Indexed OCR Text

Pages 61-80

- ٩١ ٠
كفروا، وسوه أو الهم يوم القيامة، كما بينت حسن عاقبة المؤمنين، ليهلك
من هلك عن بينة ويحمی من حی عن بينة .
وبعد بين - سبحانه - حال العداء والأشقياء يوم القيامة، أتبع ذلك
بضرب مثل لهما زيادة فى التوضيح والتقرير فقال - تعالى -:
((أَّ تَرَ كَيفَ ضربَ اللهُ مثلاً، كلمةً طيبةً كشجرةٍ طيبةٍ أصلُها
ثابتٌ وفرعُها فى السماء (٢٤) تُؤْنِ أُ كَلَها كلَّ حينٍ بإِذنِ ربِّها ،
ويضربُ اللهُ الأمثالَ الناسِ لمَّهم يتذَكَّونَ (٢٥) ومثلُ كَلِمِةٍ خبيثةٍ
كشجرةٍ خبيثةٍ اجْتُنَّتْ مِنْ فوقِ الأرضِ مالَها من قرارٍ (٢٦) يثبتُ
اللهُ الّذينَ آمَنُوا بالْقَوْل الثابتِ فى الحياةِ الدُّنيا وفى الآخرةِ، ويُضِلُ
اللهُ الظالمينَ ويفعلُ اللهُ ما يشاءٍ (٢٧).
والخطاب فى قوله (( ألم تر ... )) للرسول- صلى الله عليه وسلم -، أو لكل
من يصلح للخطاب ، والاستفهام للتقرير ، والرؤية مستعملة فى العلم الناشىء
عن التأمل والتفكر فى ملكوت السموات والأرض .
قال الألوسى ما ملخصه: قوله - تعالى -((ألم تر ... ، هذا التعبير قد
يذكر لمن تقدم علمه فيكون للتعجب ((وقد يذكر لمن ليس كذلك، فيكون
لتعريفه وتعجيبه ، وقد اشتهر فى ذلك حتى أجرى مجرى المتل فى ذلك، بأن
شبه من لمير الشىء بحال من رآه فى أنه لا ينبغى أن يخفى عليه، ثم أجرى الكلام
معه كما يجرى مع من رأى، قصدا إلى المبالغة فى شهرته وعراقته فى
للتعجب ... ،(١)
والمثل : يطلق على القول السائر المعروف لممائلة مضر به لمورده.
وقوله ((مثلا)) انتصب على أنه مفعول به اضرب، وقوله ( كلمة)) بدل
منه أو عطف بيان .
(١) تفسير الآلوسي ج ٢ ص ١٦٠

- ٩٢ ٠
والمراد بالكلمة الطيبة: كلمة الإسلام، وما يترتب عليها من عمل صالح،
وقول طيب .
قال الألوسى المخصه: والمراد بالشجرة الطيبة - المشبه بها - النخلة
عند الأكثرين وروى ذلك عن ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمه
والضحاك وابن زيد ...
وأخرج عبد الرزاق والترمذى وغيرهما عن شعيب بن الحجاب قال : كنا
عند أنسى. فأتينا بطبق عليه رطب ، فقال أف لأبى العاليه : كل يا أبا العالية،
فإن هذا من الشجرة التى ذكرها الله - تعالى - فى كتابه ((ألم تر كيف ضرب
الله مثلاكلة طيبة كشجرة طيبة ... ،
وأخرج الترمذى - أيضا -والنسائى وابن حبان والحاكم وصححه عن أنس
قال : أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- بقناع من بسر - أى بطبق من تمر
لم ينضج بعد - فقال: مثل كلمة طيبة كشجرة طيبة ... قال: هى النخلة))
وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أنها شجرة جوز الهند .
وأخرج ابن جرير وابن أبى حاتم أنها شجرة فى اجنه ، وقيل كل شجرة
مثمرة كالنخلة، وكشجرة التين والعنب والرمان وغير ذلك . ثم قال :
وأنت تعلم أنه إذا صح الحديث ولم يتأت حمل دافيه على التمثيل لا ينبغى
العدول عنه ،(١)
وكأن الإمام الآلوسى بهذا القول يريد أن يرجح أن المراد بالشجرة الطيبه
النخلة ، لتصريح الآثار بذلك .
وقد رجح ابن جرير أن المراد بها الفخله فقال ما ملخصه : واختلفوا فى
فى المراد بالشجرة الطيبه، فقال بعضهم هى النخله ... وقال آخرون : هى
شجرة فى الجنه ...
(٦) تفسير الآلوسى جـ ١٣ ص ٠١٩١

