Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١٠ ٠
والفعل ضرب، فى قوله - تعالى -: وضرب الله مثلا قرية٠٠٠، متضمن
معى جعل ، ولذا عدى إلى مفعولين .
والمثل - بفتح الثاء - بمعنى المثل - بسكونها - أى: النظير والشمبية. ويطلق
على القول السائر المعروف، لمائلة مضربه - وهو الذى يضرب فيه لمورده
الذى ورد فيه، ثم أستعير للصفة والحال كما فى الآية التى معنا .
والمراد بالقرية : أهلها ، فالكلام على تقدير مضاف .
والمفسرين إتجاهان فى تفسير هذه الآبه. فمنهم من يرى أن هذه القرية
غير معينة ، وإنما هى مثل لكل قوم قابلوا نعم الله بالجحود والكفران .
وإلى هذا المعنى إتجه صاحب الكشاف حيث قال: قوله - تعالى - :
« وضرب الله مثلا قرية ... ، أى: جعل القرية التى هذه حالها مثلا لكل
قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة. فكفروا وتولوا، فأنزل الله بهم نقمته
فيجوز أن تراد قرية مقدرة على هذه الصفه، وأن تكون فی قری الأولين
قرية كانت هذه حالها، فضرب بها المه مثلا لمكة إنذارا من مثل عاقبتها.، (١)
ومنهم من يرى أن المقصود بهذه القرية مكة ، وعلى هذا الإتجاه سار
الامام إبن كثير حيث قال ما ملخصه : هذا مثل أريد به أهل مكة ، فإنها
كانت آمنة مطمئنة مستقرة، يتخيلف الناس من حولها ومن دخلها كان
آمنا ... فجحدت آلاء الله عليها، وأعظمها بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -
فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)) (١)
ويبدو لنا أن الاتجاه الأول أقرب إلى الصواب ، التفكير لفظ قرية،
ولشموله الاتجاه الثانى ، لأنه يتناول كل قرية بدلت نعمة الله كفرا)، ويدخل
فى ذلك کفار مکه دخولا أو ليا .
فيكون المعنى : وجعل الله قرية موصوفة بهذه الصفات مثلا لكل قوم
(١) تفسير الكشاف حـ ٢ ص ٦٣٩

٢٠٢٠ -
أنعم الله عليهم بهذه النعم، فلم يشكروا الله - تعالى - عليها، فأخذه أخذ.
عزيز مقتدر .
وقوله: « كانت آمنة مطمئنة، أى : كانت تعيش فى أمان لا يشوبه
خوف ، وفى سكون وإطمئنان لا يخالطها فرع أو انزعاج:
وقوله: « يأفيها رزقها وغدأ من كل مكان ، بيان لسعة عيشها ، أى :
ياتيها ما يحتاج اليه أهلها واسعا لينا سهلا من كل مكان من الأمكنة .
يقال: رغد - بضم الغين - عيش القوم، أى : اتسع وطاب فهو رغد
ورغيد ... وأرغد القوم، أى : أخصبوا وصاروا فى رزق واسع .
والآية الكريمة قد تضمنت أمهات الفعم : الأمان والاطمئنان ورغد
العيش . قال بعضهم :
ثلاثه ليس لها نهاية الأمن والصحة والكفاية
وقوله - تعالى - : (( فكفرت بانعم الله)) بيان لموقفها الجحودى من
نعم الله - تعالى -
أى : فكان موقف أهل هذه القرية من تلك النعم الجليله، أفهم جحدوا
هذه النعم، ولم يقابلوها بالشكر، وإنما قابلوها بالاشراك باقه - تعالى-،
◌ُدِى هذه الفعم .
قال القرطبى: ((والأنعم: جمع النعمة ٠ ٢الأشد جمع الشدة . وقيل :
جمع نعمى ، مثل ◌ُوْسَى وأبوُس)).
وقوله - سبحانه -: «فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا
بصفعون)، بيان للعقوبة الأليمة التى حلت باهلها بسبب كفرهم وبطرم
أى: فاذاق - سبحانه أملها لباس الجوع والخوف ، بسبب ما كانوا.
يصنعونه من الكفر والجحود والعتو عن أمر القه ورسله
وذلك بان أظهر أثرهما عليهم بصورة واضحة ، تجعل الناظر اليهم.
لاخفی علیه ما هم فيه من فقر مدقع، وفزع شديد
(١) تفسير ابن كثير <٣ ص ٥٨٩

