Indexed OCR Text
Pages 81-100
٨١ الجزء الخامس عشر وقوله - سبحانه -: ((وأحيط بشمره، معطوف على مقدر محذوف لدلالة السياق والسباق عليه . وأصل الإحاطة مأخوذة من إحاطة العدو بعدوه من جميع جوانبه لإهلاكه وإستتصاله . والمعنى: حدث ما توقعه الرجل الصالح من إرسال الحسبان على بستان صاحبه الجاحد المغرور, وأحيط بشمره بأن هلكت أمواله وثماره كلها . وجاء الفعل «أحيط، مبنيا للمجهول، الإشعار بأن فائله متيقن وهو العذاب الذى أرسله الله - تعالى - أى: وأحاط العذاب بجنته. وقوله: (( فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها.، تصوير بديع لما إعتراه من غم وهم وحسرة وندامة . وتقليب اليدين عبارة عن ضرب إحداهما على الأخرى ، أو يبدى ظهرهما ثم بطنهما ويفعل ذلك مرارا، وأياما كان ففعله هذا كناية عن الحسرة الشديدة، والندم العظيم. أى: وكانت نتيجة جحود صاحب الجنتين لنعم ربه، أن أهلكت أمواله وأبيدت كلها. فصار يقلب كفيه ظهرا لبطن أسفا وندما، على ما أنفق فى عمارتها وتزيينها من أموال كثيرة ضاعت هباء، ومن جهد كبير ذهب سدى. ((وهى)، أى الجنة التى أنفق فيما ما أنفق ((خاوية على عروشها، أى: ساقطة ومتهدمة على دعائما وعلى سقوفها . وأصل الخواء السقوط والتهدم. يقال: خوى البيت إذا سقط. كما يطلق على الخلاء من الشىء. يقال: خوى طن (لان من الطعام أى: خلا منه، وخوت الدار إذا خلت من سكانها . والعروش جمع عرش، وهو سقف البيت. والمقصود أن الجنة بجميع ما إنتملت عليه، صارت حضاءاً وهشيما تذروه الرباح ، (٦ - سورة الكهف) ٨٢ سورة الكهف وجملة: (( وبقول ياليتنى لم أشرك بربى أحدا، معطوفة على جملة , يقلب كفيه .. ، أى : صار بقلب كفيه حسرة وقدامة لهلاك جنته ويقول زيادة فى الحسرة والفداءة : يا ليتنى إتبعت نصيحة صاحى فلم أشرك مع دبى - سبحانه - أحدا فى العبادة أو الطاعة . وهكذا حال أكثر الناس ، يذكرون الله - تعالى - عند الشدائد والمحن ، وينسونه عند السراء والعافية . والمتدبر لهذه الآية الكريمة يراها قد صورت فجيعة الرجل الجاحد فى جنته تصوبرا واقعيا بديا فقد جرت عادة الإنسان أنه إذا نزل به ما يدهشه ويؤلمه .. أن يعجز عن النطق فى أول وهله . •إذا ما أفاق من دهشته بدأ فى النطق والكلام. وهذا ما حدث من ذلك الرجل - كما صوره "قرآن الكريم - فإنه عند ما رأى جنته وقد تحطمت أخد بقلب كفيه حسرة وندامة دون أن ينطق ، ثم بعد أن أفاق من صدمته جعل يقول: ياليتنى لم أشرك بربى أحدا . فباله من تصوتر بديع، يدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى. ثم ختم - سبحانه - هذه القصة ببيان عظيم قدره ونفاذ إرادته فقال: . ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا هنالك الولاية لقه الحق، هو خير ثوابا وخير حقبا. أى: ولم تكن لهذا الجاحد المغرور بعد أن خوت جنته على عروشها، عشيرة أو أعوان ينصرونه، أو يدفعون عنه ما حل به، وإنما القادر على ذلك هو الله - تعالى - وحده وما كان هذا الرجل الذى جحد نعم ربه منتصرا لأنه - سبحانه - قد حجب عنه كل وسيلة تؤدى إلى نصره وعونه ، بسبب إيثاره الغى على الرشد ، والكفر على الإيمان . ٨٣ الجزء الخامس عشر فالآية الكريمة تبين بجلاء ووضوح، عجز كل قوة عن قصرة ذلك الرجل المخذول سوى قوة الله - عز وجل -، وعجز ذلك الرجل فى نفسه عن رد إنتقام الله - تعالى - منه . وقوله - سبحانه -: ((هنالك الولاية فله الحق ... ، تقرير وتأكيد الآية السابقة . ولفظ هنالك ظرف مكان. وكلمة، الولاية، قرأها الجمهور بفتح الواو، بمعنى الموالاة والصلة والنصره كما قرأ الجمهور كلمة « الحق، بالجر على أنها فعت للفظ الجلالة. فيكون المعنى: فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية - أى الموالاة واصلة - من كل الناس، فله - فعالى - وحده إذ الكافر عند مايرى العذاب يعترف بوحدانية الله - تعالى - كما قال - سبحانه - ((فلما رأو بأسنا قالوا آمنا باقه وحده وكفرنا بما كنا به مشركين. فلميك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا.)) (١) ويجوز