح للمفرد، والولد - بضم الواو ومكون
اللام - الجمع .
. وقد رد أقه - تعالى - على هذا المتبجح المغرور رداً حكما ملزما فقال:
أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا. كلا ...
والاستفهام للإنكار والنفى ، والأصل : أطلع خذفت همزة الوصل
للتخفيف .
والمعنى: إن قول هذا الجاهل إما أن يكون مستندا إلى إطلاعه على الغيب
وعلمه بأن الله سيؤتيه فى الآخرة مالا وولدا، وإما أن يكون مستندا إلى
عهد أعطاه الله - تعالى - له بذلك.
ومما لاشك فيه أن كلا الأمرين لم يتحققا بالنسبة له ، فهو لم يطلع على
الغيب، ولم يتخذ عند الله عهدا، فثبت كذبه وافتراؤه، ولذا كذبه الله - تعالى-
بقوله : ((كلا، وهو قول يفيد الزجر والردع والنفى .
أى: كلا لم يطلع على الغيب, ولم يتخذ عند الرحمن عبدا. بل قال ذلك
افتراء على الله .
(٦ - سورة مريم)

٨٢
سورة مريم
وقوله - سبحانه - «ستكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا. وفرئه
ما يقول وبأتينا فردا، بيان للمصير السىء الذى سيصير إليه هذا الشق وأمثاله.
و «نمد، من المدوأكثر ما يستعمل فى المكروه.
أى: سنسجل على هذا المكافر ماقاله ,ونحاسبه عليه حسابا عسيرا، وتزيده
عذابا فوق العذاب المعد له، بأن نضاعفه له، ونطيله عليه ((وترئه ما يقول،
أى: ما يقول إنه وقاه يوم القيامة من المال والولد، بأن نسلبه منه، ونجعله
يخرج من هذه الدنيا خالى الوفاض منهما، وليس معه فى قبره سوى كفيه
(((وبأتينا فردا، أى: ويأتينا يوم القيامة بعد مبعثه منفردا بدون مال أو
ولد أو خدم أو غير ذلك مما كان يتفاخر به فى الدنيا هو وأشباهه من
المغرورين الجاحدين .
قال صاحب الكشاف: «فإن قلت كيف قيل: سنكتب بسين التسويف
وهو كما قاله كتبه من غير تأخير. قال - تعالى -: ((ما يلفظ من قول إلا لديه
رقيب عتيد ، ؟
قلت: فيه وجهان: أحدهما: ستظهر له ونعلمه أنا كتبنا قوله على طريقة
قول الشاعر :
إذا ما انتسبنا لم تلدفى القيمة ولم تجدى من أن تقرى بها بدا
أى : تبين وعلم بالانتساب أنى لم تلد فى اثيمة .
والثانى: أن المتوعد يقول للجانى: سوف أنتقم منك، يعنى أنه لا يخل
بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر، جردها هنا لمعنى الوعيد .... (9).
ثم تسوق السورة الكريمة بعد ذلك ألوانا أخرى من رذائل المشركين،
فتحكى اعتزازهم بأوزانهم، وتثبت عداوة هذه الأونان لهم يوم القيامة،
(١) تفسير الكشاف ج ٣ ص ٤٠.