- ٢٠٣ -
ففى الجملة الكريمة تصوير بديع لما أصابهم من جوع وخوف، حتى
لكان ماهم فيه من هزال وسوء حال ، يبدو كالباس الذى لمبه الإنسان،
ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقا يحسون أثره إحساسا عميقا .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد أجاد فى تصوير هذا المعنى فقال:( فإن
قلت: الإذقة واللباس استعارتان فما وجه صحتهما ؟ والإذاقة المستعارة موقعة
على اللباس المستعار ، فما وجه صحة إيقاعها عليه ؟
قلت : أما الإذاقة فقد جرت عندهم مجرى الحقيقة لشيوعها فى البلايا
والشدائد وماعس الناس منها . فيقولون: ذاق فلان البؤس والضر. واذاقه
العذاب . شبه ما يدرك من أثر الضرر والألم بما يدرك من الطعم المر البشع .
وأما اللباس فقد شبه به لاشتماله على اللابر، ماغشى الإنسان والتبس به
من بعض الحوادث .
وأما إيقاع الإذاقة على لباس الجوع والخوف ، فلأمه لما وقع عبارة
عما يغشى منهما ويلابس ، فكأنه قيل: فإذاقه ماغنيهم من الجوع
والخوف ... »(١)
ثم بين - سبحانه - رذيلة أخرى من رذائل أهل هذه القرية الكافرة بأنعم
اله فقال: ( ولقد جاءهم رسول منهم فكذبوه)).
أى: ولقد جاء إلى أهل هذه القرية رسول من جنسهم، يعرفونه كما يعرفون
أبناءهم ، فأمرهم بطاعة الله وشكره، ولكنهم كذبوه وأعرضوا عنه .
والتعبير بقوله ((جاءهم)، يدل على أن هذا الرسول وصل إليهم وبلغهم
رسالة ربه ، دون أن يكلفهم الذهاب إليه ، أو البحث عنه .
والتعبير بالفاء فى قوله: فكذبوه)، يشعر بأنهم لم يتمهلوا ولم يتدبر وادعوة
(١) راجع تفسير الكشاف جـ ٢ ص ٠٦٣٩

- ٢٠٤ --
هذا الرسول ، وإنما قابلوها بالتكذيب السريع بدون رؤية ، مما يدل على
غباوتهم وانطماس بصيرتهم .
وقوله - تعالى - ((فأخذهم العذاب وهم ظالمون)) بيان للعاقبة السيئة التى
حاقت بهم .
أى: فكانت نتيجة تكذيهم السريع لنبيهم. أن أخذهم العذاب العاجل
الذى استأمل شأفتهم ، والحال أنهم تم الظالمون لأنفسهم، لأن هذا العذاب
مانزل بهم إلا بعد أن كفروا بأنعم الله ، وكذبوا رسوله .
هذا، والذى يتامل هاتين الآيتين الكريمتين يراهما وإن كانا يعملان
حال كل قوم بدلوا نعمة الله كفرا ... إلا أنهما يتطبقات تمام الانطباق على
كفار مكة .
وقد بين ذلك الإمام الألوسى - رحمة الله - فقال ما ملخصه: وحال
أهل مكة - سواء أضرب المثل لهم خاصة ، أم لهم ولمن سار سيرتهم كافة
أشبه بحال أهل تلك القرية من الغراب بالغراب ، فقد كانوا فى حرم آمن
ويتخطف الناس من حولهم، وكانت تجبى إليهم تمرات كل شىء رزقا، ولقد
جاءهم وسول منهم تحار فى سموم قبته العقول .. صلى الله عليه وسلم -، فأنذرم
وحذرهم فكفروا بأنعم الله، وكذبوه - صلى الله عليه وسلم - فأذاقهم الله لباس
الجوع والخوف ، حيث أصابهم بدعاته - صلى الله عليه وسلم -: «اللهم أشدد
وطأنك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنى يوسف ، ما أصابهم من جدب
شديد، فاضطروا إلى أكل الجيف ... وكان أحدهم ينظر إلى السماء فيرى
شبه الدخان من الجوع، وقد ضاقت عليهم الأرض بما رحبت من سرايا
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حيث كانوا يغيرون عليهم ... )، (١)
(١) تفسير الآلوسي جـ ١٤ ص ٠٢٤٤

- ٢٠٥ -
ثم أمرهم - سبحانه - بأن يأكلوا مما أحله لهم، وأن يشكروه على نعمه،
وأن يجتنبوا ما حرمه عليهم ، فقال - تعالى -:
((فَكُلُوا مِمّ رزقَكُم اللهُ حَلالاً طيباً، واشكروا نِعمةَ اللهِ إنْ
كُنتُمْ إِيَاهُ تَعْبُدُونَ (١١٤) إِنَّا حرَّم عليكُم الميتَةَ والدَّمَ وَلَحْمَ الْخنزير
وما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به، فمن اضْطُر غيرَ باغٍ ولا عادٍ، فإنَّ اللهَ غفورٌ
رحيمٌ (١١٥))).
والفاء فى قوله: ((فكلوا ... )) للتفريع على ما تقدم من التمثيل بالقرية
التى كفرت بأنعم الله، والتى أصابها ما أصابها بسبب ذلك.
أى : لقد ظم لكم حال الذين بدلوا نعمة الله كفرا، ورأيتم كيف أذاقهم
الله لباس الجوع والخوف، فاحذروا أن تسيروا على شاكلتهم، وكلوا من
الحلال الطيب الذى رزقكم الله - تعالى - إياه .
وأشكروا نعمة الله)) التى أنعم بها عليكم، بأن تستعملوها فيما خلقت له،
وبأن تقابلوها باسمى ألوان الطاعة لمسديها - عز وجل - .
(((إن كنتم إياه)) سبحانه - تعبدونه حق العبادة، وتطيعونه حق الطاعة.
ثم بين - سبحانه - ما حرمه على عباده رعاية لمصالحهم فقال: « إنما حرم
عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به ... ))
والمبتة فى عرف الشرع: مامات حنف أففه ، أو قتل على هيئة غير
مشروعة، فيدخل فيها المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة ، وماعدا عليها
السبع ...
وكان الأكل من الميتة محرما، لفساد جسمها بسبب ذبول أجزائه وتعفتها؛
ولأنها أصبحت بحالة تعافها الطباع السليمة لقذارتها وضررها .