وأولى القولين بالصواب فى ذلك قول من قال هى النخلة ، لصحه الخبر
عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فى ذلك .... (١)
والمعنى: ألم تر - أيها المخاطب - كيف إختار الله - تعالى - مثلا،
ووضعه فى موضعه لللائق به، والمناسب له، وهذا المثل لكلمتى الإيمان
والكفر ، حيث شبه - سبحانه - الكلمة الطيبة وهى كلمة الإسلام،
بالشجرة الطيبة، أى النافعه فى جميع أحوالها ، وهى النخلة .
ثم وصف - سبحانه - هذه الشجرة بصفات حسنه فقال: «أصليا
ثابت .. ,
أى: ضارب بعروقة فى باطن الأرض ، فصارت بذلك راسخه الأركان
ثابتة البنيان .
, وفرعها، أى: أعلاها وما أمتد منها من أغصان، مشتق من الإفتراع
بمعنى الإعتلاء ,فى السماء، أى: فى جهه السماء من حيث العلو والارتفاع،
وهذا ما يزيد الشجرة، جمالا وحسن منظر .
والمراد بالأكل فى قوله - تعالى - تؤتى أكلها كل حين بإذن ربها .. »
المأكول، وهو الثمر الناتج عنها.
والمراد بالحين: الوقت الذى حدده الله - تعالى - للانتفاع بشار.٤
من غير تعيين بزمن معين من صباح أو مساء ....
قال الشوكانى ما ملخصه: قوله (( تؤنى أكلها كل حين، كل وقت ((بإذا،
ربها)، بإرادته ومدينته .
وقيل : المراد بكونها تؤتى أكلها كل حين: أى كل ساعه من الساعات ..
(١) تفسير إبن جرير حـ ١٣ ٥ ١٣٧

من ليل أو نهار فى جميع الأوقات من غير فرق بين شتاء وصيف. وفيل
المراد فى أوقات مختلفة من غير أعيين.
وقيل : كل غدوة وعشيه ، وقيل : كل شهر ....
وهذه الأقوال متقاربه . لأن الحين عند جمهور أهل اللغة بمعنى الوقت
يقع لقليل الزمان وكثيره .. )) (١)
وبهذا نرى أن الله - تعالى - قد وصف هذه الشجرة بأربع صفات ،
أولها أنها طيبه ، وثانيها. أن أصل ثابت، وثالثها: أن فرعها فى السماء،
ورابعها : أنها تؤتى ثمارها كل حين بإذن ربها .
وهذه الأوصاف تدل على فخامه شأنها، وجمال منظرها، وطيب ثمرها،
ودوام نفعها ، كما تدل على أن المشبه وهو المكلمه الطيبة ، مطابق فى هذه
الأوصاف المشبه به وهو الشجرة الطيبة .
وقوله - سبحانه -: (( ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون))
بيان للحكمه التى من أجلها سيقت الأمثال، وهى التذكر والتفكير والاعتبار.
أى: ويضرب الله - تعالى الأمثال للناس رجاء أن يصبروا ويتعظوا
ويتذكروا ما أمرهم - سبحانه - بتذكره ، إذ ضرب الأمثال تقريب
البعيد ، وتقرير للقريب، وتصوير للمعانى المعقولة بالصور المحسوسه.
!
- ٠
وبعد أن بين - سبحانه - مثال كلمه الايمان، أتبعه بمثال كلمة الكفر
نتقال: ((ومثل كلمه خبيثه، وهى كلمة الكفر.
" -...
((كشجرة خبيثة)، أى قبيحه لانفع فيها ، ولا خير يرجى منها.
((إجتئت من فوق الأرض، أى: إقتلعت جثتها وهيتها من فوق.
الأرض ، لقرب عروقها وجذورها من سطحها .
(١) تفسير الشوكانى × ٣ صـ ١٠٦
:
-- --. ..
-----. ..
أ

- ٦٥ ٥
يقال: إجتڤت الشىء إجتشاشا، إذا إقتلعته وإستأصلته، وهو إفتعال من
لفظ الجثة وهى ذات الشىء .
وقوله « مالها من قرار)) تأكيد لمعنى الاجتثاث لأن اجتثاث الشىء
بسهولة، سببه عدم وجود أصل له .
أى: ليس لها إستقرار وثبات على الأرض، وكذلك الكفر لا أصل له
ولا فرع، ولا يصعد للكافر عمل ، ولا يتقبل منه شىء .
والمراد بهده الشجرة الخبيثة: شجرة الحنظل فعن أنس بن مالك أن النبي
- صلى الله عليه وسلم - قال: ((ومثل كلمه خبيثه كشجرة خيشة)، هى
الحنظلة .... (١)
وقيل : شجرة الثوم : وقيل : شجرة الشوك ... وقيل كل شجر لا يطيب
له نمر وفى رواية عن إبن عباس أنها شجرة لم تخلق على الأرض ...
وقال إن عطية : الظاهر أن التشبيه وقع بشجرة غير معينه ، جامعة لتلك
الأوصاف التى وصفها الله بها .
وقوله - سبحانه -: يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت فى الحياة
الدنيا وفى الآخره، بيان لفضل الله - تعالى - على هؤلاء المؤمنين، ولحسن
عاقبتهم ....
والمراد بالحياة الدنيا : مدة حياتهم فى هذه الدنيا،
والمراد بالآخرة : ما يشمل سؤالهم فى القير وسؤ الهم فى مواقف القيامة.
ء المعنى: يثبت الله - تعالى - الذين آمنوا بالقول الثابت أى: الصادق
الذى لاشك فيه، فى الحياة الدنيا، بأن يجعلهم متمسكين بالحق ، ثابتين عليه
دون أن يصرفهم عن ذلك ترغيب أو ترهيب ،
(١) تفسير إن كثير حـ ٤ ٥ ٤١٣
67- سورة إراهم)

