Indexed OCR Text

Pages 101-120

١٠١
الجزء الخامس عشر
قال ابن جرير - رحمه الله - بعد أن ذكر جملة من الأقوال فى ذلك :
وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب، لقول الذى ذكر ناهمن أن الموبق بمعنى
المهلك وذلك أن العرب تقول فى كلامها: قد أوبقت فلانا إذا أهلكته .... (١)
ثم بين - سبحانه - حالة المجرمين عندما يبصرون النار فقال". ورأى
المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا ،
ورأى هنا بصرية . والظن بمعنى اليقين والعم، لأنهم أبصروا الحقائق،
وشاهدرا واقعهم الأليم مشاهدة لا لبس فيها ولا خفاء.
أى: وشاهد المجرمون بأعينهم الغار، فأيقنوا أنهم مخالطوها وواقعون
فيها. يسبب سوء أعمالهم، وإنكشاف الحقائق أمامهم، ولم يجدوا عنها
مصرفا : مكانا ينصرفون إليه، ويعتصمون به. ليتخذره ملجأ لهم منها:
فالمصرف : إسم مكان الجهة التى ينصرف إليها الإنسان للنجاة من ضر
أحاط به .
وعبر - سبحانه - عن رؤيتهم للنار بالفعل الماضى، لتحقق الوقوع.
وقال - سبحانه ـ ((ورأى المجرمون، فوضع المظهر موضع المضمر،
لتسجيل الإجرام عليهم ، ولزيادة الذم لهم .
وقد ذكر - سبحانه - هنا أن المج مين برون النار ، وذكر فى آية أخرى
أنها تراهم - أيضا - قال - تعالى -: «إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوالها
تغيظا وزفيرا(٢) .
وبذلك نرى الآيات الكريمة قد حكمت لنا فسوق إبليس عن أمر ربه ،
وحذرتنا من إتخاذه وليا، ومن الانقياد لوسوسته وإغراءانه ، كما حكت لنا
(١) تفسير ابن جرير جـ ١٥ ص ١٧٢
(٢) سورة الفرقان الآية ١٢

١٠٢
سورة الكهف
جانبا من أحوال المشركين وشركائهم ، وكيف أن الشركاء قد تخلوا عن
عابديهم فى هذا اليوم العصيب ، بعد أن أحاطت القار بالجميع، وأيقن المجرمون
أنه لافكاك لهم منها، ولا تجاة لهم من لهيبها ..
نسأل الله - تعالى - بفضله وكرمه أن ينجينا من هذا الموقف الرهيب.
ثم مدحت السورة الكريمة القرآن، فوصفته بأن الله - تعالى - قد أكثر
فيه من ضرب الأمثال، ونوعها لتشمل جميع الأحوال، وبينت سنة الله.
- تعالى - فى الأمم السابقة، كما بينت وظيفة الرسل - عليهم الصلاة والسلام-
وسوء عاقبة المكذبين لهم، ومظاهر رحمة الله - تعالى - بالناس.
استمع إلى السورة الكريمة وهى تحكى كل هذه المعانى بأسلوبها البليغ
المؤثر فتقول :
((ولقَدْ صرَّفناً فى هَذا القرآنِ للنَّاسِ مِنْ كَلِّ مَثَلٍ، وكانَ الإنسانُ
أكثَرشىءٍ جَدلاً (٥٤) وما منَعَ الناسَ أنْ يُؤْمِنُوا إذْ جاءَهُمَ الهُدى
وإستَدْهِرَوا ربّهم إلاَّ أَنْ تَأْتَهُمْ سُنَّهُ الأوَّلِينَ أو يأتيَهُمُ العذابُ
ثلاً (٥٥) وما زُرْسِ المُرْسِنَ إِلَّ مُبِشِّرِينَ ومنذِينَ، ويحادِلُ الذينَّ
كفرُوا بالباطِ لُدْحِضُوا بِهِ الحقَّ، واتَّخَذُوا آيَاتى وما أنذِرُوا
جُزُواً (٥٦) وَمَنْ أَنالمُ يِمَّزِذُ كِّرْ بِآياتِ رَبِّه فَأْرَضَ عَنْها وَسِّ
ما قدَّمَتْ بِداهُ، إِنَّا جَعْنَا عَلَى قُلُوبِهِمٍ أَكُنَّةً أن يَفْقَهُوهُ وفى آذانِم
﴿ وفراً، وإنْ تدْعُهم إلى الهُدَى فَلَنْ يَتَدُوا إذاً أبداً (٥٧) وربُكَ
النَفُورُ ذُو الرَّحمةِ، لو ؤَاخِذُهُم بما كسَبُوا لِجَّلَ لَهُم المذابَ ، بل
لَهُم موعدٌ لن يجدُوا من دُونِهِ موثِلاً (٥٨) وتلكَ القُرَى أهلكناهُمْ.
لما ظلموا، وَجَعَلْنَ لمهلكِهِمْ مَوعداً (٥٩))).
الضملك حتها