-- ٢٠٦ -
والدم المحرم: هو ما يسيل من الحيوان الحى كثيرا كان أم قليلا وكذلك
يحرم من دم الحيوان ماجرى منه بعد ذبحه، وهو الذى عبر عنه القرآن
بالمسفوح ...
والحكمة من تحريم الدم المسفوح ، أنه تستقذره النفوس الكريمة ،
ويفضى شربه أو أكله إلى الإضرار بالنفس ..
وحرمة الخنزير شاملة للحمه ودمه وشحمه وجلده ، وإنما خص لحمه
بالذكــ«لأنه المقصود بالأكل، ولأن سائر أجزائه كالتابعة للحمه ...
ومن الحكم من تحريم لحم الخنزير : قدارته ، واشتماله على دودة تضر
بآكله ، كما أثبت ذلك العلم الحديث .
وقوله (( وما أهل لغير الله به ، معطوف على ما قبله من المحرمات.
والفعل (( أهل) مأخوذ من الإهلال بمعنى رفع الصوت، وكانوا فى الجاهلية
إذا أرادوا ذبح ما قربوه إلى آلهتهم ، سموا عليها أسماءها، فيقولون : باسم
اللات (( أو باسم العزى ، رافعين بذلك أصواتهم .
فأنت ترى أن تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير كان لعلة ذاتيه فى تلك
الأشياء، أما تحريم ما أهل لغير الله به، بسبب التوجه بالمذبوح إلى غير الله
- عز وجل - .
وقوله - تعالى -: ((فمن اضطر غير باغ ولاءاد فإن ربك غفور رحيم))
بيان لحالات الضرورة التى يباح للإنسان فيها أن يأكل من تلك المحرمات.
واضطر : من الاضطرار وهو الاحتياج إلى الشىء بشدة .
والمعنى: فمن ألجأنه الضرورة إلى أكل شىء من هذه المحرمات، حالة كونه
غير باغ، أى : غير طالب للمحرم وهو يجد غيره، أو غير طالب له على
جهة الاستئثار به على مضطر آخر، ((ولاعاد، أى: ولامتجاوز فى أكله ما يسد

-- ٢٠٧ -
الجوع ويحفظ الحياة ((فإن الله)) - تعالى - ((غفور، واسع المغفرة لعباده
((رحيم)، كثير الرحمة بهم(٤).
ثم نهى - -محافه - عن القول على الله - تعالى - بغير علم اتباعا ناظن
والأوهام ، فقال :
(( ولا تَقُولُوا لِمَاَ قصِفُ الْسِنَتَكُم الكَذِبَ هذَا حلالٌ وهذا
حرامٌ لِتَفْتَرُوا على اللهِ الكذبَ، إنّ الذينَ يفترُونَ على اللهِ الكذبَ
لا يفلحون (١١٦) متاعٌقليلٌ ولهُم عذابٌ أَليمُ (١١٧))).
قال الألوسى ما ملخصه: قوله:( ولا تقولوا لما تصف التكم الكذب ...
((ما)، موصولة، والعائد محذوف، أى: ولا تقولوا فى شأن الذى تصفه ألسنتكم
من البهائم بالحل والحرمة - هذا حلال وهذا حرام - ، من غير ترتب ذلك
الوصف على ملاحظة وفكر ، فضلا عن استناده إلى وحى أو قياس مبنى عليه،
بل مجردقول باللسان .
ولفظ ((الكذب)) منتصب على أنه مفعول به، لتقولو)، وقوله - سبحانه-
, هذا حلال وهذا حرام)» بدل منه ... .(٢)
والمعنى: ولا تقولوا - أيها الجاهلون - للشىء الكذب الذى تصفه
ألسنتكم، وتحكيه وتنطق به بدون بينة أو برهان . هذا الشىء حلال وهذا
الشىء حرام .
وقد حكى الله - تعالى - عن هؤلاء الجاهلين فى آيات كثيرة، أنهم أحلوا
وحرموا أشياء من عند أنفسهم ومن ذلك قوله - تعالى -: ((وقالوا ما فى بطون
هذه الأنعام خالصة لذ كورنا ومحرم على أزوجنا ... ))
(١) إذا أردت التفصيل لتفسير هذه الآية فارجع إلى تفسير سورة البقرة
ص ٤٥٧ المؤلف .
(٢) راجع تفسير الألوسى جـ ١٤ ص ٠٢٤٧

