Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ الجزء السادس عشر فقوله: (( بالغيب، حال من المفعول وهو ((عباده، أى: وعدهم بها حالة كونهمغ تبين عنها، لا يرونها، وإنما آمنوا بوجودها بمجرد إخباره - سبحانه - لهم بذلك . وقد أكد - سبحانه - هذا الوعد لهم فى الدنيا بقوله: « إنه كان وعده ماتيا، أى: إنه - تعالى - كان ومازال ما وعدبه عباده وهو الجنة , ماتيا، أى: يأتيه ويصل إليه من وعده الله - تعالى - به، لأنه - سبحانه - لا يخلف وعده. فقوله: (( مأنيا، اسم مفعول من أتاه الشىء نمعنى جاءه، وقيل: هو اسم مفعول بمعنى فاعل، أى : إن وعده - سبحانه - لعباده كان آنيا لا ريب فيه. ثم وصف - سبحانه - الجنات وأهلها بما يحمل العقلاء على العمل الصالح الذى يوصلهم إليها بفضله - تعالى - وكرمه فقال: «لا يسمعون فيها لغوا الا سلاما .... واللغو هو فضول الكلام، ومالا قيمة له منه، ويدخل فيه الكلام الباطل . وقوله « إلا سلاما، فيه أنه استثناء منقطع. لأن المستثنى ليس من جنس المستثنى منه . أى: لا يسمعون فيها كلاما لغوا، لكنهم يسمعون فيها ماء). أى: تسليما من الملائکة عليهم ، کما قال - تعالى -: « والملائکا یدخلون عليهم من کل باب سلام عليكم بما مبرتم ... أو يسمعون فيها تسليما وتحية من بعضهم على بعض، كما قال - تعالى -: ((تحيتهم فيها سلام». قالى الآلوسى: قوله، إلا سلاما)، إستثناء منقطع، والسلام إما بمعناه المعروف. أى: لكن يسمعون تسليم الملائكة عليهم، أو تسليم بعضهم على بعض، أو بمعنى الكلام السالم من العيب والنقص، أى: لكن يسمعون كلاما سالما من العيب والنقض . ٦٢ سورة مريم 1 وجوز أن يكون استثناء متصلا ، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، کا فی قوله : ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وهو يفيد نفى سماع اللغو بالطريق البرهانى الأقوى. والاتصال على هذا على طريق الفرض والتقدير، ولولا ذلك لم يقع ، وقعه من الحسن والمبالغة (١). وقوله - تعالى -: «ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا)، بيان الدوام رزقهم فيها بدون إنقطاع، إذ ليس فى الجنة نهار ولاليل ، ولا بكرة ولا عشى ..: قال القرطبى ما ملخصه قوله:ولهم رزقهم فيها بكرة وحشيا، أى زام ما يشترون من المطاعم والمشارب بكرة وعشيا، أى: فى قدر هذين الوقتين ، إذ لا بكرة ثم - أى هناك - ولا عشيا ... وقيل: أى: رزقهم فيها غير منقطع ... وخرج الحكيم الترمذى فى نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن وأبى قلابة قالا: قال رجل يارسول الله، هل فى الجنة من ليل؟ قـ ل ــ صلى اله عليه وسلم -: ((وما هيجك على هذا،؟ قال: سمعت الله - تعالى - يذكر فى الكتاب: ((ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا، فقلت: الليل بين البسكرة والعشى. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « ليس هناك ايل وإنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح، والرواح على الغدو، وتأتيهم طرف الهدايا من الله لمواقيت الصلاة التى كانوا يصلون فيها فى الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة )). ثم قال الإمام القرطبى: وهذا فى غاية البيان لمعنى الآية ٠ .. (٢). ثم أضاف - سبحانه - إلى تعظيمه لشأن الجنة تعظيما آخر فقال: «تلك الجنة التى ورث من عبادنا من كان تقيا،. (١) تفسير الآلوسى جـ ١٦ ص١١١ (٢) تفسير القرطبي : ١١ ص ١٢٦ ٦٣ الجزء السادس عشر قاسم الإشارة (( تلك، يعود إلى ما تقدم من قوله: « فأولئك يدخلون الجنة .. ، وقوله ((جنات عدن التى وعد الرحمن عباده بالغيب ... )) أى: تلك هى الجنة العظيمة الشأن، العالية القدر، التى نجعلها ميراثا المؤمنين الصادقين المتقين من عبادنا، كماقال - تعالى - :«أولئك يرثون الفردوس هم فيها خالدون، وكما قال - سبحانه -: ((وتلك الجنة التى أور ثتموها بما كنتم تعلمون». قال صاحب الكشاف: ((قوله ((نورث)) ... أى: نبقى عليه الجنة كما تبقى على الوارث مال المورث، ولأن الأنقياء يلقون ربهم يوم القيامة، قد انقضت أعمالهم وثمرتها باقية وهى الجنة، فإذا أدخلهم - سبحانه - الجنة، فقد أورئهم من تقوام كما يورث الوارث المال من المتوفى .... ،(١) . ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته، وشمول علمه، فقال - تعالى -: ((وما تَتَنَزَّلُ إلَّ بأمرٍ رَبِّكَ، له ما بينَ أَيْرِينَاَ وما خلْفَنَاَ وما ينَ ذلكَ ، وما كانَ ربُكَ نسِيًا (٦٤) ربُّ السَّمواتِ والأرضِ وما بينَهما فاعْبُدْه واصطَبِرْ لعبادَّتِهِ هَلْ تعلم له سمِيًّا (٦٥))). والتنزل: النزول على مهل، فإنه مطاوع نزل - بالتشديد - ، يقال : نزلته فتنزل ، إذا حدث النزول على مهل وتدرج . وقد يطلق التنزل بمعنى النزول مطلقا، إلا أن المناسب هنا هو المعنى الأول . والآية الكريمة حكاية لما قاله جبريل للنبى - صلى الله عليه وسلم -، فقد ذكر كثير من المفسرين أن الوحى احتبس عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفترة من الوقت بعد أن سأله المشركون أسئلة تتعلق بأصحاب الكهف، وبذى القرنين وبالروح، حتى قال المشركون: إن رب محمد - صلی الله عليه وسلم - (١) تفسير الكشاف جـ ٣ ص ٢٨ ٦٤ سورة مريم قد فلاه - أى: أبغضه وكرهه - فلما نزل جبريل على النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد فترة من غياب - قيل خمسة عشر يوما وقيل أكثر قال له : ياجبريل احتبست عنى حتى ساء ظنى واشتقت إليك فقال له جبريل: إنى كنت أشوق ولكنى عبدمأمور، إذا بعثت جئت، وإذا حبست احتبست، وأنزل الله - تعالى - هذه الآية وسورة الضحى(١). وقال الألوسى: ((ولا يأبى ما تقدم فى سبب النزول ما أخرجه أحمد، والبخارى، والترمذى، والنسائى ، وجماعة ، فى سببه عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جبريل: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا؟ فتزات: ((وما نتنزل إلا أمرربك .. ، لجواز أن يكون - صلى الله عليه وسلم- قال ذلك فى محاورته السابقة - أيضا-، واقتصر فى كل رواية على شىء مما وقع فى المحاورة .... (٧) . والمعنى: قال جبريل للرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما سأله عن. سبب احتباسه عنه لفترة من الوقت: يامحمد إنى ما أتنزل عليك وقتا بعد وقت، إلا بأمر ربك وإرادته، فأنا عبده الذى لا يعصى له أمرا ... ( له) - سبحانه -،ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك، أى: له وحده جميع الجهات والأماكن، وجميع الأزمان الحاضرة والماضية والمستقبلة ، وما بين ذلك، فلا نقدر أن ننتقل من جهة إلى جهة، أو من وقت إلى وقت إلا بأمر ربك ومشيئته . فالجملة الكريمة مسوقة لبيان ملكية الله - تعالى - لكل شىء، وقدرته على كل شىء ، وعلمه بكل شىء. (١) راجع تفسير ابن جري ج ١٦ ص ٠٨٧ (٢) تفسير الآلوسى =١٦ ص ١١٤. ٦٠ الجزء السادس عشر وقوله - تعالى -: (( وما كان ربك نسيا، مؤكد لما قبله من إثبات قدرة انه - تعالى - وعله . أى: وما كان ربك - أيها الرسول الكريم - ناسيا أو تاركا، أو مهملا لهأنك، ولكنه - سبحانه - محيط بأحوالك وبأحوال جميع المخلوقات ((( لا يعزب عنه مثقال ذرة فى الأرض ولا فى السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا فى كتاب مبين ». قال ابن كثير: «قال ابن أبى حاتم: حدثنا يزيد بن محمد ... عن أبى الدرداء يرفعه قال: « ما أحل الله فى كتابه فهو حلال، وما حرمه فهو حرام، وماسكت عنه فهو عافية، فاقبلوا من الله عافيته، فإن الله لم يكن لينسى شيئًا، ثم تلا هذه الآية: ((وما كان ربك نسيا، (١). ثم قال - تعالى -: « رب السموات والأرض ومابينهما ، أی: هو رب. السموات والأرض ورب ما بينهما، وهو خاقهما وخالق كل شىء، ومالكهما ومالك كل شىء . ومادام الأمر كذلك: ((فاعبده واصطبر لعبادته، أى: فأخلص له العبادة ووطن نفسك على أداء هذه العبادة بصبر وجلد وقوة احتمال ، بإر المداومة على طاعة الله تحتاج إلى عزيمة صادقة ، ومجاهدة للنفس الأمارة بالسوء. والاستفهام فى قوله: «هل تعلم له سمياء الإنكار والنفى، والسمى بعنف المسامى والمضافى والنظير والشبيه . أى: هل تعلم له نظيرا أو شبيها يستحق معه المشاركة فى العبادة أو الطاعة؟ كلا إنك لا تعلم ذلك، لأنه - سبحانه - هو وحده المستحق للعبادة والطاعة، إذ هو الخالق لكل شىء، والقادر على كل شىء، وماسواه إنما هو مخلوق له، (١) تفسير ابن كثير ج ٣ ص ٠١٣١ (٥ - سورة مريم ) ٦٦ سورة "ر.