٨٣
الجزء السادس عشر
وتبشر المؤمنين برضا الله - تعالى-عنهم. وتنذر الكافرين بالسوق إلى جهنم ..
قال - تعالى - :
((واتخذُوا من دونِ اللهِ آلهةً ليكونوا لهُمْ عِزَّا (٨١) كلاَّ- يكفرونَ
بعبادتهم ويكونونَ عليهمْ ضدًا (٨٢) ألم تر أنّا أرسلنا الشياطينَّ على
الكافرينَ تؤزم أزا (٨٣) فلا تعجل عليهم إنما نعدَّ لهم عدًّا (٨٤) يومَ
نحشر المتقين إلى الرحمن وفداً (٨٥) ونسوقُ المجرمينَ إلى جهنم
ورداً (٨٦) لا يملكونَ الشفاعة إلاّ من اتخذّ عندَ الرحمن عهداً (٨٧)).
والضمير فى قوله: ((واتخذوا، يعود إلى أولئك الكافر بن الذين ذكر
القرآن فيما سبق بعض رذائلهم ودعاواهم الكاذبة ، ولما تنته بعد:
أى: واتخذ هؤلاء الجاهلون آلهة باطلة يعبدونها من دون الله - تعالى -،
لتكون لهم تلك الآلهة «عزاء أى: لينالوا بها العزة والشفاعة والنصرة
والنجاة من عذاب يوم القيامة .
فق حكى القرآن أنهم كانوا إذا سئلوا عن سبب عبادتهم لهذه الأصنام
التى لا تنفع ولا تضر قالوا: « ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، وقالوا:
, هؤلاء شفعاؤنا عند الله ... )
. وقدرد الله - تعالى- عليهم بما يردعهم عن هذا الظن لو كانوا يعقلون فقال:
« سیکفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضنداء.
و(( كلا، لفظ جىء لزجرم وردعهم عن هذا الاتخاذ الفاسد الباطل.
أى : ليس الأمر كما توهم هؤلاء الجاهلون من أن أصنامهم ستكون لهم
غرا، بل الحق أن هذه المعبودات الباطلة ستكون عدوة لهم. وقرينتهم فى النار . .
وشبیه بهذه الآية قوله - تعالى - : ومناضل من يدعون من دون الله من

٨٤
سورة
لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا
لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين(!).
وقوله - سبحانه -: « إن تدعرهم لا يسمعو ادعاءكم. ولو سمعواما استجابوا
لكم، ويوم القيامة تكفرون بشرككم، ولا ينبئك مثل خبير، (٢).
وأفرد - سبحانه - عزا وضدا)، مع أن المراد بهما الجمع. لأنهما مصدر ان
ثم بين - عز وجل - أن هؤلاء الكافرين قد استحوذت عليهم الشياطين
فزادتهم كفرا على كفرهم، فقال - تعالى -: « ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على
الكافرين تؤزهم أزا. فلا تعجل عليهم إنما تعد لهم عداء.
والاستفهام للتقرير والتأكيد و ((تؤزم، تحر کهم تحر یکاقويا، وتهزم
هزا شديداً، وتعرضهم على إرتكاب المعاصى والموبقات حتى يقعوافيها.
يقال: أن فلان الشىء يثزه ويؤزه - بكسر الهمزة وضما أزا، حر كا بشدة،
وأز فلان فلانا إذة أغراه وهيجه وحثه على فعل شىء معين. وأصله من أزت.
القدر تؤز أزيرا، إذا اشتد غليان الماء فيها .
والمعنى: لقد علمت أنت وأتباعك أيها الرسول الكريم، أنا أرسلنا
الشياطين على الكافرين، وسلطنام عليهم ، وقيضتام دم. لكى يحضوم على
إرتكاب السيئات ، وبحركهم تحريكا شديداً نحو الموبقات حتى يقترفوها
وينغمسوا فيها ...
وما دام الأمر كذلك، فذرهم فى طغيانهم يعمون» ولا تتعجل وقوع العذاب
بهم . فإن الله - تعالی ۔ قد حدد- مقتضی حکمته۔و قتامعینالنزول الذاببهم.
وقوله: (( إنما نعدهم عدا، تعليل لموجب النهى بيان أن وقت هلاكهم
قد اقترب ، إذ كل معدود له نهاية ينتهى عندها .
قال القرطى ماملخصه: «قوله: «إنما تعد لهم عداء يعنى الأيام والليالى
(١) سورة الأحقاف الآية ٦٠٥.
(٢) سورة فاطر الآية ١٤.