٢٠٨٠٠٠ -
وقوله - سبحانه -: (( قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق جعلتم منه
حلالا وحراما، قل آنه أذن لكم أم على اللّه نفترون)).
قال صاحب الكشاف: فإن قلت: مامعنى وصف ألسنتهم الكذب؟
قلت : هو من فصيح الكلام وبليغه . جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه.
فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته ، وصورته بصورته ،
كقولهم: وجهها يصف الجمال، وعينها تصف السحر .. ) (١).
وقال بعض العلماء ما ملخصه : ويصح أن يكون لفظ الكذب مفعولا
لتصف، وأن يكون قوله: ((هذا حلال وهذا حرام)) مفعولا لتقولوا.
وعلى هذا الوجه يكون فى وصف ألسنتهم الكذب ، مبالغة فى وصف
كلامهم بالكذب، حتى لكأن ماهية الكذب كانت مجمولة ، فكشفت عنها
ألسنتهم ووضحتها ووصفتها وبغنتها بالنعوت التى جلتها ... ومنه قول
الشاعر :
أضحت يمينك من جود مُصَورةٌ لا، بل يمينك منها صُوِّ الجودُ (٢)
واللام فى قوله (( لتفتروا على الكذب، هى لام الصيرورة والعاقبة،
أو هى - كما يقول صاحب الكشاف - من التعليل الذى لا يتضمن معنى الغرض،
لأن ماصدر عنهم من تحليل وتحريم دون أن يأذن به الله ، ليس الغرض منه
افتراء الكذب فحسب ، بل هناك أغراض أخرى ، كظهورهم بمظهر أولى
العلم ، وكحبهم للتباهى : التفاخر ..
وقوله («تفتروا)) من الافرا. وهو أشنع أنواع الكذب، لأنه اختلاق
للكذب الذى لا يستند إلى شىء من الواقع .
(١) تفسير الكشاف ج ٢ صـ ٤٣٣.
(٢) تفسير القاسمى ج ١٠ - ٠٢٨٧٢

-٢٩ -
أى: ولا تقولوا لما تحكيه ألسنتكم من أقوال وأحكام لاصحة لها، هذا
حلال وهذا حرام ، لتنسيوا ذلك إلى الله -- تعالى - كذبا وزورا.
قال الإمام إبن كثير : ويدخل فى الآية كل من إبتدع بدعة ، ليس له فيها
مستند شرعى، أو حلل شيئا ما حرم الله أو حرم شيئا ما أباح الله، بمجرد
رأیە و تشهیە ،(!)
وقال الألوسى: وحاصل معنى الآية: لا تسموا مالم يأتكم حله ولا حرمته
عن الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم ـ حلالا ولا حراماً،
فتكونوا كاذبين على الله. لأن مدار الحل والحرمة ليس إلا حكمه
- سبحا ه ..
ومن هنا قال : أبو نضرة: لم أزل أحاف الفتيا منذ أن سمعت هذه الآية
إلی یومی ھذا
وقال إبن العربى: كره مالك وقوم أن يقول المفتى : هذا حلال وهذا
حرام فى المسائل الإجتهاديه. وإنما يقال ذلك فما قص اللّه عليه . ويقال فى
المسائل الاجتمادية: إنى أكره كذا وكذا ونحو ذلك ، (٢.
وقوله - سبحانه -: ((إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون)) بيان
لسوء عاقبتهم ، وخيبة مسعام .
أى : أن الذين يختلقون الكذب وينسبونه إلى الله - تعالى - لايفوزون
بمطلوب، ولا يفلحون فى الوصول إلى مأمول .
وقوله - سبحانه -)) متاع قليل، بيان لخسه ما يسعون للحصول اليه من
(١) تفسير ابن كثير حـ ٢ ص ٥٩٠
(٢) تفسير الآلوسى = ١٤ ص ٢٤٨
( ١٤ - سورة النحل:

~ ٢١٠ ٠
منافع الدنيا ، وهو خبر لمبتدأ محذوف أى : متاعهم فى الدنيا متاع قليل ،
لأنهم عما قريب سيتركوفه لغيرهم بعد رحيلهم عن هذه الدنيا .
ثم بين - سبحانه - سوء مصيرهم فى الآخرة فقال: ((ولهم عذاب أليم،
أى : ولهم فى الآخرة عذاب شديد الألم .
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((نمتعهم قليلا ثم تضطرهم إلى عذاب
غليظ، وقوله - تعالى -: ((ومن كفر فأمتعه قليلا، ثم اضطره إلى عذاب
النار وبئس المصير .
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك ، أن ما حرمة على اليهود من طيبات ، كان
بسبب ظلمهم وبغيهم، وأن رحمته - تعالى - تسع العصاة متى تابوا وأصلحوا،
فقال - تعالى - :
وعَلَى الذينَ هادُوا حرَّمنا ما قَصَصْنَا عليكَ من قبلُ، وما ظلَمنَهُم
ولكنْ كانَوا أَنْفُسَهم يظلِمُونَ (١١٨) ثم إنّ ربُّكَ للذينَ عَمِلُوا السُّوء
بجهالةٍ، ثم تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا، إنَّ ربَّكَ مِنْ بَعَدِهَاَ
الغفورٌ رحيمٌ" (١١٩))).
قال إبن كثير - رحمه الله -: لما ذكر - تعالى - أنه إنما حرم علينا
الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، وإنما أرخص فيه عند الضرورة
وفى ذلك توسعة لهذه الأمة التى يريد الله بها اليسر ولا يريد بها العسر-، ذكر
- سبحانه - بعد ذلك ما كان حرمه على اليهود فى شريعتهم قبل أن ينسخها ،
ؤما كانوا فيه من الآصار والتضييق والأغلال والحرج، فقال: ((وعلى
الذين عادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ... ،
أى: فى سورة الأنعام فى قوله: « وعلى الذين هادوا حرمناكل ذى
ظفر ، ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما إلا ما حملت ظهورهما أو