-٦٦ =
ويثبتهم أيضاً بعد مماتهم، بأن يوفقهم إلى الجواب السديد عند سؤالهم
فى القبر وعند سؤالهم فى مواقف يوم القيامه .
قال الألوسى ما ملخصه: قوله - تعالى - (( بثبت الله الذين آمنوا
بالقول الثابت، أى : الذى ثبت عندهم وتمكن فى قلوبهم ، وهو الكامة الطيبه
التى ذكرت صفتها العجيبة .... , فى الحياة الدنيا، أى يثبتهم بالبقاء على ذلك
مدة حياتهم، فلا يرلون عند الفتنة ... , وفى الآخرة، أى بعد الموت وذلك
فى القبر الذى هو أون منزل من منازل الآخرة، وفى مواقف القيامة ، فلا
يتلعثمون إذ ستلوا عن معتقدهم هناك، ولا تدهشهم الأحوال ..... (١)
هذا، وقد ساق الامام إبن كثير هنا جملة من الأحاديث التى وردت فى
سؤال القبر ، منها قوله: قال البخارى : حدثنا أبو الوليد، حدثنا شعبة ،
أخبرنى علقمة بن مرتد قال :
سمعت سعد بن عبيدة عن البراء بن عازب أن رسول الله - صلى الله عليه
وسلم - قال : المسلم إذا سئل فى القبرشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله
فذلك قوله: (( ويثبت الذين آمنوا فى الحياة الدنيا وفي الآخرة» (٢)
وقوله . ( ويضل الله الظالمين)) بيان لسوء عاقبة أصحاب المثل الثانى وم
الكافرون.
أبى ، ويخلق فيهم الضلال عن الحق بسبب إيثارهم الكفر على الايمان.
((ويفعل الله ما يشاء، فعله، من تثبيت من يريد تثبيته، وإضلال من
يريد إضلاله ، حسبما تقتضيه إرادته وحكمته، لاراد لأمره ، ولا معقب
حكمه .
(١) تفسير الآلوسي ج ١٣ ص ١٩٤
(٢) راجع تفسير إبن كثير جـ ٤ من صـ ١٣٪ إلى صـ ٤٢٦ طبعت دار
الشحي :

٤٦٧٠
ثم بين - سبحانه - بعدذلك مصير الجاحدين الذين قابلوا نعم الله بالكتود
والجحود، وأمر المؤمنين بأداء ما كلفهم به - سبحانه - من عيادات وقربات،
وساق لهم ألوانا من الآلاء التى تفضل بها على عباده، فقال - تعالى -:
((أَلَمّ تَر إلى الذينَ بدَّلوا نعمةَ اللهِ كُفراً، وأحلوا قومهم دارَ
البَوارِ (٢٨) جهنمَ يصنَوْنَهَا وبئْسَ القَرارِ (٢٩) وجمُلُوا فَه أُتْداداً
لِيُضِلُوا عن سبيله، قُلْ تَتَّعُوا فإنْ مصيرَكُم إلى النَّارِ (٣٠) قل لعبادِىّ
الذِينَ آمَنُوا يُقَيِمُوا الصلاةَ ويُنْفِقُوا مما رزَقناهُمْ سِرًّا وعلانيةً من قبلٍ
أن يأتِىَ يومٌ لا بيعٌ فيهِ ولا خِلاَل (٣١) اللهُ الذى خلقَ السمواتِ
والأرضَ وأنزلَ من السماء ماء فأخرجَ به من الثمراتِ رِزْقًا لِكُم،
وسخّرام الفلكَ لتجرِىَ فى البحرِ بأمرِه، وسخرلكم الأنهارَ (٣٢)
وسخر لكم الشَّمسَ والقمرَ دائِبَيْنِ وسخر لكم الليلَ والنهارَ (٣٣)
وآتَاكُم من كلِّ ما سألتموه وإن تَعدُّوا نعمةَ الله لا تحصوها، إِنَّ
الإنسان الظلومٌ كفار (٣٤))).
وقوله - سبحانه - ((ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا ... ، الخطاب
فيه للنبي - صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلح للخطاب.
والاستفهام للتعجيب عن أحوالهم الذميمة.
وبدأوا من التبديل بمعنى التغيير والتحويل. والمراد به: وضع الشىء
فى غير موضعه ومقابلة نعم الله بالجحود وعدم الشكر .
ونعمة الله التى بدلوما، تشمل كفرهم بالرسول - صلى الله عليه وسلم - الذى
أرسله الله - تعالى - لإخراجهم من الظلمات إلى النور، كما تشمل إكرام الله

- ٦٨ -
لهم - أى أهل مكة - بأن جعلهم فى حرم آمن، وجعلهم سدقة بيته ...
ولكنهم لم يشكروا الله على هذه النعم، بل أشركوا معه فى العبادة
آلهة أخرى .
قال صاحب الكشاف ما ملخصه: قوله: «بدلوا نعمة الله، لأن شكرها
الذى وحب عليهم وضعوا مكانه كفرا ، فكأنهم غيروا الشكر إلى الكفر
وبدلوه تبديلا ...
وهم أهل مكة أسكنهم الله حرمه ، وجعلهم قوام بيته، وأكرمهم بمحمد
- صلى الله عليه وسلم فكفروا نعمة الله بدل ما لزمهم من الشكر العظيم، أو
أصابهم الله بالنعمة فى الرخاء والسعة لإيلافهم الرحلتين ، فكفروا نعمته،
فضربهم بالقحط سبع سنين، فصل لهم الكفر بدل النعمة ، وكذلك حين
أسروا وقتلوا يوم بدر ، قد ذهبت النعمة عنهم ، وبقى الكفر طوقا فى
أعناقهم .. )،(١)
وقال الإمام ابن كثير ما ملخصه: قال البخارى قوله: « ألم تر إلى الذين
بدلوا نعمة الله كفرا ... )، حدثنا على بن عبد الله. حدثنا سفيان، عن عمرو،
عن عطاء، سمع ابن عباس قال: هم كفار أهل مكة ..
ثم قال ابن كثير: وهذا هو الصحيح، وإن كان المعنى يعم جميع الكفار،
فإن الله - تعالى - بعث محمدا - صلى الله عليه وسلم - رحمة للعالمين، ونعمة
للناس؛ فمن قبلها وقام بشكرها دخل الجنة ، ومن ردها وكفرها دخل
النار .... (٢)
وما ذهب إليه صاحب الكشاف وزين كثير - رحمهما الله - هو الذى
تطمئن إليه النفس، لأن مشركى مكة ومن سار على مشاكلنهم ، تنطبق عليهم
هذه الآية الكريمة .
(١) تفسير الكشاف <ـ ٢ ص ٢٧٦
(٢) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ١٢٦