٨٥
الجزء السادس عشر
والشهور والسنين إلى انتهاء أجل العذاب .. وقال الضحاك: تعد أنفاسهم.
وقال قطرب : تعد أعمالهم عدا.
روى أن المأمون قرأ هذه السورة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء
فأشار برأسه إلى ابن السماك أن يعظه، فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم
يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد وقيل فى هذا المعنى:
مضی نفس منك انتقصت به جزءا
حياتك أنفاس تعد فكلما
ويحدوك حاد ما يريد به الهزا .! (١)
مينك ما يحييك فى كل ليلة
وكان ابن عباس - رضى الله عنهما - إذا قرأ هذه الآية بكى وقال: آخر
العدد: خروج نفسك . آخر العدد: فرأق أهلك آخر العدد : دخول قبرك.
ثم بين - سبحانه - عاقبة المتقين، وعاقبة المجرمين يوم القيامة فقال:
((يوم تحشر المتقين إلى الرحمن وفها. ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا)).
لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا، و«يوم، ظرف منصوب
بقوله (( لا يملكون .... أى: لا يملكون الشفاعة يوم تحشر المتقين ...
ويجوز أن يكون منصوبا بفعل محذوف تقديره: أذكر أو أحذر.
وقوله: ((وفداء جمع وافد. يقال. وفد فلان على فلان يفد وفدا
ووفودا، إذ أقدم عليه وفعله من باب وعد .
ويطلق الوفد على الجمع من الرجال الذين يفدون على غير م لأمر من الأمور
الهامة ، وهم راكبون على دوابهم . وهذا الإطلاق هو المراد باللفظ هنا.
والمعنى: وأذكر - أبها العاقل - يوم القيامة، يوم محشر المتقين إلى جنة
الرحمن، ودار كرامته راكبين على مراكب تنشرح لها النفوس وتمر
لها القلوب .
(١) تفسير القرطبى : ١١ ص ٠١٥٠

٨٦
سورہ مے۔۔
قال الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية ما ملخصه: ((يخبر الله- تعالى.
عن أوليائه المتقين ، الذين عافوه فى الدار الدنيا ، واتبعوارسله وصدقوم،
أنه يحشرهم يوم القيامة وفدا إليه . والوفد هم القادمون ركبانا ومنه الوفود،
وركوبهم على نجائب من ترر من مراكب الدار الآخرة، وهم قادمون علي
خیر موفود إلیه، إلى دار کرامته ورضوانه .. .
وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج ... عن ابن مرزوق قال :
يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها ، وطيبها ريحا ،
فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفنى؟ فيقول: لا، إلا أن الله - تعالى -
طيب ريحك وحسن وجهك فيقول : أنا عملك الصالح ... فاركبنى، فذلك.
قوله: يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفداء(١) .
وقوله - تعالى -: ((وفسوق المجرمين إلى جهنم وردا، بيان لسوء عاقية
المجرمين بعد بيان ما أعده الله للمتقين من نعيم.
و((وردا)، أى: عطاشما. وأصل الورد الأنان إلى الماء بقصد الارتواء
منه بعد العطش الشديد .
أى: ونسوق المجرمين الذين ارتكبوا الجرائم فى دنياهم، ونسوقهم
سوقا إلى جهنم كما تساق البهائم . حالة كونهم عطاشا، يبحثون عن الماء
فلا يجدونه .
والضمير فى قوله - تعالى -: «لا يملكون الشفاعة ٠٠٠٠ يرى بعضهم
أنه يعود إلى المجرمين فى قوله ، نسوق المجرمين ... )).
أى: نسوق المجرمين إلى جهنم عطاشا، حالة كونهم لا يملكون الشفاعة
لغيرهم . ولا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم، لكن من اتخذ عند الرحمن
عدا وهم المؤمنون الصادقون فإنهم يملكونها بتمليك الله - تعالى - لهم إياها
(١) راجع تفسير ابن كثير جــ ص ١٣٧.