-٢١١ ٠
الحوايا أو ما اختلط بعظم ، ذلك جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون)) (١)
والمعنى: وعلى اليهود بصفة خاصة ، دون غيرهم من الأمم ، حرمنا بعض
الطيبات التى سبق أن بيناها لك فى هذا القرآن الكريم ، وما كان تحريمنا
إياها عليهم إلا بسبب بغيهم وظلمهم .
وفى الآية الكريمة إبطال لمزاعمهم، حيث كانوا يقولون: لسنا أول من
حرمت عليه هذه الطيبات ، وإنما كانت محرمة على نوح وإبراهيم وغيرهما
من حاء بعدهما .
وقوله: (( من قبل ، متعلق بحرمنا، أو بقصصنا.
وبذلك يتبين أن ما حرمة الله - تعالى - على الأمة الإسلامية، كالميتة
والدم ولحم الخنزير .. كان من باب الرحمة بها، والحرص على مصلحتها ...
أما ماحرمه - سبحانه - على اليهود، فقد كان بسبب بغيهم وظلمهم.
وقوله - تعالى - ((وما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلون)) بيان
لمظهر من مظاهر عدل الله - تعالى - فى معاملته لعباده
أر وما ظلمنا هؤلاء اليهود بتحريم بعض الطيبات عليهم ، ولكن هم الذين
ظلوا أنفسهم، حيث تركوها تسير فى طريق الشيطان ، ولم يوقفوها عند
حدود الله - تعالى - ، فاستحقوا بسبب ذلك ما إستحقوا من عقوبات.
وصدق الله إذ يقول: (( إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم
يظلمون )، (٢)
وقوله - سبحانه - ((ثم إن ربك الذين عملوا السوء بجهالة .. )) بيان لسعة
رحمته - سبحانه - بعباده، ورأفته بهم .
(١) تفسير ابن كثير حـ ٢ ص ٥٩٠
(٢) سورة يونس الآية ٤٤

- ٢١٢ -
والمراد بالجهالة : الجهل والسفه اللذان يحملان صاخبهما على إرتكاب.
ما لا يليق بالعقلاء، وليس المراد بها عدم العلم.
قال مجاهد: كل من عصى الله - تعالى - عمدا أو خطأ فهو جاهل حتى
ينزع عن معصيته .
وقال ابن عطية : الجهالة هنا بمعنى تعدى الطور، وركوب الرأس :
لا حسن العلم .
ومنه ما جاء فى الخبر: « اللهم إنى أعوذ بك من أن أجهل ، أو
جهل على،
ومنه قول الشاعر :
ألا لا يجهان أحمد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلين (١)
والمعنى: ثم إن ربك - أيها الرسول الكريم -، لكثير الغفران والرحمة
لأولئك الذين عملوا الأعمال السيئة ، بدافع الجهل والسفه والطيش وعدم تدبر
العواقب ، ثم إنهم بعد ذلك تابوا قوبة صادقة عن تلك الأعمال السيئة ، ولم
يتكتفوا بذلك بل أصلحوا من شأن أنفسهم ، حيث أوقفوها عند حدودالله
- تعالى - وأجبروها على تنفيذ أوامره، وإجتناب نواهيه .
قال الألوسى: والتقييد بالجهالة قيل: لبيان الواقع ، لأن كل من يعمل
السوء لا يعمله إلا بجهالة .
وقال العسكرى : ليس المعنى أنه - تعالى - يغفر لمن يفعل السوء بجهالة،
ولا يغفر لمن عمله بدون جهالة ، بل المراد وأن جميع من قاب فهذه سبيله.
وإنما خص من يعمل السوء بجهالة ، لأن أكثر من يأتى الذفوب يأتيها بقلة
(١) تفسير الآلومى حـ ١٤ هـ ٢٤٩