١٠٣
الجزء الخامس عشر
وقوله - سبحانه - ((صرفا، من التصريف بمعنى التنويع والتكرير.
والمثل: هو القول الغريب السائر فى الآفاق الذى يشبه مضر به مورده.
وقد أكثر القرآن من ضرب الأمثال لإيضاح المعنى الخفى وتقريب الأمر
المعقول من الأمر المحسوس، وعرض الأمر الغائب فى صورة الحاضر.
والمعنى: ولقد كررة اورددناوفوعنا فى هذا القرآن من أجل هدايه الناس،
ورعاية مصلحتهم ومنفعتهم . من كل مثل من الأمثال التى تهدى النفوس ،
وتشفى القلوب، لدلهم بذلك يسلكون طريق الحق، ويتركون طريق الباطل.
المقصود بهذه الجملة الكريمة ، الشهادة من الله - تعالى - بأن هذا القرآن
الذى أنزله - سبحانه- على نبيه - صلى الله عليه وسلم - فيه من الأمثال الكثيرة
المتنوعة النافعه، ما يرشد الناس إلى طرق الحق والخير، متى فتحوا قلوبهم له،
وأعملوا عقولهم لتدبره وفهمه .
ومفعول (مصرفنا)، محذوى، و ((من)) لابتداء الغاية، أى: ولقد صرفنا
البينات والعبر والحكم فى هذا القرآن، من أنواع ضرب لمثل المنفعة الناس
ليهتدوا ويذكروا ..
ثم بين - سبحانه - موقف الإنسان من هذه الأمثال فقال: «وكان
الإنسان أكثر شىء جدلا ) ..
والمراد بالانسان: الجنس، ويدخل فيه الكافر والفاسق دخولا أو ليا.
والجدل: الخصومة والمنازعة مع الغير فى مسألة من المسائل.
أى: وكان الانسان أكثر شيء مجادلة ومنازعة لغيره، أى : أن جدله
أ کثر من جدل كل مجادل .
قال الامام ابن كثير عند تغيره لهذه الآية: ولقد بينا للناس فى هذا
القرآن، ووضحنا لهم الأمور، وفصلناها. كيلا يضلوا عن الحق .. ومع
هذا البيان، فالانسان كثير المجادلة والمعارضة للحق بالباطل، إلا من هدى الله
وبصره لطريق النجاة ..

١٠٤
سورة الكهف
قال الامام أحمد: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال :
أخبرنى على بن الحسين ، أن الحسين بن على أخبره ، أن على بن أبى طالب
أخبره. أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - طرق عليا وفاطمة ليلة فقال: ألا
تصليان؟ فقلت يا رسول الله، إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن بيثنا بعضنا،
فانصرف حين قلت ذلك، ولم يرجع إلى شىء , ثم سمعته وهو مول يضرب
هذه وبقول وكان الانسان أكثر شيء جدلا، (١).
وفى التعبير عن الانسان فى هذه الجملة بأه «شىء، وأنه أكثر شىء جدلا،
إشعار لهذا الانسان بأن من الواجب عليه أن يقلل من غروره وكبريائه.
وأن يشعر بأنه حلْفى من مخلوقات الله الكثيرة، وأن ينتفع بأمثال القرآن
ومواعظه وهداياته ... لا أن يحادل فيها بالباطل.
ومنهم من يرى أن المراد بالانسان هنا : الكافر ، أو شخص معين قيل
هو النضر بن الحارث. وقيل: أبى بن خلف ..
لكن الظاهر أن المراد به العموم - كما أشرنا - ، ويدخل فيه هؤلاء
دخولا أو لیا
ثم حكى - سبحانه - الأسباب التى منعت بعض الناس من الايمان فقال:
((وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم، إلا أن تأتيهم
سنة الأولين ، أو يأتيهم العذاب قبلا، .
والمراد بالناس : كفار مكة ومن حذا حذوهم فى الشرك والضلال. والمراد
بسنة الأولين: ما أنزله - سبحانه - بالأمم السابقة من عذاب بسبب إصرارها
على الكفر والجحود .
والمعنى: وما منع الكفار من الايمان وقت أن جاءهم الهدى عن طريق
فيهم - صلى الله عليه وسلم -، ومن أن يستغفروا ربهم من ذنوبهم، إلا ماسبق
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٦٧.

١٠٥
الجزء الخامس عشر
فى علمنا، من أنهم لا يؤمنون، بل يستمرون على كفرهم حتى تأفيهم سنة
الأولين، أى : - قنا فى إهلاكهم بعذاب الاستئصال بسبب إصرارهم على كفرهم
ويجوز أن يكون الكلام على حذف مضاف، و((أن، وما بعدها فى قوله
((إلا أن تأتيهم، فى تأويل فاعل الفعل (( منع)).
والمعنى: وما منع الناس من الايمان والاستغفار وقت مجىء الهدى إليهم،
إلا طلب زنيان سنة الأولين، كان يقولوا - كما حكى الله - تعالى - عن بعضهم:
«فأسقط علينا كسفا من السماء إن كنت من الصادقين).
فسنة الأولين أنهم طلبوا من أنبيائهم تعجيل العذاب ، فأخذه الله أخذ
عزيز مقتدر
وقوله:، أن يأتيهم العذاب قبلا، بيان لعذاب آخر ينتظرونه.
وكلمه , قبلا، قرأما عاصم والكائى : حمزة - بضم القاف والباء - على
أنها جمع قيل وهو النوع فيكون المعنى: أو يأتيهم العذاب على صنوف وأنواع
مختلفة ، ومن جهات متعددة يتلو بعضها بعضا .
وقرأها الباقون: ((قبلا، - بكر "قاف وفتح الياء - بمعنى عيانا ومواجهة.
والمعنى: أو يأتيهم العذاب عيانا وجهارا. وأصله من المقابلة، لأن
المتقابلين يعاين ويشاهد كل منهما الآخر.
وهى على القراءتين منصوبة على الحالية من العذاب.
فاصل معنى الآية الكريمة أن هؤلاء الجاحدين لا يؤمنون ولا يستغفرون
إلا حين نزول العذاب الدنيوى بهم وهو ما اقتضته سنة الله - تعالى - فى أمثالهم،
أو حين نزول أصناف العذاب بهم فى الآخرة .
ثم بين - تعالى - وظيفة الرسل فقال: «وما نرسل المرسلين إلا مبشرين
ومنذرين ... )
أى: تلك هى وظيفة الرسل الكرام الذين رسلهم هداية الناس ، إخراجهم
من ظلمات الكفر إلى نور الايمان.
-