٨٧
عشر
وإذفه لهم فيها، كما قال - تع الى -: ((من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه ... »
وكما قال - سبحانه -: «وكم من ملك فى السموات لا تغنى شفاعتهم شيئاً إلا
من بعد أن يأذن الله لمن يشاء وبرضى).
وعلى هذا التفسير يكون الاستثناء منقطعا .
قال القرطي: ((قوله - تعالى - ((لا يملكون الشفاعة، أى: هؤلاء الكفار
لا يملكون الشفاعة الأحد , إلا من اتخذ عند الرحمن عهداً، وم المسلمون
فيملكونها. فهو استثناء الشىء من غير جنه. أى: لكن من اتخذ عند
الرحمن عهداً يشفع ، فمن فى موضع نصب على هذا ... ويرى آخرون أن
الضمير فى قوله: ((لا يملكون ... )، يعود إلى فريقى المتقين والمجرمين.
أى: لا يملك أحد من الفريقين يوم القيامة الشفاعة لأحد، ولا يملك
غيرهم الشفاعة هم، ((إلا من اتخذ، منهم. عند الرحمن عبداً، وهم المؤمنون
فإنهم يملكونها بإذن الله م .
والمراد بالعبد الأمر والإذن. يقال عهد الأمير إلى فلان بكدا إذا
أمره به، أو أذن له فى فعله .
وعلى هذا يكون الاستثناء متصلا، ويكون لفظ (( من )) بدل من الواو
فى , يملكون)).
قال الألومى ما ملخصه: (قوله، لا يملكون الشفاعة، ضمير الجمع يعم
المتقين والمجرمين ، أى: العباد مطلقا ... وقوله (( إلا من اتخذ عند الرحمن
عهداً، استثناء متصل ... والمعنى: لا يملك العباد أن يشفعوا لغيرهم، إلا من
اتصف منهم بما يستأهل معه أن يسمع، وهو المراد بالعهد ... ، (٢).
ويبدو لنا أن هذا القول أولى، اشموله وعمومه إذ الكلام السابق فى
الفريقين جميعا ، فريق المتقين وفريق المجرمين .
(١) تفسير القرطبى :١١ ص ٠١٥٣
(٢) تفسير الآلوسى = ١٦ ص ١٣٧.

٨٨
سواء ١٠٠
ثم يستطرد السياق القرآ نى، إلى حكاية أقوال أخرى، من أقوال
الكافرين الباطلة، وهى زعمهم أن الله - تعالى - ولدا، فقال - سبحانه -:
((وقالوا اتخذَ الرحمنَ ولداً (٨٨) لقدْ جِئْتُم شيئاً إداً (٨٩) تكادٌ
السمواتُ يتفطرنَ منهُ وتنشقُّ الأرضُ وتخرُ الجبالُ هدا (٩٠) أَنْ
دعوا للرحمن ولداً (١١) وما تنبغى للرحمن أن يتخذ ولداً (٩٢) إن كل
منْ فى السمواتِ والأرضِ إلا آتي الرحمن عبداً (٩٣) لقد أحصاهُم
وعدم مدا (٩٤) وكلهم آتيه يومَ القيامةِ فرداً (٩٥))).
والضمير فى قوله - تعالى -: «وقالوا، يشمل كل من تفوه بهذا القول
الباطل سواء أ كان من اليهود أم من النصارى أم من المشركين.
وقوله: ((لقد جئتم شبتا إدا، توبيخ وتفريع من الله - تعالى - لحم على
هذا القول المفكر .
أى: لقد جئتم بقولكم هذا أيها الضالون شيئاً فظيماً عجيباً منكراً
تقشعر لهول الأبدان .
والإد والإدة - بكسر الهمزة - الأمر الفظيع والداهية الكبيرة يقال:
فلان أدته الداهية فهى تئده وتؤده ، إذا نزلت به وحطمت كيانه .
وقوله - سبحانه -: «تكاد السموات يتفطرن منه ... ، فى موضع
الصفة لقوله (( إداء.
أى: لقد جئتم بقولكم هذا أمراً منكراً فظيما، تكاد السموات
((يتفطرن منه، أى: يتشققن من هوله، من التفطير بمعنى التشقيق، يقال:
فلان فطر هذا الشىء يفطره - بكر الطاء وضعها - إذا شقه. وقرأ حمزة
وابن عامر ((ينفطرن)) من الإنفطار وهو الانشقاق - أيضا -.
(( وتنشق الأرض، أى: وتتصدع الأرض من عظمه، وتنخف بهؤلاء