أن يكون المعنى: فى ذلك المقام وتلك الحال تكون الولاية أى الموالاة لله .. تعالى ... وحده، فيوالى المؤمنين برحمته ومغفرته وينصرهم على أعدائهم، كما قال - سبحانه - «ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا، وأن الكاهرين لا مولى لهم ، (٢) وقرأ حمزة والكمافى: ((الولاية، بكسر الواو، بمعنى الملك والسلطان كما قرأ أبو عمرو والكسائى لفظ « الحق)) بالرفع على أنه نعت الولاية فيكون المعنى: فى ذلك المقام تكون الولاية الحق ، والسلطان الحق ، لله رب العالمين ، كما قال - سبحانه -: الملك يومئذ الحق للرحمن، وكان يوما على الكافرين عسيرا، (٢) (١) سورة غافر الآيتان ٨٤، ٠٨٥ (٣) سورة الفرقان الآية ١٦ (٢) - ورة محمد الآية ١١ ٨٤ سورة الكهف قال بعض العلماء: وقوله ((هنالك)، يرى بعضهم أن متعلق بما بعده، والوقف تام على قوله (( وما كان مقتصرا،. ويرى آخرون أنه متعلق بما قبله . فعلى القول الأول يكون الظرف «هنالك، عامله ما بعده. أى: الولاية كائنة لله هنالك . وعلى القول الثانى فالعامل فى الظرف إسم الفاعل الذى هو ((منتصرا)). أى: لم يكن إنتصاره وأقما هنالك (١) وقوله - سبحانه -: ((هو خير ثوابا وخير عقبا، أى: هو - عز وجل- خير إثابة وإعطاء لأوليائه، وخير عاقبة .لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم إهتدى ». وعاقبة الأمر: آخره وما يصير إليه منها. و,ثوابا. و(عقبا)) منصوبان على التمييز، بعد صيغة التفضيل . خير)) التى حذفت منها الهمزة تخفيفا لكثرة الاستعمال كما قال ابن مالك - رحمه الله -: وغالبا أغنام خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر وبذلك نرى أن هذه القصة التى ضربها - تعالى - مثلا للأخبار والأشرار قد بينت لنا بأسلوب بليغ أخاذ، صور عاقبة الجاحدين المغرورين؛ وحسن عاقبة الشاكرين المتواضعين ، كما بينت لنا الآنار الطيبة التى تترقب على الايمان والعمل الصالح، والآثار السيئة التى يقضى إليها الكفر وسوء العمل كما بينت لنا المتفرد بالولاية والقدرة هو الله -عز وجل -، فلا قوة إلا قوته ، ولا نصر إلا نصره، ولا مستحق للعبادة أحد سواه، ولا ثواب أفضل من ثوابه ولا عاقبة لأوليائه خير من العاقبة التى بقدرما لهم، وصدق - سبحانه - حيث يقول: «هنالك الولاية لله الحق، هو خير ثوابا وخير عقبا)). ثم تنتقل السورة الكريمة من ضرب المثل الجزئي الشخصى ، إلى ضرب (١) تغير أضواء البيان ج ٥ ص ١٨٠ ٨٥ الجزء الخامس عشر مثال آخر عام كلى، فبينت أن الحياة الدنيا فى قصرها وذهاب زينتها ... كتلك الجنة التى أصبحت حطاما، بعد إخضرارها وكثرة ثمرها، كما بينت أن هناك زينة فانية، وأن هنالك أعمالا صالحة باقية. قال - تعالى -: (( واضْرِبْ لَهُم مثَلَ الحياةِ الدُّنْيا كماِ أَنْزَلنَهُ من السماء فاخْتَلَطَ به نباتُ الأرضِ ، فأصبحَ مشِيماً تذرُوهُ الرياحُ، وكانَ اللهُ على كلِّ شىءٍ مقتدراً (٤٥) المالُ والبنُونَ زينةُ الحياةِ الدُّنْياَ، والباقياتُ الصالحات خيرٌ عندَ ربِّكَ ثواباً وخيرٌ أَمَلاَ (٤٦))). قال الإمام الرازى: اعلم أن المقصود: أضرب لهم مثلا آخر يدل على حقارة الدنيا، وقلة بقائها . والكلام متصل بما تقدم من قصة المشركين المتكبرين على فقراء المؤمنين ... ،(١) والمعنى . واذكر لهم - أيها الرسول الكريم - ما يشبه هذه الحياة الدنيا فى حسنها ونضارتها ، ثم فى سرعة زؤال هذا الحسن والنضارة، لكى لايركزوا إليها ، ولا يجعلوها أكبر همهم، ومنتهى آمالهم ... وقوله: « أنزلناه من السماء .. ، بيان للمثل الدى شبه الله - تعالى - به الحياة الدنيا أى : مثلها فى ازدهارها ثم فى زوال هذا الازدهار ، كهيئة أو كصفة ما أنزلناه بقدرتنا من السماء، فى الوقت الذى تريد إنزاله فيه: ذ فاختلط به نبات الأرض، والاختلاط والخلط: امتزاج شيتين فأكثر بعضهما ببعض . أتى : كماء أنزلناه من السماء، فاختلط وامثوج بهذا الماء نبات الأرض، فارتوى منه، وحار أوبا بتيجا يعجب الناظرين إليه. وفى التعبير څر له: ،فاختلط