٠٠ ٦٩ -
وقد أورد بعض المفسرين هنا روايات فى أن المراد بهؤلاء الذين بدلوا
نعمة الله كفراً، بنو أمية وبنو مخزوم ... ولكن هذه الروايات بعيدة عن
الصواب، ولا سند لها من النقل الصحيح(٣).
وقوله (( وأحلوا قومهم دار البوار)) معطوف على (( بدلوا، لبيان رذيله
أخرى من رذائلهم المتعددة .
والمراد بقومهم : أتباعهم وشر كاؤهم فى الكفر وعناد حتى ماتوا
على ذلك ،
والبوار الهلاك والخسران ، ويطلق أيضا على الكساد. يقال: بار المتاع
بوارا، إذا كسد ، إذ الكاسد فى حكـ الهالك .
والمعنى: ألم تر - أيها العاقل - إلى حال هؤلاء المشركين، الذين قابلوا نعم الله
عليهم بالكفر والجحود ، وكانوا سببا فى إنزال قومهم دار الهلاك والخسران.
وقوله - سبحانه - ( جهنم يصلونها وبئس القرار)) بيان لدار بوارهم
وهلاكهم أى : جهنم يصلون حرها وسعيرها ، وبئس القرار قرارهم فيها:
فقوله ((جهنم)) عطف بيان لدار البوار، وقوله: يصلونها ، فى محل نصب
حال من جهنم، يقال: صلى فلان النار - من باب تعب - إذا ذاق حرها.
وتقول: صليت اللحم أصليه - من باب رمى - إذا شويته .
والمخصوص بالذم محذوف . أى: بئس القرار هى أى : جهنم.
وفيه إشارة إلى أن حلولهم فيها كائن على وجه الدوام والاستمرار.
ثم بين - سبحانه - لونا ثالثا من ألوان أعمالهم القبيحة، وعقائدهم الباطلة
فقال: (( وجعلو لله أندادا ليضلوا عن سبيله .. ))
والأنداد: جمع ند وهو مثل الشىء الذى يضاده وينافره ويتباعدعنه .
(١) راجع تفسير ابن جرير جـ ١٤ ض ١٤٦

٠-٧٠ -
وأصله من قد البعير يند - بكسر للنون - قدأ - بالفتح - إذا تر وذهبه
علی و جهه شاردا .
وقوله (( ليضلوا، قرأ الجمهور - بضم الياء - من أضل غيره إذا جعله
ضالا .
أى أن هؤلاء الخاسرين لم يكتفوا بمقابله نعمة الله بالحجود ، وبإحلال
قومهم دار البوار، بل أضافوا إلى ذلك أخزم جعلوالله - تعالى- أمثالاونظراء،
ليصرفوا غيرهم عن الطريق الحق، والصراط المستقيم، الذى هو إخلاص
العبادة لله - تعالى - وحده .
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو ((ليضلوا)) - بفتح الياء - أى: ليستمروا
فى ضلالهم ، فإنهم حين جعلهم الأنداد فته - تعالى - كانوا ضالين ، وجهلوا
ذلك فاستمروا فى ضلالهم قوهما منهم أنهم على الصواب .
قال صاحب الكشاف: قرى- ((لبضلوا، بفتح الياء وضمها. فإن قلت:
الضلال لمیکن غرضهم فى اتخاذ الأنداد فما معنى اللام ؟
قلت : لما كان الضلال والإضلال نتيجة اتخاذ الأنداد، كما كان الإكرام
فى قولك: جئتك لتكر منى نتيجة المجىء، دخلته اللام، وإن لم يكن غرضنا،
على طريق القشبيه والتقريب ،(!).
وقوله - سبحانه - ((قل تمتعوافإن مصيركم إلى النار، أمر منه - عز وجل-
لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بأن يهددهم بهذا المصير الأليم .
والتمتع بالشىء: الانتفاع به مع التلذذ والميل إليه
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الخاسرين، تمتعوا بماشفة التمتع به
من شهوات ولذائذ، فإن مصيركم إلى النار لامحالة .
قال صاحب فتح القدير ما ملخصه: قوله ((قل تمتعوا)) بما أنتم فية من
(١) تفسير الكشاف ج ٢ ص ٠٣٧٨