٨٩
الجزء السادس عشر
القائلين ذلك القول الفاسد، ((وتخر الجبال هداً، (١) أى: وتسقط الجمال
مهدودة - أيضاً - من فظاعة هذا القول. يقال هذا الجدار يهده - بضم الهاء -
هداً : إذا هدمه .
وقوله: ((أن دعوا للرحمن ولدا ... ، بمنزلة التعليل لما قبله مع تقدير
لام التعليل المحذوفة .
أى: تكاد السموات يتفطرن والأرض تتشقق ، والجبال تنهد، لأن
هؤلاء الضالين قد زعموا أن لقه - تعالى - ولدا، والحال أنه ما يصح وما يليق
أن يتخذ الرحمن ولدا، لأنه - سبحانه غنى عن العالمين .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: ((فإن قلت ما معنى هذا التأثر من أجل
هذه الكلمة ؟
قلت: فيه وجهان: أحدهما : أن الله سبحانه - يقول: كدت أفعل هذا
بالسموات والأرض والجبال عند وجود هذه الكلمة غضباً منى على من تفوه
بها ... لولا أنى لا أمجل بالعقوبة ...
والثاني : أن يكون استعظاما للكلمة، وتهوبلا من فظاعتها وتصويرا
لأثرها فى الدين ، وهدمها لأركانه وقواعده، وأن مثال ذلك الأثر فى
المحسوسات: أن يصيب هذه الأجرام العظيمة التى هى قوام العالم (ما تنفطر
منه وتنشق وتخر ... ،(٢) .
وقال الإمام القرطى: نفى عن نفسه - سبحانه وتعالى - الولد، لأن الولد
يقتضى الجنسية والحدوث ... ولا يليق به ذلك، ولا يوصف به ، ولا يجوز
فى حقه ...
وروى البخارى عن أبى هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(١) تفسير الكشاف = ٣ ص ٤٤.
(٢) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٤٤،

٩٠
سوره م.م
يقول الله - تبارك وتعالى - كذبنى ابن آدم ولم يكن له ذلك. وشتمنى ولم يكن
له ذلك. فأما تكذيبه إياى فقوله: ان يعيدنى كما بدأنى، وليس أول الخلق
بأهون على من إعادته. وأما شتمه إيان فقوله: اتخذ الله ولدا وأنا الأحد
الصمد، لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ،(١).
ثم بين - سبحانه - أن جميع المخلوقات خاضعة لقدرته وإرادته وعلمه
فقال: (( إن كل من فى السموات والأرض إلا آت الرحمن عبدا ... )).
و((إن)) نافية بمعنى ما، أى: ما من أحد من أهل السموات والأرض
إلا وهو يأتى يوم القيامه مقرأ له - سبحانه - بالعبودية، خاضعا لقدرته،
معترفا بطاعته. مقرأ بأنه عبد من مخلوقاته، ومن كان كذلك فكيف يكون
له ولد ؟
وصدق الله إذ يقول: «بديع السموات والأرض، أنى يكون له ولد ،
ولم تكن له صاحبة، وخلق كل شىء، وهو بكل شيء عليم،(٢).
ثم أكد - سبحانه - أنه هو المالك لمكل شىء، والعليم بكل شىء فقال:
« لقد أحصام،.
أى: حصرهم وأحاط بهم، بحيث لا يخرج أحد من مخلوقاته عن علمه
وطاعته ((وعدهم عداً، أى: وعد أشخاصهم وذاتهم وحركاتهم وسكناتهم ...
بحيث لا يهربون من قبضته ، ولا يخفى عليه أحد منهم .
((وكلهم آتيه يوم القيامة فرداً، أى: وكل واحد يأتيه - سبحانه - يوم
القيامة منفرداً، بدون أهل أومال أو جاه ... أو غير ذلك ما كانوا يتفاخرون
به فى الدنيا .
(١) راجع تفسير ابن كثير جـ ١١ ص ١٥٩.
(٢) سورة الأنعام الآية ١٠١.