به نبات الأرض،دون قولة: فاخاط بنبات (١) تفسير الفخر الرازى + ٢١ ص ١٣٠ ٨٦ سورة الحيف إشارة إلى كثرة الماء النازل من السماء، وإلى أنه السبب الأسامى فى ظهور هذا النبات ، وفى بلوغه قوته ونضار ته . وقوله: « فأصبح مشبما تذروه الرياح، بيان لما صار إليه هذا النبات من يبوسته وتفتته ، بعد إخضراره وشدته وحسنه . قال القرطبى ما ملخصه: ((هشبا، أى تكرا متفتتا ، يعنى باقتطاع الماء عنه، حذف ذلك إيجازالدلالة الكلام عليه. والهشم: كر الشىء اليابس. والهشيم من النبات: اليابس المتكسر ... ورجل هشيم : ضعيف البدن . و((تذروه الرياح، أى تفرقه وتنسفه ... يقال: ذرت الريح الشىء تذروه ذروا، إذا طارت به وأذهته ،(١) . أى: فأصبح النبات بعد إخضراره، بابا متفتتا، تفرقه الرياح و تنسفه و تذهب به حيث شاءت و کیف شاءت فأنت ترى أن الآية الكريمة قد شبهت حال الدنيا فى حسنها وجمال رونقها، ثم سرعة زوالها وفنائها بعد ذلك ، بحال النبات الذى نزل عليه الماء فاخضر واستوى على سوقه، ثم صار بعد ذلك يابسا متفتتا تذهب به الرياح حيث شاءت . والتعبير بالفاء فى قوله - سبحانه - ((فاختاط فأصبح .. )) يزيد الأسلوب القرآ فى جمالا وبلاغة، لأن فاء التعقيب هنا تدل على قصر المدة التى استمر فيها النبات فضرا جميلا، ثم صار هشيما تذروه الرياح . وهكذا الحياة تبدو للمتعلفين بها، جميلة عزيزة، ولكنها سرعان ما تفارقهم ويفارقوتها، حيث ينزل بهم الموت فيجعل آمالهم تحت التراب. ثم ختم - سبحانه - الآية بقوله، «وكان الله على كل شى. مقتدرا، أى: (١) تفسير القرطبي : ١٠ ص ٤١٣ ٨٧ الجزء الخامس عشر وكان الله - تعالى - وما زال - على كل شىء من الأشياء التى من جملتها الإنشاء والإفتاء ؛ كامل القدرة، لا يعجزه شيء فى الأرض ولا فى السماء. وقد ذكر - سبحانه. ما يشبه هذه الآية فى سور كثيرة ، ومن ذلك قوله - تعالى -: إنما مثل الحياة لدينا كما أنزلناه من السماء فاختاط به نبات الأرض ما يأكل الناس والأنعام، حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وأزينت ، وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أناها أمرنا ليلا أونهارا جعلناها - صيدا كأن لم تغن بالأمر، كذلك تفصل الآيات لقوم يتفكرون)،(١) ثم بين - سبحانه - القيمة الحقيقية المال وللبنين فقال: « المال والبنون] زينة الحياة الدنيا ،. والمال : اسم لكل ما يتموله الإنسان ويتملكه من العقود والعقار والحرث والأنعام ... الخ والبنون: جمع ان. والزينة: مصدر . والمراد بها هنا، ما فى الشىء من محاسن ترغب الانان فيه . أى: المال والبنون زينة يتزين بها الانسان فى هذه الحياة الدنيا، ويتباهى بها على غيره . وإنما كانا كذالك، لأن فى المال - كما يقول القرطبى - جمالا ونفعا، وفى البنين قوة ودفعا ... قال الآلوسى: وتقديم المال على البنين - مع كونهم أعز ماله عندا كثر الناس لعراقته فيما فيط به من الزينة والامداد وغير ذلك .. ولأنه زينه بدونهم من غير عكس فإن من له بنون بغير مال فهو فى أضيق حال .. ، (٢) وفى التصدير بقوله - سبحانه - زينة، بيان بدبع، وتعبير دقيق لحقيقتهما، (١) سورة يونس الآية ٢٤ (٢) تفسير الآلوسى = ١٥ ص ٢٨٦ ٨٨ سورة الكهف فهما زيبة وليا قيمة، فلا يصح أن توزن بهما أقدار الناس، وإنما فوزن أقدار الناس بالإيمان والعمل الصالح، كما قال - تعالى - «إن أكرمكم عند الله أتقا كم ... ولذا جاء التعقيب منه - سبحانه - بقوله، «والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا ، . أى : المال والبنون زينة يتزين ويتفاخر بها كثير من الناس فى هذه الحياة الدنيا، وإذا كان الأمر كذلك فى عرف كثير منهم. فإن الأقوال الطيبة ، والأعمال الحسنة، هى الباقيات الصالحات ، التى تبقى ثمارها للإنسان، وتكون عند أنه - تعالى - (( خير)) من الأموال والأولاد , ثوابا، وجزاء وأجرا ((وخير أملا، حيث ينال بها صاحبها فى الآخرة ما كان يؤمله ويرجوه فى فى الدنيا من فوز بنعيم الجنة، أما المال والبنون فكثيرا ما يكونان فتنة .. وقد ساق