١٠٦
سورة الكهف
فهم يبشرون المؤمنين بحسن العاقبة وجزيل الثواب ، وينذرون الفاسقين.
والكافرين بسوء العاقبة ، وشديد العقاب.
وقوله - تعالى -: ((ويجادل الذين كفروا بالباطل ليد حضوا به الحق .. )).
بيان لموقف الكافرين من الرسل - عليهم الصلاة والسلام - .
و يجادل من المجادلة بمعنى المخاصمة والمنازعة . ومفعوله محذوف .
والباطل: هو الشىء الزائل المضمحل الذى هو ضد الحق والعدل. والحق
هو الشىء الثابت القويم الذى تؤيده شريعة الله - عز وجل -.
والدحض: الطين الذى لا تستقر عليه الأقدام. فمعنى يدحضوا: يزيلوا
ويبطلوا تقول العرب : دحضت رجل فلان، إذا زلت وزلقت .. ومنه قوله
- تعالى: ((حجهتم داحضة عندربهم)).
والمعنى: ويجادل الذين كفروا رسلهم بالجدال الباطل، ليزيلوا به الحق
الذى جاء به هؤلاء الرسل ويدحضوه ويبطلوه، والله - تعالى - متم نوره ولو
كره الكافرون ، فإن الباطل مهما طال فإن مصيره إلى الاضمحلال والزوال.
وقوله - تعالى - ,واتخذياآ یانى وما أنذروا هزوا، معطوف على ماقبله
لبيان رذيلة أخرى من رذائل هؤلاء الكافرين .
والمراد بآ بات الله : تلك المعجزات التى أيد الله - تعالى - بها رسله -وا.
أكانت قولا أم فعلا، ويدخل فيها القرآن دخولا أوليا.
أى: أن هؤلاء الكافرين لم يكتفوا بحدال رسلهم بالباطل، بل أضافوا
إلى ذلك أنهم اتخذوا الآيات التى جاءبها الرسل كذليل على صدقهم، واتخذوا
ما أنذروهم به من قوارع إذا ما استمروا على كفرهم. اتخذوا كل ذلك
« هزوا، أى: اتخذ وها محل سخريتهم ولعبهم وطوهم واستخفافهم، كما قال
- سبحانه .: (( وقال الرسول يارب إن قومى اتخذوا هذا القرآن مهجورا).

١٠٧
الجزء الخامس عشر
ثم بين - سبحانه - سوء عاقبة المعرضين عن التذكير وعن آيات الله فقال:
, ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسى ماقدمت يداه .. ،
والاستفهام هنا النفى والإفكار والمراد بالآيات: آيات القرآن الكريم،
لقوله - تعالى - بعد ذلك : • أن يفقهوه)).
والمراد بالنسيان: الترك والاهمال وعدم التفكر والتدبر فى العواقب.
أى: ولا أحد أشد ظلما وبغيا. من إنسان ذكره مذكر ووعظه بآيات
الله التى أنزلها على رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فأعرض عنها دون أن
يقبلها أو يتأملها، بل نبذها وراء ظهره ، ونسى ما قدمت يداه من السيئات
والمعاصى، نسيان ترك وإهمال واستخفاف .
ثم بين - سبحانه - علة هذا الإعراض والنسيان فقال: ( إنا جعلنا على
قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفى آذانهم وقرأ، وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا
إذا أبدا ..
والأكنة : جمع كنان بمعنى خطاء. والوقر: الثقل والصمم . يقال: فلان
وقرت أذنه، أى: ثقل سمعها وأصيبت بالصمم.
أى: إنا جعلنا على قلوب هؤلاء الظالمين المعرضين عن الحق، أغطية تمنع
قلوبهم عن وصول النور إليها، وتحجبها عن فقه آياته - سبحانه - وجعلنا
- أيضا - فى آذانهم صمما ونقلا عن سماع ما ينفعهم وذلك يسبب إستحبابهم
العمى على الهدى ، وإيثارهم الكفر على الإيمان.
(( وإن تدعهم)) أيها الرسول الكريم (( إلى الهدى، والرشد فلن))
يستجيبوالك، ولن ((يهتدوا إذا أبدا)) إلى الحق وإلى الصراط المستقيم،
بسبب زيغ قلوبهم ، واستيلاء الكفر والجحود والمناد عليها.
والضمير فى قوله «أن يفقهوه، يعود إلى الآيات، وتذكيره وإفراده
بإعتبار المعنى، إذ المراد منها القرآن الكريم.