- ٢١٣ -
فكر فى عاقبة الأمر ، أو عند غلبة الشهوة، أو فى جهالة الشباب: فذكر
الأكثر على عادة العرب فى مثل ذلك.، (١)
واسم الإشارة فى قوله, ثم تابوا من بعد ذلك وأصلحوا، يعود إلى
الأعمال السيئة التى عملوها قبل التوبة والإصلاح
أى : ثم قابوا قوبة صادقة من بعد أن عملوا ماعملوا من سيئات،وأصلحوا
نفوسهم فهيثوها للسير على الطريق المستقيم
والضمير فى قوله - (( إن ربك من بعدها.)) يعود إلى التوبة وما يصاحبها
من فعل الطاعات ومن إجتناب للسيئات
أى: إن ربك - أيها الرسول الكريم - من بعد هذه القوبة النصوح ،
لكثير المغفرة والرحمة للتائبين
والتعبير ـ بثم - فى قوله «ثم إن ربك للذين. ثم تابوا من بعد ذلك.»
لبيان الفرق الشاسع بين رحمة الله - تعالى - بعباده، وبين ما يصدر عن
بعضهم من كفران وإرتكاب للمعاصى; وبين المصرين على فعل السوء ، وبين
التائبين عنه .
وكرر - سبحانه - ((إن ربك، مرتين فى الآية الواحدة، لتأكيد الوعد
واظهار كمال العناية بإنجازه
وشبية بهذه الآية الكريمة قوله - تعالى -: ( أنمما التوبة على الله للذين
يعملون السوء بجهالة ، ثم يتوبون من قريب، فأولئك يتوب الله عليهم، وكان
الله عليما حكيما، (٢)
ثم مدح - سبحانه - خليله إبراهيم مدحا عظيما، وبشره بالعطاء الذى
(١) تفسير الآلوسي حـ ١٤ ــ ٢٤٩
(٢) سورة النساء الآية ١٧

٠٠ ٢١٤ -
بسعده فى دنياه وآخر ه، وأمر نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - باتباع ملة
أبيه ابراهيم ، فقال - تعالى -:
((إنَّ إبراهيمَ كانَ أُمَّةَ قَانِتً قُمِ حَنِيفًا، ولم يكُ من المشركينَ (١٢٠).
شاكِراً لأنْسِهِ اجتباهُ وهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَهُ فى
الدُّنيا حسنةً وإنَّهُ فى الآخِرَةِ لَمِنَ الصالحِينَ (١٢٣) ثم أوْحَيْنا إليكَ
أنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبراهيم حنيفا وما كانَ من المشركينَ (١٢٣) إِنَّمَا جُعِل
السَّبتُ على الذينَ اختلفُوا فِيهِ، وإن ربَّكَ ليحُكُمُ بَيْنَهُم يومَ القيامةِ
فيما كانوا فيه يختلفونَ (١٢٤))).
فأنت ترى أن الله - تعالى - قد وصف خليله إبراهيم - عليه السلام -
بجملة من الصفات الفاضلة . والمناقب الحميدة
وصفه أولا - بأنه (( كان أمة)،
ولفظ ((أمة، يطلق فى اللغة بإطلاقات متعددة، منها: الجماعة ، كما فى قوله
- تعالى -.. ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون)) (١) أى:
جماعة من الناس .. ،
ومنها: الدين والملة، كما فى قوله - تعالى -: «إنا وجدنا آباءنا على
أمة .. .، (٢) أى: على دين وملة .
ومنها : الحين والزمان كما فى قوله - تعالى -: ((ولئن أخرنا عنهم العذاب
إلى أمة معدودة .. (٢) ،
(١) سورة القصص الآية ٢٣
(٢) سورة الزخرف الآية ٢٣
(٣) سورة هود الآية ٨

- ٢١٥ -٠
أى : إلى زمان معين ..
والمراد بقوله - تعالى - ((إن إبراهيم كان أمة .. ، أى : كان عنده
من الخير ما كان عند أمة. أى جماعة كثيرة من الناس. وهذا التفسير
مروى عن ابن عباس .
وقال مجاهد: سمى - عليه السلام - أمة لاففراده بالإيمان فى وقته
مدة ما .
وفى صحيح البخارى أنه قال لزوجته سارة: ليس على الأرض اليوم مؤمن
غيرى وغير ك ).
ويصح أن يكون المراد بقوله - تعالى -. ((إن إبراهيم كان أمة .. )، أى:
كان إماما يقتدى به فى وجوه الطاعات . وفى ألوان الخيرات ، وفى الأعمال
الصالحات، وفى إرشاد الناس إلى أنواع البر، قال - تعالى -: ((وإذ ابتلى
إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إنى جاءلك للناس إماما .. ))(١)
ووصفه - ثانيا - بأنه كان ((قانتا لله، أى: مطيعا لله، خاضعا لأوامره
ونواهيه، من القنوت وهو الطاعة مع الخضوع .
ووصفه - ثالثا - بأنه كان ، حنيفا، أى: مائلا عن الأدبان الباطلة إلى
الدين الحق. من الحنف بمعنى الميل والاعوجاح ، يقال : فلان برجله حتف
أى اعوجاج وميل .
ومنه قول أم الأحنف بن قيس وهى تداعبه :
والله لولا حنف برجله ما كان فى فتيانكم من مثله
ووصفه - رابعا - بأنه منزه عن الإشراك بالله - تعالى - فقال: (( ولم يك
من المشركين ) .
أى: ولم يكن إبراهيم - عليه السلام - من الذين أشر كوا مع الله - تعالى-
(١) سورة البقرة الآية ١٢٤