الامام ابن كثير جملة من الآثار فى تعيين المراد بالباقيات الصالحات فقال: قال ابن عباس وسعيد بن جبير وغير واحد من السلف: والباقيات الصالحات»: الصلوات الخمس . وقال عطاء بن أبي رباح وسعيد بن جبير عن ابن عباس: ((والباقيات الصالحات،: سبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر ... (١). ويبدو لنا أن قوله - تعالى -: ((والباقيات الصالحات، لفظ عام ، يشمل كل قول ، أو عمل يرضى الله - عز وجل -. ويدخل فى ذلك دخولا أوليا: الصلوات الخمس وغيرها مما ذكره المفسرون من أقوال . وسمى - سبحانه - ما يرضيه. من أقول، وأعمال بالباقيات الصالحات لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولافانية ، بخلاف زينة الحياة الدنيا فإنها زائلة فانية . . (١) راجع تفسير ابن كثير = ٥ ص ١٥٧ ٨٩ الجزء الخامس عشر قال الامام ابن جرير - رحمه الله - وأولى الأقوال بالصواب قول من قال: من جمع أعمال الخير .. لأن ذلك كله من الصالحات التى تبقى لصاحبها فى الآخرة، وعليها يجازى ويثاب. وإن الله - عز وجل - لم يخصص منقوله ((والباقيات الصالحات خير .. ، بعضا دون بعض فى كتاب، ولا يخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -(١) ثم انتقلت السورة الكريمة إلى الحديث عن أهوال يوم القيامة ، وذلك اليوم الذى تنفع فيه الباقيات الصالحات، وليس الأموال ولا الأولاد، فقال - تعالى - : ((ويومَ نُسَيِّرُ الجبالَ وتَرَى الْأرْضَ بَرِزَةً وحشَرْنَهُ فَلَمْ تَُدِرْ مِنْهُم أحداً (٤٧) وعَرِضُوا عَلَى رَبَّكَ صفًّا، لقدْ جِئْتُموناً كما خَلَقْنَا كُم أولَ مرةٍ، بل زَمْتَمْ أنْ لَنْ نَجَعَلَ لكُمْ موعِداً (٤٨) وَوُضعَ الكتابُ فَتَرَى المَجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ ءَ فِهِ ويَقُولونَ يا ويْلَتَنَاَ مَلٍ هذا الكتاب لا يُغَدِرُ صَغِيرَةٌ ولاَ كَبيرةٌ إِلاَّ أَحْصَهاَ، ووجَدُوا ما عَمِلُوا حاضراً، ولا يُظلمُ رِبْكَ أَحداً (٤٩))). والظرف فى قوله : - تعالى -،ويوم نسير الجبال)) منصوب بفعل محذوف تقديره: ((اذكر)). والمراد بتميز الجبال: اقتلاعها من أماكنها، وضيرورتها كالعهن المنفوش . أى: وأذكر ـ أبنا العاقل - لتختبر وتتغط، أهوال يوم القيامة، بوم (١) راجع تفطير ابن جرير جـ ١٥ ص ١٦٧ ٩٠ سورة الكهف تقتلع الجبال من أماكنها، ونذهب بها حيث شئنا، ونجعلها فى الجو كالسحاب، كما قال - سبحانه -: «وترى الجبال تحسبها جامدة وهى تمر مر السحاب .. ،. وكما قال - عز وجل -: ((وسيرث الجبال فكانت سرابا)). وقوله :« وترى الأرض بارزة .. ، بيان لحالة ثانية من أهوال يوم القيامة . أى: وترى - أيها المخاطب - الأرض ظاهرة الأعين دون أن يسترها شىء من جبل ، أو شجر ، أو بنيان . يقال: برز الشىء بروزا، أى: خرج إلى البراز - بفتح الباء - أى: الفضاء وظهر بعد الخفاء . قال - تعالى - ,فإذا نفخ فى الصور نفخة واحدة. وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة واحدة، فيومئذ وقعت الواقعة)». ثم بين - سبحانه - حالة ثالثة من أحوال يوم القيامة فقال: ، وحشر نام فلم نغادر منهم أحدا ،. أى : وحشرنا الخلائق جميعا، بأن جمعناهم فى المكان المحدد لجمعهم ، دون أن نترك منهم أحدا، بل أخر جناهم جميعا من قبورهم لنحاسبهم على أعمالهم. والفعل ((نغادر، من المغادرة بمعنى الترك، ومنه الغدر لأنه ترك الوفاء والأمانة وسمى الغدير من الماء غديرا، لأن السيل ذهب وتركه. ثم تذكر السورة الكريمة حالة رابعة من أهوال يوم القيامة، هى حالة العرض بعد حالة الجمع فتقول: ((وعرضوا على ربك صفا .. ،. أى: وأحضروا جميعا إلى ربك مصفوفين فى صف واحد أو فى صفوف متعددة، ليقضى فيهم - سبحانه - بقضائه العادل . قال الألوسى: أخرج ابن منده فى التوحيد عن معاذ بن جبل ، أن الفى ٩١ الجزء الخامس عشر - صلى الله عليه وسلم - قال: إن الله - تعالى - ينادى يوم القيامه، يا عبادى: أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين، وأحكم الحاكمين. وأسرع الحالمين. أحضروا