١٠٨
سورة الكهف
وجات الضمائر فى أول الآبة بالافراد، كما فى قوله، ذكر «و,أعرض
عنها، ونسى ما قدمت بدأه، باعتبار لفظ ٠ من)) فى قوله ((ومن أظلم ...
وجاءت بعد ذلك بالجمع كمافى قوله سبحانه -: «إذا جعلنا على قلوبهم
أكنة ... ، باعتبار المعنى .
وهذا الأسلوب كثير فى القرآن الكريم، ومنه قوله - تعالى -: ((ومن
يؤمن بالله ويعمل صالحا يدخله جنات تجرى من تحتها الأنهار خالدين فيها
أبدا، قد أحسن الله له رزقا،.
فالضمير فى قوله ((يؤمن : يعمل ويدخله)، جاء بصيغة الافراد باعتبار لفظ
((من))، وفى قوله: ((خالدين فيها، جاء بصيغة الجمع باعتبار معنى ((من)).
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ما يدل على سعة رحمته، وعظيم فضله فقال :
, وربك الغفور ذو الرحمة, لو يؤاخذه بماكسبوا العجل لهم العذاب، بل هم
هو عد لن يجدوا من دونه مو ئلا ،.
أى: وربك - أيها الرسول الكريم - هو صاحب المغفرة الكثيرة،
وصاجب الرحمة التى وسعت كل شىء. لو. ؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب
والمعاصى، لعجل لهم العذاب بسبب مايرتكبون)، من كفر وآثام، ولكنه
- سبحانه - لم يعجل لهم العذاب رحمه منه وحلما.
وجملة («بل لهم موعد .. ، معطوفة على مقدر، فكانه - سبحانه - قل:
لكنه - سبحانه - لمؤاخذهم، بل جعل لهم وقتاً معينا لمذابهم، ان يجدوا من
دون هذا العذاب ، موثلا ،.
أى ملجأ يلتجئون إليه ، أو مكانا يعتصمون به.
فالموئل: اسم مكان. يقال: وأل فلان إلى مكان كذا يثل وألا .. إذا
لجأ إليه ليعتصم به من ضر متوقع.
الآية الكريمة تبين أن الله - تعالى - بفضله وكرمه لا يعاجل الناس.
بالعقاب، ولكنه - عز وجل - ليس غافلا عن أعمالهم، بل يوخرم إلى

١٠٩
جزء الخامس عشر
الوقت الذى تقتضيه حكمته، لكى يعاقبهم على ما ارتكبوه من ذوب
وآنام .
وفى معنى هذه الآية وردت آيات كثيرة، منهاقوله - تعالى -: «ولو
يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة، ولكن يؤخرهم إلى
أجل مسمى. فإذا جاء أجلهم فإن اللّه كان بعباده بصيرا،(١).
وقوله - تعالى -: وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم، وإن ربك
لشديد العقاب، (٢) ثم بين - سبحانه سنته فى الأمم الماضية فقال: «وتلك
القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا)).
واسم الإشارة ((تلك)) تعود إلى القرى المهلكة بسبب كفرها وفسوقها
عن أمر ربها، كفرى قوم نوح وهود وصالح - عليهم السلام -.
والقرى: جمع قرية والمراد بها أهلها الذين ظلوا أنفسهم بالكفر
والجحود .:
أى: وتلك القرى الماضية التى أصر أهلها على الكفر والفسوق والعصيان
أهلكناهم بعذاب الاستثصال فى الدنيا، بسبب هدا الكفر والظلم، وجعلنا
لوقت هلاكهم موعدا لا يتأخرون عنه ساعة ولا يستقدمون.
ولفظ ((تلك، مبتدأ، والقرى صفة له أو عطف بيان، وجملة «أهلكناهم،
هی الخبر .
وقوله ((لما ظلوا، بيان الأسباب التى أدت به إلى الهلاك والدمار، أى:
أهلكناهم بسبب وقوع الظلم منهم واستمرارهم عليه .
وجىء باسم الاشارة ,تلك، الإشعار بأن أهل مكة يمرون عن تلك
القرى الظالمة المهلمكة، ويعرفون أماكنهم معرفة واضحة عند أسفارهم من مكا
(١) سورة فاطر الآية ٤٥
(٢) سورة الرعد الآية٦

١١٠
سورة - ٢-
إلى بلاد الشام. قالى - تعالى - ((وإنكم لمرون عليهم مصبحين. وبالليل
أفلا تعقلون )(١) .
وقوله: ((وجعلنا لمهلكهم موعدا، قرأ الجمهور، لمهلكهم) - ضم الميم
وفتح اللام - على صيغة المفعول، وهو محتمل ان يكون مصدرا ميمبا،
أى: وجعلها لإهلاكهم موعدا. ويحتمل أن يكون اسم زمان، أى: وجعلنا
لزمان إهلاكهم موعدا .
وقرأ حفص عن عاصم «لمهلكهم، بفتح الميم وكسر اللام - فيكون اسم
زمان، وقرأ شعبة عن عاصم. لمهلكهم، - بفتح الميم واللام - فيكون
مصدرا ميعبا .
وإلى هنا نجد الآيات الكريمة قد وضحت أن القرآن الكريم قد نوع الله
- تعالى - فيه الأمثالى لقوم يعقلون، كما بينت أن الإنسان مجبول على المجادلة
والمخاصمة . وأن المشركين قد أصروا على شركهم بسبب انطماس بصائرهم،
وزيفهم عن الحق، وأن الرسل - عليهم الصلاة والسلام - وظيفتهم البلاغ
والتبشير والإنذار، وأن عاقبة الجاحدين الذين ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم
هى النار وبئس القرار، وأن الله - تعالى - يمهل الظالمين ولا يهملهم ؛ فهو كما
قال - سبحانه - « فىء عبادى أنى أنا الغفور الرحيم. وأن عذابى هو العراب
الألم ، (٢).
ثم ساق - سبحانه - قصة فيها مافيها من الأحكام والعظات ، ألا وهى قصة
موسى - عليه السلام - مع عبد من عباد الله الصالحين، فقال - تعالى -:
(١) سورة الصافات الآيتان ١٣٧، ١٣٨
(٢) - ورة الحجر الآيتان ٤٩، ٥٦

