Indexed OCR Text
Pages 1-20
التفسير الوسيط للقرآن الكريم تَفَسَيْرُسُورَةِ الإِسْرَاءُ لفضيلة الدكتور محمد السيد طنطاوى الأستاذ بكلية أصول الدين جامعة الأزهر حقوق الطبع محفوظة للمؤلف ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م (ربنا تقبل منا، إنك أنت السميع العليم ( الجزء الخامس عشر ) مَطْبَعَة السَعادة ميدان احمد ماهر- شارع الجداوى رقم ١٢ ٤ ٩٠٧٣٧٩ س ت ١١٩٩٧٠ حمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه ، ومن دعا بدءو ته إلى يوم الدين . وبعد: فهذا تفسير لسورة الإسراء، أسأل الله - عز وجل - أن يجعله خالصا لوجهه، ونافعا لعباده، إنه سميع مجيب . وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ المدينة المنورة فى ٥ / ١ /١٤٠٤هـ ١٩٨٣/١٠/١٠م الوافى المؤلف د . محمد السید طنطاوى تعريف بسورة الإسراء ١ - سورة الإسراء هى السورة السابعة عشرة فى ترتيب المصحف، فقد سبقتها سورة: الفاتحة، والبقرة، وآل عمران، والنساء ... ألخ. أما ترتيبها فى النزول ، فقد ذكر السيوطى فى الإتقان أنها السورة التاسعة والأربعون، وأن نزولها كان بعد سورة القصص (١). ٢ - وتسمى - أيضا - بسورة بنى إسرائيل، وبسورة ((سبحان)). وعدداً ياتها عند الجمهور إحدى عشرة آية ومائة ((وعند الكوفيين عشر آيات ومائة آية . ٣ - ومن الأحاديث التى وردت فى فضلها، مارواه البخارى فى صحيحه عن ابن مسعود - رضى الله عنه - أنه قال فى بنى إسرائيل، والكهف ومريم؛ إنهن من العتاق الأول ، وهن من تلادى(٢). والعتاق : جمع عتيق وهو القديم، وكذلك التالد بمعنى القديم . ومراده - رضى الله عنه - أن هذه السور من أول ماحفظه من القرآن. وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا حماد بن زيد ، عن مروان أبي لبابة، قال: سمعت عائشة - رضى الله عنها - تقول: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصوم حتى نقول: مايريد أن يفطر، ويفطر حتى تقول: مايريد أن يصوم, وكان يقرأكل ليلة: « بنى إسرائيل)) و(«الزمر،(٢). ٤ - ومن وجوه مناسبة هذه السورة لما قبلها ، ماذكره أبو حيان بقوله: (( ومناسبة هذه لما قبلها، أنه - تعالى - لما أمره - فى آخر النحل - بالصبر، (١) الإتقان فى علوم القرآن للسيوطى جـ ١ ص٢٧ طبعة المشهد الحسينى. (٣،٢) تفسير ابن كثير جـ٥ ص ٣ - طبعة مكتبة الشعب. - ٦ - ونهاه عن الحزن عليهم، وعن أن يضيق صدره من مكرهم ، وكان من مكرهم نسبته إلى الكذب والسحر والشعر ، وغير ذلك مما رموه به ، أعقب - تعالى - ذلك بذكر شرفه، وفضله، واحتفائه به ، وعلو منزلته عنده))(١) . ٥ - وسورة الإسراء من السور المكية ، ومن المفسرين الذين صرحوا بذلك دون أن يذكر واخلافا فى كونها مكية . الزمخشرى ، وابن كثير ، والبيضاوى، وأبو حيان ... وقال الآلوسي : وكونها كذلك بتمامها قول الجمهور، وقال صاحب الفينان: بإجماع. وقيل. هى مكية إلا آيتين: ((وإن كانوا ليفتنونك) ... وإن كادوا ليستفزونك ... ، ، وقيل إلا أربعا، هاتان الآيتان، وقوله - تعالى - ((وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس ... ٠٠ وقوله - سبحانه - : ((وقل رب أدخلنی مدخل صدق ... ،(٢) . والذى تطمئن إليه النفس ان سورة الإسراء بتمامها مكية - كما قال جمهور المفسرين - لأن الروايات التى ذكرت فى كون بعض آياتها مدنية ، لا تنهض دليلا على ذلك لضعفها ... والذى يغلب على الظن أن نزول هذه السورة الكريمة ؛ أو نزول معظمها، كان فى أعقاب حادث الإسراء والمعراج. وذلك لأن السوةر تحدثت عن هذا الحادث، كما تحدثت عن شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم -حديثا مستفيضا، وحكت إيذاء المشركين له ، وتطاولهم عليه، وتعنتهم