م وساجد له طوعا أو كرها، ولا شبهة فى صفة من صفاته، فهو - سبحانه - (( ليس كمثله شيء وهو السميع البصير .. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك موقف المشركين من عقيدة البعث. لحمكت أقوالهم الباطلة، وردت عليهم بما بكتبهم وبينت أن يوم القيامة آت لا ريب فيه، وأن النجاة فى هذا اليوم للمتقين، والعذاب والخسران للكافرين .. قال - تعالى - : (( ويقول الإنسانُ أَئِذَا ما مِتْ لَسَوفَ أُخْرجُ حَيَّا (٦٦) أوَلاَ يذكُرُ الإنسانُ أنَّا خَقْآَهُ من قبلُ ولم يكُ شَبِئًا (٦٧) فورَبُكَ لنحتُرَنِهم والشّيَاطِيْزَ ثم لنُحْضِرِهُم حولّ جَهَّمَ جِئِيًّا (٦٨) ثمَّ لَنْعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أيُهُمْ أشَدُّ على الرَّحَنِ منَّا (٦٩) ثم لنَحنُ أَعَلَمُ بالذينَ هُمْ أَوْلَى بِها صِلِيًّا (٧٠) وإنْ مِنسُكُم إلاَّ وارِدُها كانَ على ربِّكَ حَتْاً مقضِيًّا (٧١) ثم تُنجِى الذينَ الَّقَوْا ونذرُ الظالمينَ فيِهاَ جِئِيًّا (٧٢))). ذكر كثير من المفسرين أن قوله - تعالى -: ((ويقول الإنسان ... )) نزل فى أشخاص معينين . فمنهم من يرى أن هذه الآية نزلت فى « أبى بن خلف، فإنه أخذ عظما باليا. جعل يفتته بيده. ويذريه فى الربح ويقول: زعم محمد - صلى الله عليه وسلم - أننا نبعث بعد أن تموت ونصير مثل هذا العظم البالى ومنهم من يرى أنها نزلت فى الوليد بن المغيرة، أو فى العاصى بن وائل ، أو فى أبی جهل . وعلى كل واحد من هذه الأقوال تكون ( أل)) فى الإنسان للعهد، والمراد به أحد هؤلاء الأشخاص، ويكون لفظ الإنسان من قبيل "عام الذى أراد به الخصوص. ومن الأساليب العربية المعروفة، إسناد الفعل إلى المجموع، مع أرفاعله . ٤٠ ٦٧ الجزء السادس عشر بعضهم لا جميعهم كما يقال: بنو فلان قتلوا فلإنا مع أن القائل واحد منهم ، ومن هذا القبيل قول الفرزدق : فسيف بنوعبس وقد ضربوا به نبا بيدى ورقا عن رأس خالد فقد أسند الضرب إلى بنى عيس، مع أنه صرح بأن الضارب هو ورقاء الذى كان السيف بيده . وقيل : المراد بالإنسان هنا: جماعة معينون وهم الكفرة المنكرون للبعث أو المراد : جنس الكافر المنكر للبعث. و((إذا)، فى قوله: « أنّذا ما مت) منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط . والمعنى ويقول هذا الإنسان الجاهل الجحود، المنكر البعث والنشور، أأعود للحياة مرة أخرى بعد موتى، وبعد أن أكون كالعظام النخرة . والاستفهام للإنكار والنفى . وعبر - سبحانه - بالمضارع ,يقول» لاستحضار تلك الصورة الغربية. وتلك الأقوال المنكرة التى صدرت عن هذا الكافر، أو لإفادة أن هذا القول موجود ومستمر عند كثير من الكافرين . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - حكاية عن هؤلاء الجاحدين: «أتذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد»(١). وقوله - عز وجل -: «يقولون أثنا لمردودون فى الحافرة. أئذ كناعظاما نخرة قالوا تلك إذا كرة خاسرة»(٢). وقد رد الله - تعالى - عليهم بما يبطل قولهم، ويخرس ألسنتهم فقال : (( أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئاً،. (١) سورة ق الآية ٣. (٢) سورة النازعات الآيات ١٠ - ٠١٢ ٦٨ سورة مريم والاستفهام للتوبيخ والتقريع، والواو العطف على مقدر . والمعنى أبقول هذا الإنسان ذلك القول الباطل، ولا يتذكر أننا أوجدناه بقدرتنا من العدم ولم يكن شيئاً مذكورا، ومن المعروف عند العقلاء، أن إعادة الإنسان إلى الحياة بعد وجوده، أيسر من إيجاده من العدم . فالآية الكريمة ترد على كل جاحد للبعث بدليل منطقى برهانى، يهدى القلوب إلى الحق، ويقنع العقول بأن البعث حق وصدق . وفى معنى هذه الآية الكريمة جاءت آيات أخرى كثيرة منها قوله -تعالى ((وضرب لنا مثلا ونسى خلقه، قال من يحي العظام وهى رحيم، قل يحييها الذى أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم .... )، (١). وقوله - سبحانه -: ((ولقد علمتم النشأة الأولى فلولا نذكرون))(٢). قال الإمام ابن كثير: وفى الحديث الصحيح - الذى يرويه النبى - صلى الله علیه وسلم - عن ربه: « بقول الله - تعالی ۔ کدینی ابن آدم ولم یکن له ان يكذبنى،" وآذانى ابن آدم ولم يكن له أن يؤذينى. أما تكذيبه لى فقوله: لن يعيدنى كما بدأنى . وليس أول الخلق أهون على من آخره. وأما أذاه إياى فقوله: إن لى ولدا وأنا الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد ،. ثم عقب - سبحانه - على هذا التوبيخ والتقريع لهذا الإنسان الجاحد ، بقسم منه - سبحانه - على وقوع البعث والنشور، فقال: «فوربك لنحشرهم والشياطين ، ثم لنحضرنهم حول جهنم جئيا،. والحشر: الجمع . يقال: حشر القائد جنده، إذا جمعهم. (١) - ورة بس الآيتان ٠٧٩،٧٨ (٢) سورة الواقعة الآية ٠٦٢ ٦٩ الجزء السادس عشر والمراد بالشياطين: أولئك الأشرار الذين كانوا فى الدنيا يوسوسون لهم بإنكار البعث . أى: أقسم لك بذانى - أيها الرسول الكريم - إن هؤلاء المنكرين البعث لنجمعنهم جميعا يوم القيامة للحساب والجزاء، ولنجمعن معهم الشياطين الذین کانوا یضلونهم فى الدنيا . قالوا: وفائدة القسم أمران: أحدهما: أن العادة جارية بتأ كيد الخبر باليمين، والثانى: أن إقسام الله - تعالى - باسمه، مضافاً إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - رفعا منه لشأنه. كما رفع من شأن السموات والأرض فى قوله - تعالى -: « فورب السماء والأرض إنه لحق مثل ما أنكم تنطقون، (١). وقوله:، ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا)، تصوير حسى بليغ لسوء مصيرهم ، وتكد حالهم . و «جثيا، جمع جات وهو الجالس على ركبتيه. يقال: جنا فلان يحثر ويجثى جثوا وجثيا فهو جاث إذا جلس على ركبتيه ، أوقام على أطراف أصابعه. والعادة عند العرب أنهم إذا كانوا فى موقف شديد، وأمر ضنك، جثوا على ركبهم . أى : فوربك لنحضرنهم يوم القيامة للحساب ومعهم شياطينهم، ثم لنحضونهم جميعا حول جهنم. حالة كونهم بار كين على الركب . عجزا منهم عن القيام ، بسبب ما يصيبهم من هول يوم القيامة وشدته . قال - تعالى -: «وترى كل أمة جائية، كل أمة تدعى إلى كتابها ، اليوم تجزون ما كنتم تعملون. هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق ، إنا كنا نستنتج ما كنتم تعملون ) (٢). (١) ساقية الجل على الجلالين ج٣ ص ٧٢. (٢) سورة الجائبة الآيتان ٢٨، ٠٢٩ ٧٠ سورة مريم ثم يخص - سبحانه - بالذكر المصير المفزع المتكبرين من هؤلاء الكافرين فيقول: (( ثم لننزعن من كل شيعه أيهم أشد على الرحمن عتيا)). والنزع : العزل والإخراج، يقال : نزع السلطان عامله ، إذا عزله وأخرجه من عمله . والشيعة فى الأصل : الجماعة من الناس يتعاونون فيما بينهم على أمر من الأمور . يقال: تشايع القوم، إذا تعاونوا فيما بينهم . ودعتيا، أى: خروجا عن الطاعة والاستجابة الأمر. يقال: عن فلان يعدو عتوا - من باب قعد - فهو عات ، إذا استكبر وجاوز حدوده فى العصيان والطغيان . والمعنى. ثم انستخرجن من كل طائفة تشايعت وتعاهدت على الكفر بالبعث ، والجحود للحق ، الذين هم أشدخر وجاعن طاعتنا وامتثال أمرنا، فنبدأ بتعذيهم أولا ، لأنهم أشد من غيرهم فى العتو والعناد والجحود والضلال. قال إلجمل ما ملخصه: ((وأظهر الأمطاريب فى قوله: « أيهم أشد، أن (أى)) موصولة بمعنى الذى، وأن حر كتها حركة بناء - أى مبنية على الضم -، وأشد خبر مبتدأ مضمر ، والجملة صلة لأى، وأيهم وصلتها فى محل نصب مفعولا به لننزعن. وعتيا تمييز محول عن المبتدأ المحذوف الذى هو أشد. أى: جراءته على الرحمن أشد من جراءة غيره)،(!) . وقوله - تعالى -: « ثم لنحن أعلم بالذين م أولى بها صليا، بيان الشمول عليه - تعالى - بأحوال هؤلاء الجاحدين، وبأحوال غيرهم . و((صليا، مصدر صلى النار - كرضى - يصلاها صليا- بكسر الصادوضمها- إذا ذاق حرها ، وا کتوی بها . أى: ثم لنحن أعلم من كل أحد سوانا، بالذين ثم أحق بجهنم، وباصطلا. فارها، وبالاكتواء بحرها وسعيرها، لأننا لا يخفى عليناشىء من أحوال خلقنا (١) حادية الجمل على الجلالين ج ٣ ص ٠٧٣ ٧١ الجزء السادس عشر وسنجازى المتقين بما يستحقون من خير وثواب ، وسنجازى الجاحدين بما يستحقون من إهانة وعذاب . ثم بين - سبحانه - أن الجميع سيرد جهنم، فقال: ((وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا،. والعلماء