Indexed OCR Text
Pages 141-160
- ١٤١ - ثم يمضى يعقوب - عليه السلام - فى رده على أولاده، فيأمرهم أن يواصلوا بحثهم عن يوسف وأخيه، وأن لا يقنطوا من رحمة الله فيقول: ((يابنى اذهبوا فتحسوا من يوسف وأخيه ولا بتأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ) . والتحسس: هو طلب الشىء بطريق الحواس بدقة وحكمة وصبر على البحث. أى: قال يعقوب لأبنائه: يابنى ، اذهبوا، إلى أرض مصر وإلى أى مكان تتوقعون فيه وجود يوسف وأخيه (« فتحسوا، أمرهما، وتخبروا خبرهما، وتعرفوا نبأهما بدون كلل أو ملل . وفى التعبير بقوله «فتحسسوا) إشارة إلى أمره لهم بالبحث الجاد الحكيم المتأنى (( ولا تيأسوا من روح الله)) أى: ولا تقنطوا من فرج الله وسعة رحمته وأصل معنى الروح التنفس : يقال : أراح الإنسان إذا تنفس ، ثم استعمير لحلول الفرج . وكلمة («روح)) - بفتح الراء - أدل على هذا المعنى، لما فيها من ظل الاسترواح من الكرب الخافق بما تتنسمه الأرواح من رحمة الله. وقوله: ((إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ، تعليل لحضهم على التحسس أى : لا تقصروا فى البحث عن يوسف وأخيه ، ولا تقنطوا من من رحمة الله ، فإنه ، لا يقنط من رحمة الله إلا القوم الكافرون ، لعدم علمهم باقه - تعالى - وبصفاته وبعظيم قدرته ، وبواسع رحمته ... ١ أما المؤمنون فإنهم لا ييأسون من فرج الله أبدا، حتى ولو أحاطت بهم الكروب ، واشتدت عليهم المصائب ... ، واستجاب الأبناء لنصيحة أبيهم، فأعدوا عدتهم الرحيل إلى مصر للمرة الثالثة ، ثم ساروا فى طريقهم حتى دخلوها، والتقوا بعزيز مصر الذى احتجز أعاهم بنيامين ، وتحكى السورة الكريمة مادار بينهم وبينه فتقول : فلمّا دخُلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يا أَيُّهَ العزيز مسَنا وأَهلَنَا الضُّر، وجئناً = ١٤٢ - ببضاعةٍ مُزْجاةٍ فَأُوْفٍ لنا الكيلَ وتصدّقْ علينا إنَّ اللهَ يحزِى المتصدقينَ (٨٨) قال هَلْ عِلِثُم ما فَعَلُ بيوسُفَ وأخيه إذاً تم جاهلونَ (٨٩) قالُوا أَثِكَ لْأنتَ يوسفُ قال أَنا يوسفُ وهذَا أَخِى قد مَنَّاللهُ علينا، إنَّه مَن يَتَّق ويصبرْ فإنَّ اللهَ لا يضيعُ أَجرَ المحسنين (٩٠) قالُوا تاقهٍ لقد آثَرَكَ اللهُ عليناَ وإنْ كنّا لخاطئِينَ (٩١) قالَ لا تثريبَ عليكُم اليومَ يغفرُ اللهُ لكُم وهو أرحم الراحمينَ (٩٢) اذهُبُوا بقميصِى هذَا فَأَلْقُوه على وَجْهُ أَبِى يَأْتٍ بصيراً، وأُتُونِى بأهلِكُم أجمينَ (٩٣) ولمَّا فصَلتِ العيرُ قال أبُوم إنّى لْأجدُ ريحَ يوسف أولاً أَنْ تفتّدون (٩٤) قالُوا تَاللهِ إنّك لِفِى ضلالِكَ القديمُ (٩٥) فلما أن جاء البشيرُ أَلقاءُ على وَجْهِهِ فارْتَدَّ بَصِيراً، قَالَ أَلمْ أَقُل لَكُمْ إِنِّى أَعلمُ منَ اللهِ مالا تعلمونَ (٩٦) قالُوا يَا أَباناً استغفر لنا ذنوبَنَا إِنَّا كُتّا خاطئينَ (٩٧) قالَ سوفَ أَسْتغفِرُ لكم ربِّى إنه هو الغفور الرحيمُ (٩٨). وقوله - تعالى - ,ولمأدخلوا عليه قالوا يأيها العزيز مسنا وأهلنا الضر وجئنا ببضاعة مرجاة فأوى لنا الكيل وتصدق علينا .... ، حكاية لما قاله إخوة يوسف له ، بعد أن امتثلوا أمر أبيهم، خرجوا إلى مصر للمرة الثالثة، ليتحسسوا من يوسف وأخيه، وليشتروامن غزيزها ماهم فى حاجة إليه من طعام. والبضاعة : هى القطعة من المال ، يقصد بها شراء شىء. والمزجاة: هى القليلة الرديئة التى ينصرف عنها التجار إهمالا لها . قالوا : وكانت بضاعتهم دراهم زيوفا لا يؤخذ إلا بوضيعة، وقيل غير ذلك. وأصل الإزجاء : السوق والدفع قليلا قليلا، ومنه قوله - تعالى - (ألم تر أن الله يزجى سحابا .... - ١٤٣ - أى : يرسله رويدا رويدا ... وسميت البضاعة الرديئة القليلة مزجاه ، لأنها ترد ى تدفع ولا يقبلها التجار إلا بأبخس الأثمان . والمعنى: وقال إخوة يوسف له بأدب واستعطاف : بعد أن دخلوا عليه للمرة الثالثة (يأيها العزيز، أى: الملك صاحب الجاه والسلطان والسعة فى الرزق. ((مسنا وأهلنا الضر)) أى: أصابنا وأصاب أهلنا معنا الفقر والجدب والهزل من شدة الجوع . ((وجئنا ببضاعة مزجاة)) أى: وجئنا معنا من بلادنا ببضاعة قليلة رديئة يردها وينصرف عنها كل من يراها من التجار ، إعمالا لها ، واحتقارا لشأنها . وإنما قالوا