- ٧١ -
الشهوات ، وبمازينته لكم أنفسكم من كفران للنعم (( فإن مصيركم إلى النار،
أی مرجعکم إليها ليس إلا .
ولما كان هذا حالهم ، وقد صاروا لفرط تهالكهم عليه لا يعقلون عنه .
جعل - سبحانه - الأمر بمباشرته مكان النهى عن قربانه، إيضاحاً لما تكون
عليه عاقبتهم ، وأنهم لا محالة صائرون إلى النار ..
فجملة «فإن مصيركم إلى النار، تعليل للأمر بالتمتع ، وفيه من التهديد
مالا بقادر قدره .
ويجوز أن تكون هذه الجملة جوابا لمحذوف دل عليه السياق كأنه قيل :
قل تمتعوا فإن دمتم على ذلك فإن مصيركم إلى النار .
والأول أولى والنظم القرآ نى عليه أدل، وذلك كما يقال لمن يسعى فى
مخالفة السلطان: اصنع ماشئت من المخالفة فإن مصيرك إلى السيف)، (١).
وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى -: ((قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب
النار »(*) .
وقوله - تعالى -: ((تمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ,(٢).
وقوله - تعالى - ((لا يغرنك تقلب الذين كفروا فى البلاد متاع قليل ثم
مأواهم جهنم وبئس المهاد ، (٤).
وبعد هذا الأمر من الله - تعالى - لنبيه - صلى الله عليه وسلم - بتهديد
الكافرين، وجه - سبحانه - أمرا آخر له - صلى الله عليه وسلم - طلب منه
فيه، مواصلة دعوة المؤمنين إلى الاستمرار فى التزود من العمل الصالح فقال
(١) تفسير فتح القدير للشوكانى جـ ٣ ص ١٠٩
(٢) سورة الزمر الآية ٨.
(٣) سورة لقمان الآية ٢٤.
(٤) سورة آل عمران الآبتان ١٩٧،١٩٦.

- ٧٢ -
- تعالى -: (قل لعبادى الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا
وعلانية، من قبل أن يأتى يوم لابيع فيه ولاخلال ».
قال الجمل: قوله (( قل العبادى ... ألخ)) مفعول قل محذوف يدل عليه
جوابه، أى: قل لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا.، وقوله: يقيموا وينفقوا
مجزومان فى جواب الأمر، أى: إن قلت لهم أقيموا الصلاة وأنفقوا ...
يقيموا وينفقوا ...
ويجوز أن يكون قوله ((يقيموا وينفقوا، مجزومين بلام الأمر المقدرة،
أى: ليقيموا الصلاة ولينفقوا ... ،(١)
والمراد بإقامة الصلاة: المواظبة على أدائها فى أوقاتها المحددة لها، مع
استيفائها لأركانها وسننها وآدابها وخشوعها ، ومع إخلاص النية عند أدائها
قه - تعالى -.
والمراد بالإنفاق : ما يشمل جميع وجوه الإنفاق الواجبة والمستحبة .
والمراد بقوله («سرا وعلافية، ما يتناول عموم الأحوال فى الحرص على
على بذل المال فى وجوهه المشروعة .
والمعنى، قل - أيها الرسول الكريم - العبادى المخلصين، الذين آمنوا
إيمانا حقا، قل لهم: ليستزيدوا من المواظبة على أداء الصلاة، وعلى الإنفاق
مارزقناهم فى جميع الأحوال، بأن يجعلوا نفقتهم فى السر إذا كانت آداب
الدين وتعاليمه تقتضى ذلك، وأن يجعلوها فى العلن إذا كانت المنفعة
فى ذلك .
والإضافة فى قوله, لعبادى)) للتشريف والتسكريم لهؤلاء العباد المخلصين.
ولم تعطف هذه الآية الكريمة على ماقبلها وهو قوله( قل تمتعوا فإن مصيركم
إلى النار)) للإيذان بتباين حال الفريقين، واختلاف شأنهما ...
(١) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٥٢٥

- ٧٣ -
ومفعول ((ينفقوا، محذوف والتقدير ينفقوا شيئا ما رزقناهم ..
وعبر - سبحانه - بمن المفيدة للتبعيض فى قوله , ممارزقناهم، للإشعار
بأنهم قوم عقلاء يبتعدون فى إنفاقهم عن الإسراف والتبذير ، عملا بقوله
- تعالى -: (والذين إذا أنفقوالم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما)(١).
وهذا التعبير - أيضا -مصر بأن هذا المال الذى بين أيدى عباده - سبحانه-
ما هو إلا رزق رزقهم الله إياه، ونعمة أنعم بها عليهم، فعليهم أن يقابلوا
هذه النعمة بالشكر ، بأن ينفقوا جزءامنها فى وجوه الخير .
وقوله (( سرا وعلانية)) منصوبان على الحال أى: مسرين ومعلنين، أو على
المصدر أى: إنفاق سر وإنفاق علاقية .
وقدم - سبحانه - إنفاق السر على العلاقية للتنبيه على أنه أولى الأمرين
فى معظم الأحوال لبعده عن خواطر الرياء، ولأنه أستر للمتصدق عليه.
وقوله - سبحانه - ((من قبل أن ياتي يوم لابيع فيه ولاخلال)، مؤكد
لمضمون ما قبله من الأمر بإقامة الصلاة وبالإنفاق فى وجوه الخير بدون تردد
أو إبطاء .
ولفظ ((ال)) مصدر خاللت بمعنى صاحبت وصادقت، أو جمع خليل
بمعنى صديق، أو جمع خلة بمعنى الصداقة كقلة وقلال .
أى : قل لهم - أيها الرسول الكريم - بأن من الواجب عليهم أن يكثروا
ويداوموا على إقام الصلاة وعلى الإنفاق بمارزقهم - سبحانه -، من قبل أن
يفاجئهم يوم القيامة ، ذلك اليوم الذى لا تقبل فية المعاوضات، ولا تنفع فيه
شفاعة الصديق لصديقه، وإنما الذى يقبل وينفع فى هذا اليوم هو العمل
الصالح الذى قدمه المسلم فى دنياه.
فاجملة الكريمة تفيد حضا آخر على إقام الصلاة وعلى الانفاق عن طريق
(١) سورة الفرقان الآية ٦٧.