- ٢١٦ -
آلهه أخرى فى العباده أو الطاعة، أو فى أى أمر من الأمور، بل أخلص
عبادته لخالقه - عز وجل - .
وقال - كما حكى القرآن عنه -: «إنى وجهت وجهي للذي فطر السموات
والأرض حنيفا وما أنا من المشركين ،(١).
ووصفه - خامسا - بقوله - سبحانه -: ((شاكرا لأنعمه، أى: معترفا
بفضل الله - تعالى - عليه، ومستعملا نعمه فيما خلقت له، ومؤديا حقوق
خالقه فيها . قال - تعالى -: ((وإبراهيم الذى وفى)) أى: قام بأداء جميع
ما كافه الله به .
وبعد أن مدح - سبحانه - إبراهيم بتلك الصفات الجامعة لجامع الخير،
أتبع ذلك ببيان فضله - تعالى - عليه فقال: ((اجتباه)) أى اختاره واصنفاه
للنبوة . من الاجتباء بمعنى الاصطفاء والاختيار .
واجتباء الله - تعالى - لعبده معناه: اختصاصه ذلك العيد بخصائص ومزايا
يحصل له عن طريقها أنواع من النعم بدون كسب منه.
((وهداه إلى صراط مستقيم، أى: وأرشده إلى الطريق القويم، الذى
دعا إنصالحون ربهم أن يرشدهم إليه، حيث قالوا فى تضرعهم: ((أهدنا الصراط
المستقيم، وهو طريق الإسلام.
, وآتيناه فى الدنيا حسنة، أى: وجمعنا له خير الدنيا من كل مايحتاج
المؤمن إليه ليحيا حياة طيبة ، كهدايته إلى الدين الحق ، ومنحه نعمة النبوة ،
وإعطائه الذرية الصالحة، والسيرة الحسنة ، والمال الوفير .
وقد أشار القرآن الكريم إلى جانب من هذه النعم، كما فى قوله - تعالى -:
(( واجعل لى لسان صدق فى الآخرين،(٢).
(١) سورة الأنعام الآية ٧٩.
(٢) سورة الشعراء الآية ٨٤

٢١٧ -
وكما فى قوله - تعالى - : «فلما اعتزلهم وما يعبدون من دون الله وهبنا له
إسحاق ويعقوب وكلا جعلنا نبيا ... . (١)
((وإنه فى الآخرة لمن الصالحين، أى: وإنه فى الدار الآخرة لمندرج
فى عباد الله الصالحين ، الذين رضى الله عنهم ورضوا عنه، والذين كانت لهم
جنات الفردوس نزلا .
ثم ختم - سبحانه - هذه النعم التى منحها لخليله إبراهيم ، بأمر نبيه محمد
-. صلى الله عليه وسلم .. أن يقبع ملة أبيه إبراهيم - عليه السلام .. فقال
- تعالى -: وثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)).
والمراد بملة إبراهيم: شريعته التى أمره الله - تعالى - باتباعها فى عقيدته
وعبادته ومعاملاته ، وهى شريعة الإسلام ، التى عبر عنها آنفا بالصراط
المستقيم فى قوله - تعالى - ((إجتباه وهداه إلى صراط مستقيم)).
والمراد باتباع الرسول - صلى الله عليه وسلم - له فى ذلك: الإقتداء به
فى التوحيد وفى أصول الدين، الثابته فى كل الشرائع ، لا الفروع الشرعية التى
تختلف من شريعة إلى أخرى، بحسب المصالح التى يريدها الله - تعالى - لعباده.
أى: ثم أوحينا إليك - أيها الرسول الكريم - بأن تتبع فى عقيدتك
وشريعتك («ملة إبراهيم حنيفا، أى: شريعته التى هى شريعة الإسلام.
قال صاحب الكشاف: قوله - تعالى .: « ثم أوحينا إليك ... )):
فى، ثم) هذه ما فيها من تعظيم منزلة - رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،
وإجلال محله ، والإيذان بأن أشرف ما أوق خليل الله إبراهيم من الكرامة،
وأجل ما أولى من النعمة، إقباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الته،
من جهة أنها دلت على تباعد هذا النعت فى المرتبة ، من بين سائر النعوت
(١) سورة مريم الآية ٤٩

- ٢١٨ -
التى أثنی الله علیه بها، (١).
وقال القرطى: وفى هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل المفضول
فيما يؤدى إلى الصواب، ولا درك على الفاضل فى هذا، فإن النبى - صلى الله
عليه وسلم - أفضل الأنبياء، وقد أمر بالاقتداء بهم، قال - تعالى -, أولئك
الذين هدى الله فبهداهم اقتده ... )) وقال - سبحانه - هنا , ثم أوحينا إليك
أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً ... )،(٢)
وقوله (( حنيفا، حال من إبراهيم، أى: من المضاف إليه، وصح ذلك
لأن المضاف هنا وهو («ملة، كالجزء من المضاف إليه وهو إبراهيم من حيث
صحة الاستغناء بالثاني عن الأول ، لأن قولك: أن اتبع إبراهيم حنيفا ،
كلام تام ...
وقد أشار ابن مالك - رحمه الله - إلى هذا المعنى بقوله:
إلا إذا اقتضى المضاف عمله
ولا نجز حالا من المضاف له
أو كان جزء ماله أضيفا أو مثل جزئه فلا تحيفا
وقوله - سبحانه -: ((وما كان من المشركين)، تنزيه لإبراهيم - عليه
السلام - عن أى لون من ألوان الإشراك بالله - تعالى -.
أى: وما كان إبراهيم - عليه السلام - من المشركين مع الله - تعالى -
آلهة أخرى لا فى عقيدته ولا فى عبادته ولا فى أى شأن من شئونه.
وفى ذلك رد على المشركين الذين زعموا أنهم على ملة إبراهيم ، ورد
- أيضا - على اليهود والنصارى الذين زعموا أن إبراهيم - عليه السلام - كان
على ملتهم .
قال - تعالى -: «ما كان إبراهيم هوديا ولا نصرانيا ولكن كان
(١) تفسير الكشاف حـ ١ ص ٤٣٤ (٢) تفسير القرطى = ص