أقوال متعددة فى المراد بقوله - تعالى - ((وإن منكم إلا واردها)). فمنهم من يرى أن المراد بورودها: دخولها لجميع الناس مؤمنهم وكافرهم يدخلونها ، إلا أن النار تكون بردا وسلاما على المؤمنين عند دخولهم إياها، وتكون لهيبا وسعيرا على غيرم . ومنهم من يرى أن المراد بورودها : رؤيتها والقرب منها والإشراف عليها دون دخولها، كما فى قوله - تعالى - ((ولما ورد ماء مدين)، أى : أشرف عليه وقاربه . ومنهم من يرى أن المراد بورودها، خصوص الكافرين، أى: أنهم وحدهم هم الذين يردون عليها ويدخلونها . أما المؤمنون فلا يردون عليها ولا يدخلونها. ويبدو لنا أن المراد بالورود هنا : الدخول ، أى : دخول النار بالنسبة للناس جميعا إلا أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين ، وهناك أدلة على ذلك منها . أن هناك آيات قرآنية جاء فيها الورود، بمعنى الدخول، ومن هذه الآيات قوله - تعالى -: ((ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين. إلى فرعون وملئه فاتبعوا أمر فرعون. وما أمر فرعون برشيد. يقدم قومه يوم القيامة فأوردهم النار وبئس الورد المورود(١). ومعنى فأوردم : فأدخلهم . يضاف إلى ذلك أن قوله - تعالى - بعد هذه الآية: ثم ننجى الذين اتقوا وقذر الظالمين فيها جثيا، قرينة قوية على أن المراد بقوله , وإن منكم إلا (١) سورة هود الآيات من ٩٦، ٩٨ ٧٢ سورة مںیم واردها .. )، أى: داخلها سواء أكان مؤمنا أم كافرا، إلا أنه - سبحانه - بفضله وكرمه: نجى الذين اتقوا من حرها، ويترك الظالمين يصطلون بسعيرها. كذلك مما يشهد بأن الورود بمعنى الدخول ، ما أخرجه الإمام أحمدـ وعبد بن حميد، والترمذى، وابن المنذر، وابن أبى حاتم، والحاكم ... عن أبى سمية قال : اختلفنا فى الورود فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن ، وقال آخرون يدخلونها جميعا، ثم ينجى الله الذين انقوا . قال : فلقيت جابر بن عبد الله - رضى الله عنهما - فذكرت له ذلك فقال - وأهوى إصبعيه على أذنيه - صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: « لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها، فتتكون على المؤمنين برداً وسلاما، كما كانت على إبراهيم؛ حتى أن النار ضجيجاً من بردهم . ثم ينجى اله الذين اتقوا، وإن الظالمين فيها جئيا)، (١). ولا يمنع من كون الورود بمعنى الدخول قوله - تعالى - ((إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون. لا يسمعون حسيسها .. )) لأن دخول المؤمنين فيها لا يجعلهم يشعرون بحرها أو حسيسها، وإنما هى تكون بردا وسلاما عليهم، كما جاء فى الحديث الشريف ، قال الإمام القرطى بعد أن توسع فى ذكر هذه الأقوال : وظاهر الورود الدخول .. إلاأنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين، وينجون منها سالمين. قال خالد بن معدان: إذا دخل أهل الجنة الجنة قالوا: ألم يقل ربنا: إنا ترد النار؟ فقال طم : لقد يردتموها فالفيتموها رمادا. قلت : وهذا القول يجمع شتات الأقوال، فإن من وردها ولم تؤذه بله.ها وحرها، فقد أبعد عنها ونجى منها، نجانا الله - تعالى - منها بفضله وكرمه، وجعلنا ممن وردها فدخلها سالما ، وخرج منها غانما . فإن قيل: فهل يدخل الأنبياء النار؟ قلنا: لا نطلق هذا، ولكن نقول : (١) راجع تفسير ابن كثيرج ٣ ص ١٣٢ . والألوسى - ١٦ ص١٢١ ٧٣ الجزء السادس عشر إن الخلق جميعا يردونها - كما دل عليه حديث جابر - فالعصاة يدخلونها بجرائمهم، والأولياء والسعداء لشفاعتهم، فبين الدخولين بون ... (١). والمعنى: ومامنكم - أيها الناس - أج إلا وهو داخل النار، سواء أكان مسلما أم كافراً، إلا أنها تكون بردا وسلاما على المؤمنين . وهذا الدخول فيها كان على ربك أمراً واجبا ومحتوما، بمقتضى حكمته الإلهية، لا بإيجاب أحد عليه . « ثم تنجى الذين اتقوا)، أى: ثم بعد دخول الناس جميعا النار ، فتحى الذين اتقوا، فخرجهم منها دون بذوقوا حرها , ونذر الظالمين فيها جئيا، أى: ونترك الظالمين فى النار مخلدين فيها جائين على ركبهم، عاجزين عن الحركة . من شدة مايصيبهم من هولها وسعيرها . وبذلك زى الآيات الكريمة قد حكت لنا أقوال الجاحدين فى شأن البعث