٩١
الجزء السادس عشر
وبذلك تكون الآيات الكريمة قد ردت أبلغ رد وأحكمه، على أولئك
الضالين الذين زعموا أن بقه ولداً .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بيان ما أعده لعباده المؤمنين، وبيان
بعض الخصائص التى جعلها لكتابه الكريم ... فقال - تعالى -:
(( إِنَّ الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعلُ الرحمنُ ودا (٩٦) فإنما
يسرناهُ بلسانكَ لتبشرَ به المتقين وتنذرَ به قوماً لها (٩٧) وكم أهلكناً
قبلهم من قرنٍ هل تحسُ منْهُم مِنْ أحَدٍ أو تسمع لهُم ركزاً (٩٨)).
أى: إن الذين آمنوا بالله - تعالى - حق الإيمان، وعملوا الأعمال
الصالحات ((سيجعل لهم الرحمن)) فى دنياهم وفى آخرتهم (( وداً، أى: سيجل
لهم محبة ومودة فى القلوب، لإيمانهم وعملهم الصالح، يقال: ود فلان فلانا،
إذا أحبه وأخلص له المودة .
روى الإمام مسلم فى صحيحه عن أبى هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله
عليه وسلم -: إن الله تعالى - إذا أحب عبد جبريل فقال : يا جبريل
إنى أحب فلانا فأحبه. قال: فيحبه جبريل. ثم ينادى فى أهل السماء: إن
الله يحب فلانا فأحبوه . قال : فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول فى
الأرض، وإن الله إذا أبغض عبداً دعا جبريل فقال: يا جبريل إفى أبغض
فلانا فأبغضه. قال : فيبغضه جبريل ثم ينادى فى أهل السماء إن الله يبغض
فلانا فأبغضوه .
قال: فيبغضه أهل السماء، ثم توضع له البغضاء فى الأرض،(١).
ثم بين - سبحانه - الحكمة الى من أجلها جعل القرآن ميرا فى حفظه
وفهمه فقال: « فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين ، وتنذر به
قوماً لداً، .
(١) تسفير القرطبى : ١١ ص ٠١٦١