معه، كمطالبتهم إياه بأن يفجر لهم من الأرض ينبوعا ... (١) تفسير البحر المحيط لأبي حيان ج ٦ ص ٣. (٢) تفسير الآلوسی < ١٥ ص ٠٢ - ٧ - وقد ردت السورة الكريمة على كل ذلك ، بما يسلى الرسول -صلى الله عليه وسلم - ويثبته، ويرفع منزلته، ويعلى قدره ... فى تلك الفترة الحرجة من حياته - صلى الله عليه وسلم - وهى الفترة التى أعقبت موت زوجه السيدة خديجة - رضى الله عنها - وموت عمه أبي طالب ... ٦ - (أ) وعندما نقرأ سورة الإسراء، نراها فى مطلعها تحدثنا عن إسراء الله - تعالى - بنبيه - صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وعن الكتاب الذى آتاه الله - تعالى - لموسى - عليه السلام - ليكون هداية لقومه، وعن قضاء الله فى بنى إسرائيل ... قال - تعالى: « سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام، إلى المسجد الأقصى، الذى بار كنا حوله ، لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير. وآتينا موسى الكتاب وجعلناه هدى لبنى إسرائيل ، ألا تتخذوا من دونى وكيلا . ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا. وقضينا إلى بنى إسرائيل فى الكتاب لتفسدن فى الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ... ، (ب) ثم يبين - سبحانه - بعد ذلك أن هذا القرآن قد أنزله - سبحانه - على نبيه - صلى الله عليه وسلم - ليهدى الناس إلى الطريق الأقوم، وليبشر المؤمنين بالأجر الكبير، وأن كل إنسان مسئول عن عمله، وسيحاسب عليه يوم القيامة، دون أن تحمل نفس آثمة إثم نفس أخرى ... قال - تعالى -: إن هذا القرآن يهدي للتى هى أقوم، ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات، أن لهم أجراكبيرا .... إلى أن يقول -سبحانه -: وكل إنسان ألزمناه طائره فى عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا، اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا. من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، ولاتزر وازرة وزر أخرى ، وماكنا معذبين حتى نبعث رسولا ،. - ٨ ٠- (جـ) ثم تسوق السورة الكريمة سنة من سنن الله فى خلقه، وهى أن عاقبة الترف والفسق ، الدمار والهلاك ، وأن من يريد العاجلة كانت نهايته إلى جهنم ، ومن يريد الآخرة ويقدم لها العمل الصالح كانت نهايته إلى الجنة. استمع إلى القرآن الكريم وهو يصور هذه المعانى بأسلوبه البليغ فيقول: وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيهاففسقوا فيها . حق عليها القول فدمر ناها قدمیرا . وکم أهلکنامن القرونمن بعد نوح، و کفی بربك بذنوبعبادهخبيرا بصيرا . من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ، ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى طاسعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا ،. (د) وبعد أن بين - سبحانه - أن سعادة الآخرة منوطة بإرادتها، وبأن يسعى الإنسان لها وهو مؤمن، عقب ذلك بذكر بضع وعشرين نوعا من أنواغ التكاليف، التى متى نفذها المسلم ظفر برضى الله - تعالى - ومثوبته، ومن تلك التكاليف قوله - تعالى -، (( لا تجعل مع الله إلها آخر .. وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ، ... وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل ولا تبذر تبذيراً .. ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقهم وإياكم ... ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا . ولا تقتلوا النفس التى حرم الله إلا بالحق .. ولاتقربوا مال اليتيم إلا بالتى هى أحسن .. وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم .. ولا تقف ماليس لك به علم .. ولاتمش فى الأرض مرحا .... (هـ) وبعد أن ساقت السورة الكريمة تلك التكاليف المحكمة التى لا يتطرق - ٩ - إليها النسخ أو النقض، فى ثمانى عشرة آية، أتبعت ذلك بالثناء على القرآن الكريم، وبتنزيه الله - تعالى - عن الشريك، وببيان أن كل شىء يسبح بحمده - عزوجل - . قال - تعالى -: (ولقد صرفنا فى هذا القرآن ليذكروا ومايزيدهم إلا ففورا. قل لو كان معه آلهة كما يقولون، إذاً لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا. سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا. تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده، ولكن لا تفقهون تسبيحهم، إنه كان حليما غفورا)). (و) ثم تحكى السورة الكريمة جانبا من أقوال المشركين، وترد عليها بما يد حضها ، وتأمر المؤمنين بأن يقولوا الكلمة التى هى أحسن ... فنقول: وقالوا أنذا كنا عظاماورفاتا أننا لمبعوثون خلقا جديدا قل كوف وا حجارة أو حديدا أو خلقا ما يكبر فى صدوركم، فيقولون من يعيدنا قل الذى أفطركم أول مرة، فسينغضون إليك رءوسهم ويقولون متى هو ، قل عسى أن يكون قريبا. يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده، وتظفون إن لبثتم إلا قليلا . وقل لعبادى يقولوا التى هى أحسن، إن الشيطان ينزغ بينهم إن الشيطان كان الإنسان عدوا مبينا ». وبعد أن تقرر السورة الكريمة شمول علم الله - تعالى - لكل شىء، وقدرته على كل شىء، بعد أن تقرر ذلك، تحكى لنا جانبا من قصة آدم وإبليس فتقول : وإذ قلنا للملائكة اسجدوالآدم فسجدوا إلا إبليس قال أ أسجد لمن خلقت طينا . قال أرأيتك هذا الذى كرمت على، لئن أخر تن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا . قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاءهوفورا .. (ح) ثم تسوق السورة بعد ذلك ألوانا من نعم الله على عباده فى البر والبحر، - ١٠ - وألوانا من تكريمه لبنى آدم ، كما تصور أحوال الناس يوم القيامة ، وعدالة. الله - تعالى - فى حكمه عليهم فتقول: وإذا مسكم الضر فى البحر ضل من تدعون إلا إياه، فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا. أفامنتم أن يخسف بكم جانب البر ، أويرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا .... ثم يقول - سبحانه - : ولقد كرمنا بني آدم، وحملناهم فى البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات ، وفضلناهم على كثير من خلقنا تفضيلا. يوم ندعوكل أناس بإمامهم، فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون قتيلا .... (ط ) ثم تحكى السورة جانبا من نعم الله - تعالى - على نبيه - صلى الله. عليه وسلم - حيث ثبته - سبحانه - أمام مكر أعدائه، وأمره بالمداومة على الصلاة وعلى قراءة القرآن ، لأن ذلك يزيده ثباتا على ثباته ، وتكريما على تكريمه - . قال - تعالى -: وإن كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا إليك لتفترى علينا غيره، وإذا لاتخذوك خليلا . ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ... ثم يقول - سبحانه - : أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا. ومن الليل فتهجد به نافلة لك عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا . وقل رب أدخانى مدخل صدق وأخر جنى مخرج صدق ، واجعل لى من لدنك سلطانا نصيرا .... (ك) وبعد أن تقرر السورة الكريمة طبيعة الإنسان، وتقرر أن الروح من أمر الله - تعالى -، تتبع ذلك بالثناء على القرآن الكريم، وببيان أنه المعجزة الخالدة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبإراد المطالب المتعنتة التى. طالب المشركون بها النبي - صلى الله عليه وسلم - ... - ١١ - استمع إلى القرآن الكريم وهو يقرر كل ذلك بأسلوبه البليغ فيقول : قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن، لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً. ولقد صرفنا للناس فى هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا . وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا. أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا. أو تسقط السماء كمازعمت علينا كسفا، أو تأتى بالله والملائكة قبيلا . أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى فى السماء وان نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه. قل سبحان ربى هل كنت إلا بشرا رسولا .. (ل) ثم تسوق السورة الكريمة فى أواخرها الدلائل الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، وتحكى جانبا من قصة موسى - عليه السلام - مع فرعون وتؤكد أن هذا القرآن أنزله الله - تعالى - بالحق، وبالحق نزل، وأنه نزله مفرقا ليقرأه الناس على تؤدة وتقدير ... وكما افتتحت السورة الكريمة بالثناء على الله - تعالى -، فقد اختتمت بحمد اله - تعالى - وتكبيره . قال - تعالى -: وقل الحمد لله الذى لم يتخذولدا ولم يكن له شريك فى الملك، ولم يكن أهولى من الذل وكبره تكبيرا. (م) وبعد فهذا عرض إجمالى لأهم الموضوعات والمقاصد التى اشتملت عليها سورة الإسراء . ومن هذا العرض يتبين لنا ما يلى : أن سورة الإسراء - كغيرها من السور المكية - قد اهتمت اهتماما بارزا بتنقية العقيدة من كل ما يشوبها منشرك أو انحراف عن الطريق المستقيم .. وقد ساقت السورة فى هذا المجال أنواعا متعددة من البراهين على وحدانية - ١٢ - الله - تعالى - وعلمه وقدرته، وجوب إخلاص العبادة له ، وعلى تنزيهه - سبحانه - عن الشريك، ومن ذلك قوله - تعالى -. ((أقاصفاكم ربكم بالبنين واتخذ من الملائكة إناثا إنكم لتقولون قولا عظيما)). ولقد صرفنا فى هذا القرآن ليذكروا وما يزيدهم إلا ففورا. قل لو كان معه آلهة كما يقولون، إذاً لابتغوا إلى ذى العرش سبيلا. سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا ... ٢ - كذلك على رأس الموضوعات التى فصلت السورة الحديث عنها، شخصية الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فقد ابتدأت بإسراء الله - تعالى - به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، حيث أراه - سبحانه - من آياته ما أراه، ثم تحدثت عن طبيعة رسالته، وعن مزاياها، وعن موقف المشركين منه، وعن المطالب المتعنتة التى طلبوها منه، وعن تثبيت الله - تعالى - له، وعن تبشيره بحسن العاقبة ... قال - تعالى -: «وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا )). ٣ - من الواضح - أيضا - أن سورة الإسراء، اعتنت بالحديث عن القرآن الكريم ، من حيث هدايته ، وإعجازه ، ومنع الذين لا يؤمنون به عن فقهه، واشتماله على ما يشفى الصدور ، وتكراره للبيئات والعبر بأساليب مختلفة، ونزوله مغفرة ليقرأه الناس على مكث ... ومن الآيات التى وردت فى ذلك قوله - تعالى -. إن هذا القرآن يهدي التى هى أقوم ... وإذا اقرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا ... ١٣ - وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين ... وبالحق أنزلناه وبالحق نزل ، وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا. وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ، ونزلناه تنزيلا .. ٤ - اهتمت السورة الكريمة اهتماما بدنا، بالحديث عن التكاليف الشرعية، المتضمنة لقواعد السلوك الفردى والجماعى ... وقد ذكرت السورة أكثر من عشرين تمكليفا، فى آيات متتالية . بدأت بقوله - تعالى - ((لاتجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا، الآية ٢٢ وانتهت بقوله - تعالى - ((كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها، الآية ٣٨ وبجانب حديثها المستفيض عن التكاليف الشرعية ، تحدثت - أيضا - عن طبيعة الإنسان فى حالتى العسر واليسر ، وعن بخله الشديد بما يملكه ... قال - تعالى -: ((وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونآى بجانبه، وإذامه الشر كان يتوسا) . وقال - سبحانه -: ((قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربى، إذاً لأمسكم خشية الانفاق وكان الإنسان قتورا ،. ٥ - ومن الجوانب التى حرصت السورة الكريمة على تجليتها والكشف عنها : بيان سنن الله التى لا تتخلف فى الهداية والإضلال، وفى الثواب والعقاب، وفى النصر والخذلان، وفى الرحمة والإهلاك، ومن ذلك قوله - تعالى -: من اهتدى فإنما يهتدى لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ، ولاتزر وازرة وزر أخرى ، وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا . وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا متر فيها ففسقوا فيها، حق عليها القول دمر ناها تدميرا . يوم قدهو كل أناس بإمامهم فمن أوتى كتابه بيمينه فأولئك يقرءون - ١٤ ٠٠ كتابهم ولا يظلمون فتيلا. ومن كان فى هذه أعمى فهو فى الآخرة أعمى وأضل سبيلا . إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم، وإن أسأتم فلها ... هذه بعض المقاصد الإجمالية التى اشتملت عليها سورة الإسراء ، وهناك مقاصد أخرى يراها المتأمل فيها ، والمتدبر لآياتها ، وحسبك من القلادة ما أحاط بالعنق. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ التفسير قال اله تعالى: ((سُبْحَانَ الذى أَسْرَى بِعَبْدِه ليلاً مِنَ المسجد الحرام إِلَى المسجِدِ الأفْصَى الذى بارَ كْنَا حَوْلَهُ، لِغُرِيُهُ من آياتِنَا إِنَّهُ هُوَّ السَّميعُ البَصيرُ (١). افتتحت سورة الإسراء بتنزيه الله - تعالى - عن كل مالا يليق بجلاله ، كما يدل على ذلك لفظ ((سبحان) الذى من أحسن وجوه إعرابه، أنه اسم مصدر منصوب ـ على أنه مفعول مطلق - بفعل محذوف، والتقدير: سبحت الله - تعالى - سبحانا أى تسبيحا ، بمعنى نزهته تنزيها عن كل سوء. قال القرطبى: وقدروى طلحة بن عبيد الله الفياض أحد العشرة - أى المبشرين بالجنة - أنه قال للنى - صلى الله عليه وسلم -: ما معنى سبحان الله ؟ فقال : تنزيه الله من كل سوء(١). وقوله (( أسرى)) من الإسراء ، وهو السير بالليل خاصة. قال الجمل : يقال أسرى وسرى ، بمعنى سار فى الليل، وهما لازمان، لكن مصدر الأول الإسراء ومصدر الثانى السرى - بضم السين، كالهدى - فالهمزة ليست للتعدية إلى المفعول، وإنما جاءت التعدية هنا من الباء. ومعنى أسرى به، صيره ساريا فى الليل)،(٢). والمراد(( بعبده، خاتم أنبيائه محمد - صلى الله عليه وسلم -، والإضافة للتشريف والتكريم ... (١) تفسير القرطى ج ١٠ ص ٠٢٠٤ (٢) حاشية الجمل جـ ٢ ص ٠٦٠٨ - ١٦ - وأوثر التعبير بلفظ العيد، للدلالة على أن مقام العبودية لله - تعالى - هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها ، إذلو كان هناك وصف أعظم منه فى هذا المقام لعبر به ، والإشارة - أيضا - إلى تقرير هذه العبودية لله - تعالى- وتأكيدها ، حتى لا يلتبس مقام العبودية بمقام الألوهية ، كما التبسا فى العقائد المسيحية ، حيث ألهوا عيسى - عليه السلام - ، وألهوا أمر مريم، مع أنهما بريثان من ذلك ... قال الشيخ القاسمى نقلا عن الإمام ابن القيم فى كتاب ((طريق الهجرتين)) أكمل الخلق أكملهم عبودية لله - تعالى. ولهذا كان النبى - صلى الله عليه وسلم - أقرب الحلق إلى الله - تعالى- وأعظمهم عنده جاها، وأرفعهم عنده منزلة ، لكماله فى مقام العبودية . وكان - صلى