والحساب، وردت عليهم ردا يبطل أقوالهم، كما أثبتت بأن البعث حق، وأن الحساب حق ، وأن الظالمين سيدخلون النار، وأن المؤمنين سينجيهم الله - تعالى - بفضله منها. ثم تموق السورة بعد ذلك موقف الكافرين عندسماعهم لآيات الله -تعالى- كما تسوق ماقالوه المؤمنين على سبيل التفاخر عليهم، ومارد به القرآن على هؤلاء المترفين المتعالين ، قال - تعالى -: ((وإذَا تَتْلَى عليهم آياتُنا ببناتٍ قالَ الذين كَفرُوا لذينَ آمَنُوا، أى الفريقينِ خيرٌ مقاماً وأحسنُ نَدِيًّا (٧٣) وكَمْ أهْلَكْنَقَبَلَهم من قَرْنٍ مُمْ أحسَنُ أثاتاً ورئيًّا (٧٤) قُلْ مَنْ كانَ فى الضلاَلَةِ فِليَمْدُدْ لهُ الرحمنُ مَدًا، حتَّى إِذَا رَأَوْا ما يُوعَدُونَ، إِمَّا العذابَ وإمَّا الساعةَ، فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُو شرٌّ مكاناً وأضعفُ جنداً (٧٥) ويزيدُ اللهَ الذينَ اهتدَوْا هُدِّى، والباقياتُ الصالحاتُ خيرٌ عِندَ رَبِّكَ ثواباً وخيرٌ مَرَدًا (٧٦)). (١) راجع تفسير القرطبي = ١١ ص ٠١٣٩ ٧٤ سورة مريم فقوله - سبحانه -: ((وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات ... ((حكاية لم) قاله المكافرون للمؤمنين على سبيل التباهي والتفاخر. أى: وإذا تتلى على هؤلاء المشركين المنكرين للبعث آياتا البينات. الواضحات ، الدالة على صحة وقوع البعث والحساب يوم القيامة , قال الذين كفروا، على سبيل العناد والتعالى, للذين آمنوا)) بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، قالوا لهم انظروا(( أى الفريقين خير مقاما وأحسن نديا .. والمقام - بفتح الميم -: مكان القيام والمراد به مساكنهم ومنازلهم التى یسکنونها وينزلون بها . والندى والنادى والمنتدى : مجلس القوم ومكان تجمعهم. يقال: ندوت القوم أندوم ندوا، إذا جمعتهم فى مجلس الانتداء. ومنه: دار الندوة للمكان الذى كانت تجتمع فيه فريش للتشاور فى أمورها . أى: وإذا قتلى على هؤلاء الكافرين آياتنا الدالة على وحد انيتنا وقدرتنا وعلى أن البعث حق ، قالوا للمؤمنين على سبيل الإحتقار لهم: نحن وأنتم أينا خير من الآخر مكانا، وأحسن مجلسا ومجتمعا فهم بتفاخرون على المؤمنين بمساكنهم الفارعة ، ومجالسهم التى يجتمع فيها أغنياؤهم ووجهاؤهم . قال الجمل فى حاشيته: « أى قالوا للمؤمنين: انظروا إلى منازلنا فتروها أحسن من منازلكم وانظروا إلى مجلسنا عند التحدث ومجلسكم، فترون تجاس ويصدر المجلس، وأقم تجلسون فى طرفه الحقير. فإذا كنابهذه المثابة وأنتم بتلك فنحن عند الله خير منكم، ولو كنتم على حق لأكرمكم الله بهذه الأمور كا أكرمنا بها)،(١) . وما حكاه الله - تعالى - عن هؤلاء الكافرين فى هذه الآية، قدجاء ما يشبهه فى آيات أخرى، ومن ذلك قوله - تعالى -: «وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين ، (٢) (١) حاشية الجمل على الجلالين + ٣ ص ٧٤ (٢) سورة سبأ الآية ٣٥ ٧٥ س عشر وقد رد الله - تعالى - على هؤلاء الجاهلين المغرورين بقوله: «وكم هلكنا قبلهم من قرن م أحسن أثاثا ورئيا)،. و((كم، هنا خبرية، ومعناها الإخبار عن العدد الكثير وهى فى محل نصب على المفعول به لجملة ((أهلكنا)، و(من قرن)) تمييز لها. والقرن: اسم لأهل كل أمة تتقدم فى الوجود على غيرها، مأخوذ عن قرن الدابة لتقدمه فيها . و«الأثاث، المتاع للبيت. وقيل: هو الجديد من الفراش، وقد يطلق على المال بصفة عامة . و«رؤيا، أى: منظرا وهيئة ومرءاً فى العين مأخوذ من الرؤية التى تراها العين . والمعنى : - قل أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين المتباهين بمساكنهم ومجالسهم: لا تفتخروا ولا يغرنكم ما أنم فيه من نعيم، فإنما هو نوع من الاستدراج ، فإن الله - تعالى - قد أهلك كثيراً من الأمم السابقة عليكم، كانوا أحسن منكم متاعا وزينة، وكانوا أجمل منكم منظراً وهيئه. فلم ينفعهم أثاثهم ورياشهم ومظهرهم الحسن، عندما أراد الله - تعالى - إهلاكهم بسبب كفرهم وجهودهم . الآية الكريمة تهديد للكافرين المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - ورد على أقوالهم الباطلة ، وعنجهيتهم الذميمة إذلو كانت المظاهر والأمتعة والهيئات الحسية تنفع