اجزء الخامس عشر
((وإِذْ قَلَ مُوسَى لفتاهُ لاأَبْرَحُ حتى أَبْلُغَ مَجْمَع البحرينِ أوْ أَمْضِىّ
خُقُباً (٦٠) فلمّا بلغاً مجمعَ بينهماَ ذِمَا حوتَهُما فانَّخَذ سبيلَهُ فى البَحْرِ
سرَّباً (٦١) فلمَّا جاوَزَا قالَ لِفتاهُ آتنا غداءنا لقد لَقِينَاَ مِنْ سَفَرِنَاَ هذَاً
نَصَبَ (٦٢) قالَ أرأيتَ إذْ أَوَيْناَ إِلى الصخرةِ فإِنِّى نسيتُ الحوتَ
وما أنْسَانِيه إلاّ الشيطانُ أَنْ أذكُرَهُ، واتخذَ سبيله فى البحر عجيبًا (٦٣)
قالَ ذلِكَ مَا كَنَّا نَبْعِ، فارتدَّاً على آثارِ هما قصَصاً (٦٤) فوجدًا عبداً
من عبادِناَ آتيناهُ رحمةً من عندنَاَ، وَعَلَّنَهُ من لدُأَّا عِلْماً (٦٥))).
قال الإمام الرازى ما ملخصه: اعلم أن هذا إبتداء قصة ثالثة ذكرها اقه
- تعالى - فى هذه السورة، وهى أن موسى - عليه السلام - ذهب إلى لخضر
ليتعلم منه، وهذا وإن كان كلاما مستقلا فى نفسه إلا أنه يعين على ماهو
المقصود فى القصتين السابقتين: أما تفع هذه القصة فى الرد على الكبار الذين
افتخروا على فقراء المسلمين، فهو أن موسى مع كثرة علمه وعمله ... ذهب
إلى الخضر لطلب العلم وتواضع له ...
وأما نفع هذه القصة فى قصة أصحاب الكهف، فهو أن اليهود قالوا لكفار
مکه : « إِن ◌ُحبر کم محمد -صلى الله عليه وسلم- عن هذه القصة فهو في وإلا فلا،
وهذا ليس بشىء، لأنه لا يلزم من كونه نبيا أن يكون عالما بجميع القصص
كما أن كون موسى نبيا لم يمنعه من الذهاب ليتعلم منه))(١).
وموسى - عليه السلام - هو ابن عمران، وهو أحد أولى العزم من الرسل،
وينتهى نسبه إلى يعقوب - عليه السلام -.
وفتاة: هو يوشع بن نون ، وسمى بذلك لأنه كان ملازما لموسى
- عليه السلام - ويأخذ عنه العلم .
(١) التفسير الكبير الفخر الرازى ج ٢١ ص ١٤٣

١١٢
سورة الكهـ
وقوله: ((لا أبرح)، أى: لا أزال سائرا. ومنه قوله - تعالى -,ان
فبرح عليه عاكفين ،. من برح الناقص .
قال الجمل: واسمها مستتر وجوبا، وخبرها محذوف، تقديره: لا أبرح
سائرا، وقوله , حتى أبلغ .... غايه لهذا المقدر. ويحتمل أها قامة
فلا تستدعى خبرا، بمعنى: لا أزول عما أنا عليه من السير والطلب ولا أفارقه
حتى أبلغ ... ، (١) .
(((ومجمع البحرين)): المكان الذى فيه بلتقى البحر الأحمر بالبحر
الأبيض المتوسط .
قال الألوسى: والمجمع: الملتقى، وهو إسم مكان ... والبحران: بحر
فارس والروم، كما روى عن مجاهد وقتادة وغيرهما وملثقاهما، مما إلى المشرق
ولعل المراد .كان يقرب فيه التقاؤهما ... وقيل البحران: بحر الأردن
وبحر القلزم .... (٢).
وقال بعض العلماء: والأرجح. والله أعلم - أن مجمع البحرين: بحر
الروم وبحر القلزم.
أى: البحر الأبيض والبحر الأحمر. ومجمعهما مكان التقائهما فى منطقة
البحيرات المرة وبحيرة التمساح . أو أنه مجمع خليجى العقبة والسويس فى الحبر
الأحمر . فهذه المنطقة كانت مسرح تاريخ بنى إسرائيل بعد خروجهم من
مصر. وعلى أية حال فقد تركها القرآر محملة فتكتفي بهذه الإشارة)) (٣).
والمعنى: واذكر - أيها الرسول الكريم - لقومك لكى يعتبروا ويتعظوا
(١) حاشية الجمل على الجلالين = ٣ ص ٣٣
(٢) تفسير الالوسى ? ١٥ ص ٣١٢،
(٣) فى ظلال القرآن ص ٢٢٨٧ للأستاذ سيد قطب .