حجتكم , ويسروا جوابكم. فإنكم مسؤولون محاسبون يا ملائكة أقيمرا عبادى صفوفا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب . وفى الحديث الصحيح: يجمع الله - تعالى - الأولين والآخرين فى سعيد وأحد صفوفا يسمعهم، وينفذهم البصر ... ،(!). وقوله - سبحانه -: ((لقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة ... )) مقول لقول محذوف، وجملة. كما خلقناكم، نعت لمصدر محذوف . والمعنى: ونقول لمذكرى البعث والحساب بعد عرضهم علينا على سبيل التوبيخ والتأنيب: لقد جئتمونا - أيها المكذبون - مجيئًا كاننا كجبئكم عند خلقنا إياكم أول مرة . أى حفاة عراة لا مال معكم ولا ولد . وعبر - سبحانه - بالماضى فى قوله : .لقد جئتمونا .. )) لتحقق الوقوع وتنزيله منزلة الواقع بالفعل . وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -:. ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة، وتر كتم ما خولناكم وراء ظهوركم، وما نرى معكم شفعاء كم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء. لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون(٢). ثم ختم - سبحانه - الآية بالانتقل من توبيخهم هذا إلى توبيخ أشد وأقسى، فقال: (( بل زعمتم أن ان نجعل لكم موعدا)). أى: بل زعمتم أيها المكذبون بالبعث - أن ان نجعل لكم زمانا او مكانا نجازيكم فيه على أعمالكم ، وأنكرتم إنكاراً مصحوبا بقسم أننا لانبعث من يموت . (١) تفسير الآلوسى جـ ١٥ ص ٢٨٩. (٢) سورة الأنعام الآية ٩٤ ٩٢ سورة الکیف قال - تعالى -: ((وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت. بلى وعدا عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون)). ثم صور - سبحانه - أحوال المجرمين عندما يرون مصيرهم الى. فقال - تعالى -: ووضع الكتاب, فترى المجرمين مشفقين بما فيه، ويقولون: يا ويلتنا مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، ... والمراد بالكتاب : جنسه، فيشمل جميع الصحف التى كتبت فيها أعمال المكلفين فى دار الدنيا . أى: وأحضرت محائف أعمال العباد, ووضعت فى ميزانهم ((فترى، - أيها المخاطب -، « المجرمين، كافة، مشفقين، خائفين , ما فيه ،من جرائم وذنوب ( وبقولون) على سبيل التفجع والتحسر عند معاينتهم لثقل ميزان سيئاتهم ، وخفة ميزان حسناتهم. (((يا ويلتنا». والويلة: الهلاك وحلول الشر والقبح والحسرة، وهو -أى لفظ الوبلة - : مصدر لا فعل له من لفظه . وهذا النداء على التشبيه بشخص يطلب إقباله . أى: ويقولون بأسف وندامة وحسرة: ياهلا كنا أقبل فهذا أو أن إقبالك. ثم يقولون على سبيل التعجب والدهشة من دقة ما اشتمل عليه هذا الكتاب: ((مال هذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها،؟ أى: أى شىء ثبت لهذا الكتاب، حيث نراه لا يترك معصية صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاما علينا، وسجلها فى صحف أعمالنا. ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على شمول علمه. ونفاذ قدرته وكمال عدله؛ فقال: ((ووجدوا ما عملوا حاضرا، ولا يظلم ربك أحدا،: (١) سورة النحل الآية ٣٨ ٩٣ الجزء الخامس عشر أى : ووجدوا ماعملوه فى الدنيا حاضرا ومسطورا فى صحائف أعمالهم، ولا يظلم ربك أحدا من العباد، وإنما يجازى كل إنسان على حسب ما يستحقه من ثواب أو عقاب كماقال - سبحانه -: ((ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ، وإن كان مثقال حبة من خردل أقينا بها ، وكفى بنا حاسبين . (١) . وكما قال - عز وجل -: (( إن الله لا يظلم مثقال ذرة، وإن تك حسنة يضاعفها، ويؤت من لدنه أجرا عظيما، (٢). قال الإمام ابن كثير وقوله: ((ولا يظلم ربك أحدا، أى: فيحكم بين عباده فى أعمالهم جميعها ، ولا يظلم أحدا من خلقه، بل يغفر ويصفح ويرحم، ويعذب من يشاء ، بقدرته وحكمته وعدله ... وقال الإمام أحمد : حدثنا يزيد أخبرنا همام بن يحيى ، عن القاسم بن عبد الواحد المكى، عن عبد الله بن محمد ابن عقيل إنه سمع جابر بن عبد الله يقول: بلغنى حديث عن رجل سمعه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاشتريت بعيراً ثم شددت عليه رحلى، فسرت إليه شهرا، حتى قدمت عليه الشام، فإذا عبد الله بن أنيس، فقلت البواب: قل له جابر على الباب ، فقال ابن عبد الله؟ فقلت: نعم، خرج بطأ ثوبه، فاعتنقنى واعتنقته، فقلت: حديث بلغنى عنك أنك سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى القصاص خشيت أن تموت أو أموت قبل أن أسمعه، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: يحشر الله - عز وجل - الناس يوم القيامة، عراه ◌ُغرلاً بُشْماً، أى: ليس معهم شىء، ثم يناديهم بصوت يسمعه من بعد، كما يسمعه من قرب : أنا الملك ، أنا الديان ، لا ينبغى لأحد من أهل النار أن يدخل النار، وله عند أحد من أهل الجنة حق ، حتى أقصه منه ، أی : حتى امکنه من أخذ القصاص، وهو أن يفعل به مثل فعله، ولا ينبغى لأحد من أهل الجنة أن (١) سورة الأنبياء آية ٤٧ (٢) - ورة النساء آية ٤٠ ٩٤ سورة الكهف يدخل الجنة ، وله عند رجل من أهل النار حق، حتى أقصه منه، حتى الاطمة. قال: قلنا كيف وإنما فأنى الله - عز وجل - عراة غرلا بهما؟ قال بالحسنات والسيئات(١) . وبعد أن وضح -سبحانه - من أهوال الحشر ما تخشع له النفوس، وتهتز له القلوب، أتبع ذلك بالنهى عن إتخاذ إبليس وذريته أولها.، وبيان جانب من المصير الأليم الذى ينتظر المجرمين وشركاهم ، فقال - تعالى -: ((وإذْ قُلْنا الملائكةِ اسجدُوا لَآدَم فَسَجدُوا إلاَّ إبليسَ كانَ من الجنَّفَقَسَقَ عن أمرِ ربِّه، أَفَتَخِذُونَهَ وَذُرِّيتَه أوْلِيَاءَ من دُونِى وهُم لكُم عدوٌ، بْسَ اللَّظَّالِنَ بدلاً (٥٠) ما أشْهِدْتُمَ خَلْقَ السمواتِ والأرضِ ولاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ، وما كنتُ مُتَّخِذَ المَضِلِّينَ تَضَداً (٥١) ويَوْمَ يقولُ نَادُوا شُرِكَاىَ الذينَ زَعَمُ، فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُم وجَعْنَاَ بَيْنَهم مَوبِقً (٥٢) ورأى المجرِ مونَ النَّارَ فَظَنُوا أنْهُم مَواقِعُوهَا ولم يَجِدُوا عَنْهاَ مَصْرِفَا (٥٣))). فقوله - سبحانه -: ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم، فسجدوا إلا إبليس ٠٠). تذكير لبنى آدم بالعداوة القديمة بين أبيهم آدم وبين إبليس وذريته .. والمقصود بهذا التذكير تحذيرهم من وساوسه، وحضهم على مخالفته، كما قال - تعالى -: (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً، إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير)(٢). (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ ص ١٦٢ (٢) سورة فاطر الآية ٦ ٩٥ الجزء الخامس عشر والملائكة: جمع ملك. وهم - كما وصفهم الله تعالى -: ( لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون)(١). وآدم: اسم لأبى البشر. قيل إنه إسم عبرانى مشتق من أدمه بمعنى التراب، والسجود لغة : التذلل والخضوع . وخص فى الشرع بوضع الجبهة على الأرض بقصد العبادة. وإبليس: اسم مشتق من الإبلاس، وهو الحزن الناشىء من شدة اليأس وفعله أبلس ، والراجح أن اسم أعجمى. ومنعة من الصرف للعلمية والعجمية. والمعنى. وأذكر. أيها العاقل - لتعتبر وتتعظ، وقت أن قلنا للملائكة أسجدوا لآدم، سجود تحية واحترام وتوقير، لا سجود عبادة وطاعة لأن ذلك لا يكون إلا فقه رب العالمين. فامتثلوا أمرنا وسجدوا جميعاً، كما قال - تعالى -: (فسجد الملائكة كلهم أجمعون). وجاء العطف فى قوله ( فجدوا ) بالفاء المفيدة للتعقيب، للإشارة إلى أن الملائكةـة- بادروا بالامتثال بدون تردد، استجابة لأمر خالقهم-عز وجل -. و قوله - تعالی ۔ ( إلا إبلی کان من الجن ففسق عن أمی ر به، کو نهمن الجن لا من الملائكة إذمن المقرر فى علم الأصول ؛ أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل ، كما فى قولهم ، سرق فقطعت يده » أى: قطعت بده من أجل سرقته .. )) والمعنى: امتثل الملائكة جميعاً أمرنا فسجدوا لآدم، إلا إبليس فإنه أبى واستكبر ولم يسجد, لأنه كان من الجن ولم يكن من الملائكة (ففسق عن أمر ربه) أى. خرج بذلك عن طاعتنا، واستحق لعنتنا وغضينا. (١) سورة التحريم الاية ٠٦ ٩٦ سورة الكهف وأصل الفسق: الخروج عن الطاعة مأخوذ من قولهم: فق الرطب فسوقا إذا خرج عن قشره وهو أعم من الكفر, فيقال للعاصى فاسق، وللکافر فاسق . قال بعض العلماء ما ملخصه: والخلاف فى كون إبليس من الملائكة أولا مشهور عند أهل العلم . وحجة من قال إنه ليس منهم أمران: أحدهما: عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذى ارتكبه إبليس ، فهم - كما قال الله عنهم -: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ). والثاني: أن الله - تعالى - صرح فى هذه الابه الكريمة بأنه كان الجن والجن غير الملائكة. قالوا: وهو نص فرأبى فى محل النزاع . واحتج من قال بأنه منهم، بما تكرر فى الآيات القرآنية من قوله : (فسجد الملائكة كلهم أجمعون إلا إبليس ) قالوا: فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم ، والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص ومن المعلوم أن الأصل فى الاستثناء الاتصال لا الإنقطاع .. قالوا: ولا حجة لمن خالفنا فى قوله - تعالى - (كان من الجن)، لأن الجن قبيله من الملائكة، خلقوا وبين الملائكة من قار السموم .. وأظهر الحجج فى المسألة. حجة من قال: إنه ليس من الملائكة ، لأن قوله - تعالى - ( إلا إبليس كان من الجن ... ) هو أظهر شىء فى الموضوع من نصوص الوحى، والعلم عند الله - تعالى -(١). ومن المفسرين الذين يدل كلامهم على أن إبليس لم يكن من الملائكة . الإمام ابن كثير ، فقد قال - رحمه الله - قوله: (فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ) أى: خانه أصله، فإنه خلق من مارج من نار، وأصل حلق الملائكة (١) تفسير أضواء البيان ج ٤ ص ١١. ٩٧ الجزء الخامس عشر من نور، كما نبت فى صحيح مسلم، عن عائشة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: « خلقت الملائكة من أور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم)). فعند الحاجة نضح كل إناء بما فيه، وخانه الطبع عند الحاجة، وذلك أنه قد توسم بأفعال الملائكة، وتشبهبهم ، وتعبد وتنسك فلهذا دخل فى خطابهم ، وخص بالمخالفة . ونبه - تعالى - ها هنا على أنهمن الجن) أى: أنه خلق من نار .. ،(١). ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بالإنكار والتوبيخ والتعجيب أن يتبع خطوات إبليس وذريته فقال: ((أفتتخذونه وذريته أولياء من دونى وهم لكم عدو ، بتس للظالمين بدلا : . أى: أفبعد أن ظهر لكم ـ يابنى آدم - ماظهر من فسوق إبليس عن أمر ربه، تتخذونه وذريته الذين هجوانهجه، أولياء وأصفيا. من دونى، فتطيعونهم بدل أن تطيعونى ، والحال أن إبليس وذريته لكم عدو ؟ لا شك أن من يفعل ذلك منكم يكون قد استبدل الذى هو أدنى بالذى هو خير، وآثر الغى على الرشد، والضلالة على الهداية، والفوق على الإيمان !! فالجملة الكريمة تستبعد من كل عاقل، أن يطيع إبليس وذريته ، بعد أن تبين له عداوتهم إياه، وحرصهم على إيقاعه فى موارد الهلكة والسوء ... وقوله : ((وذريته، يدل على أن لإبليس ذرية، إلا أن الطريقة التى بواسطتها كانت له الذرية ، لم يرد بها نص صحيح يعتمد عليه ، لذا وجب تفويض عليها إلى - الله تعالى -. قال الألوسى عند تفسيره هذه الآية: والظاهر أن المراد من الذرية الأولاد (١) تفسير ابن كثير جـ ٥ س ١٦٣. ( ٢ - سورة الكهف ) ٩٨ سورة الكهف فتكون الآية دالة على أن له أولادا، وبذلك قال جماعة .... وعن قتادة أنه قال : إنه ينكح وبنسل كما ينسل بنو آدم. ثم قال الآلوسي: ولا يلزمنا أن نعلم كيفية ولادته، فكثير من الأشياء مجمول الكيفية عندنا، ونقول به ... ) (١). وقوله - تعالى -: (بئس للظالمين بدلا، حكم منه - سبحانه - سوء التفكير والمصر على المتخذين إبليس وذريته أولياء من دونه - تعالى. وبفى فعل يفيد الذم . والبدل : عن الشىء. أى بئس للظالمين ، الواضعين للشىء فى غير موضعه. ما فعلوه من تركهم طاعة الله - تعالى - وأخذهم فى مقابل ذلك طاعة إبليس وذريته . والمخصوص بالذم محذوف دل عليه المقام والتقدير: بئس البدل والعوض عن طاعة الله - تعالى - طاعة إبليس وذريته. ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال علمه وقدرته، وعلى عجز وجهالة المعبودين من دونه، فقال - تعالى -: ما أشهدتهم خلق السموات والأرض ولا خلق أنفسهم . » والضمير فى قوله، ما أشهدتهم، يعود إلى إبليس وذريته، والاشهاد: منى الاحضار والاعلام أى: ما أشهدت إبليس وذريته خلق السموات والأرض، لأنى خلقتهما دون أن أستعين فى خلقهما بأحد، أو لأفى خلقتهما قبل خلقهم ، ((ولا خلق أنفسهم، أى: ولا أشهدت بعضهم خلق بعض، لأنى لا أستعين بأحد حين أخلق ما أشاء، ولا استدمير أحدا حين أندر ما أشاء وما دام الأمر كذلك فكيف تتخذونهم أوليا. وشركاء من دونى وأنا الخالق لكل شىء والقاهر فوق كل شىء ؟ (١) تفسير الالوسى = ١٥ ص ٢٩٥، ٩٩ الجزء الخامس عشر فالجملة الكريمة استئناف مسوق لبيان كمال علمه وقدرته - سبحانه - ، ولبيان عدم استحقاق إبليس وذريته للاتخاذ المذكور فى أنفسهم ، بعد بيان المواقع والصوارف التى تمنع وتصرف عن اتخاذهم أولياء، مز خيانة أصلهم. وفوقهم عن أمر ربهم . وهذا المعنى الذى صرحت به الآبه الكريمة من تفرد الله - تعالى - بالحلق والعلم والقدرة. قد جاء فى آيات أخرى منها قوله - تعالى - ,هذا خلق الله فأروفى ماذا خلق الذين من دونه، بل الظالمون فى ضلال مبين))(١). وقوله - سبحانه -((وما كنت متخذ المضلين عضدا)، مؤكد لما قبله من تفرده - سبحانه - بالخلق والقدرة والعلم. والعضد - بفتح العين وضم الدال ـ فى الأصل، يطلق على العضد المعروف ما بين المرفق إلى الكتف . ويستعار للمعين والناصر فيقال: فلان عضدى، أى : نصيرى . ومنه قوله - تعالى - لنبيه موسى - عليه السلام - «سنشد عضدك بأخيك)) أى: سنقويك ونعينك بأخيك هارون. وذلك لأن اليد قوامها العضد، فإذا فقدته أصابها العجز . أى: وما كنت متخذ المضلين عن سبيلى أعوانا وأنصاراً فى شأن من شئونى وخص - سبحانه - المضلين بالذكر ، زيادة فى ذمهم وتوبيخهم ، وتقربما لأمثالهم، لأنه - عز وجل - ليس له أعوان ولا أنصار فيما يفعله لا من المضلين ولا من المهتدين . ولم يقل -سبحانه - وما كنت متخذهم .. بالإضمار، كما قال: «ما أشهدتهم. بل أظهر فى مقام الإضمار ، لتسجيل الضلال عليهم ، حتى ينصرف عنهم كل عاقل، وللتنبيه على أن الضالين المضلين لا تصح الاستعانة بهم . (١) سورة لقمان الآية ١١. ١٠٠ سورة المعهد ولقد حكى الله - تعالى - عن نبيه موسى - عليه السلام - براءته من المجرمين فقال: ((قال رب بما أنعمت على فلن أكون ظهيرا للمجرمين))(١) والظهير : الناصر والمعين لغيره . ثم ساقت السورة الكريمة مشهدا من مشاهد القيامة - يكشف عن سوء المصير الذى ينتظر الشركاء وينتظر المجرمين. فقال - تعالى -: «ويوم يقول نادوا شر كائى الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم ... )). أى: واذكر - أيها العافل - يوم يقول الله - تعالى - للمجرمين والكافرين على سبيل التوبيخ والتقريع: أيها الكافرون ، فادوا شركائى الذين زعمتم أنهم ينفعوفكم ويشفعون لكم فى هذا الموقف العصيب فدعوهم، أى: فأطاعوا أمر خالفهم، ودعوا شركاءهم لكى يستغيثوا بهم (( فلم يستجيبوا لهم)) أى: فلم يجدوا منهم أدفى استجابة فضلا عن النفع أو العون . وقوله: (وجعلنا بينهم موبقا، أى: وجعلنا بين الداعين والمدعوين مهلكا يشتركون فيه جميعا وهو جهنم . فالموبق : اسم مكان من وبق وبوقا - كوب ونوبا - أو وبق وبقا كمفرح فرحا - إذا هلك. ويقال فلان أوبقته ذنوبه: أى أهلكته. ومنه قوله - تعالى -: أر يوبقهن بما كسبوا: أى يهلكهن. ومنه الحديث الشريف ((كل يغدو فو بق نفسه - أى مماكمها - ومنه أيضاً قوله - صلى الله عليه وسلم- ((اجتنبوا السبع الموبقات، أى : المهلكات . وقيل : الموبق اسم واد فى جهنم فرق الله به بينهم ، أى بين الداعين والمدعوين . وقيل : كل حاجز بين شيئين فهو موبق . (١) سورة القصص الآية ١٧.