أصحابها، لنفعت أولئك المهلكين من الأمم السابقة. وشبيه بهذه الآية فى الرد على هؤلاء الكافرين قوله - تعالى -: (( وما أموالكم ولا أولادكم بالى نقربكم عندنا زافى. إلا من آمن وعمل صالحا فأولئك هم جزاء الضعف بما عملوا وهم فى الغرفات آمنون)،(١). (١) سورة سبأ آية ٠٣٧ ٧٦ سورة مريم - وقوله - سبحانه -: ((فذرنى ومن يكذب بهذا الحديث سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وأملى لهم إن كيدى متين)،(١) . ثم أمر الله تعالى - رسوله - صلى الله عليه وسلم - أن يضيف إلى تهديدهم السابق تهديدا آخر فقال: (قل من كان فى الضلالة فلميمدد له الرحمن مدا .... ، أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الكافرين المتفاخرين بمساكنهم ومظاهزم ... قل لهم: من كان منغمسا فى الضلالة والشقاوة والغفلة .. فقد اقتضت حكمة الله - تعالى - أن يمد له فى العطاء كأن يطيل عمره، ويوسع رزقه، على سبيل الإستدراج والإمهال ... فصيغة الطلب وهى قوله - تعالى -: ((فليمدد، على هذا التفسير، المراد بها: الإخبار عن سنة من سنن الله - تعالى - فى خلقه ، وهى أن سنته - سبحانه - قد اقتضت أن يمهل الضالين، وأن يزيدهم من العطاء الدنيوى ، ثم يأخذم أخذ عزيزمقتدر. قال - تعالى -: ((فلما نسوا ماذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شىء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون . فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين، (٢). وقال - سبحانه -: ((ولا يحسبن الذين كفروا أنما على لهم خير لأنفسهم إنما على لهم ليزدادوا إنما ولهم عذاب مهين، (٣). وقد صدر الألوسى تفسيره الآية بهذا التفسير فقال ما ملخصه : ((قوله (١) سورة القلم الآيتان ٤٥،٤٤ (٢) سورة الأنعام الآيتان ٤٤، ٥! (٣) سورة آل عمران الآية ١٧٨ ٧٧ الجزء السادس عشر ((قل من كان فى الضلالة ... ، أمر منه - تعالى - لرسوله صلى الله عليه وسلم - بأن يجيب على هؤلاء المتفاخرين بما لهم من الحظوظ الدنيوية ... وقوله: « فليمدد له الرحمن مدا، أى: يمد - سبحانه - له ويمهله بطول العمر، وإعطاء المال، والتمكن من التصرفات ، فالطلب فى معنى الخبر. واختير للإبذان بأن ذلك مما ينبغى أن يفعل بموجب الحكمة لقطع المعاذير فيكون حاصل المعنى: من كان فى الضلالة فلا عذر له فقد أمهله الرحمن ومد له مدا وجوز أن يكون ذلك الاستدراج . وحاصل المعنى: من كان فى الضلالة فعادة الله أن يمد له ويستدرجه(١). ومن المفسرين من يرى أن صيغة "طلب وهى ((فليمدد)، على بابها، ويكون المقصود بالآبة الدماء على الضال من الفريقين بالازدياد من الضلالة. وعليه يكون المعنى: قل - أيها الرسول الكريم لهؤلاء المتفاخرين، من كان منا أو منكم على الضلالة ، فايزده أنه من ذلك، وكأن الآية الكريمة تأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - بمباهلة المشركين كما أمره الله - تعالى - فى آية أخرى بمباهلة اليهود فى قوله: ( قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء الله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين .. ))(٢). وكما أمر الله بمباهلة النصارى فى قوله - سبحانه -: «فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين)(٢). . ومن المفسرين الذين ساروا على هذا التفسير الإمامان ابن جرير وابن كثير ، فقد قال ابن كثير: يقول - تعالى -(قل) يا محمد لهؤلاء المشركين (١) تفسير الآلوسي ٥ ١٦ ص ١٢٦ (٢) سورة الجمعة الآية ٦٠ (٣) سورة آل عمران الآية ٦١ . ٧٨ سورة مريم بربهم، المدعين أنهم على الحق وأنكم على الباطل ، من كان فى الضلالة، أى منا ومنكم ((فليمدد له الرحمن مدا)، أى: فأمهله الرحمن فيما هو فيه حتى يلقى ربه وينقضى أجله ... قال مجاهد فىقوله , فليمددله الرحمن مدا)، فليدعهاقه فى طغيانه هكذا، قرر ذاك أبو جعفر بن جرير، وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على حدى فيما م فيه كما ذكر - تعالى - مباهلة اليهود والنصارى ... )(١). ومع وجاهة لتفسير ين لمعنى ((فليمددله ... ، إلا أننا نميل إلى الرأى الأول وهو أن صيغة الطلب يراد بها الإخبار عن سنة الله - تعالى - فى الضالين، لأنه هو