الله عليه وسلم - يقول: أيها الناس ما أحب أن ترفعونى فوق منزلى. إنما أنا عبد. وكان يقول: لا تطروفى كما أطرت النصارى المسيح ابن مريم، إنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله. وذكره - سبحانه - بسمة العبودية فى أشرف مقاماته: فى مقام الإسراء حيث قال : سبحان الذي أسرى بعبده)» ... وفى مقام الدعوة حيث قال: ، وأنه لما قام عبد الله يدعوه)) .. ٠ وفى مقام التحدى حيث قال: (( وإن كنتم فى ريبمما نزلنا على عبدناء(!). وقوله: (( ليلا ، ظرف زمان لأسرى . . قال صاحب الكشاف : فإن قلت: الإسراء لا يكون إلا بالليل فما معنى ذكر الليل ؟ قلت : أراد بقوله ليلا بلفظ التفكير، تقليل مدة الإسراء ، وأنه أسرى به بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة، وذلك أن التفكير فيه (١) تفسير القاسمى جـ ١٠ ص ٣٨٨٤. - ١٧ - قد دل على معنى البعضية ... ) (١). وقوله: من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى» بيان لابتداء الإسراء وانتهائه . أى: جل شأن الله - عز وجل - وتنزه عن كل نقص، حيث أسرى بعبده محمد - صلى الله عليه وسلم - فى جزء من الليل، من المسجد الحرام الذى بمكة إلى المسجد الأقصى الذى بفلسطين. ووصف مسجد مكة بالحرام، لأنه لا يحل انتها كه بقتال فيه ، ولا بصيد صيده، ولا بقطع شجره. ووصف مسجد فلسطين بالأقصى ، لبعده عن المسجد الحرام، إذ المسافة بينهما كان يقطعها الراكب للابل فى مدة شهر أو أكثر . قال الألوسى: ووصفه بالأقصى - أى الأبعد - بالنسبة إلى من بالحجاز . وقال غير واحد: إنه سمى به لأنه أبعد المساجد التى تزار من المسجد الحرام وبينهما زهاء أربعين ليلة . وقيل - وصف بذلك - : لأنه ليس وراءه موضع عبادة فهو أبعد مواضعها ... )،(٢) وظاهر الآية يفيد أن الإسراء كان من المسجد الحرام، فقد أخرج الشيخان والترمذى والنسائى من حديث أنس بن مالك - رضى الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: بينا أنا فى الحجر - وفى رواية - فى الحطيم، بين النائم واليقظان، إذ أنانى آت فشق ما بين هذه إلى هذه، فاستخرج قلى فغسله ثم أعيد، ثم أتيت بداية دون البغل وفوق الحمار أبيص يقال له البراق حملت عليه ... ، وقيل : أسرى به من بيت أم ها نىء بنت أبى طالب، فيكون المراد بالمسجد (١) تفسير الكشاف حـ ٢ ص ٠٤١٦ (٢) تفسير الألوسى < ١٥ ص ٩ (٢ - سورة الإسراء) ١٨٠٠ - الحرام: الحرم لإحاطته بالمسجد والتباسه به . فعن ابن عباس - رضى الله عنهما الحرم كله مسجد . ويمكن الجمع بين هذه الروايات، بأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بقى فى بيت أم هانى. لفترة من الليل ، ثم ترك فراشه عندها وذهب إلى المسجد، فلما كان فى الحجر أو فى الحطيم بين النائم واليقظان، أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عرج به إلى السموات العلا. ثم عاد إلى فراشه قبل أن يبرد - كما جاء فى بعض الروايات. وبذلك يترجح لدينا أن وجود الرسول - صلى الله عليه وسلم - فى تلك الليلة فى بيت أم هانىء، لا ينفى أن الإسراء بدأ من المسجد الحرام، كما تقور الآية الكريمة . وقوله (( الذى باركنا حوله) صفة مدح للمسجد الأقصى أى : جل شأن الله الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى ، الذى أحطنا جوانبه بالبركات الدينية والدنيوية أما البركات الدينية فمن مظاهرها: أن هذه الأرض التى حوله، جملها الله - تعالى - مقرا لكثير من الأنبياء، كإبراهيم وإسحاق ويعقوب، وداود وسليمان ، وزكريا ويحي وعيسى قال - تعالى -: ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التى باركنا فيها ... ،(١) وقال - سبحانه - فى شأن إبراهيم:، ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي بار كنا فيها للعالمين، (٢) والمقصود بهذه الأرض أرض الشام ، التى منها فلسطين (١) سورة الأنبياء الآية ٨١ (٢) ٠٠ ٧١ - ١٩ - « وأما البركات الدنيوية فمن مظاهرها: كثرة الأنهار والأشجار والثمار والزروع فى تلك الأماكن قال بعض العلماء: وقد قيل فى خصائص المسجد الأقصى. أنه متعبد الأنبياء السابقين ، ومسرى خاتم النبيين، ومعراجه إلى السموات العلا .. وأولى القبلتين وثانى المسجدين، وثالث الحرمين ، لا تشد الرحال بعد المسجد إلا إليه)) (١) وقوله - سبحانه - «لنريه من آياتنا، إشارة إلى الحكمة التى من أجلها أسرى الله - تعالى - بنبيه -صلى الله عليهوسلم -. فقوله «لنريه، متعلق بأسرى. , و((من)) للتبعيض لأن ما رآه الفن - صلى الله عليه وسلم - وإن كان عظيما إلا أنه مع عظمه بعض آيات الله بالنسبة لما اشتمل عليه هذا الكون من عجائب أى: أسرينا بعبدنا محمد ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذى باوكنا حوله، ثم عرجنا به إلى السموات العلا، لنطلعه على أياننا، وعلى عجائب قدرتنا ، والتى من بينها: مشاهدته لأنياتها الكرام، ورؤيتهلما نريده أن راه من عجائب وغرائب هذا الكون . ولقد وردت أحاديث متعددة فى بيان ما أراه الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - فى تلك الليلة المباركة، ومن ذلك مارواه البخارى عن أنس بن مالك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ... ووجدت فى السماء الدنيا آدم فقال لى جبريل: هذا أبوك آدم فلم عليه ورد على آدم السلام فقال: مرحبا وأهلا بابنى ،نفتم الإبن أنت ... وفى رواية للامام أحمد عن أنس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم لما عرج بى ربى - عز وجل - مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمدون وجوههم وصدورهم ، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون فى أعراضهم .. ))(٢) (١) تفسير القاسمى = ١٠ ص ٣٨٨٥. (٢) تفسير ابن كثير المجلد الخامس ص ٨ طبعة دار الشعب. - ٢٠ - ثم ختم - سبحانه - الآية الكريمة بما يدل على سعة علمه، ومزيد فضله فقال. - تعالى - ((إنه هو السميع البصير)). أنى: إنه - سبحانه - هو السميع لأقوال عباده مؤمنهم وكافرهم، مصدقهم. ومكتبهم . بصير بما يسرونه ويعلنونه، وسيجازى كل إنسان بما يستحقه من ثواب أو عقاب ، بدون ظلم أو محاباة . هذا وقد ذكر المفسرون عند تفسيرهم لهذه الآية جملة من المسائل منها: ١ - أن هذه الآية دلت على أن ثبوت الإسراء للنبى - صلى الله عليه وسلم- من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأما العروج به-صلى الله عليه وسلم- إلى السموات املا فقد استدل عليه بعضهم بآيات سورة النجم، وهى قوله - تعالى -: والنجم إذا هوى. ما ضل صا حيكم وما غوى. وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحى يوحى. علمه شديد القوى، ذو مرة فاستوى. وهو بالأفق الأعلى ثم دنا فتدلى . فكان قاب قوسين أو أدفى. فأوحى إلى عبدهما أوحتى ما كذب الفؤاد ما رأى . أفتارو نه عنى ما يرى . وقد ساق الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية أحاديث كثيرة باسانيدها ومتونها ، وقال فى أعقاب ذكر بعضها . قال البيهقى: وفى هذا السياق دليل على أن المعراج كان ليلة أسرى به .. عليه الصلاة والسلام - من مكة إلى بيت المقدس ، وهذا الذى قاله هو الحق الذى لا شك فيه ولا مرية(١) وقال القرطبى : ثبت الإسراء فى جميع مصنفات الحديث ، وروى عن الصحابة فى كل أقطار الإسلام، فهو من المتواتر بهذا الوجه، وذكر النقاش مهن رواه عشرين صحابيا .)،(٢) (١) تفسير ابن كثير المجلد الخامس جـ ٧ طبعة دار الشعب. (٢) تفسير القرطبي < ١٠ ص ٢٠٥