=٠ ٧٤ -
التذكير الناس بهذا اليوم الذى تنتهى فيه الأعمال، ولا يمكن فيه استدراك
مافاتهم ، ولا تعويض ،افقدوه من طاعات .
كما تفيد أن المواظبة على أداء هاتين الشعير تين ، من أعظم القربات التى
يتقرب بها المسلم إلى خالقه - سبحانه ، والتى تكون سببا فى رفع الدرجات
يوم القيامة .
وشبيه بهذه الآية قوله تعالى( يأيها الذين آمنوا أنفقوا مارزقناكم من
قبل أن يأتى يوم لابيع فيه ولاخلة ولاشفاعة والسكافرون هم الظالمون،(١).
ثم ساق - سبحانه - بعد ذلك ألوانا من نعمه التى تستوحب شكرهوطاعته
وإخلاص العبادة له والتى تدل على كمال قدرته وعلمه ووحدانيته فقال - تعالى -:
«الله الذي خلق السموات والأرض ... )
أى: الله - تعالى - وحده هو الذى أوجد السموات والأرض ومافيها
من أجرام علويه وسفليه بدون مثال سابق .
وأفتتحت الآية الكريمة بلفظ الجلالة، لما فى ذلك من تربية المهابة، ومن
لفت أنظار المشركين إلى ماهم فيه من ضلال حتى يقلعوا عنه .
وجاء الخبر بصيغة الموصول ، لأن الصلة معلومة الثبوت له - سبحانه -
والمشركون لا ينازعون فى ذلك، كما قال - تعالى - (( ولئن سألتهم من خلقه
السموات والأرض ليقولن الله ٢٠٠٠
وقوله , وأنزل من السماء ماء فأخرج به الثمرات رزقالكم ... ، يبان
للون آخر من ألوان نعمه على خلقه .
والمراد بالسماء ها : السحاب ، أوجهة العلو .
أى: وأنزل - سبحانه - من المزن أو السحاب ((ماء، كثيرا هو المطر،
(١) سورة البقرة الآية ٢٥٤.

٧٥٠٠ =:
, فأخرج به «أى بذلك الماء (( من الثمرات، المتعددة الأنواع والأصناف
ورزقا لكم، تنتفعون به، وتتمتعون بجمال منظره وطيب مطعمه.
ثم حكى - سبحانه - ألوانا أخرى من نعمه فقال: ((وسخر لكم الذلك
لتجرى فى البحر بأمرة وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر
دائبین ، وسخر لكم الليل والنهار ).
وقوله ((سخر، من التسخير بمعنى التذليل والتطويع والقدرة على التصرف
فى الشىء والانتفاع به.
والفلك: ماعظم من السفن ، ويستعمل لفظه فى الواحد والجمع، والظاهر
أن المراد به هنا الجمع لقوله - سبحانه - ((لتجرى، بتاء التأنيث.
أى: ((وسخر لكم)) - سبحانه - السفن الضخمة العظيمة، بأن ألهمكم
صنعها، وأقدركم على استعمالها(( لتجرى فى البحر، إلى حيث تريدون ((بأمره))
وإذنه ومشيئته، لا بإذنكم ومشيئنكم، إذ لوشاء - سبحانه - لقلبها بكم.
((وسخر لكم الأنهار، بأن جعلها معدة لانتفاءكم، إذ منها تشربون،
ومنها تسقون دوابكم وزروعكم، وعليها تسيرون بسفنكم إلى حيث تزيدون.
((وسخر لكم الشمس والقمر دائبين، أو دائمين فى إصلاح ما يصلحان
من الأبدان والنبات وغيرهما. أو دائمين فى مدار هما المقدر لها بدون اضطراب
أو اختلال . ولا يفتران عن ذلك مادامت الدنيا .
وأصل الدأب: الدوام والعادة المستمرة على حالة واحدة. يقال: دأر.
فلان على كذا يدأب دأبا، إذا داوم عليه وجد فيه.
و((وسخر لكم الليل والنهار) بأن جعلهما متعاقبين، يأتى أحدهما فى
أعقاب الآخر ، فتنتفعون بكل منهما بما يصلح أحوالكم .
فاالليل تنتفعون به فى راحتكم ومنامكم ... والنهار قفتفون به فى معاشكم
أي طلب رزقكم قال - تعالى - ((وجعلنا الليل لباسا. وجعلنا النهار معاشا)).