١١٣
الجزء الخامس عشر
وقت أن قال أخوك موسى - عليه السلام - لفتاه يوشع بن نون، أصحبنى فى
فى رحلتى هذه فإنى لا أزال ــاثرا حتى أصل إلى مكان النقاء البحرين، فأجد
فيه بغيتى ومقصدى، « أو أمضى، فى سيرى, حقبا، أى: زمنا طويلا، إن
لم أجد ما أبتغيه هناك.
والحقب - بضم الحاء والقاف - جمعه أحقاب، ومعناه: الحقبة - بكر
الحاء - وجمعها حقب - كسدرة وسدر - والحقبة - بضم الحاء - وجمعها: حقب
كغرفة وغرف - . قبل: مدتها ثمانون عاما. وقيل سبعون. وقيل: زمان
من الدهر مبهم غير محدد .
والآية الكريمة ندل بأسلوبها البليغ، على أن موسى - عليه السلام - كان
قد صمم على بلوغ مجمع البحرين مهما تكن المشقة فى سبيل ذلك، ومبما يمكن
الزمن الذى يقطعه فى سبيل الوصول إلى غايته ، وهو يعبر عن هذا التصميم
بما حكاه عنه القرآن بقوله: (أمضى حقبا)).
وقد أشار الآلوسى - رحمه الله - إلى سبب تصميم موسى على هذه الرحلة
فقال: ((وكأن منشأ عزيمة موسى - عليه السلام - على ماذكر، مارواه الشيخان
وغيرهما من حديث ابن عباس عن أبي بن كعب، أنه سمع رسول الله - صلى
الله عليه وسلم - يقول: « إن موسى - عليه السلام - قام خطيبا فى بنى إسرائيل
فمثل: أى الناس أعلى؟ فقال: أنا. فعاتبه الله - تعالى -، إذ لم يرد العلم
إليه - سبحانه - فأوحى الله - تعالى - إليه، إن لى عبدا بمجمع البحرين هو
أعلم منك .....
وفى رواية أخرى عن أبى - أيضا - عن رسول الله صلى الله عليه وسلم-
أن موسى - عليه السلام - سأل ربه فقال: أى رب فقال، إن كان فى عبادك
أحد هو أعلم منى فدأنى عليه، فقال له: « نعم فى عبادى من هو أعلم منك،
ثم نعت له مكانه وأذن له فى لقائه، (١).
(١) تفسير الآلوسى = ١٥ ص ١٣م.
( ٨ - سورة الكهف)

١١٤
سورة الكهف
ثم تقص علينا السورة الكريمة ما حدث بعد ذلك فتقول: «فلما بلغ مجمع
بينهما فسيا حوتهما. فاخذ سبيله فى البحر سربا)).
والفاء فى قوله: ( فلما بلغا)، وفى قوله (( فاتخذ سبيله ... ، هى الفصيحة
والسرب : النفق الذي يكون تحت الأرض. أو القناة التى يدخل منها
الماء إلى البستان لسقى الزرع.
والمعنى: وبعد أن قال موسى لفتاه ما قال، أخذا فى السير إلى مجمع
البحرين ، ولما بلغا هذا المكان (( نسيا حونهما)، أى: فسيا حوتهما ونسيا
تفقده أمره، فى الحوت، وسقط فى البحر، واتخذ «سبيله)) أى طريقه
((فى البحر سرباء.
أى: واتخذ الحوت طريقة فى البحر ، فكان هذا الطريق مثل السرب
أى النفق فى الأرض بحيث يسير الحوت فيه، وأثره واضح .
قال الإمام ابن كثير: قوله ((فلما بلغا مجمع بينهما نيا حوتهما، وذلك
أنه قد أمر بحمل حوت مملوح - أى مشوى - معه وقيل له: متى فقدت
الحوت، فهو ثمة - أى فالرجل الصالح الذى هو أعلم منك يا موسى فى هذا
المكان - . فسارا حتى بلغا مجمع البحرين . وهناك عين يقال لها عين الحياة))
فتاما هناك، وأصاب الحوت من رشاش ذلك الماء فاضطرب ، وكان فى
مكتل مع يوشع، وطفر من المكتل إلى البحر، فاستيقظ يوشع ، وسقط
الحوت فى البحر ، وجعل يسير فيه، والماء له مثل الطاق - أى مثل البناء
المقوس كالقنطرة - لا يلتثم بعده، ولهذا قال: ((فاتخذ سبيله فى البحر سرباء
أى: مثل السرب فى الأرض ، (١).
وقال الإمام البيضاوى: قوله , نسيا حوتهما، أى : نسى موسى أن
(١) تفسير ابن كثير جـ ٥ س ٠١٧١

١١٥
الجزء الخامس عشر
يطلبه ويتعرف حاله، ونسى يوشع أن يذكر له ما رأى من حياته ووقوعه
فى البسعر ، (١).
ثم بين - سبحانه - ما كان منهما بعد ذلك فقال: ((فلما جاوزا)، أى:
المكان الذى فيه مجمع البحرين .
((قال)، موسى - عليه السلام - ((لفتاه، يوشع بن نون ((آ تناغداءنا))
أى : أحضر لنا ما نأكله من هذا الحوت المشوى الذى معنا: ثم علل موسى
- عليه السلام - هذا الطلب بقوله: ((لقد لقينا من سفر ناهذا نصبا، أى:
تعبأ وإعياء.
وإسم الإشارة (( هذا)، مشار به إلى سفرهما المتلبسان بة.
قالوا. ولكن بإعتبار بعض أجزائه، فقد صح أنه - صلى الله عليه وسلم-
قال: (( لم يجد موسى شيئًا من التعب حتى جاوز المكان الذى أمر به)) (٢).
وقوله - سبحانه -: (( قال أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإنى نسيت الحوت)،
حكاية لما رد به يوشع على موسى - عليه السلام - عندما طلب منه الغداء .
والاستفهام فى قوله (( أرأيت)) للتعجب مما حدث أمامه من شأن الحوت
حيث عادت إليه الحياة، وقفز فى البحر، ومع ذلك نسى يوشع أن يخبر
موسى عن هذا الأمر العجيب.
أى: قال يوشع لموسى - عليه السلام -: تذكر وإنتبه واستمع إلى
ما سألقيه عليك من خبر هذا الخوت، أرأيت مادهانى فى وقت أن أويناولجأنا
إلى الصخرة التى عند مجمع البحرين ، فإنى هناك نسيت أن أذكر لك ما شاهدته
منه من أمور عجيبة ، فقد عادت إليه الحياة، ثم قفز فى البحر .
(١) تفسير البيضاوى ج ٢ ص ٠١٨
(٢) تفسير الألوسى ٠= ١٥ ص ٣١٧،