المتبادر من معنى الآية الكريمة ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك ,ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ... )، ويؤيد هذا الرأى . وقوله - سبحانه -: ((حتى إذا رأوا ما يوعدون ... ، متعلق بما قبله. أى: فليمدد له الرحمن مدا على سبيل الاستدراج والإمهال، حتى إذارأى هؤلاء الكافرون ما توعدهم الله - تعالى- به، علموا وأيتمنوا أن الأمر خلاف ما كانوا يظنون وما كانوا يقولون. لأنهم سينزل الله -تعالى -بهم. إما المذاب)) الدنيوى على أيدى المؤمنين , وإما الساعة، أى: وإما عذاب الآخرة وهو أشد وأبقى . وحينئذ يعلمون ويوقنون (( من هو)) من الفريقين , شر مكانا، أى: أسوأ منزلا ومسكنا, وأضعف جندا)) أى: وأضعف أعوانا وأنصارا. وهذه الجملة الكريمة رد على قول المشركين قبل ذلك: «أى الفريقين خیر مقاما وأحسن ندیا ، . وقوله - تعالى -: ((ويزيد الله الذين اهتدوا هدى ... ، كلام مستأنف مسوق لبيان سنة الله - تعالى - التى لا تتخلف فى المهتدين، بعد بيان سنته فى الضالين . (١) تفسير ابن كثير + ٣ ص ١٣٤ ٧٩ الجزء السادس عشر أى: ويزيد الله - تعالى - المهتدين إلى طريق الحق هداية على هدايتهم، بأن يثبتهم عليه، كما قال - سبحانه -: «والذين اهتدوا زادهم هدى وآنام تقوام،. وكما قال - عز وجل -: «هو الذى أنزل السكينة فى قلوب المؤمنين إزدادوا إيمانا مع إيمانهم ... وقوله - تعالى -: والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير مرداء أى: والأعمال الباقيات الصالحات كالصلاة والزكاة والصيام والحج وغيرها من أعمال البر ، خير عند ربك ثوابا وجزاء مما تمتع به الكفار فى دنياهم من شهوات ((وخير مردا)) أى : مرجعا وعاقبة. وقال صاحب الكشاف: « فإن قلت: كيف قيل : خير عند ربك ثوابا، كأن لمفاخراتهم ثوابا، حتى يجعل ثواب الصالحات خيراً منه؟ قلت: كأنه قيل: ثوابهم النار على طريقة قوله: تحية بينهم ضرب وجيع. ثم بنى عليه خير ثوابا، وفيه ضرب من التهكم الذى هو أفيظ للتهددمن أن يقال له : عقابك النار ... ،!) . والخلاصة أنه لا ثواب لهؤلاء الكافرين سوى النار، أما المؤمنون غدوابهم جنات تجرى من تحتها الأنهار . وقال بعض العلماء: «ويظهر لى فى الآية جواب آخر أقرب من هذا، وهو أن الكافر يجازى بعمله الصالح فى الدنيا ، فإذا بروالديه، ونفس عن المكروب ... فإن الله يثيبه فى الدنيا .. فثوابه هذا الراجع إليه من عمله فى الدنيا، هو الذى فضل الله عليه ثواب المؤمنين، وهذا واضح لا إشكال فيه »(٢) . (١) تفسير الكشاف ج٣ ص ٠٣٨ (٢) تفسير أضواء البيان الشيخ الشنقيطى ج ٤ ص ٠٣٦٤ - ٨٠ سورة مريم وبذلك نرى الآيات الكريمة ، قد حكت جانبا من تباهى الكافرين بد نياهم ، وردت عليهم بما يخرس ألسنتهم. ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك لونا آخر من ألوان تبجحهم، وأقوالهم. الباطلة ، وردت عليها بأسلوب منطقى حكم فقال - تعالى -:- ((أفرأيتَ الذى كفر بآياتناَ وقالَ لأوتينَّ مالاً وولداً (٧٧) أطلعَ الغيبَ أم اتخذ عندَ الرحمنِ عهداً (٧٨) كلاًّ سنكتبُ ما يقولُ وغدُّ لهُ من العذابِ مدًا (٧٩) وترتَه ما يقولُ ويأتيناً فرداً (٨٠))). ذكر المفسرون فى سبب نزول هذه الآيات روايات منها ما أخرجه البخارى ومسلم عن خباب بن الأرت قال: جئت العاص بن وائل السهمى أتقاضاه حقالى عنده، فقال لى: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - فقلت له: لا، والله لا أكفر بمحمد - صلى الله عليه وسلم - حيا ولا ميتا ولا إذا بعثت . فقال العاص: فإذا بعشت جثقنى ولى هناك مال وولد فأعطيك حقك، فأنزل الله - تعالى - هذه الآيات. وفى رواية أن رجالا من أصحاب انى - صلى الله عليه وسلم - أنوه يتقانون دينا لهم عليه فقال: ألستم تزعمون أن فى الجنة ذهبا وفضة وحريرا ومن كل الثمرات؟ قالوا: نعم. قال: موعدكم الآخرة والله لأوتين مالا وولدا ... (١) والاستفهام فى قوله - سبحانه ,أفرأيت ... ، للتعجيب من شأن هذا الكافر الجهول والفاء للعطف على مقدر يستدعيه المقام، والتقدير: أنظرت أيها العاقل فر أيت هذا الجاحد الجهول الذى كهر بآياتنا الدالة على وحدانيتنا، (١) تفسير الآلوسي ج ١٦ ص ٠١٢٩