-٧٦ ٠
ثم ختم - سبحانه - هذه النعم بقوله ((وآتاكم من كل ماسألتموه ... )
أى: وأعطاكم ـ فضلاعما تقدم من النعم - عضا من جميع ما سألتموه
إياه من نعم، على حسب ما تقتضيه إرادته و حكمته التى لا تعدو فها كما قال - تعالى -:
((ولو بسط اللّه الرزق لعباده لبغوا فى الأرض ولكن ينزل بقدر مايشاء،
إنه بعباده خبير بصير، (١).
قال الجمل ما ملخصه: قوله ((وآتاكم من كل ما سألسموه، أى: كل نوع
أو كل صنف بهالتموه أى: شافك أن تسألوه لاحتياجكم إليه، وإن لم تسألوه
بالفعل ...
وفى من، قولان: أحدهما أنها زائدة فى المفعول الثانى أى: آتاكم كل
ما سألتموه ...
والثانى أن تكون تبعيضيه أى: آتا كم بعض جميع ما سألتموه نظر الكم
ولمصالحكم، وعلى هذا فالمفعول محذوف تقديره: وآتاكم شيئا من كل
ماسألتمره، وهو رأى سييوبه ... )) (٢)
وجمله ((وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها، مؤكدة لمضمون ما قيلها.
أى: وإن تحاولوا عد نعم الله عليكم، وتحاولوا تحديد هذا العدد . ان
تستطيعوا ذلك لكثرة هذه النعم ، وخفاء بعضه عليكم .
والإحصاء : ضبط العدد وتحديده، مأخوذمن الحصا وهو صغار الحجارة،
لأن العرب كانوا يعدون الأعداد الكثيرة بالحصى تجنبا للخطأ .
قال ابن كثير: يخبر - سبحانه - عن عجز العباد عن تعداد نعمه فضلا
عن القيام بشكرها، كما قال طلق بن حبيب - رحمه الله - : إن حق الله أثقل.
(١) سورة الشورى الآية ٠١٧
(٢) حاشية الجمل على الجلالين جـ ٢ ص ٠٥٢٦

- ٧٧ -
من أن يقوم به العباد، وإن نعم الله أكثر من أن يحصيها العباد, ولكن
أصبحوا قوابين وأمسوا قوابين».
وفى صحيح البخارى أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يقول :
لك الحمد غير مكفى - أى لم يكفه غيره بل هو - سبحانه - يكفى غيره -
ولا مودع - أى متروك حمده -، ولامستغنى عنه ربنا - أى هو الذى يحتاج
إليه الحلق -، (١).
والمراد بالإنسان فى قوله (( إن الإنسان لظلوم كفار)، نوع معين منه
وهو الكافر كما فى قوله - تعالى - .ويقول الإنسان أهذا مامت لسوف أخرج
حیا ، .
أى إن الإنسان الكافر الشديد الظلم لنفسه بعبادته لغير الله - تعالى - ،
ولشديد الحجود والكفران لنعمه - عز وجل.
ويرى بعضهم أن المراد بالإنسان هنا الجنس .
قال الشوكانى قوله - سبحانه -: ((إن الإنسان أظلوم، أى لنفسه بإغفاله
لشكر نعم الله عليه، وظاهره شمول كل إنسان. وقال الزجاج: إن الإنسان
هنا اسم جنس يقصد به الكافر خاصة، كما فى قوله - تعالى -,والعصر إن
الإنسان لفي خسر)،« كفار)) أى: شديد كفران نعم الله عليه، جاحد هاغير
شاكرته عليها كما ينبغى ويجب علية،(٢).
وبذلك زى أن هذه الآيات الكريمة قد ابتدأت ببيان سوء عاقبة الذين
بدلوا نعمة الله كفرا، وثنت بأمر النبى صلى الله عليه - وسلم - بأن يحض
المؤمنين الصادقين على الاستزادة من أقامة الصلاة ومن الإنفاق فى سبيل الله ..
ثم ساقت عشر فعم تدل دلالة واضحة على وحدانية الله - تعالى - وعله
(١) تفسير ابن كثير <ـ ٤ ص ٤٣٠
(٢) تفسير فتح القدير للشوكانى = ٣ × ٠٠
٠

وقدرته. وهذه النعم هى خلق السموات والأرض،، إنزال المطر من السماء،
وإخراج الشمرات به، وتسخير الفلك فى البحار، وتسخير الأنهار ، وتسخير
الشمس والقمر دائبين ، وتسخير الليل والنهار .
ثم ختمت بيان أنه - سبحانه - قد أعطى الناس - فضلا عن كل ذلك -
جميع ما يحتاجون إليه فى مصالحهم على حسب حكمته ومشيئته، ولكن الناس
- إلا من عصم الله - لا يقابلون نعمه - سبحانه - بما تستحقه من شكر ، لشدة
ظلهم وكثرة جحودهم .
ثم ساق - سبحانه- بعد ذلك بعض الدعوات التى تضرع بها إبراهيم
- عليه السلام - إلى ربه، وهى دعوات تدل على شكره لخالقه، وحسن
صلته به ، ورجائه فى فضله .. فقال - تعالى -:
( وإذْ قَال إِبراهِيمُ ربّ اجْعَلْ هذا البلدَ آمِناً، واجتُبْنِى وَنِىّ أن
نعبدَ الأصنامَ (٣٥) ربّ إنّهُنَّ أضْلَنَ كثيراً من الناسِ فمن تبعنى فإنّه
مَنّ، ومَنْ عصاَنِى فإِنكَ غفورٌ رحيمٌ (٣٩) ربَّنا إنَّى أَسْكَنتُ من
ذُرِّبتِ بوادٍ غير ذى زَرْعِ عندَ بيتِكَ المحرمِ، ربّنا ليقيموا الصلاة،
فاجْعَلْ أفْئِدَةٌ من الناسِ تَهْوِى إليهم وارزُقُهُم من الثمراتٍ لعلّهم
يشكرون (٣٧) ربَّ إِنَّكَ تعلم ما تخفِى وما تُعلِنُ وما يخْقَى على اللهِ
من شىء فى الأرضِ ولا فى السماء (٣٨) الحمدُ للهِ الذى وحَبَ لى على
الكِبَرِ إسماعيلَ وإسحاقَ إِنَّ رَبّى لسميعُ الدعاء (٣٩) ربِّ اجْعَلْنِى
مقيمَ الصلاةِ ومِن ذُرِ ربَّنا وتقبَّلْ دعاء (٤٠) ربَّنَا اغْفِرْ لى ولوالِدَى
والمؤمنين يومَ يقومُ الحسابُ (٤١))).
هذه بعض الدعوات التى ابتهل بها إبراهيم - عليه السلام - إلى ربه، وقد
تقبلها أنه- تعالى - منه قبولا حنا