١١٦
سورة الكهف
وقال ((إذ أوبنا إلى الصخرة، دون أن يذكر مجمع البحرين، زيادة فى
تحديد المكان وتعيينه. وأوقع النسيان على الحوت دون الغداء الذى طلبه منه
موسى ، للاشعار بأن الغداء الذى طلبه موسى منه، هو ذلك الحوت الذى
فقداه .
وقوله (وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره)) جمله معترضة جىء بها لبيان
ما يجرى مجرى السبب فى وقوع النسيان منه.
وقوله (( أن أذكره، بدل إشتمال من الهاء فى ((أنسانيه).
أى: وما أنسانى تذكيرك بما حدث من الحوت إلا الشيطان الذى
يوسوس للانسان، بوساوس متعددة ، تجعله يذهل وينسى بعض الأمور
الهامة .
وقوله ((وانخذ سبيله فى البحر عجبا)) معطوف عن قوله ((فإنى نسيت
الحوت )».
أى : نسيت أن أخبرك بأن الحوت عندما أوينا إلى الصخرة عادت إليه
الحياة، واتخذ طريقه فى البحر اتخاذا عجيبًا، حيث صار يسير فيه وله أثر
ظاهر فى الماء والماء من حوله كالقنطرة التى تنفذ منها الأشياء.
وعلى هذا تكون جملة، واتخذ سبيله فى البحر عجياء من بقية كلام يوشع
للتعجب مماحدث من الحوت ، حيث عادت إليه الحياة بقدرة الله - تعالى-،
واتخذ طريقه فى البحر بتلك الصورة العجيبة .
وقيل: إن هذه الجملة من كلام الله - تعالى - لبيان طرف آخر من أمر هذا
الحوت العجيب ، بعد بيان أمره قبل ذلك بأ.) المخذ سبيله فى البحر سربا.
ويبدو لنا أن الرأى الأول أرجح، لأن سياق الآية بدل عليه، لذا إكتفى
به بعض المفسرين دون أن يشير إلى غيره.
قال الامام الرازى: قوله ((واتخذ سبيله فى البحر عجبا، فيه وجوه:

١١٧
الجزء الخامس عشر
الأول: أن قوله «عجبا، صفة المصدر محذوف، كأنه قبل: واتخذ
سبيله فى البحر إتخاذا عجبا. ووجه كونه عجبا إنقلابه من المكتل وصيرورةه
حيا وإلقاء نفسه فى البحر .
الثانى: أن يكون المراد منه ما ذكرنا من أنه - تعالى - جعل الماء عليه
كالطاق وكالسرب .
الثالث: قيل إنه تم الكلام عند قوله ((واتخذ سبيله فى البحر، ثم قال
بعده: عجبا. والمقصود منه تعجب يوشع من تلك الحالة العجيبة التى رآ ها،
ثم نسياته لها ... ، (١) .
وهنا يحكى القرآن ما يدل على أن موسى - عليه السلام - قد أدرك أنه
تجاوز المكان الذى حدده له ربه - تعالى - للقاء العبد الصالح فقال: (قال
ذلك ما كنا فبغ ، فارتدا على آثارهما قصصا ،.
أى قال موسى لفتاه: ذلك الذى ذكرته لى من أمر نسيانك لخبر الحوت
هو الذى كنا فيغيه ونطلبه ، فإن العبد الصالح الذى نريد لقاءه موجود فى
ذلك المكان الذى فقدنا فيه الحوت .
((فارتدا على آثارهما قصصا)، أى: فرجعا من طريقهما الذى أتيا منه،
بتقبعان آثارهما لثلا يضلا عنه، حتى انتهيا عائدين مرة أخرى إلى موضع
الصخرة التى فقد الحوت عندها.
وقصصا: من القص بمعنى إتباع الأثر. يقال: قص فلان أثر فلان
قصا وقصصا إذا تتبعه .
تم حكى القرآن ماتم لهما بعد أن عادا إلى مكانهما الأول فقال: ((فوجدا
عبدا من عبادنا آتيناه رحمة من عندنا وعلماء من لدنا علما)).
أى: وبعد أن عادا إلى الصخرة عند مجمع البحرين مرة أخرى وجدا (عبدا
(١) تفسير الفخر الرازى جـ ٢١ ص ١٤٧.