له ذلك : استدرار لعطفة، وتحريكا لمروءته وسخائه، قبل أن يخيروه بمطلبهم الذى حكاه القرآن فى قوله : ( فأوف لنا الكيل وتصدق علينا .... ) أى: هذا هو حالنا شرحناه لك، وهو يدعو إلى الشفقة والرحمة، ومادام أمرنا كذلك، فأتمم لنا كيلنا ولا تنقص منه شيئا ، وتصدق علينافوق حقنا بما أنت أهل له من كرم ورحمة (إن الله يجزى المتصدقين ) على غيرهم جزاء كريما حسنا . ويبدو أن يوسف - عليه السلام - قد تأثر بما أصابهم من ضر وضيق حال ، تأثرا جعله لا يستطيع أن يخفى حقيقته عنهم أكثر من ذلك، فبادرهم بقوله: ( قال هل علمتم مافعلتم بيوسف وأخيه إذ أنتم جاهلون). أى: قال لهم يوسف -عليه السلام - على سبيل التعريض بهم، والتذكير بأخطائهم ( هل علمتم ) ما فعلتموه بيوسف وأخيه من أذى وعدوان عليهما، وقت أن كنتم تجهلون سوء عاقبة هذا الأذى والعدوان . قالوا: وقوله هذا يدل على سمو أخلاقه. حتى لكأنه يلتمس لهم المذر، لأن مافعلوه معه ومع أخيه كان فى وقت جهلهم وقصور عقولهم، وعدم علمهم بقبح ما أقدموا عليه ... ٠٠ ١٤٤ - وقيل: نفى عنهم العلم وأتبت لهم الجهل، لأنهم لم يعملوا بمقتضى علمهم. والأول أولى وأقرب إلى ما يدل عليه سياق الآيات بعد ذلك: من عفوه هم ، وطلب المغفرة لهم . وهنا يعود إلى الإخوة صوابهم، وتلوح لهم سمات أخيهم يوسف ، قولون له فى دهشة وتعجب ( أتنك لأقت يوسف )؟. أى: أئنك لأنت أخونا يوسف الذي أكرمنا .... والذى فارقناهوهو غير فأصبح الآن عزيز مصر ، والمتصرف فى شئونها؟ .. فرد عليهم بقوله ( أنا يوسف ) الذى تتحدثون عنه، والذى فعلتم معه فعلتم .... ( وهذا أخى بنيامين ) الذى ألهمنى الله الفعل الذى عن طريقه احتجزته دى، ولم أرسله معكم ... ( قدمن الله) - تعالى - ( علينا ) حيث جمعنا بعد فراق طويل، وبدل : والنا عن عسر إلى يسر، ومن ضيق إلى فرج ... ثم علل ذلك بما حكاه القرآن عنه فى قوله ( إنه من يتق ويصبر فإن الله يضيع أجر المحسنين ). أى: إن من شأن الإنسان الذى يتقى الله - تعالى - ويصون نفسه عن ، ما لا يرضاه، ويصبر على قضائه وقدره، فإنه - تعالى - رحمه برحمته ، بكرمه بكر مه، لأنه - سبحانه - لا يضيع أجر من أحسن عملا، وذلك نته - سبحانه - التى لاتتخلف ... وهنا يتجسد فى أذهان إخوة يوسف مافعلوه معه فى الماضى ، فينتابهم نرى والخجل ، حيث قابل إساءتهم إليه بالإحسان عليهم ، فقالوا له فى متعطاف وتذلل: ( تا الله لقد آ ثرك الله علينا، وإن كنا لخاطئين) أى : سم بالله - تعالى - لقد اختارك الله - تعالى - لرسالته، وفضلك علينا تقوى وبالصبر وبكل الصفات الكريمة . أما نحن فقد كنا خاطئين فيما فعلناهمعك، ومتعمدين لما ارتكبناه فى حقك -- ١٤٥ - من جرائم، ولذلك أعزك الله - تعالى - وأذلنا، وأغناك وأفقرنا، ونرجو منك الصفح والعفو .. فرد عليهم يوسف - عليه السلام - بقوله: (( لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين ، . والتقريب : التعبير والتوبيخ والتأنيب. وأصله كما يقول الآلوسي: من الثوب، وهو الشحم الرقيق فى الجوف وعلى الكرش ... فاستعير التأنيب الذى يمرق الأعراض ويذهب بهاء الوجه، لأنه بإزالة الشحم يبدو الهزال ، كما أنه بالتأنيب واللوم تظهر العيوب. فالجامع بينهما طريان النقص بعد الكمال، أى : قال يوسف لإخوته على سبيل الصفح والعفو يا إخوتى: لا لوم ولا تأنيب ولا تعمير عليكم اليوم، فقد عفوت عما صدر منكم فى حقى وفى حق أخى من أخطاء وآثام وأرجو الله - تعالى - أن يغفر لكم ما فرط منكم من ذنوب وهو - سبحانه - أرحم الراحمين بعباده . وقوله ( لا تثريب ) اسم لا النافية للجنس ، و( عليكم) متعلق بمحذوف خبر لا، و( اليوم ) متعلق بذلك الخبر المحذوف . أى : لا تقريع ولا تأنيب ثابت أو مستقر عليكم اليوم. وليس التقييد باليوم لإفادة أن التقريع ثابت فى غيره، بل المراد نفيه عنهم فى كل ما مضى من الزمان ، لأن الإنسان إذا لم يوبخ صاحبه فى أول لقاء معه على أخطائه فلأن يترك ذلك بعد أول لقاء أولى . ثم انتقل يوسف - عليه السلام - من الحديث عن الصفح عنهم إلى الحديث عن أبيه الذى ابيضت عيناه عليه من الحزن فقال: ( اذهبوا بقميصى هذا فألقوه على وجه أبى يأت بصيرا وأتوفى باهلكم أجمعين ) . أى: اذهبوا - يا إخوتى - بقميصى هذا (فألقوه على وجه أبى) (١٠ ٠- سورة يوسف) - ١٤٦ - الذى طال حزنه بسبب فراقى له ( يات بصيرا) أى يرتد إليه كامل بصره، بعد أن ضعف من شدة الحزن . (وأتوفى) معه إلى هنا ومعكم أهلكم جميعا من رجال ونساء وأطفال. وقول يوسف هذا إنما هو بوحى من الله - تعالى - فهو - سبحانه- الذى ألهمه أن إلقاء قميصه على وجه أبيه يؤدى إلى ارتداد بصره إليه كاملا ، وهذا من باب خرق العادة بالنسبة لهذين النبيين الكريمين. واستجاب الإخوة لتوجيه يوسف ، فأخذوا قميصه وعادوا إلى أوطانهم ويصور القرآن ماحدث فيقول: ( ولما فصلت الغير قال أبوهم إفى لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون). و (فصلت الغير) أى خرجت من مكان إلى مكان آخر. يقال: فصل فلان من بلدة كذا فصولا ، إذا جاوز حدودها إلى حدود بلدة أخرى . و (تفندون) من الفند وهو ضعف العقل بسبب المرض والتقدم فى السن والمعنى: وحين غادرت الإبل التى تحمل إخوة يوسف حدود مصر، وأخذت طريقها إلى الأرض التى يسكنها يعقوب وبنوه، قال يعقوب - عليه السلام - لمن كان جالسا معه من أهله وأقاربه، استمعوا إلى (إنى لأجد ربح يوسف ) . أى : رائحته التى تدل عليه، وتشير إلى قرب لقائى به. و (لولا) أن تنسبوفى إلى الفند وضعف العقل لصدقتمونى فيما قلت، أو لولا أن تنسبوفى إلى ذلك لقلت لكم إنى أشعر أن لقائى بيوسف قد اقترب وقته وحان زمانه : نجواب لولا محذوف لدلالة الكلام عليه . وقد أشم الله - تعالى - يعقوب - عليه السلام، ما عبق من القميص من رائحة يوسف من مسيرة أيام، وهى معجزة ظاهرة له - عليه الصلاة والسلام- وقال الإمام مالك - رحمه الله - أوصل الله - تعالى - ريح قميص يوسف ليعقوب، كما أوصل عرش بلقير إلى سليمان قبل أن يرتد إلى سليمان طرفه. ولكن المحيطين بيعقوب الذين قال لهم هذا القول، لم يشموا ما شمه، ولم يجدوا ما وجده، فردوا عليه بقولهم: ( قالوا تانته إنك لفي ضلالك القديم). - قالوا له على سبيل التسلية: إنك يا يعقوب ما زات غارقا فى خطئك القديم الذى لا تريد أن يفارقك، وهو حبك ليوسف وأملك فى لقائه والإكثار من ذكره، وتحقيق ١٠ وجده يعقوب من رائحة يوسف، وحل أوان المفاجأة التى حكاها القرآن فى قوله ( ولما أن جاء البشير ألقاه على وجهه فارتد بصير!، قال ألم أقل لكم إنى أعلم من الله مالا تعلمون). أى: وحين اقترب أبناء يعقوب من دار أبيهم ، تقدم البشير الذى يحمل قيص يوسف إلى يعقوب ، فألقى القميص على وجهه فعاد إلى يعقوب بصره كأن لم يكن به ضعف أو مرض من قبل ذلك . وهذه معجزة اكرم الله - تعالى - بها نبيه يعقوب - عليه السلام - حيثرد إليه بصره بسبب إلقاء قميص يوسف على وجهه. وهنا قال يعقوب لأبنائه ولمن أنكر عليه قوله (إني لأجد ريح يوسف) ( ألم أقل) قبل ذلك ( أنى أعلم من الله) أى: مرن رحمته وفضله وإحسانه ( مالا تعدون) أنتم . وهنا قال الأبناء لأبيهم فى تذلل واستعطاف: ( يا أبانا استغفر لنا ذنوبنا ) . أى: تضرع إلى الله - تعالى - أن يغفر لنا ما فرط منا من ذنوب فى حقك وفى حتى أخوينا يوسف وبنيامين . (إنا كنا خاطئين) فى حقك وفى حى أخوينا، ومن شأن الكريم أن يصفح ويعفو عمن اعترف له بالخطأ. ذ كان رد أبيهم عليهم أن قال لهم ( سوف أستغفر لكم ربى) أى: سوف أتضرع إلى ربى لكى يغفر لكم ذنوبكم. (إنه ) - سبحانه - ( هو الغفور) أى الكثير المغفرة (الرحيم) أى الكثير -الرحمة لمن شاء أن يغفر له وير حمه من عباده. - ١٤٨ - وهكذا صورت لنا السورة الكريمة ما دار بين يوسف وأخوته ، وبين يعقوب وبنيه فى هذا اللقاء المثير الحافل بالمفاجآت والبشارات . ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد ، فقد كانت هناك مفاجآت وإشارات أخری تحققت معها رؤيا يوسف وهو صغير ، كما تحقق معها تأويل يعقوب لها فقد هاجر يعقوب ببنيه وأهله إلى مصر للقاء ابنه يوسف، وهناك اجتمع شملهم واستمع إلى القرآن الكريم وهو يحكى ذلك فى نهاية الفضة فيقول : فلمَّا دخُلُوا على يوسفَ آوَى إِليهِ أَبَوَيْهِ وقال ادخلوا مصر إن شاء اللهُ آمنينَ (٩٩) ورفَع أبويه على العَرْشِ وخرُّوا له سجَّداً، وقالَ يا أَبتِ هذَا تأويلُ رُؤْ ياىَ من قبلُ قد جعلها ربِّى حقا، وقد أحسنّ بى إذ أخرجَنِى من السِّجن وجاء بهُ من البَدْو