- ٢١٩-
حنيفا مسلما وما كان من المشركين))(١).
وبعد أن بين - سبحانه - حقيقة عقيدة إبراهيم، ومدحه جدلمة من اصفات
الجليلة ، وبين جانبا من مظاهر فضله - سبحانه - عليه، أقبع ذلك بيان أن
تحريم العمل فى يوم السبت أمر خاص بالورود، ولا علاقة له بشريعة إبراهيم
أو بشريعة محمد - صلى الله عليه وسلم -، فقال - تعالى -: (إنما جعل السبت
على الذين اختلفوا فيه ٠٠٠)
والمراد بالسيت: اليوم المسمى بهذا الاسم، وأصله - كما يقول ابن جرير-
الهدوء والسكون فى راحة ودعة ، ولذلك قيل للناتم مسبوت لهدونه ومكون
جسده واستراحته، كما قال - جل ثناؤه -: ((وجعلنا نودكم سباتا، أى:
راحة الأبدانكم ٢٠،٠٠٠)
والكلام على حذف مضاف ، والمعنى: إنما جعل تعظيم يوم سبت ،
والتخلى فيه للعبادة، ((على الذين اختلفوا فيه، وهم اليهود، حيث أمرثم نبيهم
موسى - عليه السلام - بتعظيم يوم الجمعة ، فخالفوه واختاروا السبت .
قال الجمل ما ملخصه: قوله - سبحانه -: ((على الذين اختلفوا فيه، أى:
خالفوا فيهم ، حيث أمرهم : أن يعظموا يوم الجمعة بالتفرغ للعبادة فيه،
وشدد عليهم بتحريم الاصطياد فيه : فليس المراد بالاختلاف أن بعضهم
رضى، وبعضهم لم يرض ، بل المراد به امتناع الجميع - حيث قالوا لا نريد
يوم الجمعة ، واختاروا السبت - .
ثم قال: وفى معنى الآية قول آخر . قال قتادة : إن الذين اختلفوا فيه
هم اليهود، حيث استحله بعضهم وحرمه مضهم ، فعلى هذا القول يكون معنى
قوله ((إنما جعل السبت ... )
(١) سورة آل عمران الآية٦٧ (٢) تفسير ابن جرير الطبرى ـ١ ص ٣٢٧

- ٢٢٠ -
أى: وبال يوم السبت ولعنته ((على الذين اختلفوا فيه،، وهم اليهود،
حيث استحله بعضهم فاصطادوا فيه ، فعذبوا ومسوا .. وأت بعضهم على
تحريمه فلم يصطد فيه، فلم يعذبوا .. ، والقوى الأول أقرب إلى الصحة،(١)
وقال الإمام ابن كثير . وقد ثبت فى الصحيحين عن أبىهريرة أنرسول الله
- صلى الله عليه وسلم - قال: « نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد
أنهم - أى أهل الكتاب - أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يوم«الذى فرض
الله عليهم - أى؛ م الجمعة - فاختلفوا فيه، فهدأنا الله له، فالناس لنا فيه تبع،
اليهود غدا والنصارى بعد غد) (٢).
ثم بين - سبحانه - حكمه العادل فيهم فقال: ((وإن ربك ليحكم بينهم
يوم القيامه فيما كانوا فيه يختلفون »
أى: وإن ربك - أيها الرسول الكريم - ليحكم بين هؤلاء المختلف ين
يوم القيامة ، بأن ينزل بهم العقوبة التى يستحقونها بسبب مخالفتهم لنبيهم ،
وإعراضهم عن صاعته فيما أمرهم به من تعظيم يوم الجمعة .
ويصح أن يكون المعنى: وإن ربك ليحكم بحكمه العادل بين هؤلاء اليهود
الذين اختلفوا فى شأن يوم السبت ، حيث استحله بعضهم ، وحرمه البعض
الآخر ، فيجازى كل فريق بما يستحقه من ثواب أو عقاب.
وبذلك، نرى الآيات الكريمة قد مدحت إبراهيم - عليه السلام - مدحا
عظيما، وذكرت جانبا من المآثر التى أكرمه الله - تعالى- بها، وبرأته مما
ألصقه به المشر كون وأهل الكتاب من تهم باطلة ، ودعاوى كاذبة.
ثم ختم - سبحانه .. السورة الكريمة بتلك الآيات الجامعة لآداب الدعوة
إلى الله، والهادية إلى مكارم الأخلاق ، فقال .. تعالى ..
(١) حاشية الجمل على الجلايز حـ ٢ ص ٦٠٥ (٢) تفسير ابن كثير - ٢ -٥٩١٠