١١٨
سورة الكهف
من عبادنا)) الصالحين. والتفكير فى ((عبداء للتفخيم، والإضافة فى وعبادنا،
للتشريف والتكريم .
آ تبناه رحمة من عندنا، أى: هذا العبد الصالح منحناه وأعطيناه رحمة
عظيمة من عندنا وحدنا لا من عند غيرنا : واختصصناه بها دون غيره.
وهذه الرحمة تشمل النعم التى أنعم الله - تعالى - بها عليه - كنعمة الهداية
والطاعة وغيرهما .
«وعلمناه من لدنا علما، أى: وعلمناه من عندنا لا من عند غيرنا علماً
خاصاً ، لا يتبسر إلا لمن زيد تيسيره ومنحه له .
والمراد بهذا العبد: الخضر - عليه السلام - كما دلت على ذلك الأحاديث
الصحيحة .
ومن العلماء من يرى أنه كان نبيا ، ومنهم من يرى أنه كان عبدا صالحاً
اختصه الله بلون معين من العلم اللدنى .
أخرح البخارى وغيره عن أبى هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -
قال : إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هى تهتز من خلفه
خضراء(١) .
ويرى المحققون من العلماء أنه قد مات كما يموت سائر الناس . وإلى ذلك
ذهب الإمام البخارى وشيخ الإسلام ابن تيمية ، وتلميذه ابن القيم وغيرهم .
ویریآخرون أنه حی وسيموت فى آخر الزمان .
قال ابن القيم : إن الأحاديث التى يذكر فيها أنه حى كلها كذب ، ولا
يصح فيها حديث واحد. وهذه المسائل من المسائل التى فصل العلماء الحديث
عنها. فارجع إلى أقوالهم فيها إن شئت(٢).
(١) تفسير الآلومى ج ١٥ ص ٠٣١٩
(٢) راجع ابن كثير جـ ٥ ص ٠١٧١ والآلوسى + ١٥ ص ٣١٩ وأضواءالبيان
ج ٤ ص ١٥٧ ٠

١١٩
الجزء الخامس عشر
ثم حكى -سبحانه - بعد ذلك، ما دار بين موسى والخضر - عليهما السلام-
بعد أن التقيا فقال - تعالى - :
((قَالَ لَهُ مُوسَى هل أتبعُكَ على أَنْ تعلِّتَى مما علَّتَ رُشْداً (٦٦)
قالَ إنْكَ لن نَسْتَطِيعَ معِىَ صبراً (٦٧) وكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مالم تُحِطْ به
خُبراً (٦٨) قالَ سَتَجِدٌ بِى- إن شاء اللهُ - صابراً ولا أعْصِى لكَ أمراً (٦٩)
قالَ فإِنِ اتبعتَتَى فلا تَسْفِ عن شَىءٍ حتى أُحدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِ كْراً (٧٠)).
أى: قال موسى للخضر - عليهما السلام - بعد أن التقيا ((هل أتبعك، أى:
هل تأذن لى فى مصاحبتك وأتباعك. بشرط أن تعلمنى من العلم الذى علمك
الله إياه : شيئا أستزد به فى حياتى، وأصيب به الخير فى دينى .
فأنت ترى أن موسى - عليه السلام - قد راعى فى مخاطبته للخضر أسمى
ألوان الأدب اللائق بالأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - حيث خاطبه بصيغة
الاستفهام الدالة على التلطف ، وحيث أنزل نفسه منه منزلة المتعلم من المعلم ،
وحيث استأذنه فى أن يكون تابعا له، ليتعلم منه الرشد والخير .
قال بعض العلماء: فى هذه الآية دليل على أن المتعلم تبع للعالم، وإن
تفاوتت المراقب، ولا يظن أن فى تعلم موسى من الخضر ما يدل على أن الخضر
كان أفضل من موسى، فقد بأخذ الفاضل عن الفاضل، وقد يأخذ الفاضل عن
المفضول، إذا أختص الله - تعالى - أحدهما بعلم لا يعله الآخر، فقد كان
علم موسى يتعلق بالأحكام الشرعية والقضاء بظاهرها، وكان عام الخطر
يتعلق ببعض الغيب ومعرفة البواطن ... ، (١)
-
(١) تفسير فتح البيان ج ٥ ص ٤٧٧

١٢٠
سورة الكهف
ثم حكى - سبحانه - مارد به الخضر على موسى فقال: (قال إنك لن
تستطيع معى صبراء .
أى: قال الخضر لموسى إنك ياموسى إذا اتبعتنى ورأفقتنى، فلن تستطيع
معى صبرا ، بأى وجه من الوجوه .
قال ابن کثیر : أی : أنت لا تقدر با موسى أن تصاحبنى ، لما ترى من
الأفعال التى تخالف شريعتك، لأنى على علم من علم الله - تعالى - ما عدك
إياه ، وأنت على علم من علم الله - تعالى - ما علمنى إياه، فكل منا مكلف بأمور
من الله دون صاحبه، وأنت لا تقدر على صحبنى)،(١).
وقوله: (( وكيف تصبر على ما لم تحط به خبراء تعليل لعدم إستطاعة
الصبر معه .
أى: وكيف تصبر ياموسى على أمور ستراها منى. هذه الأمور ظاهر ها أنها
منكرات لا يصح السكوت عليها ، وباطنها لا تعلمه لأن الله لم يطلعك عليه؟
فالخبر بمعنى العلم. يقال: خبر فلان الأمر يخبره: أى: علمه. والأسم
الخبر ، وهو العلم بالشىء ، ومنه الخبير ، أى : العالم .
وكأن الخضر يريد بهذه الجملة الكريمة أن يقول لموسى: إنى واثق من
أنك لن تستطيع معى صبرا، لأن ما سأفعله سيصطدم بالأحكام الظاهرة،
وبالمنطق العقلى، وبغيرتك المعهودة فيك، وأنا مكلف أن أفعل ما أفعل ،
لأن المصلحة الباطنة فى ذلك ، وهى تخفى عليك ...
ولكن موسى - عليه السلام - الحريص على تعلم العلم النافع، يصر على
مصاحبة الرجل الصالح ، فيقول له فى لطف وأدب ، مع تقديم مشيئة الله
- تعالى -: ((ستجدفى - إن شاء الله - صابرا، ولا أعصى لك أمراً).
(١) تفسير ابن كثير ج ٥ ص ١٧٨