مِنْ بَعد أن نُزْغَ الشيطانُ ◌َيْنِ وبينَ إخوي، إذْربى لطيفٌ لما يشاء، إنّه هو العليمُ الحكيم (١٠٠) رب قد آتبتِّ مِن الَلكِ وعلمتَى من تاويل الأحاديثِ، فاطِرّ السمواتٍ والأرضِ أنت وليتى فى الدنيا والآخرةِ توفّى مُسِماً وألْحِقْنى بالصَّالحِينَ (١٠١). وقوله - سبحانه - ( فلما دخلوا على يوسف آوى إليه أبو به .... ) معطوف على كلام محذوف والتقدير : استجاب إخوة يوسف لقوله لهم: ( اذهبوا بقميصى هذا وألقوه على وجه أبى يأت بصيرا، وأتوفى بأهلكم أجمعين) فأتوه بأهلهم أجمعين، حيث رحلوا جميعا من بلادهم إلى مصر ومعهم أبوهم، فلما وصلوا إليها ودخلوا على يوسف ، ضم إليه أبو به وعانقهما عناقا حارا. وقال للجميع (ادخلوا) بلاد (مصر إن شاء الله آمنين } من الجموع والخوف . وقد ذكر المفسرون هنا كلاما يدل على أن يوسف - عليه "سلام- وحاشيته - ١٤٩ = ووجهاء مصر ، عندما بلغهم قدوم يعقوب بأسرته إلى مصر ، خرجوا جميعا لاستقبالهم كماذكروا أن المراد بأبويه: أبوه وخالته، لأن أمه ماقت وهو صغير . إلا أن ابن كثير قال: قال محمد بن إسحاق وابن جرير: كان أبوه وأمه يعيشان، وأنه لم يقم دليل على موت أمه، وظاهر القرآن يدل على حياتها ) ثم قال: وهذا الذى . كره ابن جرير، هو الذى يدل عليه السياق(١). والمراد بدخول مصر: الاستقرار بها ، والسكن فى ربوعها . قالوا : وكان عدد أفراد أسرة يعقوب الذين حضروا معه ليقيموا فى مصر ما بين الثمانين والتسعين . والمراد بالعرش فى قوله (ورفع أبويه على العرش) السرير الذى يجلس عليه أى: وأجلس يوسف أبويه معه على السرير الذى يجلس عليه، تكريما لهما. وإعلاء من شأنهما. (وخروا له سجدا) أى: وخر يعقوب وأسرته ساجدين من أجل يوسف ، وكان ذلك جائزا فى شريعتهم على أنه لون من التحية، وليس المقصود به السجود الشرعى لأنه لا يكون إلا لله - تعالى -. ( وقال) يوسف متحدثا بنعمة الله ( يا أبت هذا تأويل رؤياى من قبل قد جعلها ربى حقا ... ) أى: وقال يوسف لأبيه: هذا السجود الذى سجد تموه لى الآن. هو تفسير رؤباى التى رأيتها فى صغرى. فقد جعل ربى هذه الرؤيا حقا)، وأرانى تأويلها وتفسيرها بعد أن مضى عليها هذا الزمن الطويل . قالوا : وكان بين الرؤيا وبين ظهور تأويلها أربعون سنة . والمراد بهذه الرؤيا ما أشار إليه القرآن فى مطلع هذه السورة فى قوله (با أبت إنى رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لى ساجدين) (١) تفسير ابن كثير جـ ٢ ص ٠٤٩١ - ١٥٠ - ثم قال يوسف لأ بیه أيضا: (وقد أحسن بی) ربی - عز وجل - (أذ. أخرجني من السجن) بعد أن مكثت بين جدرانه بضع سنين. وعدى فعل الإحسان بالباء مع أن الأصل فيه أن يتعدى بالى. لتضمنه. معنى اللطف ولم يذكر نعمة إخراجه من الجب ، حتى لا يجرح شعور إخوته الذين سبق أن قال لهم: ((لا تثرتب عليكم اليوم يغفر الله لكم)). وقوله (( وجاء بكم من البدو) معطوف على ما قبله تعدادا لنعم الله - تعالى - أى: وقد أحسن فى دبى حيث أخر جنى من السجن ، وأحسن بى أيضا حيث يسر لكم أموركم. وجمعنى بكم فى مصر ، بعد أن كنتم مقيمين فى البادية فى أرض كنعان بفلسطين . وقوله « من بعد أن نزغ الشيطان بینی وبینإخوتى» أی جمعنی بکم من بعد أن أفسد الشيطان بينى وبين إخوتى، حيث حملهم على أن يلقوا بى فى الجب». وأصل (( نزغ) من التزغ بمعنى النخس والدفع. يقال نزغ الراكب دابته إذا فخسها ودفعها لقسرع فى سيرها . وأسند النزغ إلى الشيطان، لأنه هو الموسوس به، والدافع إليه، ولأن فى ذلك سترا على إخو نه وتأدبا معهم . وقوله (( إن ربى لطيف لما يشاء إنه هو العليم الحكيم)) تذييل قصد به الثناء على الله - تعالى - بما هو أهله. أى: إن ربى وخالقى، لطيف التدبير لما يشاء تدبيره من أمور عباده، رفيق بهم فى جميع شئونهم من حيث لا يعلمون . U إنه - سبحانه - هو العليم بأحوال خلقه علما تاما، الحكيم فى جميع أقواله وأفعاله ثم ختم يوسف - عليه السلام - ثناءه على الله - تعالى - بهذا الدعاء الذى حكاه القرآن عنه فى قوله: ((رب قد آتيتنى من الملك)) أى: يارب قد عطيتنى شيئا عظيما من الملك والسلطان بفضلك وكرمك . ( وعلمتنى) - أيضا - شيئا كثيرا ( من تأويل الأحاديث) أى: من تفسيرها وتعبيرها تعبيرا صادقا بتوفيقك