٩٢
سوره ميم
أى: أننا أنزلنا هذا القرآن على قلبك - أيها الرسول الكريم - وجعلنا.
بلسانك العربى المبين ، وسهلمنا حفظه وفهمه على الناس، ((لتبشر به المتقين))
الذين امتثلوا أمرنا واجتنبوا نهينا((وتنذر به قوماً لداً)، أى : ذوى لدد
وشدة فى الخصومة بالباطل، وهم مشركوقريش فقوله ولداً، جمع ألد ومنه
قوله - تعالى -: ((ومن الناس من يعجبك قوله فى الحياة الدنيا ويشهد الله على
ما فى قلبه وهو ألد الخصام)،(١) أى أشد الناس خصومة وجدلا.
وشبيه بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى -: ((ولقد يسرنا القرآن للذكر
فهل من عدکر ،(٢) .
وقوله - سبحانه -: ((فإنما برناما بلسانك لعلهم يذكرون،(٢).
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بهذه الآية التى تخبر عن سنة من سننه
فى الظالمين فقال: « وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أوتسمع
لهم ركزا)،.
أى : وكثير من القرى الظالمة التى سبقتك - أيها الرسول الكريم - قد
أهلكناها وأبدفاها وجعلناها خاوية على عروشها .
والاستفهام فى قوله ((هل تحس منهم من أحد)) للنفى: أى: ما نحس
منهم أحدا ولا ترى منها ديارا . يقال: أحس الرجل الشىء إحساساً. إذا
علمه وشعر به .
وقوله (( أو تسمع لهم ركزاً، معطوف على ما قبله ((والركز: الصوت
الخفى الخافت. ومنه قولهم ركز فلان رمحه، إذا غيب طرفه وأخفاء فى
الأرض . ومنه الركاز للمال المدفون فى الأرض .
(١) سورة البقرة آية ٢٠٤.
(٣) سورة الدخان آية ٥٨.
(٢) سورة القمر آية ١٧.
...

٩٣
الجزء السادس عشر
والمعنى: أهلكنا كثيراً من القرى الظالمة الماضية، فأصبحت لا ترى
منهم أحدا على الإطلاق، ولا تسمع لهم صوتا حتى ولو كان خافتا ضعيف!
وإنما هم فى سكون عميق، وصمت رهيب، بعد أن كانوا فوق هذه الأرض
بدبون ويتحركون .
وهذه سنتنا التى لا تتخلف فى الظالمين . « تمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى
عذاب غليظ ، نعوذ بالله - تعالى - من ذلك .
وبعد : فهذا تفسير لسورة مريم، نسأل الله - تعالى - أن يجعله خالصا
لوجهه ، ونافعا لعباده.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
القاهرة - مدينة نصر، ظهر الاثنين ١٧ من شوال سنة ١٤٠٤ هـ الموافق
١٩٨٤/٧/١٦ م .
د / محمد سيد طنطاوى
مفتى جمهورية مصر العربية

فهرس إجمالى لتفسير ((سورة مريم))
رقم الآية
الآية المفسرة
المقدمة
١١
١٧
٧
١٢
١٦
٢٢
٢٧
٣٤
٤١
٠١
٥٤
٥٦
٥٨
٦٤
٦٦
٧٣
ويقول الإنسان أهذا مامت .
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات
أفرأيت الذى كفر بآياتا ...
وأنخذوا من دون الله آلهة ...
وقالوا اتخذ الرحمن واما ...
٨١٠
٨٨
٩١
إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل
لهم الرحمن ودا ...
رقم الصفحة
0
١
كهيمص ذكر رحمة ربك ...
إزكريا إنا نبشرك بغلام ...
بابجي خذ الكتاب بقوة ...
واذكر فى الكتاب مريم ...
حملته فانتنت به مكانا ...
فأنت به قومها تحمله ...
ذلك عيسى ابن مريم قول الحق ..
وأذكر فى الكتاب إبراهيم ...
واذكر فى الكتاب موسى ...
واذكر فى الكتاب إسماعيل ...
واذكر فى الكتاب إدريس ...
أولئك الذين أنعم الله عليهم ...
ومانتنزل إلا بأمر ربك ...
٢١
٢٤
٢٩
٣٦
٤٠
٤٦
٥١
٥٣
٥٥
٠٦
٦٣
٦٦
٧٣
٨٠
٣°٨
٨٨
٩٦

التفسير الوسيط
للقرآن الكريم
تفسْيْرُ سُورة طَه
دكتوس
محمد سيد طنطاوي
مفتى جمهورية مصر العربية
الجزء السادس عشر
الطبعة الثانية
١٤٠٨ هـ - ١٩٨٧ م
حقوق الطبع محفوظة للمؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم
﴿ رَبَِّ تَقَبِّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّبِعُ التَلِيمِ﴾
((صدق الله العظيم))