٧٩٠ ٠
وفى هذه الدعوات تنبيه لمشركى مكة الذين بدلوا نعمة الله كفرا، والذين
جحدوا نعم الله عليهم ، بأن من الواجب عليهم أن يثوبوا إلى رشدهم ، وأن
يستجيوالدعوة الحق، وأن يقتدوا بإبراهيم - عليه السلام - فى إيمانه
وشكره خالقه ، سبحانه ..
و((إذ، ظرف لمامضى من الزمان، وهو منصوب على المفعولية لفعل
محذوف .
و«رب) منادى بحرف ذاء محذوف أى: يارب.
والمراد بالبلد: مكة المكرمة شرفها الله - تعالى -.
والمعنى: واذكر - أيها العاقل - وقت أن قال إبراهيم مناد ياربه : يارب
اجعل هذا البلد ذا أمن وسلام واستقرار .
وقدم إبراهيم - عليه السلام - فى دعائه نعمة الأمن على غيرها، لأنها
أعظم أنواع النعم، ولأنها إذا فقدها الإنسان : اضطرب فكره ، وصعب
عليه أن يتفرغ لأمور الدين أو الدنيا بنفس مطمئنة ، وبقلب خال من
المنغصات والمزعجات ...
قال الإمام الرازى: سئل بعض العلماء الأمن أفضل أم الصحة ؟ فقط.
الأمن أفضل، والدليل عليه أن شاة لو انكسرت رجلها فإنها تصح بعدزمان،
ولا يمنعها هذا الكسر من الإقبال على الرعى والأكل والشرب.
ولو أنها ربطت - وهى سليمة - فى موضع، وربط بالقرب منها ذئب،
فإنها تمسك عن الأكل والشرب، وقد نستمر على ذلك إلى أن تموت .
وذلك يدل على أن الضرر الحاصل من الخوف، أشد من الضرر الحاصل
من أم الجـ، ، (١).
(١) تفسير الفخر الرازى - ١٩ ص ٢٥ !.

- ٨٠ =
وقال الإمام ابن كثير ماملخصه: يذكر الله - تعالى - فى هذا المقام -
- محتجا على مشركي مكة الذين كانوا يزعمون أنهم على ملة إبراهيم - بأن مكة
إنما وضعت أول ماوضعت على عمادة الله - تعالى - وحده، وأن إبراهيم قد
تبرأ من عبد غير الله. وأنه دها لمكة بالأمر وقد استجاب الله له فقال - تعالى -:
, أو لميروا أنما جعلنا حرما آمنا وبتخطف الناس من حولهم ... ، وقال ..
تعالى - ((إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مبار كا وهدى للعالمين. فيه
آيات بينات مقام إبراهيم ومن دخله كان أمنا .... (١)
وقال صاحب الكشاف: فإن قلت: أى فرق بين قوله - تعالى فى سورة
البقرة (رب اجعل هذا بلدا آمنا ٠٠.، (٢) وبين قوله هنا «رب اجعل هذا
البلد آمنا ٠٠٠؟
قلت : قد سأل فى الأول أن يجعله من جملة البلاد التى يأمن أهلها
ولا يخافون. وسأل فى الثانى أن يخرجه من صفة كان عليها من الخوف إلى
ضدها من الأمن ، كأنه قال: هو بلد مخوف فاجعله آمنا ... )،(٣)
وقوله - سبحانه - ((وأجنبنى وبنى أن نعبد الأصنام، حكاية لدعوة
أخرى من الدعوات التى تضرع بها إبراهيم - عليه السلام - إلى خالقه
- سبحانه - .
وقوله( واجنبنی » بمعنى و أبعدنى مأخوذ من قولك جنبت فلانا عن كذا،
إذا أبعدته عنه، وجعلته فى جانب آخر ، وفعله جنب من باب نصر .
والمراد يبنيه: أولاده من صلبه، أوهم ومن تناسل معهم.
والأصنام جمع صنم، وهو التمثال الذى كان مشركو العرب يصنعونه.
من الحجر ونحوه لكى يعبدوه من دون الله - تعالى.
،
(١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٠٤٣١
(٢) الآية ١٢٦.
(٣) تفسير الكشاف حـ ٢ ص ٠٢٧٩