وإحسانك. - ( ١٥ ~ (فاطر السموات والأرض ) أى: خالقهما على غير مثال سابق وهو منصوب على النداء بحرف مقدر أى : يافاطر السموات والأرض . ( أنت ولى) وناصرى ومعينى ( فى الدنيا والآخرة). (توفنى) عندما يدر كنى أجلى على الإسلام، وأبقنى (مسلما) مدة حياتى. ( وألحقنى ) فى قبرى ويوم الحساب ( بالصالحين ) من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا . وبهذا الدعاء الجامع الذى توجه به يوسف إلى به - تعالى - يختم القرآن الكريم قصة يوسف مع أبيه ومع إخوته ومع غيرهم ممن عاشرهم والتقى بهم وهو دعاء يدل على أن يوسف - عليه السلام - لم يشغله الجاه والسلطان ولم يشغله لقاؤه عن طاعة ربه، وعن تذكر الآخرة وما فيها من حساب .. وهذا هو شأن المصطفين الأخيار الذين نسأل الله - تعالى - أن يحشرنا معهم، ويلحقنا بهم، ويوفقنا للسير على نهجهم ... ٠ ٠ ثم بختم الله - تعالى - هذه السورة الكريمة بما يدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى - وبما يدخل التسلية على قلب الرسول - صلى الله عليه وسلم -، وبما يفتح له باب الأمل فى النصر على أعدائه .... فيقول: ذلك من أنباء الغيب نُوحيه إليكَ، وما كنتَ لديهم إذْ أجْعُوا أمرَهُمُ وهُمْ يمكرُونَ (١٠٢) وما أكثرُ الناسِ ولو حَرَصَتَّ بمؤمنينَ (١٠٣) وما تسألهُم عليه من أجرٍ إذْ هُو إلا ذِكْرٌ للعالمينَ (١٠٤) وكأيُّنْ من آيةِ يمِرُّونَ عليها وهُمْ عنها ◌ُعرِضُون (١٠٥) وما يؤمنُ أكثرُمْ بِاللهِ إلا وم مشركونَ (١٠٦) أفْأَمِنُوا أن تأتيهُمْ غاشية من عذابِ الله، أو تأتيَهم الساعةُ بغتةً وهُمْ لا يَشْرُون (١٠٧) قُل هذه - ١٥٢ - سَبيلِى أَدْعُو إِلى اللهِ على بصيرةٍ أَنا ومَن اتبعنى وسبحانَ اللهِ وما أَنَا من المشركين (١٠٨) وما أَرْسَلْنا من قبلكَ إلا رجالاً نوحِى إليهمْ من أَهْلِ القُرَى، أَفَم يسيرُ وا فى الأرضِ فينظُرُوا كيفَ كانَ عاقبةُ الذِينَ مِن قبلهم، ولدارُ الآخِرةِ خيرٌ للذينَ اتقَوْا أفلا تعقلونَ (١٠٩) حتى إذا استيأْسَ الرسُلَ وظنُّوا أنهم قد كُذِيوا جاءهم نصرُنَا فَنَجِّى من نشاء، ولا يُردُّ بِأْسُنا عن القومِ المجرمينَ (١١٠) لقد كانَ فى قَصَصِهِمْ عبرةٌ الأُولِ الألبابِ ما كانَ حديثاً يُفتَرى ولكنْ تصديقَ الذى بينَ يدَيْهُ وتفصيلَ كلِّ شىءٍ، وهدّى ورحمةً لقومٍ يؤمنونَ (١١١). واسم الإشارة فى قوله - سبحانه - (ذلك من أنباء الغيب نوحيها إليك .... ). يعود على ماذ کره الله - تعالى - فى هذه السورة من قصص يتعلق بیوسف وإخوته وأبيه وغيرهم، أى: ذلك الذى قصصناه عليك - أيها الرسول الكريم- فى هذه السورة ، وما قصصناه عليك فى غيرها ( من أنباء الغيب ) أى: من الأخبار الغيبية التى لا يعلمها علما قاما شاملا إلا الله - تعالى - وحده. ونحن ( فو حيه إليك ) وتعلمك به لما فيه من العبر والعظات . وقوله: ( وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون) مسوق للتدليل على أن هذا القصص من أنباء الغيب الموحاة إلى النبى -صلى الله عليه وسلم - أى: ومما يشهد بأن هذا الذى قصصناه عليك فى هذه السورة من أنباء الغيب، أنك - أيها الرسول الكريم - ماكنت حاضراً مع إخوة يوسف، وقت أن أجسوا أمرهم للمكر به، ثم استقر رأيهم على القائه فى الجب، وما كنت حاضرا أيضا وقت أن مكرت امرأة العزيز بيوسف ، وماكنت مشاهدا لتلك الأحداث المتنوعة التى اشتملت عليها هذه السورة الكريمة، ولكنا أخبر ناك بكل ذلك لتقرأه على الناس، ولينتفعوا بما فيه من حكم وأحكام، وعبر وعظات. - ١٧٠ - وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - فى خلال قصة نوح - عليه السلام -. تلك من أنباء الغيب فوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين )(١). وقوله - تعالى - فى خلال قصة موسى - عليه السلام - ( وما كنت بجانب الغربى إذ قضينا إلى موسى الأمر وما كنت من الشاهدين)(٢). وقوله - تعالى - فى خلال حديثه عن مريم (ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك، وما كنت لديهم إذ ياقون أقلامهم أيهم يكفل مريم. وما كنت لديهم إذ يختصمون)(٣). إلى غير ذلك من الآيات التى تدل على أن هذا القرآن من عند الله - تعالى لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن معاصر المن جاء القرآن بقصصهم، ولم يطلع على كتاب فيه خبرهم ، فلم يبق لعلمه - صلى اله عليه وسلم - بذلك طريق إلا طريق الوحى . ثم ساق - سبحانه - ما يبعث التسلية والتعزية فى قلب النبى - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين). أى : لقد جئت - أيها الرسول - للناس بدين الفطرة، الذى ترتاح له النفوس وتتقبله القلوب بسرور وانشراح، ولكن أكثر الناس قد استحوذ عليهم الشيطان ، فمسخ نفوسهم وقلوبهم ، فصاروا مع حرصك على إيمانهم، ومع حرصك على دعوتهم إلى الحق على بصيرة، لا يؤمنون بك ، ولا يستجيبون لدعوتك، لاستيلاء المطامع والشهوات والأحقاد على نفوسهم. وفى التعبير بقوله - سبحانه - ( وما أكثر الناس ... ) إشعار بأن هناك قلة من الناس قد استجابت بدون تردد لدعوة النبى - صلى الله عليه وسلم -، فدخلت فى الدين الحق ، عن طواعية واختيار . (١) سورة هود الآية ٤٩ (٣) سورة آل عمران الآية ٤٤ (٢) سورة القصص الآية ٤٦ - ١٥٤ - وقوله (ولو حرصت) جملة معترضة لبيان أنه مهما بالخ النبى - صلى الله عليه وسلم - فى كشف الحق، فإنهم سادرون فى ضلالهم وكفرهم، إذ الحرص طلب الشىء باجتهاد قال الآلوسى ما ملخصه : سألت قريش واليهود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن قصة يوسف، فنزلت مشروحة شرحا وافيا، فأمل النبى - صلى الله عليه وسلم ، أن يكون ذلك سبباً فى إسلامهم، فلما لم يفعلوا حزن - صلى الله عليه وسلم - فعزاه الله تعالى بذلك)(١). وقوله ( وما تسألهم عليه من أجر إن هو إلا ذكر للعالمين) زيادة فى تسلية الرسول - صلى الله عليه وسلم - وفى اعلاء شأنه. أى أنك - أيها الرسول الكريم - ما تسألهم على هذا القرآن الذى قتلوه. عليهم لهدايتهم وسعادتهم من أجر ولو كان زهيداضئيلا، كما يفعل غيرك. من المكهان والأحبار والرهبان ... وانما تفعل ما تفعل ابتغاء رضا الله - تعالى - ونشر دينه. وقوله ﴿ إن هو إلا ذكر للعالمين} أى: ما هذا القرآن الذى تقرؤه عليهم إلا تذكير وعظة وهداية للعالمين كافة ، لا يختص به قوم دون قوم ، ولا جنس دون جنس . قالوا: وهذه الجملة كالتعليل لما قبلها، لأن التذكير العام لكل الناس، يتنافى مع أخذ الأجرة من البعض دون البعض، وإنما تتأتى الأجرة إذا كانت الدعوة خاصة وليست عامة. ثم بين - سبحانه ... أن هؤلاء المشركين تطالعهم الدلائل والبراهين الدالة على وحدانية الله - تعالى - وقدرته، ولكنهم فى عمى عنها فقال: ( وكأين من آية يمرون عليها وهم عنها معرضون) و(كأين ) كلمة مركبة من كاف التشبيه وأى الإستفهامية المنوفة، ثم تنوسى معنى جزئيتها وصارت كلمة واحدة بمعنى كم الخبرية المفيدة للتكثير . والمراد بالآية هنا : العبرة والعظة الدالة على وحدانية الله وقدر ته، يمر بها (١) تفسير الآلومى جـ ١٣ ص ٦٥ -- هؤلاء المشركون فلا يلتفتون اليها، ولا يتفكرون فيها، ولا يعتبرون بها، لأن بصائرهم قد انطمست بسبب إستحواذ الأهواء والشهوات والعناد عليها . قال ابن كثير: ما ملخصه يخبر - تعالى - فى هذه الآية عن غفلة أكثر الناس عن التفكر فى آيات الله ودلائل توحيده، بما خلقه - سبحانه - فى السموات من كوا كب زاهرات، وسيارات وأفلاك ... وفى الأرض من حدائق وجنات ، وجبال راسيات ، وتحار زاخرات، وحيوانات ونبات ... فسبحان الواحد الأحد، خالق أنواع المخلوقات ، المنفرد بالدوام والبقاء والصمدية ... ) (١) ثم بين - سبحانه - أنهم بجانب غفلتهم وجهالتهم، لا يؤمنون إيمانا صحيحا فقال - تعالى - ﴿ وما يؤمن أكثرهم بالمه إلا وهم مشركون). أى: وما يؤمن أكثر هؤلاء الضالين بالله فى إقرارهم بوجوده، وفى اعترافهم بأنه هو الخالق ، إلا وهم مشركون به فى عقيدتهم وفى عبادتهم وفى تصرفاتهم ، فإنهم مع إعترافهم بأن خالقهم وخالق السموات والأرض هو الله لكنهم مع ذلك كانوا يتفربون إلى أصنافهم بالعبادة ويقولون ( ما تعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى ) والآية تشمل كل شرك سواء أ كان ظاهراً أم خفياً، كبيرا أم صغيراً وقد ساق ابن كثيرهنا جملة من الأحاديث فى هذا المعنى، كلها تنهى عن الشرك أيا كان لونه منها قوله - صلى الله عليه وسلم - عندما سئل أى الذقب أعظم ؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلفك) ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - (إن الرقى والتمائم والتولة شرك ) . ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - ﴿إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر ، قالوا: وما الشرك الأصغر ؟ قال : الرياء ) (١) تفسير ابن كثير جـ ٤ ص ٢٤١ طبعة دار الشعب. - ١٥٦ - ومنها قوله - صلى الله عليه وسلم - فيما يرويه عن ربه - عز وجل -: يقول الله - تعالى - أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معى غیری ، تر كته وشر كه ﴾ (١) غالآية الكريمة تنهى عن كل شرك، وتدعو إلى إخلاص العبادة والطاعة لله رب العالمين . ثم هددهم - سبحانه - بحلول قارعة بهم تدمرهم تدميرا فقال - تعالى -: ﴿ أفأمنوا أن تأتيهم غاشية من عذاب الله أو تأتيهم الساعة بغته وهم لا يشعرون ﴾. والعاشية: كل ما يغطى الشىء ويستره، والمراد بها: ما يغشاهم ويغمرهم من العذاب . والاستفهام للتوبيخ والتقريع . والمعنى: أفا من هؤلاء الضالون، أن يأتيهم عذاب من الله - تعالى - يغشاه ويغمرهم ويشمل كل أجزائهم. وأمنوا أن تأتيهم الساعة فجأة دون أن يسبقها ما يدل عليها، بحيث لا يشعرون بإتيانها إلا عند قيامها. إن كانوا قد أمنواكل ذلك، فهم فى غمرة ساهون. وفى الكفروالطغيان غارقون، فإنه ( لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون). ثم أمر الله - تعالى - نبيه - صلى الله عليه وسلم - أن يسير فى طريقه الذى رسمه له، وأن يدعو الناس اليه فقال: ( قل هذه سبيلى، أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعنى٠٠٠) والبصيرة: المعرفة التى يتميز بها الحق من الباطل . أى: قل - أيها الرسول الكريم - للناس هذه طريقى وسبيلى واحدة مستقيمة لا توج فيها ولا شبهة ، وهى أنى أدعو إلى إخلاص العسادة لله (١) راجع تفسير ابن كثير، ص ٣٤١ طبعة دار الشعب. - ١٥٧ - - تعالى - وحده، ببصرة مستنيرة، وحجة واضحة، وكذلك أتباعى يفعلون ذلك .... ولن نكفر عن دعوتنا هذه مهما إعترضتنا العقبات. واسم الإشارة (هذه) مبتدأ. و(سبيلى) خبر، وجملة ( أدعوا إلى الله على بصيرة ... ) حالية، وقد جىء بها على سبيل التفسير للطريقة التى انتهجها الرسول - صلی الله عليه وسلم - فی دعو ته . وقوله ( وسبحان الله وما أنا من المشركين) تنزيه مقه - تعالى - عن كل مالا يليق به على أبلغ وجه . أى: وأنزه الله .. تعالى - تنزيها كاملا عن الشرك والشر كاء، وما أنامن المشركين به فى عبادته أو طاعته فى أى وقت من الأوقات . ثم بين - سبحانه - أن رسالته .. صلى الله عليه وسلم - ليست بدءاً من بين الرسالات السماوية، وإنما قد سبقه إلى ذلك رجال يشبهونه فى الدعوة إلى اللّه، فقال . تعالى .. ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحى إليهم من أهل القرى .... ) أى : وما أرسلنا من قبلك - أيها الرسول الكريم - لتبليغ أو امرنا ونواهينا إلى الناس، إلا رجالا مثلك، وهؤلاء الرجال اختصصناعم بوحينا ليبلغوه الى من أرسلوا اليهم ، واصطفيناهم من بين أهل القرى والمدائن ، لكونهم أصفى عقولا ، وأكثر حلا . وأنما جعلنا الرسل من الرجال ولم نجعلهم من الملائكة أو من الجن أو من غيرهم ، لأن الجنس الى جنه أميل، وأكثر تفهما وإدراكما لما يلقى عليه من أبناء جنسه . ثم نعى - سبحانه - على هؤلاء المشركين غفلتهم وجهالتهم فقال: (فلم يسيروا فى الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم ٠٠٠) أى: أو صلت الجهالة والغفلة بهؤلاء المشركين . أنهم لم يتعظوا بما أصاب الجاحدين من قبلهم من عذاب دمرهم تدميراً. وهؤلاء الجاحدين الذين - ١٥٨ - دمروا مازالت آثار بعضهم باقيه وظاهرة فى الأرض. وقومك ـ يا محمد .. يمرون عليهم فى الصباح وفى المساء وهم فى طريقهم إلى بلاد الشام. كقوم صالح وقوم لوط - عليهما السلام - فا الجملة توبيخ شديد لأهل مكة على عدم اعتبارهم بسوء مصير من كان على شاكلتهم فى الشرك والجحود . وقوله (ولدار الآخرة) وما فيها من نعيم دائم ( خير الذين اتقوا) الله - تعالى - وصانوا أنفسهم عن كل ما لا يرضيه. ( أفلا تعقلون) أيها المشركون ما خاطبناكم به فيحملكم هذا التعقل والتدبر إلى الدخول فى الايمان . وفبذ الكفر والطغيان : ثم حكى - سبحانه - سنة من سلته التى لا تتخلف ولا تتبدل فقال: (حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا ... ) وفى قوله قد ( كذبوا) وردت قراءتان سبعبتان إحداهما بتشديد الذال والثانية بالتخفيف . وعلى القراءةين فالغاية فى قوله - تعالى - (حتى إذا استيأس الرسل.) غاية لكلام محذوف دل عليه السياق ، والمعنى على القراءة التى بالتشديد : لقد أرسلنا رسلنا لهداية الناس، فأعرض الكثيرون منهم عن دعوتهم، ووقفوا منهم موقف المنكر والمعاند والمحارب لهدايتهم، وضاق الرسل ذرعا بموقف هؤلاء الجاحدين، حتى إذا استيأس الرسل الكريم من إيمان هؤلاء الجاحدين ، وظنوا ــ أى الرسل - أن أقوامهم الجاحدين قد كذبوهم فى كل ما جاءوهم به لكثرة إعراضهم عنهم، وإيذائهم لهم .... أى: حتى اذا ما وصل الرسل الى هذا الحد من ضيقهم بأقوامهم الجاحدين جاءهم نصر الذى لا يتخلف : والمعنى على القراءة الثانية التى هى بالتخفيف : حتى إذا يتس الرسل من إيمان أقوامهم بأسا شديدا، وظن هؤلاء الأقوام أن الرسل قد كذبواعليهم فيا جاءء هم به ، وفيما هددوهم به من عذاب إذا ما استمروا على كفرهم .. - ١٥٩ ٠ حتى اذا ما وصل الأمر بالرسل وبالأقوام إلى هذا الحد، جاء نصرفا الذى لا يتخلف إلى هؤلاء الرسل، فضلا منا وكرما ... فالضمير فى قوله ( كذبوا) بالتشديد يعود على الرسل ، أما على قراءة التخفيف ( كذبوا) فيعودإلى الأقوام الجاحدين . ومنهم من جعل الضمير - أيضا - على قراءة (كذبوا ) بالتخفيف يعود على الرسل ، فيكون المعنى: حتى اذا استيأس الرسل من أيمان قومهم، وظنوا أى الرسل - أن نفوسهم قد كذبت عليهم فى تحديد موعد انتصارهم على أعدائهم لأن البلاء قد طال ، ونصر قد تأخر ... جاءهم - أى الرسل - نصرنا الذى لا يتخلف قال الشيخ القاسمى فى بيان هذا المعنى: قال الحكيم الترمذى: ووجهه - أى هذا القول السابق - أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله النصر: أن يتخلف النصر، لاعن تهمة بوعد الله، بل عن تهمة لنفوسهم أن تكون قد أحدثت حدثا ينقض ذلك الشرط ، فكان النصر إذا طال اشتد البلاء عليهم، دخلهم الظن من هذه الجهة)،(١) وهذا يدل على شدة محاسبة الرسل - عليهم الصلاة والسلام - لنفوسهم، وحسن صلتهم بخالقهم - عز وجل -. وقولة. سبحانه - ((فنجى من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين)) معطوف على ما قبله ، ومتفرع عليه . أى: جاءهم نصرنا الذى وعد ناتم به، بأن أنزلنا العذاب على أعدائهم، فنجى من نشاء إنجاءه وهم المؤمنون بالرسل، ولا يرد بأسنا وعذابنا عن القوم المجرمين عند نزوله بهم . ثم ختم - سبحانه - هذه السورة الكريمة بقوله, لقد كان فى قصصهم عبرة لأولى الألباب، أى : لقد كان فى قصص أولئك الأنبياء الكرام وماجرى هم من أقوامهم ، عبرة وعظة لأصحاب العقول السليمة ، والأفكار القويمة، بسبب ما اشتمل عليه هذا القصص من حكم وأحكام، وآداب وهدايات، (١) تفسير القاسى جـ ٩ ص ٣٦١٥ -٠٠١٦٠ (((وما كان، هذا المقصوص فى كتاب الله - تعالى -ـ((حديثا يفترى، أى يختلق . ((ولكن)، كان ((تصديق الذى بين يديه)) من الكتب السابقة عليه، کالتوراة والإنجيل والزبور، فهو المهیمز علی ھذہ الكتب، والمؤيد لما فيها من أخبار صحيحة ، والمبين لما وقع فيها من تحريف وتغيير"، والحاكم عليها بالنسخ أو بالتقرير . ((وتفصيل كل شىء)) أى: وكان فى هذا الكتاب - أيضا - تفصيل وتوضيح كل شىء من الشرائع المجملة التى تحتاج إلى ذلك . (( وهدى ورحمة لقوم يؤمنون)) أى: وكان هداية تامة، ورحمة شاملة، لقوه يؤمنون به، ويعملون بما فيه من أمر ونهى، وينتفعون بما أشتمل عليه من وجوه العبر والعظات . وبعد : فهذا تفسير لسورة يوسف - عليه السلام -، تلك السورة الزاخرة بالحكم والأحكام، وبالآداب والأخلاق، وبالمحاورات والمجادلات، وبأحوال التفوض البشرية فى حبها وبغضها، وعسرها ويسره)، وخيرها وشرها، وعطائها ومنعها وسرها وعلافيتها، ورضاها وغضبها، وحزنها وسرورها ... أسأل الله تعالى - أن ينفعنا بهدى كتابه، وأن يجعله شفيعا لنا يوم نلقاه وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم؟ محمد السيد طنطاوى الأستاذ بكلية أصول الدين جامعة الأزهر رقم الإيداع ٢٩٠١ / ١٩٨٤